قال سيبويه:: اعلم أن كل مضاف إلى معرفة وكان للنكرة صفة، فإنه إذا كان موصوفا أو وصفا أو خبرا أو مبتدأ - بمنزلة النكرة المفردة. يريد أن المضاف إضافة غير محضة، هو في تقدير الانفصال نحو أسماء الفاعلين إذا أريد بها الحال أو الاستقبال، ونحو إضافة (حسن الوجه) وما أشبه ذلك بمنزلة نكرة غير مضافة إلى شيء. والنكرة المفردة غير المضافة توصف بنكرة، وتقع صفة لنكرة، وتقع خبرا عن معرفة ونكرة، وتقع مبتدأة.
[ ١ / ٣٧٤ ]
كقولك: له عندي درهم.
والنكرة المضافة التي لم تتعرف تقع في جميع هذه المواقع، قال جرير:
(ظَلِلْنا بُمسْتَنَّ الحرورٍ كأننا لدى فَرَسٍ مستقبلِ الريح صائمِ)
أغر من البُلْقِ العِتاقِ يَشُفه أذى البَقّ إلا ما احتمى بالقوائمِ
الشاهد فيه على إنه وصف (مستقبل الريح) بـ (صائم) و(مستقبل الريح) مضاف إلى معرفة لم يتعرف بها فهو في حكم نكرة غير مضافة، ولذلك نعت بـ (صائم).
ومستن الحرور: الموضع الذي تجري فيه الريح الحارة، والحرور: الريح الحارة، والصائم: الواقف. وأراد أنهم ظلوا نازلين نصف النهار في يوم شديد الحر في فلاة، وأنهم حين نزلوا مدوا ثوبا وشدوه بسيوفهم وقسبهم، وجلسوا تحته يستظلون به، فكلما دخلت الريح فيه تحرك واضطرب. فكأنه فرس قائم، كلما قرصه البق رفع قوائمه ليذب عن نفسه ويطير البق، ويسفه: يؤذيه.
شبه تحرك الثياب التي شدوها، ويتحرك الفرس الذاب عن نفسه البق وهو قائم. واحتمى: امتنع، و(أغر) وصف للفرس. وإنما جعله ابلق؛ لأن الثياب التي نصبوها وشدوها هي ألوان، فلذلك جعل الفرس أبلق.
قال سيبويه في الباب المتقدم، قال جرير:
[ ١ / ٣٧٥ ]
(يا رُب غابطنا لو كان يطلبُكُمْ لاقَى مباعدةً منكم وحِرمانا)
الشاهد فيه على أن (غابطنا) بمنزلة نكرة مفردة، وأن هذه الإضافة لم تعرفه، يريد يا رب غابط لنا.
يقول: يا رب إنسان يغبطني على محبتي لك، ويظن أنك تجازينني بها، ولو كان مكاني للاقى كما لاقيته من المباعدة وحرمان ما يلتمسه. والمعنى واضح.
وقال أبو محجن:
(يا ربَّ مثلكِ في النساء غريرةٍ بيضاَء قد متَّعْتُها بطَلاقِ)
الشاهد إنه جعل (مثلك) - وهو مضاف إلى معرفة - في معنى نكرة مفردة، وجعله بمنزلة المضاف الذي فيه معنى الانفصال فأدخل عليه (رب).
والغريرة: التي هي في غرة من العيش، لم تلق بؤسا ولا شدة في عيشها، قد متعهابطلاق: جعلت تمتيعي لها الطلاق لأني لم ارض خلقها وطريقها، فلم اصبر على قبح فعلها وأن كانت حسنة الوجه.
[ ١ / ٣٧٦ ]