قال سيبويه: (ومما جاء اسمًا المصدر قول الشاعر) وهو النابغة:
وعلمت يوم عكاظ حين لقيتني تحتَ الغبار فما خططتَ غباري
(أنّا اقتسمنا خطتينا بيننا فحملتُ بَرَّةَ واحتملتَ فجارِ)
يخاطب النابغة بهذا زُرْعةَ بن عمرو الكلابي، يعني أنهما تلاقيا بعكاظْ وتفاخرا، فغلبه النابغة. وقوله: تحتَ الغبار، لم يُرد أنهما كانا في غبَرة، وإنما هذا مثل، أي التقينا فتفاخرنا ليعلم فضل الفاضل منا، فكنا بمنزلة فرسين استبقاْ وعّدَوا، فثار من عدْوهما غبار. وقوله فما خططتَ غباري: أي ما شققتَه. يقول تقدمتك في العدوْ وسبقتك، وكنتُ كفرس أثار الغبار في عدوه، وقصّر الفرس الذي يسابقه، فما كان المسبوق منهما يبلغ موقع الغبار الذي أثاره
[ ٢ / ١٩٩ ]
الأول إلا بعد أن يسكن الغبار. وهذا يدل على بُعد ما بينهما، وغبار كل فرس إنما يثور وراءه، فإذا كان الثاني لا يلحق غبار الأول فكيف يدركه.
ويروى: فما حططت بحاء غير معجمة، أي لم يرتفع غبارك فوق غباري، يريد أنه لم يدركه فيختلط غبار كل واحد منهما بغبار الآخر. وقوله: احتملنا خطتينا بيننا، يقول: كل واحد منا رجع لخطتهْ وطبعهْ وطريقته التي اختارها، فأخذتُ أنا لنفسي البِرّْ والأفعال الحسنة، وأخذت أنت لنفسك الفجورْ والأفعال القبيحة.
وعند سيبويه أن (فجارِ) بمنزلة الفجور، كأنّ (فجارِ) معدول عن الفجْرة.