صاحبها
قال سيبويه: وقد جاء في الشعر حسنة وجهها، شبهوه بحسنة الوجه، وذلك رديء. قال الشماخ:
أَمِنْ دِمنَتَين عرَّجَ الرّكبُ فيهما بحقل الرُّخامَى قد عفا طللاهما
(أَقامتْ على رَبْعَيهما جارتا صَفا كَميْتا الأعالي جَوْنَتا مُصْطلاهما)
ويروى: عرس الركب فيهما، ويروى: قد أنى لبلاهما.
[ ١ / ٧ ]
الشاهد في البيت على أن الشاعر أضاف (جونتا) إلى (مصطلاهما). وجونتا صفة لـ (جارتا صفا) و(المصطلى) مضاف إلى (الجارتين) والإضافة لا تقع في باب حسن الوجه إلا بعد أن تجعل الذي كان فاعلا مفعولا من طريق اللفظ، وتنقل ضميره المجرور إلى أن يجعل فاعل للصفة التي تجري عليه. فإن لم ينقل الضمير عن موضعه، لم يكن للصفة فاعل، وإذا لم يكن لها فاعل، لم يجز أن
يكون السبب إلا فاعلا.
ونظير ما ذكرته لك أنك تقول: جاءني امرأتان قائم غلاماهما، الفعل للغلامين، وجعلت اسم الفاعل لـ (المرأتان) وهما من سببهما، (فلذلك جاز أن توصفا بشيء لم تفعلاه من فعل سببهما). وليس يجوز في الغلامين إلا الرفع لأن قائما لابد له من فاعل، وليس فاعل سوى الغلامين فإذا أرادوا أن يجعلوا القيام فعلا للمرأتين من طريق اللفظ؛ والمعنى باق على ما كان عليه، جاءوا إلى الضمير المجرور الذي هو ضمير المرأتين وقد أضيف الغلامان إليه؛ فجعلوه فاعلا للقيام على طريق الاتساع، ونصبوا الغلامين بقائم على طريق التشبيه باسم الفاعل الذي يتعمل في المفعول فقالوا: جاءتني امرأتان قائمتان الغلامين، وغلامين، بغير ألف ولام، كما تقول: جاءتني امرأتان ضاربتان الرجلين، ويجوز فيها الإضافة فتقول: جاءتني امرأتان قائمتا غلامين، وقائمتا الغلامين.
والإضافة إنما تسوغ بعد أن يسقل الفعل إلى الأول الموصوف، ويجعل ضميره الذي كان مجرورا فاعلا، ويجعل سبب الموصوف الذي كان فاعلا مفعولا ثم يضاف، فالإضافة داخلة عليه بعد دخول النصب فيه، والنصب لا يجوز فيه إلا بعد أن ينقل الضمير الذي كان يرجع إلى الموصوف فيجعل فاعلا. ونظيره في المسألة التي ذكرتها، إنه لا يجوز أن تقول: جاءتني امرأتان قائمتان غلاميهما، لأن القيام للغلامين، ولا طريق إلى أن تجعل في قائمين ضميرا
[ ١ / ٨ ]
للمرأتين وهما لم تفعلا القيام، ولم تنقل ضميرهما المجرور الذي أضيف الغلامان إليه، فتجعله في تقدير فاعل للقيام. وإذا امتنع أن تقول: جاءتني امرأتان قائمتان غلامين أو الغلامين بالنصب؛ امتنع الجر، لأن الجر إنما يدخل على النصب، لأن الفاعل إذا نصب مفعوله، جازت فيه الإضافة إلى المفعول، لأن الإضافة أخف فإذا امتنع من النصب فهو من الجر أبعد.
فلذلك لا يجوز: مررت بامرأة حسنة وجهها في ضرورة، لأنك جئت بضميرها بعد أن نقلت الضمير الذي كان (الوجه) مضافا إليه فجعلته فاعلا لـ (حسن)، ثم جئت بضمير آخر فأضفت الوجه إليه. والإضافة لا تكون إلا بعد النقل، وإذا السبب مضافا كان السبب مضافا إلى ضمير الأول، لم يحسن أن يجعل - وهو فاعل في الأصل - مفعولا، ويجري هذا في كلامهم مجرى التكرير للشيء بعد ذكره.
