قال سيبويه: واعلم أن ما يجعل بمنزلة اسم ليست فيه هاء أقل في كلام العرب، وترك الحرف على ما كان عليه قبل أن تحذف الهاء أكثر. من قبل أن حروف الإعراب في سائر الكلام غيره.
يعني أن الترخيم على مذهب من قال: يا حار - فضم الراء - أقل من الترخيم على مذهب من جعل ما قبل الهاء على ما كان عليه قبل الترخيم.
وقوله: من قبل أن حروف الإعراب في سائر الكلام غيره، يعني أن الحرف الذي قبل الهاء يكون مفتوحا في كل موضع سوى الترخيم لأن الهاء يكون بعده، فالإعراب يقع عليها في جميع المواضع سوى الترخيم. والضم إنما يدخل في النداء على الحرف الذي يقع عليه الإعراب قبل النداء، والإعراب
[ ١ / ٣٩٤ ]
لا يقع على ما قبل الهاء.
وكان الاجود عنده أن يكون ما قبل الهاء على الحال التي كان عليها قبل الترخيم، كما كان على هذا الوصف في كل موضع سوى الترخيم. ثم قال: وهو على ذلك عربي. يعني أن يجعل الاسم بعد حذف الهاء بمنزلة اسم لم يحذف منه شيء. ثم قال: وقد حملهم ذلك على أن رخموه، حيث جعلوه بمنزلة ما لا هاء فيه. يريد انهم لما جعلوه بعد حذف الهاء بمنزلة اسم لم يحذف منه شيء، رخموه ترخيما آخر، كما يرخمون الاسم الذي لم يحذف منه شيء.
وقال العجاج:
فقد رأى الراؤون غيرُ البُطلِ
(أنك يا معاوِ يا بْنَ الأفضلِ)
الشاهد فيه إنه حذف الياء من (معاوية) وكان ترخيمه بحذف الهاء، فلما حذفت الهاء بقي (معاوي) ثم دخله ترخيم آخر فحذفت منه الياء فبقي (معاوِ) بواو مكسورة بعد الألف، هكذا وقع الإنشاد في الكتاب. وفي شعره:
فقد (أي الراؤون غيرُ البُطَّلِ
أنك يا يزيدُ يا بنَ الآفْحَلِ
[ ١ / ٣٩٥ ]
إذ زُلول الأقدامُ لم تَزَلْزلِ)
البطل: أصحاب الباطل، يريد أنهم رأوا أنك ثبت على الدين ولم تزُل عنه، وقمت به قياما حسنا. والممدوح في القصيدة يزيد. وفيها في موضع آخر:
فارتاحَ غمّي واستخفَّ كَسَلي
همّي، فما رأيتُ من مُهَلَّلِ
دون يزيدِ الخيرِ وابن الأفضلِ
فهذا الذي رأيته في ديوانه، وليس هذا لحجة سيبويه، لأنه لم ينقل هذه الشواهد من الدواوين إنما سمعها والعرب بعضهم ينشد شعر بعض، فإذا غير هذا عربي يحتج بقوله؛ صار كأنه هو القائل، وليس يجوز أن يفعل مثل هذا رجل عالم، لأن سيبويه قد لقي من قوله حجة، ولم يأخذ من الصحف، فإذا سمع من يجوز أن يكون عنده حجة في كلامه نقل عنه، وإن لم يرد أهلا لذلك تركه،
وقد نكر بعض النحويين إنشاد سيبويه هذا البيت وقال: إنما هو:
إنك يا مُعاويَ ابنُ الأفضلِ
فأثبت الياء في (معاوي) ولم يحذف منه إلا الهاء، وجعل (ابن الأفضل) وصفه. فيقال له: لو جاءت رواية بما ذكرت، لم يمتنع من قبولها. والذي
[ ١ / ٣٩٦ ]
يرويه سيبويه إنما تبينه بعد أن فهمه عمن أخذه عنه، ولا ينكر جواز ما قال هذا القائل لو كانت
الرواية جاءت به، فإن قال: فأنا أنكره ولا انسب سيبويه إلى تهمة ووضع رواية سيبويه سمع هذا البيت ينشد فظن أن الياء التي هي من حروف (معاوي) منفصلة عنه وأنها الياء من (يا) ولا يمكنكم أن تقولوا أن الذي سمعه سيبويه ينشد قال سيبويه: أنا أريد (يا معاوِ) بلا ياء، وأنادي نداء آخر فأقول: يا بن الأفضل.
قيل له: إذا كان سيبويه سمع هذا البيت ينشد، ولفظه يحتمل أمرين: أحدهما ما قاله سيبويه، والآخر ما زعمت، ورأينا لما قلته نظيرا في كلام، ورأينا لما قاله نظيرا، لم نعمد إلى قول سيبويه فنرده، والشعر يحتمله. وأقل الأحوال أن يكونا وجهين في الإنشاد.
فإن قال: وأين وجدتم شعرا فيه ترخيم بعد ترخيم؟ قيل له: قد قال سعد بن المتنحر وهو جاهلي:
أيا بجي أيا بَجي أدِّ أخي
أن أخي لفيكمُ غيرُ دَعِي
وولدَتْهُ حُرَّةٌ غيرُ زَني
من وُلْدِ عِمْرانَ عمرو بنِ عدي
[ ١ / ٣٩٧ ]
أراد يا بجيلة، فرخم ترخيما بعد ترخيم. وهذا الشعر يوضح ما ذهب إليه سيبويه.