قال سيبويه: ومثل قولهم: من كان أخاك؛ قول العرب: ما جاءت حاجتك؟. يريد إنه مثله، لأن (من) مبتدأ، وفي (كان) ضمير ممن هو اسم كان، و(أخاك) خبر كان. وكذا: ما جاءت حاجتك: (ما) مبتدأ وفي (جاءت) ضمير يعود إلى (ما) و(حاجتك) خبر (جاءت)، و(جاءت) في الكلام بمنزلة صارت.
وقال سيبويه: ولكنه أدخل التأنيث على (ما) حيث صارت (الحاجة). يريد أن القياس أن تقول: ما جاء حاجتك، لأن (ما) اسم مذكر مبهم، يقع على كل شيء سوى ما يعقل، وينبغي أن يكون فعله مستعملا على لفظ التذكير والأفراد لأن (ما) مذكر مفرد، وإن كان يقع على أشياء مختلفة: من مذكر ومؤنث واثنين وجماعة. وفي (جاء) ضمير يعود إلى (ما) فكان ينبغي أن يقول: ما جاء حاجتك ولكنهم أنثوا الفعل وإن كان فاعله ضمير مذكر، لأن الخبر مؤنث، والخبر اسم هو الاسم،
فلما كان الخبر هو الاسم والخبر مؤنث؛ أنثوا الفعل لأجل خبره، لأن الاسم والخبر لشيء واحد، وألزموا (جاءت) علامة التأنيث لأنه كالمثل، ثم ساق سيبويه كلامه في هذا المعنى حتى انتهى إلى قوله: ومثل قولهم: ما جاءت حاجتك - إذ صارت تقع على مؤنث - قراءة بعض القراء:
[ ١ / ٤٠ ]
(ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ إلا أن قالوا).
معنى قوله: تقع على مؤنث، أن (جاءت) تنصب مؤنثا هو (حاجتك) وأنث (تكن) لأجل تأنيث خبرها وهو (فتنتهم)، و(إن قالوا) بمنزلة القول، فهو في تقدير: ولم تكن فتنتهم إلا القول.
وقوله: (تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السّيَّارة) ليس من باب كان ولكنه شاهد على أن الشيء المذكر قد يؤنث إذا كان المذكر بعضا لذلك، وبعض السيارة سيارة فأنث لهذا، كما تقول: تلتقطه السيارة.
قال: وربما قالوا في الكلام: ذهبت بعض أصابعه فأنث على (الأصابع). وهذا لا يستعمل إلا في شيء يكون المذكر فيه بعض المؤنث. وقال الأعشى:
أَئِنْ كُنْتَ في جُبٍ ثمانينَ قامَةً وَرُقَّيتَ أَسبابَ السّماءِ بسُلَّمِ
لَيَستدْرِجَنْكَ القَوْلُ حتى تَهِرَّهُ وتعلَم أني لستُ عنك بِمحرمِ
(وتَشْرَقَ بالقَوْلِ الذي قد أّذّعْتَهُ كما شَرِقَتْ صدرُ القَناةِ من الدّمِ)
[ ١ / ٤١ ]
يخاطب الأعشى بهذا الشعر عمير بن عبد الله بن المنذر بن عبدان، وهو من بني تغلب. يقول له: لا تعتصم من هجائي بشيْ. ولا يمكنك دفعه، وإن جعلت في قرر الأرض، وأصعد بك إلى السماء ليلحقك من هجائي ما لا تطيقه.
والجب: البئر القديمة، ووصفها بأن طولها ثمانون قامة. وأسباب السماء: المواضع التي يوصل إلى السماء منها، أراد ورقيت إلى أسباب السماء، فحذف حرف الجر، وعدى الفعل إلى الأسباب.
ولم يرد: لئن كنت في جب ورقيت أسباب السماء في حالة واحدة؛ وإنما يريد: لئن
كنت في جب في حال، ولئن رقيت في حال أخرى ولم يمكنه أن يقول أو رقيت لأجل الشعر.
