قال سيبويه في باب (حتى): (ويدلك على حتى أنها حرف من حروف الابتداءْ والخبر، أنك تقول: حتى إنه يفعل ذلك، كما تقول: فإذا
[ ٢ / ٨٠ ]
إنه يفعل ذلك). قال: (ومثل ذلك قول حسان بن ثابت):
أولادُ جفنةَ حولَ قبرِ أبيهِمِ قبرِ ابنِ ماريةَ الكريمِ المُفْضلِ
يُغْشَوْنَ حتى لا تَهِرُّ كلابُهُمْ لا يَسألون عن السّوادِ المُقْبلِ)
يمدح بذلك آل جفنة الغسانيين، وبلادهم الشام، ماريةَ: ذات القرطين، هي أم جفنة بن عمرو مزيقياء، يُغْشَوْنَ: يغشاهم الطالبونْ والسائلونْ ويكثرون عندهم، حتى كلابهم لكثرة ما ترى ممن لا تعرف قد أنست بجميع الناسْ وتركت النباح، لا يسألون عن السواد: أي الأشخاص المقبلة، ويقال للشخص سواد، وأصل ذلك أن الشخص إذا كان في مكان صار له ظل على الأرضْ وذلك الظل سواد، فقيل لكل شخص سواد.
والشاهد على أنه رفع (تهرّ) ولم يجعله غاية. قال سيبويه وتقول: (سرت حتى يعلم الله أني كالّ. فالفعل
[ ٢ / ٨١ ]
هاهنا منقطع من الأول، وهو في الوجه الأول الذي ارتفع فيه، متصل كاتصاله به بالفاء، كأنه قال: سيرُ فدخول).
أراد سيبويه أن الفعل المرتفع بعد (حتى) يقع على وجهين: أحدهما أن الفعل الواقع بعدها وقعْ ومضى قبل وجوب الإخبار. والوجه الآخر أن الفعل الذي قبل (حتى) قد مضى، والفعل المرفوع بعدها ثابت في حال الإخبار، ويكون الفعل المتقدم سببًا لوقوع الفعل الذي في الحال.
وسيبويه يجعل (حتى) في الوجه الأول - الذي الفعل فيه قد مضىْ وانقضى - بمنزلة الفاء، وأن الفعل الذي بعد (حتى) متصل بالفعل الذي قبل (حتى) وقد مضيا جميعًا. والثاني بعد الأول متصل به كاتصال ما بعد الفاء في العطف بما قبلها.
وقال علقمة بن عبدة:
فأورَدَها ماءً كأنّ جِمامَه من الأجْن حِنّاءُ معًا وصَبيبُ
تُرادَى على دْمنِ الحِياض فإن تَعَفْ فإن المُنَدَى رحلةُ فرُكوبُ)
الشاهد فيه أنه عطف ركوبًا على (رحلة) بالفاء. وجعل الركوب متصلًا بالرحلة.
وهو مثل قولهم: سرت حتى أدخلها، إذا كان السيرْ والدخول قد
[ ٢ / ٨٢ ]
وقعا جميعًا فيما مضى، والدخول متصل بالسير، كأنه قال: سرت فدخلت، وإنما استعمل المستقبل في هذا الموضع على حكاية الحال الماضية، وهي بمعنى: سرت حتى دخلتها.
قوله: فأورَدَها: يعني راحلته، والجمام: جمع جُمة، وهو الماء المجتمع في البئر، والواحد جُمّةْ وهو الماء المجتمع. والأجْن: تغير الماءْ واصفراره، والصبيب: شجر يصبغ به، وقيل: إنه تخضب به الرؤوس. شبه لون الماء بلون الحناءْ والصبيب. وتُرادَى: تُراود، أي يعرض عليها الماء مرة بعد مرة، حتى تشرب من هذا الماء المتغير.
فإن تعف: أي تأبى نفسها أن تشرب منه - يقال: عِفت أعاف - فإني أجعل مكان التندية أن أشد عليها الرحلْ وأركبهاْ وأسير. والمُندىْ والمُتَنَدَى والتندية واحد، وهو أن تُترك الناقة ترعى حول الماء ساعة ثم تجيءْ وتشرب الماء.
ويروى: (تُراد على دْمنِ الحِياض) أي يراد منها أن تشرب من الدمن الذي في الحياض. والدمِنْ: البعرْ والسِّرجين وما أشبه ذلك. وإنما يريد أنها يراد منها أن تشرب ماء الدمن، وهو الماء الذي سفت عليه الريح الدمن فاختلط به.