قال سيبويه: ومن ذلك قول العرب: قد مررت بالرجل أن طويلا وأن قصيرا، وامرر بأبيهم أفضل أن زيدا وأن عمرا، ومررت برجل قبل أن زيدا وأن عمرا، لا يكون في هذا إلا النصب، لأنك لا تستطيع أن تحمل الطويل والقصير على غير الأول، ولا زيدا ولا عمرا على غير الأول.
المعنى في هذا إنه لا يسوغ أن تجعل الاسم الظاهر بعد إن على وجهين كما تقدم
في الباب، في قوله: المرء مجزي بعمله أن خيرا فخير: أن نصبت خيرا فقد جعلت الفاعل مضمرا في الفعل المحذوف الذي يقدر بعد أن. كأنه قال: أن كان عمله خيرا.
وإن قدرت الفعل المحذوف
[ ١ / ٢٧ ]
فارغا من ضمير، جعلت هذا الظاهر هو الفاعل، فتقدير: أن كان في عمله خير، فترفع (خير) بكان المضمرة، وتحذف الخبر. وهذان الوجهان سائغان في المواضع التي يسوغ فيها هذا التقدير. وإن كان الفعل المقدر بعد أن لا يكون فاعله إلا مضمرا فيه؛ لم يجز في الظاهر إلا النصب. وهذا شيء يقتضيه معنى الكلام.
ونحو ذلك: لا تقربن الأمير أن راضيا وأن غضبان، ولا يسوغ في مثل هذا أن نقول: أن راض وإن غضبان، على تقدير: أن كان فيه راض وإن كان فيه غضبان، وهذا محال.
وذكر سيبويه أشياء من هذا المعنى.
وقال النابغة الذبياني:
عيَّرتَني النسبَ الكريمَ وإنما ظَفَرُ المَفاخر أن تُعَدَّ كريما
(حَدَبَتْ عليّ بطونُضِنَّةَ طلُّها أن ظالما فيهم زإنْ مظلوما)
الشاهد في البيت إنه قدر: أن كنت ظالما وأن كنت مظلوما، وهذا الذي أوجبه المعنى، ولا يسوغ: أن ظالم وأن مظلوم، على: أن كان فيهم ظالم وان كان فيهم مظلوم؛ لأنه لا معنى لهذا الكلام.
وسبب هذا الشعر أن يزيد بن سنان بن أبي حارثة المري كان يقول:
[ ١ / ٢٨ ]
أن النابغة وأهل بيته من قضاعة ثم من بني عذرة من بني ضنة، فقال النابغة: هؤلاء الذين نسبتني إليهم قوم كرام، ولو كنت منهم لم تكن علي غضاضة، وإنما سعادة الإنسان أن يكون آباؤه كراما، لهم مفاخر وأيام حسنة، ومن أي الكرام كان فقد بلغ
ما يريده.
وحدبت: عطف وتحننت، وبطون ضنة: قبائلها. يقول: عطفت علي ضنة كلها إن كنت فيهم ظالما وأن كنت مظلوما يريد إنه لو كان منهم لنصروه وتحدبوا عليه.