والاستدراج: العمل في إيقاع الإنسان في بلية ما كان يشعر بها، وتهره: تكرهه، وأراد القول. والمحرم: الداخل في الشهر الحرام، وهو الداخل في البلد الحرام، وهو المحرم بالحج: وهو الذي له حرمة وذمام.
يقول: لست أمتنع من هجاءك في حال من الأحوال، كما يمتنع الذي يدخل في الشهر الحرام أو البلد الحرام؛ أن يقاتل إنسانا أو يؤذيه.
و(تشرق) منصوب معطوف على (تهرة) ومعنى تشرق ينقطع في حلقك، يريد إنه ينقطع كلامك حتى لا تقدر على أن تتكلم؛ بما تسمعه من هجائي لك، كما شرقت صدر القناة. يريد أن الدم إذا وقع على صدر القناة وكثر عليها؛ لم يتجاوز الصدر إلى غيره لأنه يجمد عليه. فأراد أن كلامه يقف في حلقة كما يقف الدم على صدر القناة فلا يذهب.
والشاهد إنه أنث (شرقت) والفعل للصدر، لأنه مضاف إلى القناة وهو بعضها.
[ ١ / ٤٢ ]
قال سيبويه: ومثله لجرير:
وَلِيتُمْ امرَنا ولَكمْ علينا فُضولٌ في الحديثِ وفي القديمِ
(إذا بعضُ السّنينَ تَعَرَّقَتْنا كَفَى الأيتامَ فَقْدَ أَبي اليَتيمِ)
يمدح هشام بن عبد الملك. والفضول: جمع فضل. أي لكم علينا افضال بعد افضال، وقوله تعرقتنا: أذهبت اموالنا، والتعرق: أصله أن يؤخذ ما علي العظم من اللحم، يقال تعرقت اللحم: أخذته عن العظم. وقوله: كفى الأيتام فقد أبي اليتيم؛ أي كفى الأيتام فقد ابيهم، لأنه يقوم للأيتام مقام آبائهم في الكفاية لهم، والحواسة والتيقظ لأحوالهم. وأراد أن يقول: فقد آبائهم فلم يمكنه فقال: أبي اليتيم.
والشاهد فيه إنه أنث (تعرقتنا) و(البعض) مذكر، لأن البعض مضاف إلى السنين
وهي مؤنثة.
وقال جرير:
(لما أَتَى خبرُ الزُّبَيْر تَواضَعَتْ سورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ)
[ ١ / ٤٣ ]
يريد لما أتى خبر قتل الزبير. وتواضعت: وقعت على الأرض، والخشع: التي قد لطئت بالأرض. والشاهد على إنه أنث (تواضعت) والسور ذكر وهو الفاعل لأنه مضاف إلى المدينة وهو بعضها.
وجرير يذكر قتل الزبير، ويردده في هجائه للفرزدق، لأن ابن جرموز قتله في أرض بني مجاشع، فهو ينسبهم إلى إنه غدر به في ارضهم، وانهم لم يدافعوا عنه.
ومن الناس من يقول أن السور جمع سورة، ويجعله مما بينه وبين واحده الهاء، والسور على هذا التأويل يصلح فيه التذكير والتأنيث، كما يكون فيما بين جمعه وبين واحده الهاء، نحو برة وبر، وتمرة وتمر.
وقال ذو الرمة:
(مَشَيْنَ كما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أَعاليها مَر الرياحِ النَّواسِمِ)
يصف نساء، والنواسم من الرياح: اللواتي: نهب هبوبا لينا ضعيفا مثل التنفس. وأراد أن النساء يتثنين ويملن من جانب إلى جانب كما تميل الرماح إذا أصابتها ريح لينة. وقوله: تسفهت أعاليها: أي استخفت الريح أعالي الرماح فحركتها.
والشاهد في البيت إنه أنث (تسفهت) وفاعله (مر). وإنما إنه لأن المر
[ ١ / ٤٤ ]
مضاف إلى الرياح وهو منها، كما ذكر في الأبيات المتقدمة.
ويروى: تسفهت أعاليها مرضى الرياح. ولا شاهد فيه على الرواية.
ويروى: رويدا كما اهتزت. يريد مشين رويدا. وأعالي الرماح: ما قرب من الموضع الذي يركب فيه السنان.