قال سيبويه في باب (ما): فإن قلت ليس زيد إلا ذاهبا، أدخلت ما يوجب كما أدخلت ما ينفي، فلم تقو (ما) في قلب المعنى، كما لم نقو في تقديم الخبر.
يعني أن (ما) على مذهب أهل الحجاز تعمل ما دامت على ترتيب الأصل وبقاء معنى النفي، فإن أدخلت (إلا) بين الاسم والخبر؛ بطل معنى النفي فبطل عملها، لأن الخبر يصبح موجبا بدخول (إلا) وأن تقدم الخبر على الاسم بطل العمل؛ لزوال ترتيب الكلام في الأصل، وترتيب الكلام في الأصل أن يكون الاسم قبل الخبر.
قال سيبويه: وزعموا أن بعضهم قال وهو الفرزدق:
وما أُعيدَ لهمْ - حتى أتَيْتَهُمُ - أزمانُ مَروانَ إذ في وَحْشِها غِرَرُ
(فأَصبحوا قد أعادَ اللهُ نعمتَهُمْ إذْ هم قريشٌ وإذْ ما مثلَهُمْ بشَرْ)
[ ١ / ١١٢ ]
الشاهد في أعمال (ما) عمل ليس مع تقديم خبرها على اسمها. ومدح الفرزدق بهذا الشعر عمر بن عبد العزيز وكان قد ولي المدينة.
يقول: ما أعيد لأهل المدينة ولمن بها من قريش أزمان مثل أزمان مروان - من الخصب والسعة والخير - حتى وليت أنت عليهم، فعاد لهم مثل ما كانوا فيه من الخير حين كان مروان واليا عليهم.
وقوله: إذ في وحشها غرر، يريد: وحشها لا يذعرها أحد، فهي في غرة من عيشها. ويقال: هو في غرة من العيش، إذا كان في عيش ليس فيه كدر ولا خوف. فأصبحوا بولايتك عليهم قد أعاد الله نعمتهم.
قال سيبويه بعد إنشاد هذا البيت: وهذا لا يكاد يعرف يريد: إعمال (ما) مع تقديم خبرها. وزعم أبو العباس محمد بن يزيد أن (مثلهم) منصوب لا على هذا الوجه، وانه ليس بخبر لـ (ما) وخبر (ما) عنده محذوف. و(مثلهم) منصوب على الحال، والعامل فيه الخبر المحذوف. كأنه قال: وإذ ما في الدنيا مثلهم بشر. وأنكر أبو العباس الوجه الذي ذهب إليه سيبويه من تقديم خبر (ما) مع الأعمال حين اضطر الشاعر، وزعم أن الخبر محذوف.
وحذف الخبر أن لم يكن عليه دليل في الكلام، أو في الحال التي المخبر فيها، لم يجز حذفه. كقولك - وقد جرى ذكر رجل فعل فعلا جميلا، وأحسن إحسانا كثيرا -: عمرو. أي هذا الذي ذكرتهم عمرو. أو يكون مثل قولك - والناس يتراءون الهلال -: الهلال، أي هذا الهلال.
فإن لم يكن عليه دليل فحذفه قبيح. فيكون أبو العباس قد أنكر حمل البيت على وجه
[ ١ / ١١٣ ]
الضرورة في تقديم الخبر، وحمله هو على الضرورة في حذف الخبر.
فإن قال قائل: قد استمر حذف خبر المبتدأ في باب من الأبواب وهو قولك: شربك السويق ملتوتا. . . قيل له: هذا الحذف يكون في المصادر، لأن الخبر فيها على وجه واحد يقع، وهو (إذ كان) و(إذا يكون) فصار كحذف العامل في الظروف وهو (مستقر) لأنه على وجه واحد يقع، فهو معلوم مستغنى عن ذكره. وليس كذا حذف الخبر في البيت.
وجملته: أن سيبويه ذكر أن الضرورة في تقديم الخبر مع الأعمال. وأبو العباس يقول: الضرورة حذف الخبر. فيحتاج أن ننظر أولى القولين بالصواب، فوجدنا قول سيبويه أولى، لأنه ليس أحتاج في قوله إلى تقدير شيء محذوف من الكلام. وفي قول أبي العباس، الضرورة في حذف الخبر، وينبغي أن يحمل الكلام في صحته على ظاهر لفظه، وأنه لم يحذف منه شيء ما أمكن أن يفعل ذلك، فإن لم يمكن حملنا الكلام على أن فيه محذوفا.
وإذا كانت الضرورة في الوجهين جميعا، فالقول: الذي لا يحتاج معه إلى تقدير محذوف.