قال سيبويه: (واعلم أن هذه اللام قد يجوز حذفها في الشعر يريد اللام التي تدخل على فعل الأمر وتعمل مضمرة، كأنهم شبهوها بـ (أنْ) إذ عملت مضمرة). قال متمم بن نويرة:
وكلُّ امرئٍ يومًاْ وإنْ عاشَ حِقبةً له غايةُ يَجري إليهاْ ومُنْتهَى
(على مثل أصحابِ البَعوضةِ فاْخُمشي - لك الويل - حُرَّ الوجه أو يبكِ مَن
بَكَى)
الشاهد في قوله (أو يبكِّ) وهو أمر للغائب، والأمر للغائب يكون بالفعل المضارعْ ويدخل عليه اللام، فلما اضطر حذف اللام.
وكان أبو العباس يدفع هذا القولْ ويقول: إن قوله (فاْخُمشي) في معنى (فلتخمشي) فعطف (أو يبكِ) على تقدير فلتخمشي، ولم يجزمه بلام محذوفة.
وهذا القول لا يُخرج الشاعر عن أن يكون مضطرًا، وجعله أبو العباس مضطرًا إلى أن يعدل فعل الأمر الذي للمخاطبْ والمبني في تقدير الأمر بالفعل المضارع الذي تدخل عليه اللام. وليس يدفع أن فعل الأمر قد يضطر
[ ٢ / ١٠٦ ]
الشاعر إلى حذف اللام منه، وإذا كان هذا سائغًا، لم يمتنع أن نقدر اللام في (يبك من بكى).
والبعوضة: مكان بعينه، قتل فيه أخوه مالك بن نويرةْ وجماعة من بني يربوع. يقول لها: على مثل هؤلاء القوم فاخدشي وجهك، وليبك من كان باكيًا على مثلهم. ولو عاش حقبة يرونه ودهرًا طويلًا، وليس يراد به سنة واحدة، والحقبة: السنةْ وجمعها حِقب واستعمل لفظ الواحد لمعنى الجمع.
يقول: كل امرئ يجري إلى غاية ينتهي - مدةَ حياته - إليها، ثم يموت.