الدمنة: الموضع الذي أثر فيه الناس بنزولهم وإقامتهم، والركب: جمع راكب، وهم أصحاب الإبل، والرخامي: شجر بعينه، والحقل: الموضع الذي نبت فيه الرخامى، والحقل: القراح، والتعريج: أن يعطفوا إلى الموضع ويقفوا فيه، وأنى: حان، أي قد حان لهما أن يبليا، والطلل: ما شخص من آثار الدار، وعفا: درس، ومعنى عرس: نزل ليلا في المكان بعد ما سار أكثر الليل.
وقوله: أمن دمنتين، يريد: أمن دمنتين؟ و(من) في صلة فعل محذوف كأنه قال: أتحزن أو أتجزع من أجل دمنتين رأيتهما فتذكرت من كان يحل بهما؟! والضمير المجرور في (ربعيهما) يعود إلى الدمنتين، والصفا: الجبل في هذا الموضع، وجارتاه: حجران يجعلان تحت القدر وهما الاثفبتان، وتسند القدر إلى الجبل، فيقوم الجبل مقام حجر ثالث فيكون
[ ١ / ٩ ]
تحت القدر، والربع: الدار.
يريد: أقامت الاثفيتان اللتان تقربان من الجبل في ربع الدمنة. والذي يوجبه معنى الشعر، إنه ليس يعني أثفيتين اثنتين، لأنه ذكر دمنتين ثم قال: أقامت على ربعيهما، وليس أن في الربعين اثفيتين في كل ربع اثفية؛ وإنما يريد أن في كل ربع من هذين اثفيتين.
والأعالي: أعالي الأثافي. يريد: أن أعالي الأثافي أقمن شديدة الحمرة، قد اكماتت من ارتفاع النار إليها، والجون: الأسود، والجونة: السوداء يريد أن أسافل الأثافي
قد اسودت من اتقاد النار بينها، وأعاليها قد احمرت من ارتفاع النار إليها. والمصطلى: موضع اتقاد النار، و(كميتا) وصف للجارتين، و(وجونتا) وصف للجارتين أيضا.
وقد رد هذا الاستشهاد على سيبويه، وزعم الراد أن الضمير الذي أضيف المصطلى إليه ليس بعائد إلى الموصوف، بل هو عائد إلى غيره، ومثلوا ذلك بداءتني امرأتان حسنتا الغلامين كريمتاهما فالضمير المضاف (كريمتا) إليه هو ضمير الغلامين ليس بضمير المرأتين، وهذا لا يشبه: مررت بامرأة حسنة وجهيها. وعندهم أن الضمير الذي أضيف المصطلى إليه يعود إلى الأعالي.
فقيل لهم: ينبغي على ادعائكم أن يقال: كميتا الأعالي جونتا مصطلاها،
[ ١ / ١٠ ]
لأن الأعالي جمع. فأجابوا عن هذا بأن قالوا: الأعالي في معنى الاعليين، كما قال الله ﷿: (فقد صغت قلوبكما) وهو يريد قلبين. وهذا الذي تأولوه يضعف في المعنى، لأن الأعالي هي أعلى هاتين الاثفيتين، والمصطلى: الموضع الذي تصيبه النار من الاثفيتين، والاثفيتان لهما مصطلى وأعال، والأعالي لا مصطلى لها، ومثل هذا أنا نقول: أسفل الاثفيتين، وأعلى الاثفيتين، وأوسط الاثفيتين، وهذه مواضع الاثفيتين يضاف لكل كل واحد منها إليها. ولو قلنا: أوسط الأعلى وأسفل الأعلى وأوسط الاسفل، لم يحسن كحسن ما ذكرنا وأن كان على وجه المجاز.