قال سيبويه في الاختصاص: وسألت الخليل ويونس عن نصب قول الصلتان العبدي:
(أيا شاعرا ألا شاعرَ - اليومَ - مثله جريرٌ، ولكنْ في كُليبٍ تواضُعُ)
فزعما إنه غير منادى إنما انتصب على إضمار يعني أن المنادى محذوف والناصب لـ (شاعرا) محذوف، وقوله: يا قائل الشعر ليس بقصد به إلى واحد بعينه، كأنه قال: يا قائلا الشعر عليك شاعرا لا شاعر اليوم مثله. ويجوز أن
تقدر: يا قائل الشعر حسبك بجرير شاعرا. ويجوز أن يكون: شاعرا منادى، ويكون على لفظ المنادى المنكور وإن كان يقصد به قصد واحد بعينه في المعنى.
وهو كقول الآخر:
يا كَنّةً ما أنتِ غيرُ لئيمةٍ بيضاءُ مثلُ الروضةٍ المحِلالِ
وهو يقصد في المعنى إلى كنة بعينها. ومثله:
يا رَخَمًا قاظَ على يَنْخوبِ
[ ١ / ٣٩٨ ]
ومثله:
يا ضَبُعا أكلت آيارَ أحْمِرَةٍ. . . . . . .
وقوله (مثله) مرفوع خبر (لا) و(جرير) مرفوع لأنه خبر ابتداء محذوف، كأنه لما قال: أيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله، قيل له: من هو هذا الشاعر، فقال: هو جرير.
وسبب هذا الشعر أن الفرزدق وجريرا تحاكما إلى خليد عينين، ويعرف بالصلتان، فحكم بينهما بشعر فضل فيه قوم الفرزدق وشرفهم، وفضل فيه شعر جرير ووضع من قومه.
فرضي الفرزدق بتفضيل قومه على قوم جرير، وإن حكم لجرير عليه في قول الشعر. ولم يرض جرير بأن يفضل الفرزدق عليه في الشرف. وقال الصلتان في هذا:
ألا إنما تَحظَى كُليبٌ بشعرها وبالمجد تحظَى دارمٌ والاقارعُ
أيا شاعرا ألا شاعرَ - اليومَ - مثله جريرٌ، ولكنْ في كُليبٍ تواضعُ
[ ١ / ٣٩٩ ]