قال سيبويه في: باب الفاعلين المفعولين اللذين يفعل كل واحد منهما بفاعله مثل الذي فعل به. فأما قول امرئ القيس:
(فلو أن أَسْعى لأَدنى معيشةٍ كفاني - ولم أَطلبْ - قليلٌ من المالِ)
ولكنما أَسعى لمجدٍ مُؤثَّلٍ وقد يُدرك المجدَ المؤثَّلَ أَمثالي
فإنما رفع لأنه لم يجعل القليل مطلوبا، وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافيا. ولو لم يرد ذلك ونصب لفسد المعنى.
الشاهد فيه على أعمال الفعل الأول وهو (كفاني)، لأن قوله (قليل) قد ارتفع بـ (كفاني). ولم يجز أن يعمل الفعل الثاني وهو قوله (ولم أطلب) في (قليل)
[ ١ / ٣٠ ]
وينصبه به، لأنه لو فعل هذا فسد معنى البيت، وذلك أن (لو) المعنى الذي يشتمل عليه جوابها غير واقع، لأن المعنى الذي بعدها غير واقع، وعلة امتناع وقوع جوابها، هو أن ما بعدها لم يقع.
مثال هذا أنك تقول: لو جئتني لأكرمتك، الإكرام غير كائن لأن المجيء غير كائن، فإن المجيء وقع الإكرام.
ولو نفيت الجواب فقلت: لو جئتني لم أكرمك لصار معنى الكلام: لو وقع مجيئك انتفت كرامتي لك. فيكون المجيء سببا لامتناع الإكرام، وأنه متى جاء لم تكرمه. فعلة امتناع جوابها، هو امتناع ما بعدها.
فإذا قال قائل: أنا لو سعيت لمعيشة خسيسة كفاني قليل من المال؛ لكان الكلام صحيحا، وقد انتفى أن يكفيه قليل من المال لانتفاء طلبه معيشة خسيسة، ولو سعى لمعيشة خسيسة كفاه قليل من المال. ولو ادخل حرف النفي فقال: لو سعيت لمعيشة خسيسة ما كفاني قليل من المال لفسد الكلام. ومثال هذا كأنه قال: لو قنعت بمقدار قوتي كل يوم كفاني مقدار شبعي. (وهذا سديد من الكلام. وكل هاة إنه لا يكفيه مقدار شبعه ولا يقتنع بقوته في كل يوم.
ولو قال: لو قنعت بقوتي في كل يوم، لم أطلب مقدار شبعي في كل يوم لناقص. لأنه لو قال: متى طلبت قوتي لم يكفني شبعي) فسد الكلام. ولهذا لم يجز أن يعمل (لم أطلب) في (قليل) لأنه كان تقديره أن يكون: متى سعيت لأدنى معيشة لم
اطلب قليلا من المال، ومن سعى لأدنى معيشة طلب القليل. ومثله قولك: لو طلبت الملك طلبت مالا كثيرا، وهذا صحيح. ولو قال: لو طلبت الملك طلبت مالا قليلا؛ فسد الكلام. وقولنا: ولو طلبت الملك لم اطلب مالا كثيرا، فاسد، لأنه يكون بمنزلة من قال: لو طلبت الملك طلبت مالا قليلا.