أنشد فيه، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد السبعمائة:
(٧٣٣) لا يبعد الله التلبب وال غارات إذ قال الخميس نعم
هذا البيت من قصيدة عدتها خمسة وثلاثون بيتًا للمرقش الأكبر أورها المفضل في المفضليات، وشرحها ابن الأنباري، وبعده:
والعدو بين المجلسين إذا ولي العشي وقد تنادى العم
يأتي الشباب الأقورين ولا تغبط أخبار أن يقال حكم
وهذا آخر القصيدة. قال ابن الأنباري: الخميس: الجيش، والنعم: الإبل، أي: إذا قال الجيش هذا نعم، فأغيروا عليه، والتلبب: لبس السلاح كله، أي: لا كان آخر عهدي. انتهى. يريد أن لفظ البيت يريد به الدوام والاستمرار، أي: أدام الله على لبس السلاح، والغارة على أموالا لناس، و"إذ" ظرف متعلق بالغارات ومراده في البيت: لا يبعد الله عني.
وقوله: والعدو بين المجلسين: هو منصوب بالعطف على التلبب، قال ابن الأنباري: ذاك وقت مجيء الأضياف، فالشباب بيعدون بين المجالس ينزلون
[ ٧ / ١٤٢ ]
الضيف، ويصلحون من شأنه، والعم: الجماعة من الناس، وإنما قال: ولى العشي أن الشيف لا يجيء إلا في ذلك الوقت: وتنادى: من النادي، وهو المجلس.
وقوله: يأتي الشباب: أن يقال حكم، وذلك أنه لا يتحاكم إليه إلا بعد الكبر، وذلك بالقرب من الموت، فما يقربه إلى الموت؛ فقلا يغبط به، كقول الشاعر:
لا تغبط المرء أن يقال له أمسى فلان لعمره حكما
إن سره طول عمره فلقد أضحى على الوجه طول ماسلما
يريد أن الشيخ وغن عزم قومه لا يغبط وإنما يغبط الشاب مع انه يلاقي الدواهي، والأمور الشديدة.
والمرقش: اسمه عوف بن سعد، وينتهي نسبه إلى قيس بن ثعلبة، وسمي المرقش لقوله:
الدار قفر والرسوم كما رقش في ظهر الأديم قلم
رقش: زين وحسن، يعني: آثار الرياح في الديار، ومن أبيات علم البلاغة قوله:
النثر مسك والوجوه دنانير وأطراف الأكف عنم
والمرقش الأصغر ابن أخيه، واسمه زمعة بن سفيان، وهذا هو عم طرفة بن العبد، والجميع جاهليون.
[ ٧ / ١٤٣ ]
وقال المصنف: "أعرب لتلميذ له" هذه كلمة عربية متداولة بين الخاص والعام، مستعملة في ألسنة فضلاء الأنام، ولم تذكر في كتب اللغة المدونة لبيان الجليل والحقير، وذكر النقير والقطمير إلا في "لسان العرب" لمحمد بن مكرم التلمساني فإنه قال فيه: التلايذ: الخدم والأتباع، واحدهم تلميذ.
ولما أقرأت هذا الكتاب في سبعين وألف، ووصلنا إلى هذا الموضع، رأينا ابن الملا الحلبي قال في شرحه: التلميذ: القارئ على الشيخ، ولم أقف عليه في شيء منك تب اللغة المتداولة، ك"الصحاح" و"القاموس" وغيرهما. انتهى. فحينئذ تتبعت بطون الدفاتر من مصنفات الأوائل والأواخر، فجمعت رسالة، وهذا ملخصها:
أنشد أبو حنيفة الدينوري في كتاب "النبات" شعرًا وفيه هذا البيت:
فالماء يجلو متونهن كما يجلو التلاميذ لؤلؤا قشبا
وقال: التلاميذ: غلمان الصناع، والقشب: الجديد. وقال أمية بن أبي الصلت من قصيدة:
والأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقامتنا وفيها نولد
وبها تلاميذ على قذفاتها حبسوا قيامًا فالفرائص ترعد
وقال جامع ديوانه: التلاميذ: الخدم يعني: الملائكة.
وقال في قصيدة أخرى:
صاغ السماء فلم يخفض مواضعها لم ينتقص علمه جهل ولا هرم
لا كشفت مرة عنا ولا بليت فيها تلاميذ في أقفائهم دغم
[ ٧ / ١٤٤ ]
وقال الشريشي في شرح المقامة الأولى: التلميذ: متعلم الصنعة، والتلميذ الخادم، وطلبة العلم تلاميذ شيخهم. انتهى.
وقال أمية في القصيدة التي أنشدنا بيتين منها:
فمضى وأصعد واستبد إقامة بأولي قوى فمبتل ومتلمذ
قال جامع ديوانه: يريد متلمذ أي: خادم. وتلمذ: جعل للخدمة، ويروى: متلمذ، بكسر الميم. وأراد بأولي قوي: الملائكة الذين يحملون العرش. وقوله: فمضى: يعني الله ﷿، واتبد يعني: لا يستشير أحدًا، يقال: استبد فلان بقرأيه إذا لم يستعن أحدًا على ما يريد، والمبتل المفرد. انتهى.
وطن من هذا شيئان، أحدهما: أن متلمدًا: مفعلل، ووزن تلميذ: فعليل، ولا يجوز أن يكون وزنها متفعلًا وتفعيلًا؛ لعدم وجودهما في لغة العرب، وثانيهما أن له فعلًا متعديًا، لأن اسم المفعول بدون الصلة لا يبنى إلا من فعل متعد، وهو تلمذه كدحرجة بمعنى: خدمه، فهو متلمذ، وإطلاق التلميذ على المتعلم صنعة أو قراءة لأنه في الغالب يخدم أستاذه، وقول الناس: تلمذ له وتلمذ منه، بتشديد الميم خطأ، توهموا أن التاء زائدة، وليس كذلك، وإذا أريد ها المعنى، فصوابه: تلمظ منه، بالظاء المعجمة المشالة، يقال: لمظه، أي: أطعمه أو أذاقه، والتلمظ: تتبع اللسان بقية الطعام في الفم، وقد يكنى عن الأكل، استعير للتعلم شيئًا فشيئًا. هذا ملخص الرسالة، وفيها فوائد أخر تتعلق بالتلميذ، من أراد الاطلاع عليها، فلينظر تلك الرسالة.
