قال سيبويه: (وإن شئت قلت: هل تأتيني أم تحدثني، وهل عندك برُّ أم شعير؛ على كلامين، وكذلك سائر حروف الاستفهام التي ذكرنا، وعلى هذا قالوا: هل تأتينا أم هل تحدثنا).
ومعنى قوله: (على كلامين) يريد أن الكلام جملتان: جملة تامة بعد (هل) وجملة
بعد (أم)، وليس الفعل الذي بعد (أم) معطوفًا على الفعل الذي بعد (هل) كما قالوا ذلك في الفعل، لأن (أم) إذا عطفت ما بعدها من اسم أو فعل على ما قبلها، إنما تعطف إذا كانت ألف الاستفهام في صدر الكلام، وكانت هي عاطفة على ما بعد الألف، فإن كان في أول الكلام حرف سوى الألف من حروف الاستفهام، لم تكن (أم) عاطفة على ما بعده، فلذلك جعل هذا الكلام جملتين.
قال الجحّاف بن حكيم السلمي:
(أبا مالكٍ هل لمْتني مذْ حضَضْتَني على القتلِ أم هل لامني لك لائمُ)
ألم أُفنكُم قتلًاْ وأجدَعْ أنوفكُم بفتيانِ قيسٍ والأنوفِ الصّوارِمِ
ويروى: أو هل لامني. و(أو) تكون عاطفة على ما بعد (هلّ) وغيرها من حروف الاستفهام، كما تكون عاطفة على ما بعد الألف. فمن قال: (أو هل)
[ ٢ / ٥١ ]
جعل الكلام كلامًا واحدًا، وأعاد (هل) على طريق التوكيد، ومن قال (أم هل) فإنه استأنف الاستفهام بها، ودخل الكلام معنى الانصراف عن الأول.
وأبو مالك هو الأخطل، وكان الأخطل لقي الجحاف بن حكيم عند عبد الملك بن مروان، فقال له:
ألا سائلِ الجحّافَ هل هو ثائرُ بِقَتْلَى أُصيبَتْ من سُلَيمٍْ وعامرِ
فخرج الجحاف مغضبًا، وجمع جمعًا لبني تغلب، وأظهر أنه قد ولاه عبد الملك صدقانهم، ثم أغار عليهم بالبِشْر فأثخن فيهم. وحديثه معهم مشهور. فلما اجتمع الجحاف مع الأخطل بعد الوقعة عند عبد الملك، قال له الجحاف: هل لمتني على تفريطي في قتل بني تغلب؟ يريد أنه لم يكن منه تفريط فيُلام. وهذا على طريق الهزء بالأخطل.