فكما لا تحذف هذه القاف، لا تحذف واحدة منهما.
يريد أن الياء والواو، إنما يحذفان في الوقف - في أواخر الأبيات - إذا كانتا وصلًا، فإن كانتا رويًا لم يجز حذفهما في الوقف، وجرتا مجرى الحروف الصحاح نحو القاف في (المخترق) وغير ذلك.
والسبب في ثباتهما في مثل هذا - وأنه لا يجوز حذفهما - أنهما إذا كانتا رويًا، فما قبلهما من الحروف مختلف، فإن أسقطتهما في الوقف اختلف أواخر البيت في القصيدة، فصار آخر كل بيت في القصيدة يخالف ما قبله وما بعده. ومن ذلك قول الشاعر:
حلأها عن شربها من الطوي
كلُّ غليظِ الرُّكْنِ مضبوحُ شَقِي
لكنْ ربيعُ قد سقاها بِسَقي
قوْلي لها حَرِ وإن عِشْتِ حَرِي
[ ٢ / ٣٠٥ ]
لو حذف الياء في هذا وأشباهه في الوقف، لصارت أواخر الأبيات مختلفة تخرج عن حد الشعر. والقاتم: هو الأغبر، أراد: ورب بلد قاتم الأعماق، والأعماق: جمع عمق وهو البعد، ويقال: بلد عميق ومتعيق أي بعيد، والخاوي: الخالي، والمخترق: الموضع الذي يُمَرّ فيه. يريد أن الطرق في هذا الموضع خالية، لأنها لا تُسلك.
قال سيبويه: (وإذا ثبتت التي بمنزلة التنوين في القوافي) يريد أن الألف التي تبدل من التنوين في المنصوب، تثبت في الوقف في القوافي) (لم تكن التي هي لام أسوأ حالًا).
يريد أن الألف التي هي من حروف الكلمة، لا يجوز حذفها في القوافي إذا وقفتَ، كقولك: مولى ويَخشى وملهى. . . وما أشبه ذلك، يقول: إذا كانوا لا يحذفون الألف - التي هي بدل من التنوين في المنصوب - لم يحذفوا الألف التي هي من نفس الكلمة، ثم قال: (ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول:
لم يعلم لنا الناس مصرعْ
في الوقف (فتحذف الألف لأن هذا لا يكون في الكلام، فهو في
[ ٢ / ٣٠٦ ]
القوافي لا يكون). ثم مضى في كلامه حتى انتهى إلى أن أنشد لرؤبة:
(داينْتُ أروَى والديونُ تقْضَى)
فمَطلَتْ بعضًا وأدَتْ بعضا
وقال بعده: (فكما لا تحذف ألف (بعضا) لا تحذف ألف (تقضى).
الشاهد فيه أنه جعل الألف التي هي من الكلمة، بمنزلة الألف التي هي بدل من التنوين. وقال: فكما لا تحذف التي هي بدل من التنوين، كذلك لا تحذف التي هي الكلمة.
وأروى: امرأة، وقوله: داينت أروى، يريد أنه أسلفها محبة ووفاء يوجبان عليها
المكافأة له ومجازاته، فلم تجازه على جميع ما فعله، فمطلت بعضه وامتنعت من دفعه إليه، وهو يطالبها به، وأعطته بعض ما كان التمس منها.