قال سيبويه: وتقول: (كأنك لم تأتنا فتحدثنا) تقديره:
[ ٢ / ١٤٥ ]
كأنه لم يكن منك إتيان فحديث. قال رجل من دارم:
(كأنك لم تذبح لأهلك نعجةً فيصبحَ ملقىً بالفناء إهابُها)
إهابُها: جلدها. والشاهد فيه نصب (فيصبحَ) وجعل (فيصبحَ) جوابًا للأول، كأنه قال: كأنك لم يكن من شأنك أنك متى ذبحت، ألقيت إهابُها بفنائك.
وسبب هذا الشعر، أن أبا بدر اليربوعي قتل، وادّعى الأحوص اليربوعي قتله على بني دارم. وقال:
سيأتي الذي أحدثتمُ في صديقكُمْ رِفاقًا من الآفاق شتى مآبُها
خطاطيفُ ليسوا مصلحين عشيرةً ولا ناعبًا إلا بشؤمٍ غرابُها
فأجابه سويد بن الطويلة:
ليبكِ أبا بدرٍ حمارُ وثلةُ وساليةُ راثت، عليها وِطابُها
[ ٢ / ١٤٦ ]
كأنك لم تذبحْ لأهلك نعجةً فيصبحَ ملقىً بالفِناء إهابُها
يهجو أبا بدرْ ويقول: إنه كان صاحبَ قطيع من غنمْ وفيها حمار. والوِطاب: زِقاق اللبن، راثت: أبطأ عليها اللبن الذي يستخرج زبده فيعمل منه السمن.
والسالية: التي تسلأ السمن فتعمله، وقوله: (كأنك لم تذبح لأهلك نعجة) يريد أن أكثر ما يذكر من أمره، وأعلى مراتب أفعاله ذبح نعجة لأهله.
ويحكى عن شيخ من بني حنيفة أنه قال: مررت بخباء عظيم فيه عجوز، بين يديها شاب يجود بنفسه، وحولها نسوة، وهي تبكيْ وتقول:
أصعْصَعَ مالي لا أراك تجيبنا أتسمعُ نجواناك أم ليس تسمعُ
فلو كان والي الموت يَقبل فِديةً فدتكَ ثمانٍ مشفِقاتُ وأربعُ
ثم تلتفت إليهنْ وتقول: أتفعلن؟ فيقلن: اللهم نعم. ثم تقول:
كأنك لم تذبحْ لأهلكَ نعجةً وتلقِ على باب الخباء إهابَها
ولم تَجُبِ البيدَ التنائف تقتنِصْ بها جرَةٍ حسْلانَهاْ وضِبابَها
[ ٢ / ١٤٧ ]
فإن متَّ أردَى الموتُ أبناَء عامرٍ وخصَّ بني كعبْ وعمروٍ كلابَها
وإنما كتبت هذه الأبيات، لئلا يرى إنسان أن سيبويه وقع عليه غلط في رفع البيت الذي استشهد به، وليُعلم أن هذا البيت وقع في أبيات مرفوعة لشاعر، وفي أبيات منصوبة لغيره.