[ ٧ / ١٤٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد السبعمائة:
(٧٧٤) تقي نقي لم يكثر غنيمة بنهكة ذي قربى ولا بحلقد
على أن قوله بحلقد معطوف على شيء متهوهم: كأنه توهم أنه قال: ليس بمكثر غنيمة فعطف عليه قوله "بحلقد" بناء على توهم جر خبر ليس بالباء الزائدة. هذا البيت أورده أبو حيان في شرح "التسهيل" في بحث زيادة الباء في الخبر النفي بليس وما، وذكر أبياتًا منها:
أجدك لن ترى بثعيلبات ولا بيدان ناجية ذمولا
ولا متدارك والليل طفل ببعض مواضع الوادي حمولا
وقال الآخر:
تقي نقي لم يكثر . .. البيت.
قال: توهم أنه قال مكان "لن ترى": ليست براء، ومكان "لم يكثر": ليس بمكثر، فعطف "ولا متدارك" على لست براء المتوهم، "ولا بحقلد" على ليس بمكثر. انتهى.
قال تلميذه نا ظر الجيش في "شرح التسهيل": وقبل الوقوف على كلام الشيخ كان في ظني أن الذي في هذه الأبيات من العطف على المعنى، وأن العهطف على المعنى غير العطف على التوهم، وذلك أن العطف على التزهم ليس فيه إلا أن تتوهم أن المعطوف عليه على حالة يصح اتصافه بها دون تأويل في الكلام؛ كما ترى في عطف:
[ ٧ / ١٤٦ ]
"ولا ناعب" "على مصلحين"، فإنه إنما جر لتوهم أن الشاعر قال: "بمصلحين" من حيث أن المحل صالح للباء، وأما العطف على المعنى، فلابد فيه من تأويل الكلام المعطوف على بعض بكلام آخر يصح معه العطف، كما رأيت من تاويل لن ترى: بلست براء، وتأويل لم يكثر لبيس بمكثر، هكذا كنت أظن، والشيخ قد جعل ما في الأبيات المذكورة من العطف على التوهم، ولا يمتنع أن يقال: قائل لن ترى أنه قال: لست براء، وقائل لم بكثر أنه قال: ليس بمكثر، لكن قد وقع في عبارات النحويين أن ما وقع في نحو هذه الأبيات عطفغ على المعنى، أي: على الكلام لا على لفظه، ولم يقولوا في نحو "ولا ناعب" بعد "ليسوا مصلحين" إنه عطف على المعنى، بل قالوا: عطف على الوتهم على أنه لا يتحقق فيه أنه عطف على المعنى إنما هو عطف على اللفظ باعتبار صفة سصح تلبسه بها، انتهى كلامه.
وهذا مبني على تفسير الحلقد بالسيء الخلق، وليس بمتعين، فإن هذه الكلمة لنم ترد في شعر العرب إلا في هذا البيت، وقد يختلف أهل اللغة في تفسيرها على عدة أقوال حكاها الصاغاني في "العباب" وهذا كلامه: أبو عبيد، الحلقد: الضيق الخلق البخيل، ويقال: الضعيف، ويقال الأثمن قال زهير بن أبي سلمى يمدح هرم ابن ستان المري:
تقي نقي لم سكثر غنيمة . . . . . البيت.
وقال الأصمعي: الحلقد في قول زهير: الحقد والعداوة، وقال معمر: القول ما قال أبو عبيد إنه الآثم قال، وقول الأصمعي ضعيف، ورراه ابن الأعرابي بالفاء، وقال أبو هيثم: هو باطل، الرواة مجمعون على أنه بالقاف، وقال ابن فارس: اللام في الحلقد للبخيل زائدة وهو من أحقد القوم: إذا لم يصيبوا من المعدن شيئًا، وكذلك الآثم قال: وفيه قياس من الحقد. انتهى كلام صاحب العباب.
[ ٧ / ١٤٧ ]
ولخصه صاحب "القاموس" بإخلال، فقال: الحلقد: الضيق البخيل والضعيف، وفي قول زهير: الآثم، أو الحقد والعداة. انتهى. وصوابه: أو الضعيف ب"أو" لا بالواو، وليس ما في بيت زهير مقصورًا على ذكره من أحد المعينين، بل يجري فيه الأقوال الأربعة، الأول: أنه الضيق الخلق البخيل، وهذا تفسير "الصحاح". واخل صاحب "القاموس" بحذف الخلق به، وفسره يعقوب بن السكيت بالسيء الخلق، نقله عنه القالي في ا"الأمالي" والضيق الخلق والسيء الخلق واحد، وظن الدماميني أن كلا منهما غير الآخر، فقال معترضًا على المصنف: الذي في "الصحاح": الحقد: الضيق الخلق البخيل، وفي "القاموس" هو الضيق البخيل والضعيف، وكزبرج: السيء الخلق الثقيل الروح. وزاد الحلبي في الطنبور نغمة، فقال: فلم يجعل السيء الخلق مدلول الحلقد، بفتحات وتشديد اللام، وإنما جعل مدلوله، كسر الحاء واللام وإسكان القاف بينهما.
الثاني: أنه بمعنى الضعيف، خلاف القوي. الثالث: أنه يمعنى الآثم، وهو اسم فاعل، وصحفه الحلبي، فضبطه بكسر الهمزة. الرابع: أنه بمعنى الحقد والعداوة. فإن كان بالمعنى الثاني، فالعطف على قوله "بنهكة" بتقدير مضاف، أي: ولا بنهكة حقلد، ويراد به الأجنبي، فإنه ضعيف بالنسبة لإلى ذوي القرابة، إذ ليس له منزلة، أي: لم يكثر غنيمة بالجور على الأقاربن ولا بالجور على الأجانب. وإن كان بالمعنى الرابع، فالعطف على بنهكة أيضًا، لكن من غير تقدير شيء، أي: لم يكثر غنيمة على أقاربه، ولا بحقد وعداوة، ولا بما يوجب حقدًا أو عداوة بينه وبينهم، وإن كلن بالمعنى ا؟ لأول أو الثالث، فالعطف من باب العطف على التوهم، إذ المعنى في الثالث: ليس بمكثر غنيمة بظلم أقاربه، ولا بآثم، وهذا
[ ٧ / ١٤٨ ]
مكن قبيل عطف المسبب على السبب، إذ تكثر الفنيمة بظلم الأقارب يتسبب منه الإثم، ويجوز أن يكون من عطف العام على الخاص، أي: ولم يأثم بظلم أحد، والمعنى على الأول: ليس بمكثر غنيمة بظلم أقاربه، ولا بخيل سيء الخلق عليهم، يعني: أنه لا يؤذيهم لا بفعل ولا بقول، بل يجود عليهم، ويعاشرهم بمكارم الأخلاق، قال الدماميني: ويحتمل أن يكون معطوفًا على بنهكة يتقدير مضاف، أي: ولا بنهكة حقلد. والمعنى: أن هذا الممدوح، لا يكثر غنيمة بنهكة قريب، ولا بنهكة شخص متصف بسوء الخلق، إذ هي صفة نقص في صاحبها، تقتصي أن لا يفخر بأسره لمكان نقصه.
