قال سيبويه في: باب ضرورة الشعر: قال الأعشى:
[ ١ / ٩٣ ]
أرى رجُلًا منهم أسِيفًا كأنما يَضُم إلى كَشْحَيْهِ كفا مُخَضبا
(وما لهُ مِن مَجْدٍ تَليدٍ ولا لهُ منَ الريحِ فَضْلُ لا الجَنوبُ ولا الصبا)
الاسيف: الحزين الغضبان، ويقال للحزين خاصة الاسيف. ويقال الاسوف: الغضبان، والكشحان: الجانبان. كأنه من شدة غضبه قد قطعت كفه فضم يده إلى جنبيه وهي مقطوعة.
يقول: هذا الرجل ينظر إلي نظر غضبان كأني قد قطعت يده. وما له من مجد تليد: أي ليس له مجد قديم. ولا له من الريح فضل: أي ليست له علي مقدرة من جهة من الجهات، كذا رأيته فسر.
وهذا جار مجرى قولهم: هبت ريح فلان، إذا علا أمره وعظم شأنه وصارت له دولة، وسكنت عنه ريحه: إذا زال عنه سلطانه ومقدرته.
يهجو بذلك عمرو بن المنذر وقومه، وهو من بني عم الأعشى، لأنه ضرب قائد الأعشى في تهمة أتهمه بها.
والشاهد فيه إنه حذف صلة الضمة وهي الواو من (لهو). (ولا الجنوب) مجرور لأنه وصف الريح. ويروى:
وما عندهُ مجدٌ تَليدٌ
وليس على هذه الرواية شاهد.
[ ١ / ٩٤ ]
وقال الاعشى:
إلى هَوْذَةَ الوهّابِ أهْديتُ مِدْحتي أرَجي نَوالًا فاضِلًا من عطائكا
(تَجانَفُ عن جُل اليَمامةِ ناقَتي وما قَصدَتْ من أهلها لِسوائكا)
هوذة هذا: هو هوذة بن علي الحنفي. وذكر هوذة كما يذكر الغائب، ثم عدل إلى خطابه. وتجانف: تميل وتعدل، وجل اليمامة: يريد جل أهلها، وجلهم: معظمهم.
يعني إنه لم يقصد سواه من أهل اليمامة. والضمير في (أهلها) يعود إلى اليمامة، وجعل النيل عن غير هوذة وقصد هوذة فعل الناقة؛ وإنما هو فعل صاحبها. ومعناه واضح.
يريد: ما قصدت من أهل اليمامة لغيرك، إنما قصدتك أنت. ويروى:
وما عدلَتْ من أهلها لسوائكا
وقيل: اللام بمعنى (إلى) أي ما عدلت إلى سوائك.
والشاهد فيه إنه أدخل حرف الجر على (سوائك) فجعله من المتمكن، وهو غير متمكن.
قال سيبويه في هذا الباب قال خطام المجاشعي:
لم يبق من آيٍ بها يُحَلَّيْنْ غيرُ حُطامٍ ورمادِ كَنْفَيْنْ
[ ١ / ٩٥ ]
وغيرُ نُؤيٍ وحجاجَيْ نُؤيَيْنْ وغيرُ وَدٍ جاذِلٍ أو وَدَّيْنْ
(وصالياتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ)
ذكر ديارا قد ذهب منها أهلها وبقيت آثارهم فيها. والآي جمع آية وهي العلامة. يقول: لم يبق من علامات حلولهم فيها علامة تحلى وتوصف، غير حطام: وهو دق الشجر، يريد به ما بقي على الخيام من الشجر الذي قطعوه وظلوا به. و(رماد) مضاف إلى (كنفين) أي رماد من جانبي الموضع. كذا رأيته، بإضافة (الرماد) إلى (كنفين). ولو روي بالتنوين لم يكن خطأ عندي.
والنؤي: حول البيت، تحفر حفيرة حول البيت، ويؤخذ ترابها فيجعل حاجزا له، فجعل الحاجز حول البيت بمنزلة حجاج العين، وهو العظم المشرف حولها. والجاذل: المنتصب، والصاليات: الاثافي، ويؤثفين: يجعلن في موضع الطبخ. ويقال: صلي بالنار إذا احترق.
والشاهد فيه إنه أدخل الكاف على الكاف، وجعل الثانية في تقدير (مثل)، حتى
صلح أن تدخل عليها الكاف التي هي حرف. ولولا إنه جعل الثانية اسما؛ لما جاز أن يدخل حرف الجر.
وإحدى الكافين زائدة من طريق المعنى، كأنها وردت تكريرا وتوكيدا. والذي يريد: وصاليات كما يؤثفين.
والصاليات: الأثافي صليت بالنار، وهي الحجارة التي توضع عليها القدر. وقوله: كما يؤثفين: يريد أنها كما نصبت وتركت القدر؛ لم يتغير منها شيء، ولم تنح اثفية منها عن موضعها، هي في الموضع الذي كانت فيه حين طبخوا.
[ ١ / ٩٦ ]
ويقال: اثفيت الأثافي، إذا اصلحتها لتضع عليها القدر أو المرجل أو ما أشبه ذلك.
ويروى:
وغيرُ سُفْعٍ كَكَما يؤَثْفَيْن
والسفع: التي قد سفعتها النار، أي سودتها وغيرت لونها. يعني الأثافي.