قال سيبويه في باب ما يكون ما قبل المحلوف به عوضًا من اللفظ بالواو: (وذلك قولك: إي ها الله ذا). ثم تكلم في (ها) وأنها عوض من حرف القسم وفي إثبات الألف بعدها، إلى أن قال: (فأما قولهم: ذا) يريد (ذا) الذي بعد قولك: إي ها الله ذا (فزعم الخليل أنه المحلوف عليه، كأنه قال: إي والله للأمر هذا، فحذف الأمر لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم، وقدّم (ها).
يريد أن الجملة التي هي جواب القسم (للأمر هذا) و(الأمر) مبتدأ، وخبره (هذا) واللام تدخل على المبتدأ إذا كان جواب القسم، كما تقول: والله لزيد قائم، ولعمرو ذاهب، فحذف المبتدأ مع اللام، وقدّم (ها) قبل القسم وهي في الأصل تكون في جواب القسم كما تقدم. وأنشد سيبويه بيت زهير:
تعلمنْ ها لَعَمْرُ الله ذا قسمًا فاقصِدْ بذرْعك وانظرْ أينَ تنسكُ
[ ٢ / ٢٢٣ ]
الشاهد في تقديم (ها) قبل (لعمرُ الله) وحذف المبتدأ من جواب القسم وأصله: (تعلمّنْ لعمرُ الله للأمرُ هذا). (فالأمر) مبتدأ و(هذا) خبره فحذف المبتدأ، فبقي (تعلمّنْ لعمرُ الله هذا) ثم قدّم (ها) قبل القسم فصار (ها لعمرُ الله).
و(تعلمنْ) بمعنى اعلمنْ يقال تعلمْ كذا واعلمْ كذا، ودخلت النون الخفيفة للتأكيد، و(هذا) من قولك (للأمرُ هذا) إشارة إلى خبر وكلام قد تقدم للمتكلم، فإذا فرغ من كلامه قال للمخاطب: تعلمْ والله للأمرُ هذا، أي للأمرُ هذا الذي أخبرتك به.
ويجوز أن تكون الإشارة إلى أمر يذكره المتكلم في كلام يتلو كلامَه هذا، كأنه يقول: والله للأمرُ هذا الذي أذكره لك بعد كلامي هذا. وبيت زهير منه، لأنه قال بعده:
لئن حَللتَ بجَوٍّ في بني أسدٍ في دِين عمروٍ وحالتْ بيننا فدَكُ
ليأتينك مني منطِقُ قذَعُ باقٍ كما دنس القبطيةَ الوَدَكُ
فالإشارة واقعة إلى ما يريد أن يفعله. والمخاطب بهذا الكلام الحارث بن ورقاء الصيداوي وكان قد أغار على غطفان، وأخذ راعيَ زهير يسارًا وإبله.
وقوله: فاقصد بذرعك، أي قدّر خطوك وانظر أين تضع رجلك. والذرع: قدر الخطو، يتهدده. وانظر أين تنسلك: أين تدخل. يقول: ليس لك موضع تدخله تسلمُ من هجائي. والجَوّ: الوادي، والدين: الطاعة، وعمرو: هو عمرو ابن هند الملك.
يقول: لئن اعتصمتَ مني بأنك في طاعة الملك بحيث
[ ٢ / ٢٢٤ ]
لا أصل إليك، فليبلغنك هجائي لك. والقذع: القبيح وباق قبحه في الناس، والقبطية: الثياب البيض المقصورة التي تأتي من مصر والشام.