أقول: فيه نظر من وجوه:
الأول: أنه حمل الحقد على شخص متصف بسوء الخلق، ولم يحتمل على الممدوح، وهذا لا يصح عطفه علهي بلاغة، إذ لا مناسبة بين ذلك الشخص والأقارب، وقد نصوا على شرط كون عطف المفرد بالواو مقبولًا أن يكون بينهما جهة جامعة نحو: زيد كاتب وشاعر بخلاف نحو: زيد كاتب ومعط.
الثاني: أن قوله: تقتضي أن لا فخر بأسره؛ فيه أن الجور على سيء الخلق لتأديبه مما يفخر به.
الثالث: أنه فهم النهكة بمعنى الأسر والسبي، وليس كذلك، وإنما المراد بها أخ أموالهم. والجور عليهم: أخذ أنفسهم، إذ يستعبد أن يسبي الرجل أقاربه، وبهذا يسقط توجيه ابن الملا الحلبي له بقوله: لأن تفسير النهكة بالأسر إنما هو من باب ما صدق عليه المعنى هو الغلبة، لما عرف من أنه يقال: نهكة، لأي: غلبه، وفي الأسر غلبة وأي غلبة! لأن من استقرأ استعمالات النهك، وجدها ترجع إلى معنى الغلبة والمبالغة، انتهى.
[ ٧ / ١٤٩ ]
واد عاؤه أن جميع المعاني ترجع إلى أحد المذكورين، ففيه أن صاحب "العباب" قال: مادة النهك تدل على إبلاغ في عقوبة وأذى، وقال المرزباني في "الموشح" بعد إنشاد البيت: الحلقد: السيء الخلق، وقي: القصير الجبان، انتهى. وهذا تفسير آخر غير ما تقدم. وقال الأعلم في شرح ديوان زهير: النهكة: النقض والاضطرار، والحلقد: البخيل السيء الخلق، يقول: لم يكثر غنيمة بأن ينهك ذا قربة ولا هو بلئيم سيء الخلق. هذا كلامه. وهو من عطف الجمل.
وبعد هذا البيت:
سوى ربع لم يأت فيه مخانة زولا رهقًا من عائذ متهود
قال الأعلم: أي: لم يكثر ماله بيأن يظلم غيره، وإنما يأخذ الربع من الغنيمة دون أن يخون فيه، أو يظلم من عاذ به، واطمأن إليه، والرهق: الظلم، والعائذ: من يعوذ به، والمتهود: المطمئن الساكن إليه. انتهى.
وقال صعوداء في شرحه: يقال: قد ربع فلان في الجاهلية وخمس في الإسلام، وربما كان الرئيس في منزله فيعطى ربع الغنيمة، وربما زادوه في حصته، قال عبد الله ابن عممة الصبي يرثي بسطام بن مسعود:
لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول
فالمرباع: ربع الغنيمة، والصفايا: ما اصكفاه الرئيس لنفسه، والنشيطة: أن يموا بثلاثة من الإبل أو أربعة فينشطوها، وبذهبوا بها، ويجعلون ذلك له، والفضول: ما بقي بعد ما يقتسمون ولم يتم سهمًا، فذلك له. وقال أبو عمرو: متهود: متخشع، وقثيل: من يمت إليك بهوادة من قرابة أو مودة، ومنه قولهم: لا تاخذه فيها هوادة، والربع مثل ثلث وخمس سعني، بضمتين.
[ ٧ / ١٥٠ ]
والبتان من قصيدة لزهير بن أبي سلمى مدح بها هرم بن سنان المري، وتقدم ثلاثة أبيات بعد هذين البيتين في الإنشاد الثالث عشر بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والسبعون بعد السبعمائة:
(٧٧٥) يبسط للأضياف وجهًا رحبًا بسط ذراعيه لعظم كلبا
على "أن الأصل: كما بسط كلب ذراعيه، كما شرحه المصنف، قال ابن الحاجب في "أماليه": "كلبًا" نصب على التمييز، وليس له وجه سواه، وفيه صعف من جهة أن التمييز عن المصمر في مثل: "لله دره فارسًا"! إنما كان، لنك أضفت المدح إليه، وأنت تعني أمرًا آخر، فحسن التمييز لتفسيره وذلك الأمر المتعدد في التقدير، كما حسن قوله: زيد أحسن وجهًا، وأعجبني حسنه وجهًا، وفي البيت الضمير في ذراعيه هو عين الظاهر المنصوب، وعلى هذا حمل بعض المفسرين قةله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا) [الأحقاف: ٢٤] قال: عارضًا تمييز للضمير المبهم في"رأوه" ومثله اتفاق التمييز في قولهم: نعم رجلًا، وبئس رجلًا، فإنه تمييز للضمير عينه، كذا قال. وروى البيت هكذا:
يبسط للقنة وجهًا جأبا بسط ذراعيه لعظم كليا
ورواه أبو عبيد في "الغريب المصنف" كذا:
يصقح للقنة وجهًا جأبا صفح ذراعيه لعظم كلبا
[ ٧ / ١٥١ ]
رواه أبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي النحوي في كتاب "المعشرات في اللغة" ذكر كلمات علر حروف الهجاء كل واحدة لها عشرة معان، قال في صفح: وصفح الكلب ذراعيه للعظم صفحًا إذا بسطهما، ومنه قوله:
صفح ذراعيه لعظم كلبا
وقال شارح "الغريب المصنف": قال أبو عبيد: القنة أي: بضم القاف وتشديد النون: القوة من قوى حبل الليف، قال الراجز:
تصفع للقنة. . . . . . . . إللى آخره ..
