قال سيبويه في أبواب (إنّ): (وزعم الخليل أن مثل ذلك قوله ﷿: (ألم يعلموا أنه من يحادد اللهَ ورسوله فإنَّ له نار جهنم).
[ ٢ / ١٢٠ ]
قدم سيبويه قبل هذه الحكاية عن الخليل، أنّ (أنّ) قد تكون بدلًا في قوله تعالى: (أيَعِدُكم إذا مِتّمْ وكنتم ترابًا وعظامًا أنكم مخرجون).
ذكر أن (أنكم) الثاني بدل من (أنكم) الأول، وذكر مسائل فيها مثل هذا الحكم. ثم قال: وزعم أن مثل ذلك - يريد: مثل مجيء (أنّ) المفتوحة المشددة بعد تقدم (أنّ) المشددة التي هي مثلها - قوله تعالى: (ألم يعلموا أنه من يحادد اللهَ ورسوله فأنّ له نار جهنم). وليس يريد أن قوله تعالى: (فإنّ له نار جهنم) بدل من قوله (إنه من يحادد اللهَ) وإنما يريد أنّ (أنّ) جاءت مفتوحة بعد (أنّ) المفتوحة التي تقدمتها من قبل أن يتم الكلام الذي فيه (أنّ) الأولى.
ولا يجوز أن تكون (أنّ) في هذه الآية بدلًا، لأن الفاء فيها، ولا تكون (أنّ) التي بعد الفاء بدلًا من (أنّ) التي قبلها، لأنها لو كانت بدلًا، ما دخلت الفاء عليها. ومع هذا (أنّ) التي تكون بدلًا، يكون اسمها هو اسم (أنّ) التي قبلها، وهنا: (فإنّ له نار جهنم) ليس من هذا في شيء.
وإنما أتى به سيبويه لأجل أنّ (أنّ) مفتوحة بعد فتح (أنّ) الأولى من قبل أن يتم الكلام الذي فيه (أنّ) الأولى. و(أنّ) التي بعد الفاء، في موضع رفع بالابتداءْ وخبرها محذوفْ وتقديره: فله أنّ له نار جهنم.
[ ٢ / ١٢١ ]
ثم قال سيبويه: (ولو قال (فإنّ) كانت عربية جيدة). يريدْ ولو قال: فإنّ له نار جهنم، بالكسر.
وجودة هذا الوجه واضحة، لأن الفاءْ ومل بعدها جواب الشرط، وهو في حكم كلام مستأنف، والفاء في جواب الشرط تدخل على المبتدأْ وخبره، كقولك: إن تأتني فأنت محسن، و(إنّ) المكسورة تدخل في الموضع الذي يدخل فيه الابتداء.
وأنشد لابن مقبل:
وعِلمي بأَسدامِ المياهِ فلم تَزَلْ قلائصُ تُحدَى في طريقٍ طلائحُ
(وأني إذا ملتْ رِكابي مُناخَها فإني على حظي من الأمرِ جامحُ)
الشاهد فيه كسر (إنّ) التي بعد الفاء.
واسدام المياه: جمع سُدُمْ وهو الماء المندفن، والطلائح: المُعيية، الواحدة طليح.
و(عِلمي) معطوف على شيء قبله، ويجوز أن يكون مبتدأْ وخبره محذوف كأنه قال: وعِلمي بأسدام المياه علم بيِّن لا لبس فيه.
[ ٢ / ١٢٢ ]
يريد أنه يعرف الفلوات، ومجاهيل الأرض، والمياه المندفنة، لكثرة أسفاره.
وقوله: فلم تَزَلْ قلائصُ، يريد قلائصه التي يسير عليها، تحدى: يحدوها هو. و(أني إذا ملت رِكابي) معطوف على ما عملت فيه الباء من قوله (بأسدام المياه) كأنه قال: علمي بأسدام المياهْ وبأني إذا ملت ركابي.
والركاب: الإبل، ومُناخها: الموضع الذي أنيخت فيه. يريد أن إبله إذا كرهت المقام في موضع رحلت عنه، وجعل كراهته للمقام في موضع، كأنه كراهة لإبله. يريد أنه يفعل ما عنده أنه صواب.
والجامح: الممتنع يريد أنه يمتنع من فعل ما لا يرى أنه صواب. وقد فسرتُ الشعر على ما وجدته في الكتاب.
وفي ديوان ابن مقبل:
نبا ما نبا عني من الدهر ماجِدًا أُكارمُ مَن آخيتهْ واُسامحُ
وإني إذا ملت ركابي مُناخَها ركبتُ ولم تعجِزُ عليّ المنادحُ
وإني إذا ضنّ الرَّفودُ برِفده لمُخْتبِطُ من تالد المال جازحُ
وعاودتُ أسدامَ المياهِ فلم تزَلْ قلائصُ تحتي في طريقٍ طلائحُ
[ ٢ / ١٢٣ ]
نبا ما نبا عني من الدهر: يريد أنه ذهب عنه من الدهر ما ذهبْ وهو ماجدْ
والمنادحُ: جمع مُنْتدحْ وهو المتسع من الأرض، والرَّفودُ: الذي يعطي الناسْ ويزيدهم، والمُخْتبِطُ: الطالبْ والسائل، وأصله الرجل الذي يخبط الشجر، يضربها ليسقط ورقها فيُعلفه إبله. وتالد المال: قديمه، والجازحُ: القاطع قطعة من المال، يقال: جزحت له من المال جَزحًا أي قطعت، وعاودتُ أسدامَ المياهِ: قصدتها في سفري مرة بعد مرة.
واعلمْ أن خلاف الإنشاد إذا وقع في مثل ذا الموقع، لا ينبغي أن ينسبه أحد إلى اضطراب سيبويه، وإنما الرواية تختلف في الإنشاد، ويسمعه سيبويه ينشد على بعض الروايات التي له فيها حجة، فينشده على ما سمعه. ويرويه راوٍ آخر على وجه آخر لا حجة فيه، والرواة المختلفون إنما أخذوه من أفواه العرب الذين يحفظون الأشعار فالتغيير في الإنشاد واقع من جهتهم.
والشواهد - في كل رواية صحيحة، لأن العربي الذي غيّر الشعر - وأنشده على وجه دون وجه قوله حجة، ولو كان الشعر له لكان يحتج به. ألا ترى أن الحطيئة راوية زهير، وكثيرًا راوية جميل. . . والراويْ والمروي عنه كلاهما حجة.