الزمان
قال سيبويه: (ومن العرب من يقول: من فوقُ ومن تحتُ يشبهه بقبلُ وبعدُ). وقال أبو النجم:
وقد جعلنا في وَضينِ الأحْبُلِ
جَوْزَ خفافٍ قلبُه مثقلِ
أحزمَ لا قوقٍْ ولا حَزَنبَلِ
موثقِ الأعلى أمينِ الأسفلِ
(أقبَّ من تحتُ أمينٍ من عَلِ)
معاودٍ كرَّةَ أدبرْ أقبلِ
[ ٢ / ١٩٦ ]
الوضين: نِسعة عريضة تعمل من أدَم مثل الحزام، والأحبل: جمع حبل، والجوز: الوسط، والخفاف: الخفيف، والمثقل: الثقيل الضخم. أراد أنهم شدوا في الوضين وسط بعير خفيف قلبه، أي ذكي حاد، وهو مع خفة قلبه، بدنه ضخم عظيم.
وزعم بعض الرواة أنه أراد أنّ هذا البعير خفيف سيره، وقور قلبه، وأن المثقل للقلبْ والخفاف للجسم. وأراد بخفاف الجسم أنه سريع السير، ويكون في الكلام تقديمْ وتأخير، كأنه قال: جَوْزَ خفاف مثقل قلبُه. وجعله كقول امرئ القيس:
. . . . فقِلْ في مَقَيلٍ نحسُه متغيِّبِ
يريد: متغيبِ نحسُه.
والمعنى أنه شد على بعير - أراد أن يسنوَ به - الأداة التي تكون للسّانية، وشد عليه الوضين. والأحزم: البعير العظيم موضع الحزام، ويُستحب من البعير اتساع جوفه، والقوق: الطويل المضطرب، والحزنبل: القصير.
يريد أن هذا البعير تام الخلق شديد، ليس بطويل مضطربْ ولا بقصير دميم. وأراد بالأعلى: ظهر البعير أنه شديد، وأمين الأسفل: شديد القوائم، والأقبّ: الضامر الخصر ليس بمسترخيه، وخصره تحت متنهْ وظهره، وإذا
[ ٢ / ١٩٧ ]
استرخى خصره ضعف. وقوله (أمينٍ من عَلِ) يريد أنه شديد الظهر، وهذا البعير معاود للاستقاء من الآبارْ ولأن يقال له: أدبرْ وأقبل: أدبر عن البئر إذا امتلأت الدلو، وأقبل إليها إذا تفرغت. يريد أنه قد استقي عليه مرارًا كثيرة.