قال سيبويه: (وأما الخليل فكان يزعم أن قوله: (جاءٍ وشاءٍ) ونحوهما اللام فيهن مقلوبة. وقال: ألزَموا ذلك هذا واطرد فيه، إذ كانوا يقلبون كراهية الهمزة الواحدة).
يريد أن الخليل يقول: كل ما كان من الأسماء معتل العين، ولامه همزة، وبنيتَ منه (فاعلًا) فإنك تقدم اللام إلى موضع العين، وتجعل العين في موضع اللام.
واحتج الخليل بأن قال: قد رأيناهم يَكرهون إعلال العين وقبلها همزة، في بعض الصفات التي لام الفعل منها حرف صحيح، فيقولون - في (لائث) وهو من لاث
يلوث، وفي (شائك) وهو من الشوكة، وفعله شاك يَشاك -: (لاثٍ وشاكٍ).
فإذا كانوا قد ثقل عليهم في بعض المواضع أن يُعلوا العين مع صحة اللام حتى أخروها، ألزموا ما كانت عين الفعل فيه حرف علة ولامه همزة، تقديم الهمزة في موضع العين، حتى يقل إعلامهم، لأنهم لو أعلوا العين لهمزوها، وإذا همزوها اجتمع
[ ٢ / ٣٥١ ]
في الكلمة همزتان: همزة العين، والهمزة التي هي لام، ولزم أن تقلب الهمزة الثانية ياء، لئلا يجتمع همزتان في كلمة، فكان عنده أن تقديم اللام - في هذا ونحوه - أسهل من صنعة النحويين:
قال العجاج - ووصف امرأة:
كأنما عظامُها بَرْدِيُّ
سقاه رَيًّا حائرُ رَويُّ
بالمأدِ حتى هو يمؤوديُّ
في أَيكهِ فلا هو الضحيُّ
ولا يلوحُ نبته الشتيُّ
(لاثٍ به الأشاءُ والعُبْريُّ)
عَنى بعظامها ساقيها وذراعيها، وأراد أنها تشبه أصول البَرْديّ في بياضه ونعمته، والحائر: المكان الذي يجتمع فيه الماء، ويتحير فيه فلا يخرج منه، والمأد: اهتزاز النبت.
يريد أن البَرديّ يهتز من نعمته ورِيّه، واليمؤودي مثل المأد، والأيكة: جماعة الشجر المجتمعة بمكان، والضحي: البارز للشمس و(هو) ضمير يعود إلى (البَردي). يقول: البردي نابت في حائر، حوله نخل وشجر يُكنه، فليس يبرز للشمس. ولا يلوح نبت هذا الحائر أي لا يظهر في الشتاء للشمس، لأن الشمس لا تعلوفي أوسط السماء حتى تقع على ما في وسط الحائر.
والأشاء: صغار النخل، والعُبري: السِّدر البري، واللائث واللاثي: الذي يحيط به ويدور حوله.