قال سيبويه بعد ذكره في الباب أشياء من المنصوبات قد حذفت عواملها، لدلالة بعض الكلام عليها: أتته يا فلان أمرا قاصدا. كأنك
[ ١ / ١٤ ]
قلت: انته وائت أمرا قاصدا. ثم قال: فحذف هذا كحذفهم: ما رأيت كاليوم رجلا. ومثل ذلك قول القطامي
كأَنَّ نُسوعَ رَحْلي حينَ ضَمَّتْ جوالِبَ غُرَّزا وَمعي جِياعا
على وَحْشِيَّةٍ خَذَلَتْ خَلوجٍ وكان لها طَلًا طفلٌ فضاعا
فَكَرَّتْ تَبْتَغيهِ فَوافَقَتْهُ على دَمِه ومَصرَعهِ السَباعا
هذا إنشاد سيبويه، والشاهد فيه إنه نصب (الباع) بإضمار: وافقت السباع على
مصرعه، وإنما حذفه لدلالة (وافقته) على ما تقدم من البيت.
وأنشد غير سيبويه:
فكرت عند فيقتها إليه فألفت عند مصرعه السباعا
النسوع: حبال من أدم، وقوله حين ضمت يريد: حين شدت على حوالب ناقتي، والحوالب: عروق الضرع، والغرز: جمع غارز وهي التي لا لبن لها، ومعي جياعا: أراد بالمعي الأمعاء، ولذلك وصفها بالجمع، وقوله: (على وحشية)
[ ١ / ١٥ ]
خبر كأن، والوحشية: بقرة، أراد على بقرة وحشية. يقول: كأن نسوع رحلي حين شددت بها راحلتي قد شددتها على بقرة وحيشة، يعني أن راحلته تسرع في سيرها كما تسرع في سيرها كما تسرع البقرة الوحشية في عدوها.
ومعنى خذلت: تأخرت عن جماعة البقر، والخلوج: التي اختلج منها ولدها، أخذ منها، فهي تعود تبتغي ولدها فصادفت السباع قد أكلته، وإنما ذكر أنها خذلت وأنها تبتغي ولدها؛ ليعظم أمر عدوها واجتهادها في شدته، لأنها تعدو حتى تدرك ولدها. والطلا ولد الظبية والبقرة، والفيقة اجتماع اللبن. يريد أنه لما اجتمع اللبن؛ طلبت ولدها لترضعه بما اجتمع منه.