قال سيبويه في: باب حروف أجريت مجرى حروف الاستفهام، وهي حروف النفي شبهوها بألف الاستفهام. . . وكذلك إذا قلت: ما زيدا أنا ضاربه، إذا لم تجعله اسما معروفا.
يريد بقوله: (إذا لم تجعله اسما معروفا) أن (ضاربه) في معنى الانفصال يراد به الفعل، كأنه قال: ضارب إياه.
قال هدبة بن الخشرم:
أَلا يا لَقَومٍ لِلنوائب والدَّهرِ ولِلْمَرءِ يُردي نفسه وهو لا يدري
وللأرض كمْ من صالح قد تَوَدَّأَتْ عليه، فوارَتْهُ بِلَمّاعَةٍ قَفْرِ
[ ١ / ٥٨ ]
فلا ذا جلالٍ هِبْنَهُ لجِلالِهِ ولاذا ضَياعٍ هُنَّ يَتْرُكْنَ للفَقرِ
الشاهد في نصب (ذا جلال) بإضمار فعل يفسره (هبنه) كأنه قال: فلا هبن ذا
جلال هبنه) و(ذا ضياع) ينتصب بـ (يتركن) لأن (يتركن) لم يشتغل بضمير الاسم المتقدم، والضمير المؤنث في (هبنه) وفي (يتركن) يعود إلى (النوائب) المذكورة في البيت الأول. والضياع: هو أن يترك الإنسان لا يلتفت إليه لفقره ومسكنته.
ومعنى يردي: يهلك. يقول: الإنسان يسعى في هلاك نفسه من حيث لا يشعر، و(النوائب) في صلة فعل محذوف، كأنه قال: اعجبوا للنوائب وللأرض كم من صالح قد تودأت عليه: أي استوت عليه. ويروى: تهكمت عليه، أي وقعت عليه. واللماعة: الأرض المنبسطة التي يلمع فيها السراب.
يقول: المنايا لا تغفل عن أحد، غنيا كان أو فقيرا.
وقال زهير:
(لا الدارَ غَيَّرها بُعْدُ الأنيسِ ولا بالدارِ لو كَلمتْ ذا حاجةٍ صَمَمُ)
[ ١ / ٥٩ ]
الشاهد في إنه نصب (الدار) بفعل يفسره (غيرها) كأنه قال: لا غير الدار غيرها. يقول لم يغير الدار عما اعرفها به بعد الأنيس عنها، غيرتها الأمطار والأرواح مع بعد الأنيس عنها.
ويروى:
لا الدارَ غَيَّرها بَعدي الأنيسُ
يريد: لم يغير الدار قوم نزلوا فيها بعدي فتتغير عما اعرفه منها، ولا بها صمم لو كلمت. يريد إنه وقف في الموضع الذي لو كانت الدار تسمع لسمعت منه كلامه، فلم تجب ولم تتكلم.
وقال جرير:
(فلا حسبًا فَخَرْتَ بهِ لِتَيْمٍ ولا جَدَّا إذا ازدحم الجُدودُ)
يهجو جرير بهذا عمر بن لجأ التيمي. والشاهد على أن حسبا) منصوب بإضمار
فعل يفسره (فخرت به) كأنه قال: فلا ذكرت حسبا فخرت به. (ولا جدا) معطوف على (حسبا) وهو بمنزلة قولك: أزيدا مررت به؟ تضمر لزيد فعلا يتعدى بغير حرف جر، كأنه قال: أجرت زيدا مررت به؟
والجد: الحظ، والحسب: الكرم وشرف الإنسان في نفسه وأخلاقه. يقول: ما ذكرت لتيم شيئا تفجر به؛ لأنك لم تجد لها شيئا تذكره، ولا كان لها حظ في علو المرتبة والذكر الجميل.
[ ١ / ٦٠ ]