قال سيبويه في باب الجمع المكسّر: (والقياس في (فَعْل) ما ذكرنا، وأما ما سوى ذلك فلا يُعلم إلا بالسمع، ثم تَطلُب النظائر كما أنك تطلب نظائر الأفعال هاهنا).
يريد أن الجمع (فعْل) في القلة (أفعُل) وفي الكثرة (فعول وفِعال) وذكر غير ذلك مما جاء جمع (فعْل) عليه. فإن جاء له شيء خارج عن القياس حملْت على نظيره مما جاء خارجًا عن القياس. ثم قال:
(فتجعل نظير الأزناد قول الشاعر) قال الأعشى:
(إذا روَّحَ الراعي اللقاحَ مُغرِبًا وراحتْ على آنافها غبَراتها)
أهَنا لها أموالنا عند حقها وعزَّتْ بها أعراضُنا لا نفاتها
جعل سيبويه نظير (الأزناد) في الخروج عن القياس: الآناف. والقياس فيهما: أزْند وآنف. ويروى: (على آفاقها غبراتها).
والمغرِب: الذي يرعى متباعدًا عن الحي. يريد أن المغرب يروح إلى الحي ولا يقيم بمكانه، لأنه يخشى على الإبل من شدة البرد لأنها مهازيل،
[ ٢ / ٣٠٩ ]
والمهازيل يخشى عليها أن يؤذيها البرد.
والضمير في (آنافها) يعود إلى اللقاح. ومَن روى (آفاقها) أراد آفاق السماء، ولم يجر للسماء ذكر، لأنه معلوم انه يراد به ضمير السماء. ويروى (معجِّلًا) مكان (مغرِبًا)، يراد به أنه يعجِّل رواحها. والغَبَرات: جمع غَبّرة، والضمير المضاف إليه (الغبرات) يراد به الأرض.
يريد أنه راحت الإبل وعلى آنافها غبرات الأرض، وغنما جعل لها غبرات لأنها مجدبة لم تمطر بعد. ولو كانت مُطرت ما بان لها غبرة.
مدح الأعشى بذلك قومه. يقول: إذا أجدب الناس، أهنّا لها: أي للسنة المجدبة أموالنا عند حقها، أي عندما يلزمنا من بذل الأموال، وإعطاء السائل، وقِرى الأضياف. وعزّت بها أعراضنا، أي عزت فيها، في هذه السنة المجدبة أعراضنا. يريد أنهم صانوا أعراضهم في مثل هذه السنة، أن يوصفوا بالبخل وبالتهاون بأمر الأضياف ورد السائل. وقوله: (لا نفاتها) أي لا يفوتنا صيانتها، يريد لا نسبق بذمِّنا قبل أن نَسبق نحن بالعطاء.
قال سيبويه: (واعلم أنه قد يجيء في (فعْل) (أفعال) مكان (أفعُل)، قال الأعشى):
فإنْ حميرُ أصلحَتْ أمرَها وملتْ تسابِيَ أولادِها
(وُجِدتَ إذا اصطلحوا خيرَهم وزَندُك أثقبُ أزنادِها)
[ ٢ / ٣١٠ ]
يمدح بهذا الشعر سلامة ذا فائش الحميري. والتسابي: أن يَسبي بعضُهم بعضًا. يقول: إذا اصطلحت حمير فيما بينهما وملت الحرب، فأنت خيرهم في السلم، وأعطاهم للمال.
وذكر بعد هذين البيتين حاله وجلده وصبره إذا وقعت بينهم الحروب. وقوله: وزندك أثقب أزنادها: أي أنت أسرعهم عطاء، وأكثرهم نوالًا، وأقلهم مطلًا. ويقال: ثقب الزندُ: إذا خرجت ناره. جعل سرعته بمنزلة سرعة قدح الزند للنار.
و(وُجِدْتَ) في هذا الموضع يتعدى إلى مفعولين، والتاء قد قامت مقام المفعول الأول، و(خيرَهم) المفعول الثاني و(زندك) مبتدأ و(أثقب) خبره، والجملة في موضع نصب، وهي معطوفة على المفعول الثاني، كأنه قال: وُجدتَ خيرَهم، ووجدت زندك أثقب أزنادها، والضمير في (أزنادها) يعود إلى القبيلة، يريد بها حِمير قوم الممدوح.
قال سيبويه: (وقد يجيء (خمسة كلاب) يريد به خمسةُ من الكلاب، كما تقول: هذا صوت كلاب، أي هذا من هذا الجنس، كما تقول:
[ ٢ / ٣١١ ]
هذا حبّ رمّان).
يريد أنه بُيّن العدد القليل بالجمع الكثير فقال: هذا يراد به خمسة من هذا الجنس، لم يجيء به لبيان العدد، إنما أراد أن يذكر الجنس الذي منه العدد، ولم يقصد أن يبيّن العدد بجمع، وفائدة الكلام بإبانة العدد بجمع، وبإضافته إلى الجنس الذي منه المعدود، واحدة. وقوله: هذا صوت كِلاب يريد أنه صوت هذا الجنس.
والفرق بين قولهم: خمسة أكلب، وخمسة كلاب، أنك إذا قلت: خمسة أكلب، فأكلب بيان للخمسة من أي جنس هي، وجئت بـ (أكلب) وأكلب هي الخمسة. وإذا قلت: خمسة كلاب، فكلاب ليست بتبيين للخمسة، وإنما (الكلاب) لفظ يعم جميع الجنس، وجميع الجنس أكثر من خمسة.
قال:: وكما تقول هذا حَبُّ رمان. أراد أن الرمان اسم جنس، وأراد حب هذا
الجنس.
قال، فإضافة خمسة إلى كلاب بمنزلة إضافة حَبّ إلى رمان، قال الراجز:
تقول يا ربّاه يا ربِّ هلِ
إن كنتَ من هذا منجِّي أحبُلي
إمّا بتطليقٍ وإما بأرْحَلي
(ظرفُ عجوزٍ فيه ثنتا حنظلِ)
حَكى هذا الشاعر عن امرأة أنها دعت على زوجها، وطلبت الراحة منه.
[ ٢ / ٣١٢ ]
وقولها (هلِ) أرادت: هل يُحسن إليّ بتفريق ما بيني وبينه. وقولها: (إن كنت من هذا مُنجي أحبلي) أي بقطع ما بيني وبينه من الوُصلة وعقد التزويج.
والأحبل: خمع حبل وهوما بينهما من العقد، و(منجي) خبر (كنت) ولكنه أسكن الياء من أجل الشعر.
وقوله: إمّا بتطليقٍ: إما أن يطلق طلاقًا بينًا صريحًا، وإما أن يقول ارحلي، ويريد به الطلاق. تمنت أن تبين عنه بصريح الطلاق أو الكناية عن الطلاق. وقوله: ارحلي وهو يريد الطلاق مثل قولهم: الحقي بأهلك واغرُبي وما أشبه ذلك.
وحذف المستفهم عنه بـ (هل) اعتمادًا على فهم السامع ما يعني، وحذف جواب الشرط وهو: (إنْ كنتَ) كأنه: إن كنت منجيًا لي من هذا الرجل حَييتُ أو عشتُ أو تخلصت وما أشبه ذلك. وشبهت الصَّفن وهو جلد الخصية بجراب، وشبهت الخصيتين بحنظلين في جراب، والحنظل اسم للجنس، الواحدة حنظلة، وأضاف ثنتا إلى الحنظل وهو واقع على جميع الجنس كأنه قال: ثنتان من الحنظل، وفي معنى (حنظلتان) وهومثل ما قدمنا تبيانه.