قال سيبويه في باب ما جاء معدولًا عن حده من المؤنث. قال الفرزدق:
نَعاءِ ابنَ ليلى للسماحة والندَى وأيدي شمالٍ بارداتِ الأناملِ
ويروى: للسماح وللندى يريد انْعَ ابنَ ليلى لأجل فقد سماحِهِ وجوده.
وأيدي شمال: يعني هبوب الشمال في الشتاء، وجعَل ما يمس الناس من برد الشمال يدًا للشمال كما يمد يده الذي يريد أن يمس الشيء حتى يباشره بيده. وابن ليلى غالب بن صعصعة أبو الفرزدق وأمه ليلى بنت حابس بن عقال. وقال زهير:
ولنِعْمَ حشوُ الدِرعِ أنتَ إذا دُعيتْ نَزالِ ولجَّ في الذّعرِ
يريد: نعم الرجلُ الذي يلبس الدرع ويحشوها ببدنه، أي يملأها. والمعنى: نعم الشجاعُ أنت إذا تداعى الفرسان للنزول، وإنما يتداعون للنزول إذا اشتدت
[ ٢ / ٢١٢ ]
الحرب وتضايق الأمر.
والذعر: الفزع، ولجَّ فيه: يعني لجَّ القوم في أسباب القتال الذي هو سبب الذعر، يمدح بذلك هرم بن سنان.
قال سيبويه في الباب المتقدم: (فهذا معدول عن مؤنث) يعني باب (فعال) أجمع
(وإن كانوا لم يستعملوا في كلامهم ذلك المؤنث الذي عُدل عنه (بَدادِ) وأخواتها). ثم قال: (ونحوُ ذا في كلامهم، ألا تراهم قالوا: مَلامح ومَشابه وليالٍ، فجاء جمعه على حد ما لم يستعمل في الكلام).
يريد أن الذي عُدِل عنه (فعالِ) لم يستعمل، كما أن واحد (مَلامح ومَشابه) لم يستعمل. وقال المتلمس.
كأنّي شاربُ يومَ استبدّوا وحثَّ بهم لدَى المَوْماةِ حادي
عُقارًا عُتقتْ في الدَنِّ حتى كأنّ حَبابَها حَدَقُ الجراد
جَمادِلها جَمادِ ولا تقولي طَوالَ الدهرِ ما ذُكرتْ: حَمادِ
قوله استبدوا: يريد استبدوا برأيهم في عزمهم على الرحيل، من غير أن يشاوروني فيه، ولو شاوروني لم أشِرْ عليهم. والموماة: القفر من الأرض والجمع الموامي، والحَباب: ما يعلو فوق الخمر كأنه حب إذا صُبّت في الإناء أو مُزجت. شبهه بحدق الجراد. ثم دعا عليها فقال (جَمادِ لها).
يجوز أن يكون دعا على المرأة التي كان يهواها، حين سارت مع القوم الذين فارقوه.
يقول:
[ ٢ / ٢١٣ ]
جَمَدَتْ يدُها فلا أعطت أحدًا خيرًا. يريد: لا أنالت أحدًا خيرًا من جهتها كما لم تُنلني أنا من جهتها خيرًا.
و(جَمادِ) بمعنى اجمُدْ، يريد ادْعُ عليها بجمود الكف، ولا تَحْمَدْها إذا ذُكرت.