الصفح: الإبراز والظهور، والجأب: الغليظ الصلب، ويروى: يصفح وتصفح بالياء والتاء، والذي تحمله ظاهر البيت أنه يعني حبلًا جعل كهيئة المقود على بعير أو فرس أو حمار أو ما أشبه ذلك. يريد: أنه مد جانبي زوجهه للحبل، ويجوز أن يعني بذلك رجلًا يفتل حبلًا، وأراد أن يقول: يصفح للقنة ذراعين ووجهًا جأبًا، فاكتفى بذكر الوجه، وجعل فتله إلى ناحية وجهه كاجتذاب الكلب العهظم إلى جهة وجهه بذراعيه، وقد فسر في الكتاب نصب "وجه" على وجهين، أحدهما: أن كلبًا انتصب كأنه خارج مما فتله، ويجوز أن يقصد المفسر بذلك الحال والتمييز، وإن أراد الحال فهو ضعيف جدًا وهو إلى التمييز أقرب، كأنه لما قال: "صفح ذراعيه"، فقأبهم بذكر ضمير لا يعود إلى مذكور أتى بقوله "كلبًا" مفسرًا لذلك الضمير، كما تقول: نعم رجلًا زيد. والوجه الآخر: الكلام من المقلوب، و؟ أن تقديره: صفح كلب ذراعيه لعظم، فقلب، وهذا بين نحو قول الشاعر:
ولا تهيبني الموماة أركبها
[ ٧ / ١٥٢ ]
أراد: لا أتهيب الموماة، وهذا القلب الذي في البيت أقبح من القلب في موضع آخر؛ من أجل أت الضمير المجرور ى يعود إلى مذكور، والذي هو له متأخر، وهذا البيت لا أعلم أن أصحابنا رووه ولا عرفوه. هذا آخر كلام يوسف بن أبي سعيد السيرافي فيما كتبه على "الغريب المصنف".
وأنشد بعده:
لن ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا أدع القتال وأشهد الهيجاء
تقدم الكلام عليه في الإنشاد التاسع والخمسين لعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد السبعمائة:
(٧٧٦) تركت بنا لوحًا ولو شئت جادنا بعيد الكرى ثلج بكرمان ناصح
قال ظأبو علي في "الشيرازيات": لا يتعلق الظرف وهو "بعيد" بالفعل وهو "جاد" لضعفه في المعنى، وكلن التأويل: لو شئت جادنا ثلج بعيد الكرى، فالعامل في الظرف ثلج، وإن تقدم عليه، وكذا قال ابن جني في ثلاث مواضع من "إعراب الحماسة".
والبيت من قصيدة لجرير مدح بها عبد العزيز بن مروان وقبله:
منعت شفاء النفس ممكن تركته به كالجوى مما تجن الجوانح
قال الأزهري: الجى بالقصر: كل داء يأخذ في الباطن لا يستمرأ معه الطعام، يقال: رجل جو وامرأة جوية، واللوح، بفتح اللام: العطش،
ممم زيادة ممم
القصيدة إلى خالد. وكان أبو ذؤيب فعل كذلك برجل يقال له: مالك، وكان رسوله إلى امرأة كان كالشرق لا يرتقي ولا ينحدر إلى أن يموت صاحبه فيه. وقوله: لست عنك بمحرم، أي: لست أمتنع من هجائك كما يمتنع الذي يدخل في الشهر الحرام، أو البلد الحرام، وروى: "عنك بمفحم" بفتح الحاء المهملة، وهو الذي لا يقدر على التكلم من شدة غيظه، حتى يصير وجهه كالفحم أسود. هذا أصله، ثم صار بمعنى الذي
ممم نهاية الزيادة ممم
[ ٧ / ١٥٣ ]
وفعله: لاح يلوح، وجادنا: أروانا من الجود، بفتح الجيم: المطر الغزير، والكردي: النوم، وتصغير (بعد) لتقريب الزمن، وشبه ريقها بالثلج، وأضافه إلى كرمان، لأن ثلجه كثير لا ينقطع عنه. يعني أن ريقها يوجد باردا كالثلج عقب النوم بلا فاصلة، وهذا غاية في اعتدال المزاج، فإن الريق ورائحة الفم يتغيران في النوم من أبخرة الطعام، وناصح بمهملتين: خالص، صفة لثلج.
وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأشد بعده:
هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والثلاثين بعد المائتين.
وأنشد بعده:
دع عنك نهبا صيح في حجراته
تمامه:
ولكن حديثا ما حديث الرواحل
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والأربعين بعد المائتين.
وأنشد بعده:
غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها
تمامه:
تصل وعن قيض ببيداء مجهل
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثلاثين بعد المائتين.
[ ٧ / ١٥٤ ]
وأنشد بعده:
ولقد أراني للرماح درية من عن يميني مرة وأمامي
وتقدم شرحه في الإنشاد التاسع والثلاثين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد السبعمائة:
إن امرأ القيس جرى إلى مدى فاعتاقه حمامه دون المدى
هذا من مقصورة ابن دريد المشهورة، والمدى: الغاية، وهي طلب الملك، ويدل عليه قوله لصاحبه:
فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
واعتاقه: حبسه، من العوق، والحمام، بالكسر: الموت، ودون المدى، أي: دون تلك الغاية، وهي طلب الملك، والمدى يكتب بالياء.
وكان من حديث امرئ القيس أن أباه طرده لما قال الشعر، وقيل: من أجل زوجه، وهي أم الحويرث التي كان يشبب بها في أشعاره، فكان ينتقل في أحياء العرب ويستتبع صعاليكهم وذؤبانهم، وكان يغير بهم، وكان أبوه ملك بني أسد، فعسفهم عسفا شديدا، فتمالؤوا على قتله، فلما بلغ امرأ القيس قتل أبيه وهو يشرب، قال: ضيعني صغيرا، وحملني ثقل الثأر كبيرا، (اليوم خمر وغدا أمر)، فأرسلها مثلا، ثم جمع جمعا من بني بكر بن وائل وغيرهم من صعاليك العرب، وخرج يريد بني أسد، فخبرهم كاهنهم بخروجه إليهم، فارتحلوا
[ ٧ / ١٥٥ ]
فوقع في بني كنانة، فقتلهم قتلا ذريعا، ثم إن أصحابه اختلفوا عليه حين أوقع ببني كنانة، فقالوا: أوقعت بقوم براء وظلمتهم، فخرج إلى اليمن فثبطه عن أمره من قصده ليستعين على أخذ الثأر به، ثم خرج إلى قيصر، فلما وصل إليه، استعان به، فوعده أن يرفده بجيش، وكان قد سبق إلى قيصر رجل من أسد يقال له: الطماح، فوشى به إلى قيصر فتذمم أن يقتله، فوجه معه جيشا، ثم أتبعه رجلا معه حلة مسمومة، وقال له: اقرأ ﵇، وقل له: إن الملك قد بعث إليك بحلة قد لبسها ليكرمك بها، وأدخله الحمام، فإذا خرج، فألبسه إياها ففعل، فلما ألبسه تنفط بدنه وكان يحمل على محفة، ثم نزل إلى جنب جبل وإلى جانبه قبر لابنه بعض ملوك الروم، فسأل عن القبر فأخبر به فقال:
أجارتنا إن الخطوب تنوب وإني مقيم ما أقام عسيب
الأبيات المشهورة، ثم مات فدفن في ذلك الجبل.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسبعون بعد السبعمائة:
(٧٧٨) ينوي التي فضلها رب العلى لما دحا تربتها على البنى
هذا أيضا من تلك المقصورة، وينوي: يقصد، وفاعله ضمير الشاحب في بيت قبله، وجمله ينوي: صفة لشاحب، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو
[ ٧ / ١٥٦ ]
ينوي. والتي ينوي: هي مكة المكرمة، وفضلها رب العلى، أي: رب السموات، وفضلها بأن سماها أم القرى، وجعل فيها بيته، ودحا الأرض من تحتها، وقيل من تحت الكعبة، أي: بسطها، والتربة: أحد التراب، والبنى، بكسر الموحدة بعدها نون: جمع بنية كقرب: جمع قربة، وفيها الضم أيضا فيكون كعرى جمع عروة، وتكتب بالياء.
