قال سيبويه: (وتقول: ما أدري هل تأتينا أو تحدثنا، وليت شعري هل تأتينا أو تحدثنا، فـ (هل) هاهنا بمنزلتها في الاستفهام إذا قلت هل تأتينا أو تحدثنا). وإنما يريد أن (أو) يُعطف بها في هذه المواضع، لأنه قد يجوز الاقتصار على الكلام الأول لو قلت: ليتَ شعري هل تأتينا، جاز.
وقول سيبويه (فهل هاهنا بمنزلتها في الاستفهام) يريد أنك إذا استفهمت فقلت: هل تأتيني أو تحدثني، عطفت بـ (أو)، وأم لا تكون
[ ٢ / ١١٦ ]
عاطفة لما بعدها - من اسم أو فعل - على ما قبلها، وإنما تكون (أم) عاطفة على ما بعد الألف، ولا يكون هذا في (هل).
ثم قال سيبويه: (فإنما دخلت (هل) هاهنا، لأنك إنما تقول: أعلمني، كما أردت ذلك حين قلت: هل تأتينا أو تحدثنا).
يريد: إنما تأتي بقولك (ليت شعري) وبعده (هل تأتينا) لأنك تريد: ليت علمي بالشيء الذي أستفهم عنه - إذا أردتُ استعلامه بقولي: هل تأتينا أو تحدثنا - واقعُ أو كائنْ وما أشبه ذلك. وهذا كثير في الكلام. ومثله: أعلمُ هل قام زيد، أي أعلم الشيء الذي تعلمه إذا استعلمت بقولك: هل قام زيد.
ثم قال سيبويه: (فجرى هذا مجرى قوله ﷿ (هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون). وقال زهير:
(ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى من الأَمرِ أو يبدو لهم ما بدا ليا)
[ ٢ / ١١٧ ]
يبدو: يظهر. يقول: ليت شعري، هل يرى الناس - من أحوال الدنياْ وتغيرها، وزوال النعم عن الملوك - ما أراه أنا. وأرى: من رؤية القلب.
وقوله: ما أرى من الأمر (ما) بمعنى الذي، والعائد إليه ضمير محذوف هو المفعول الأول، تقديره: ما أراه من الأمر. يريد من أمور الدنياْ وأحوالها. والمفعول الثاني في قوله: (هل يرى الناس) محذوف، كأنه قال: هل يرى الناس من الأمور ما أراه منها؟ فاكتفى بالمفعول الثاني في قوله: (ما أرى من الأَمر) عن ذكر المفعول الثاني في الفعل الأول.
أو يبدو لهم ما بدا ليا: أي يظهر لهم من معرفة الدنيا ما يظهر لي.
وقال مالك بن الريب:
(ألا ليت شِعري هل تغيرتِ الرَّحَى رَحَى الحَزْنِ أو أضْحَتْ بْفَلجٍ كما هيا)
الحَزْن: موضع. ويروى: رَحَى المِثْل.
والرَّحَى: موضع عال فيه استدارة، وفَلج: موضع بعينه، والحَزْن: موضع بعينه. والحزن: المكان الغليظ، فأراد الحزن الذي عند فَلج، فلذلك قال: أو أضْحَتْ بْفَلج. وفي (أضْحَتْ) ضمير يعود إلى الرحى.
[ ٢ / ١١٨ ]