وتقدمت ترجمة ابن دريد مع ما يتعلق بالمقصورة في الإنشاد التاسع والخمسين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد السبعمائة:
(٧٧٩) أفنى تلادي وما جمعت من نشب قرع القوقيز أفواه الأباريق
على أن أفواه بالرفع فاعل المصدر، وهو (قرع) المضاف إلى مفعوله، وقرع فاعل (أفنى)، وتلادي: مفعوله، والتلاد: المال القديم، والنشب: العقار، والقواقيز: جمع قاقوزة: وهي الكؤوس الصعار، وقد قالوا: قازوزة، وجمعها قوازيز قال الجوهري: القازوزة مشربة، وهي قدح، [وكذلك القاقوزة]، ولا تقل قاقزة، وقال ابن السكيت: وأما القاقزة، فمولدة. والأباريق جمع إبريق، وهو من أواني الخمر.
[ ٧ / ١٥٧ ]
والبيت من قصيدة للأقيشر الأسدي، ومنها:
لا تشربن أبدا راحا مسارقة إلا مع الغر أبناء البطاريق
عليك كل فتى سمح خلائقه محض العروق كريم غير ممذوق
ولا تصاحب لئيما فيه مقرفة ولا تزرون أصحاب الدوانيق
قال صاحب (الأغاني): الأقيشر لقب لقب به، لأنه كان أحمر الوجه أقشر، واسمه المغيرة بن عبد الله الأسدي، وعمر عمرا طويلا، ولد في الجاهلية، وكان كوفيا خليعا ماجنا فاسقا فاجرا، مدمن الخمر، قبيح المنظر، وله حكايات في شرب الخمر، والافتراء على الخمارين، ولم يسلم من هجوه أحد، وأطنب صاحب (الأغاني) في حكايته وأموره نعوذ بالله منها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد السبعمائة:
(٧٨٠) أظلوم إن مصابكم رجلا أهدى السلام تحية ظلم
نسبه المصنف تبعا للحريري إلى العرجي، وهو عبد الله بن عمرو، وهو ابن عم عثمان بن عفان، نسب إلى العرج، بفتح العين وسكون الراء المهملتين وثالثه جيم، وهو منزل بطريق مكة سكنه، فنسب إليه، والصحيح أن الشعر للحارث بن خالد المخزومي، كما يأتي عن جماعة، والحكاية لخصها المصنف من (درة الغواص)
[ ٧ / ١٥٨ ]
والهمزة في أظلوم للنداء، والرواية الصحيحة: (أظليم) بالتصغير، روى الأصفهاني في كتاب (الأغاني) عن جماعة قالوا: حدثنا أبو عثمان المازني قال: كان سبب طلب الواثق إياي أن مخارقا غنى في مجلسه:
أظليم إن مصابكم رجلا البيت
فغناه مخارق: رجل، فتابعه بعض القوم، وخالفه آخرون، فسأل الواثق عمن بقي من رؤسائ النحويين، فذكرت له، فأمر بحملي وإزاحة علتي، فلما وصلنا إليه، وسلمت عليه، قال لي: ممن الرجل؟ قلت: من بني مازن، قال: أمن مازن تميم، أم مازن قيس، أن مازن ربيعة، أم مازن اليمن؟ قلت: من مازن ربيعة، قال لي: با اسمك يريد: ما اسمك؟ وهي لغة كثيرة في قومنا، فقلت على القياس: اسمي مكر، أي: بكر يا أمير المؤمنين، فضحك، وقال: اجلس واطبن يريد اطمن، فجلست، فسألني عن البيت، فقلت:
إن مصابكم رجلا
فقال: أين خبر (إن) قلت: ظلم، وقال الأخفش في خبره: فقلت: إن معنى (مصابكم) إصابتكم مثل ما تقول: إن قتلكم رجلا حياكم ظلم، ثم قلت: يا أمير المؤمنين إن البيت كله معلق لا معنى له حتى يتم بقوله (ظلم) ألا ترى أنه لو قال:
أظليم إن مصابكم رجلا أهدى السلام تحية
فكأنه لم يفد شيئا حتى يقول (ظلم) ولو قال: أظليم إن مصابكم رجل أهدى السلام تحية لما احتاج إلى ظلم، ولا كان له معنى إلا أن يجعل التحية بالسلام ظلما، وذلك محال ويجب حينئذ أن يقول:
أظليم إن مصابكم رجل أهدى السلام تحية ظلما
ولا معنى لذلك ولا هو له، لو كان وجه معنى الشاعر في شعره. فقال:
[ ٧ / ١٥٩ ]
صدقت. ألك ولد؟ قلت: بنية لا غير. قال فما قالت حين ودعتها؟ قلت: أنشدت قول الأعشى:
تقول ابنتي حين جد الرحيل أرانا سواء ومن قد يتم
أبانا فلا رمت من عندنا فإنا بخير إذا لم ترم
فإنا إذا أضمرتك البلا دنجفى ويقطع منا الرحم
قال: فما قلت لها؟ قال: قلت لها ما قال جرير:
ثقي بالله ليس له شريك ومن عند الخليفة بالنجاح
فقال: ثق بالنجاح، إن شاء الله، إن ها هنا قوما يختلفون إلى أولادنا، فامتحنهم، فمن كان منهم عالما ينتفع به ألزمناهم إياه، ومن كان بغير هذه الصورة، قطعناهم عنه فأمر فجمعوا إلى فامتحنتهم، فما وجدت فيهم طائلا، وحذروا ناحيتي، فقلت: لا بأس على أحد، فلما رجعت إليه، قال: كيف رأيتهم؟ قلت: يفضل بعضهم بعضا في علوم، ويفضل الباقون في غيرها، فكل يحتاج إليه، فقال الواثق: إني خاطبت منهم واحدا، فكان في نهاية الجهل في خطابه ونظره، فقلت: يا أمير المؤمنين أكثر من تقدم منهم بهذه الصفة، ولقد أنشدت فيهم:
إن المعلم لا يزال مضعفا ولو ابنتي فوق السماء سماء
من علم الصبيان صبوا عقله مما يلاقي غدوة ومساء
هذا آخر ما رواه الأصفهاني.
وذكر العسكري هذه الحكاية مجملة في كتاب (التصحيف) وقال في آخرها: ثم أحضر التوزي وكان في دار الواثق، وكان ممن يقول: إن مصابكم رجل،
[ ٧ / ١٦٠ ]
يظن أن مصابكم: اسم مفعول ورجل خبر، فقال له المازني: كيف تقول: إن ضربك زيدا ظلم؟ فقال التوزي: حسبي، وفهم. انتهى.
وأورد صاحب (الأغاني) قبل ما تقلناه بوريقات الأبيات:
أقوى من ال ظليمة الحرم فالعيرتان فأوحش الخطم
فجنوب أثبرة فملحدها فالسدرتان فما حوى دسم
وبما أرى شخصا به حسنا في القوم إذ تحتله نعم
إذ ودها صاف ورؤيتها أمنية وكلاهما غنم
لفاء ممكور مخلخلها عجزاء ليس لعظمها حجم
خمصانة قلق موشحها رؤد الشباب علا بها عظم
وكأن غالية تباشرها تحت الثياب إذا صغا النجم
أظليم إن مصابكم رجلا البيت
أقصيته وأراد سلمكم فليهنه إذ جاءك السلم
هذا نسب الحارث: وهو الحارث بن خالد بن العاصي بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. الخطم، بفتح الخاء المعجمة، قال الزبير بن بكار في (أنساب قريش) بعد إنشاد هذا الشعر للحارث بن خالد: موضع دون سدرة آل أسد، والخرم، بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة، قال الزبير: موضع أمام الخطم بيسار عن طريق نخلة، والعيرة، بفتح المهملة وسكون المثناة التحتية، قال الزبير: العيرة: الجبل عند الميل على يمين الذاهب إلى منى، والعيرة: الجبل الذي يقابله، فهما العيرتان اللتان عنى الحارث بن خالد، قال الزبير وصاحب (الأغاني): كان الحارث خطب أم عبد الملك بنت عبد الله بن خالد بن أسد، وخطبها عبد الله بن مطيع،
[ ٧ / ١٦١ ]
فتزوجها عبد الله، ثم طلقها أو مات عنها، فتزوجها الحارث بن خالد بعد ذلك، وقال فيها قبل أن يتزوج:
أقوى من ال ظليمة الخرم الأبيات.
وقد أورد ياقوت الحموي هذه الحكاية في ترجمة المازني، وصدرها برواية المبرد عن المازني في امتناعه من إقراء ذمي كتاب سيبويه في مقابلة [مائة] دينار، ثم ذكر الحكاية من طريق صاحب الأغاني حرفا بحرف، ثم قال: وأمر له بألف دينار، وفي رواية بخمسمائة دينار، وأجرى عليه في كل شهر مائة دينار.
وزاد الزبيدي: قال المازني: وكنت بحضرته يوما، فقلت لابن قادم وابن سعدان، وقد كابراني، كيف تقول: نفقتك دينارا أصلح من درهم؟ فقال؟ دينار بالرفع، قلت: فكيف تقول: ضربك زيدا خير لك؟ فنصب زيدا، وطالبه بالفرق بينها فانقطع، وكان ابن السكيت حاضرا، فقال الواثق: سله عن سألة، فقلت: ما وزن نكتل؟ فقال: نفعل، فقال الواثق: غلطت، ثم قال لي فسره، فقلت: أصله نكتل، قلبت الياء ألفا لفتح ما قبلها، فصار نكتال، فأسكنت اللاك للجزم، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فلما خرجنا، قال لي يعقوب: ما حملك على هذا وبيني وبينك مودة خالصة، فقلت: والله ما قصدت تخطئتك، ولم أظن أنه يعزب عنك ذلك. هذا آخر ما ساقه ياقوت.
وساق حكاية المازني في هذا البيت بحضرة الواثق أبو عبد الله محمد بن الحسين اليمني في (طبقات النحويين) وتاريخ وفاته سنة أربعمائة. قال: إن جارية غنت بحضرة الواثق:
أظليم إن مصابكم رجلا البيت
[ ٧ / ١٦٢ ]
إلى قوله فتقدم الواثق بإحضاره يعني المازني. قال أبو العباس المبرد: حدثني المازني، قال: لما قدمت (سر من رأى)، ودخلت على الخليفة، فقال لي: يا مازني من خلفت وراءك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أخية أصغر مني أقيمها مقام الولد، قال فما قالت لك حين خرجت؟ قال: أطرقت حولي وهي تبكي أقول لك يا أخي كما قالت بنت الأعشى، وأنشد الأبيات. قال لي: فما قلت لها؟ قال: قلت لها يا أخية -كما ما قال جرير لابنته-:
ثقي بالله ليس له شريك البيت
قال: لا جرم أنها ستنجح، وأمر لي بثلاثين ألف درهم. وفي غير هذه الرواية أنه لما دخل على الواثق قال لي: با اسمك يريد ما اسمك؟ قال المازني: كأنه أراد أن يعلمني معرفته بإبدال الباء مكان الميم في هذه اللغة، فقلت له: بكر المازني، قال: أمازن شيبان، أم مازن تميم؟ قلت: شيبان، فقال: حدثنا. قلت: يا أمير المؤمنين، هيبتك تمنعني من ذلك، وقد قال الراجز:
لا تقلواها وادلواها دلوا إن مع اليوم أخاه غدوا
قال: فسره لنا، قلت: لا تقلواها: لا تعنفاها في السير، يقال: قلوته إذا سرت سيرا عنيفا، ودلوت: إذا سرت سيرا رقيقا، ثم أحضر التوزي، وكان في دار الواثق، وكان يقول: إن مصابكم رجل، يظن أن مصابكم اسم مفعول، ورجل: خبر، فقلت له: كيف تقول إن ضربك زيدا ظلم؟ قال التوزي: حسبي وفهم. وذكر أنه شجر بين محمد بن عبد الملك الزيات، وأحمد بن أبي دواد في هذا البيت الذي غلط فيه التوزي، فقال ابن الزيات: رجلا، وقال ابن أبي دواد: رجل، فسألا عنه يعقوب بن السكيت، فحكم لابن أبي دواد بالرفع عصبية لا جهلا، قال ثعلب: فلقيت يعقوب، فعاتبته في هذا عتابا ممضا، فقال لي:
[ ٧ / ١٦٣ ]
اسمع عذري، جاءني رسول ابن أبي دواد، فمضيت إليه، فلما رآني بش بي وقربني، ورفعني، وأحفى في المسألة عن أخباري، ثم قال لي: يا أبا يوسف ما لي أرى الكسوة ناقصة؟ يا غلام، دست ثياب كامل من كسوتي، قال: فأحضر، ثم قال: كيس فيه مائتا دينار فأحضر، ثم قال: أراكب أنت؟ قلت: لا بل راجل، قال: حماري الفلاني بسرجه ولجامه فأحضر، قال: يسلم الجميع إلى غلام أبي يوسف، فشكرت له ذلك، ثم قال لي: يا أبا يوسف، أنشدت هذا البيت: أظليم إن مصابكم رجل .. فقال الوزير: إنما هو رجلا، بالنصب، وقد تراضينا بك، فقلت: القول ما قلت، فخرجت من عنده، فإذا رسول محمد ابن عبد الملك، فقال: أجب الوزير، فلما دخلت عليه، بدرلي وأنا واقف، فقال: يا يعقوب أليس الرواية: أظليم إن مصابكم رجلا؟ فقلت: لا بل رجل، فقال: اغرب. قال يعقوب: فكيف كنت تراني أن أقول!؟ هذا آخر كلامه.
وأنشد بعده:
ونحن عن فضلك ما استغنينا
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد السبعمائة:
(٧٨١) وهن وقوف ينتظرن قضاءه بضاحي عذاة أمره وهو ضامز
على أن الباء متعلقة بـ (قضاءه)، ولا حاجة إلى تقدير ابن الشجري إلى آخره.
أقول: أورده ابن الشجري في المجلس التاسع والعشرين من (أماليه) أنشد البيت، وقال: أي: ينتظران قضاءه: أمره، وهو وروده بهن، والضاحي من الأرض:
[ ٧ / ١٦٤ ]
الظاهر البارز، والعذاءة: الأرض الطيبة التربة، الكريمة النبت، والضامز: الرجل الساكت، شبهه –في إمساكه عن النهاق- به، والضامز من الإبل: الممسك عن الجرة. وفي البيت فصل بالضرف الأجنبي بين المصدر ومنصوبه، لأ، قوله: (بضاحي عذاة) متعلق بوقوف، أو ينتظران، فهو أجنبي من المصدر الذي هو قضاء، فوجب لذلك حمل المفعول على فعل آخر كأنه لما قال: (ينتظران قضاءه بضاحي عذاة) أضمر (يقضي)، فنصب به أمره. انتهى كلامه.
وقال ابن السيد في (شرح أبيات الجمل) لا يجوز لك أن تحول بين الصلة والموصول، لأن ما بعد القضاء صلة المصدر، فيجب أن يكون ظرفا للقضاء لا لوقوف، ولا لينتظرن انتهى. فالمصنف مسبوق به، وخالف ابن هشام اللخمي في (شرح أبيات الجمل) فقال: والباء من قوله: (بضاحي) متعلقة بـ (ينتظرن) وهو غير جيد منه. قال ابن السيد: وجملة (ينتظرن قضاءه) حال من الضمير في (وقوف)، أو صفة له، وجملة (وهو ضامز) حال أيضا، ووقوف: جمع واقف، وكان يجب أن يقول: واقفات أو وقف، وكأنه حمله على النسب، كناقة ضامز، أو حمل التذكير على معنى الشخص، أو لأن الجمع يذكر ويؤنث، ويحتمل أن يريد: وهن ذات وقوف، فحذف المضاف، فيكون الوقوف مصدرا. وقال اللخمي: جملة (وهن وقوف) حال من الهاء من عيونها الواقعة في البيت الذي قبله، وجملة (ينتظرن) حال من ضمير وقوف أو صفة له أو خبر بعد خبر. انتهى.
والبيت من قصيدة للشماخ. وقوله: (وهن وقوف) الذي في ديوانه:
لهن صليل ينتظرن قضاءه
[ ٧ / ١٦٥ ]
قال جامع ديوانه: هذا مثل يقال: جاء بسقائه يصل، أي: قد يبس، فقيل لكل عطشان: يصل. والعذاة، بإهمال العين وإعجام الذال: البعيد من الماء والريف، والضامر: الساكت، ينتظرون قضاءه: أمره ليسرد بهن، أي: ليقضي أمره فيهن. انتهى. والضمير المؤنث للأتن الوحشية، جمع أتان، وهي أنثى الحمار، والضمير المذكور راجع للجأب، وهو الحمار الوحشي، وقضاءه: مصدر مضاف إلى فاعله، وأمره: مفعوله؛ وهو من قضيت حاجتي، أي بلغتها ونلتها. وقد أورد أبن جني هذا البيت في "اعراب الحماسة" وتعرض لمعنى الباء، ولم يتعرض لمتعلقها، قال بعد انشاد البيت، أي: في ضاحي عذاة، وتوهم بعضهم أن الباء لا تقع بمعنى في إلا مع المعرفة كقولنا: كنا بالبصرة وأقمنا بالمدينة، والبيت شاهد عليه، ألا ترى أن ضاحي عذاة نكرة لا معرفة. انتهى.
والبيت من قصيدة طويلة للشماخ وهذا بعد أربعة ابيات من أولها:
كأن قتودي فوق جأب مطرد من الحقب لاحته الجداد الغوارز
طوى ظمأها في جمرة القيظ بعدما جرت في عنان الشعريين الأماعز
وظلت بأعراف كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز
وهن وقوف ينتظرن قضاءه .. البيت.
فلما رأين الورد منه عزيمة مضين ولاقاهن خل مجاوز
قوله: "كأن قتودي فوق إلى آخره": يريد تشبيه راحلته بحمار وحش يطلب ماء من شدة القيظ مع أتنه، والقتود، بالضم جمع قتد، بفتحتين: وهو خشب الرحل، والجأب، بالجيم والهمزة: الحمار الغليظ من حمر الوحش، والمطر: الذي طردته الرماة، أعني: مطاردة الصائد إياه، والحقب جمع أحقب: وهو الحمار الأبيض الحقوين، ولاحته: غيرته، والجداد، بكسر الجيم: جمع جدود، بفتحها: وهي التي قد يبس لونها، والغوارز: التي قلت ألبانها جمع غارز، وقوله: ظمأها: قال جامع ديوانه، أي: زاد فيه؛ أدخل ظمأين في ظمء، حيث اشتد الحر، أي: جعل الظمأين ظمأ واحدا خوفا من النهوض إلى الماء، فهو أشد
[ ٧ / ١٦٦ ]
لعطشه وعطشها، وجمرة القيظ: شدة حره وتلهبه، وروي: بيضة الحر، وهي معظمه، ويقال: قد باض الحر علينا، "وجرت في عنان الشعريين": ضربه مثلا يقول: بعد ما طلعت الشعري، وعنانها: أولها، والظمء: قدر ما بين الشربين. انتهى. والأمعز: الأرض الغليظة ذات الحجارة، وجري الأماعز ها هنا: سيلانها، وهو كناية عن السراب.
وقوله: وظلت بأعراف إلى آخره يعني الأتن، وظلت: أقامت، والأعراف: ظهور الرمال جمع عرف. والركي: الآبار، الواحدة ركية. قال جامع ديوانه: هل تدنو: هل تغيب، أي: قائلة هل تدنو للمغيب، والنواكز: الغوائر، نكزت البئر تنكز نكوزا: إذا ذهب ماؤها.
وقوله: فلما رأين الأمر منه .. إلى آخره. قال جامع ديوانه: حل: طريق مجاوز، أي يجاوز الرملة، يريد أن الخل الطريق في الرمل، والمجاوز: النافذ إلى غيره، يقول: لما رأين أن ورد الماء عزيمة منه مصمم عليه اسرعن في المضي، وصادف طريقهن الرمل، فلما قطعته أدركن الماء، صادفن الصيادين إلى آخرما ذكره.
والشماخ: شاعر صحاني، اسمه معقل بن ضرار، وديوانه كله على هذا النمط، وليس فيه ما يصلح للمذاكرة، وتقدمت ترجمته في الانشاد الثامن بعد الستمائة.
وانشد بعده، وهو الانشاد الثاني والثمانون بعد السبعمائة:
(٧٨٢) وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
قال ابن الشجري في المجلس التاسع والعشرين من "أماليه": قوله: "بأن تسعدا"
[ ٧ / ١٦٧ ]
متعلق في المعنى بالوفاء، لأنه اراد: "وفاؤكما بأن تسعدا كالربع"، فلما فصل بينهما بأجنبي، وجب عند النحويين تعليقه بمضمر، تقديره ععند أبي الفتح: "وفيتما بأن تسعدا"، والمعنى: "وفيتما باسعادي وفاء ضعيفا"، ولذلك شبه وفاءهما بالربع الدارس. قال له بأي شيء تتعلق الباء من "بأن؟ " فقال: بالمصدر الذي هو وفاؤكما، فقلت له: وبم ارتفع وفاؤكم؟ فقال: بالابتداء، فقلت: وما خبره؟ فقال كالربع، فقلت: وهل يصح أن تخبر عن اسم وقد بقيت منه بقية، وهي الباء ومجرورها؟ فقال: هذا لا أدري ما هو إلا أنه قد جاء في الشعر له نظائر، وانشدني:
لسنا كمن حلت إياد دارها تكريت ترقب حبها أن يحصدا
أي: لسنا كإياد، فدارها الآن ليست منصوبة بحلت هذه، وإن كان المعنى يقتضي ذلك، لأنه لا يبدل من الاسم إلا بعد تمامه، وإنما هي منصوبة بفعل مضمر يدل عليه: "حلت" الظاهر، كأنه قال: فما بعد "حلت دارها" انتهى كلام أبي الفتح.
ومعنى البيت: أنه خاطب صاحبيه وقد كانا عاهداه بأن يسعداه ببكائهما عند ربع أحبته، فقال: وفاؤكما بإسعادي شبه للربع، ثم يبين وجه الشبه بينهما بقوله: "أشجاه طاسمه" يعني أن الربع إذا تقادم عهده فدرس، كأن أشجي لزائره، أي أبعث لشجوه، أي: لحزنه، لأنه لا يتسلى به المحب كما يتسلى بالربع الواضح، وكذلك الوفاء بالاسعاد إذا لم يكن بدمع ساجم-[أي: هامل-كان أبعث للحزن، فأراد: أبكيا معي بدمع ساجم] فإن الدمع أشفى للغليل إذا سجم. كما أن الربع أشجى للمحب إذا عفا وطسم. انتهى كلامه.
[ ٧ / ١٦٨ ]
وقال ابن الحاجب في "أماليه": الظاهر أنه أراد أن يخبر عن "وفاؤكما" كما بقوله: "بأن تسعدا"، أي: وفاؤكما حاصل بأن تسعدا، وقوله كالربع مقدم، والمراد به التأخر متعلق إم تعلق به "بأن تسعدا" أي: حاصل بإسعاد كما مثل حصول وفاء الربع بإسعاده بالشجاب بسبب الطسم، وإما متعلق بالإسعاد، أي وفاؤكما حاصل بإسعادكما إسعادا مثل اسعاد الربع بما ذكر، وإما متعلق بالإسعاد، أي: وفاؤكما حاصل بإسعادكم إسعادا مثل إسعاد الربع بما ذكر، وإما بوفائكما وفاء مثل وفاء الربع بالطسم المعين على الشجا حاصل بأن تسعدا، وإما متعلق بمحذوف على أن يكون خبر مبتدأ، أي: هو كالربع إما إضمار للوفاء، وإما إضمار للإسعاد، وإما إضمار للمخاطب، وما ذكره أبن جني في معناه عن المتنبي مشعر بأن الباء وما في حيزها في قوله: بأن تسعدا هو الخير عن "وفاؤكما"، ويجوز أن يكون قوله: كالربع، خبر المبتدأ الذي هو وفاؤكما. وقوله بأن تسعدا متعلق بوفائكما، أي: وفاؤكما بالإسعاج مشبه للربع في وفائه بالطسم المعين على الشجا. وقوله: أشجاه طاسمه تقرير للمعنى الذي يكون به الربع معينا على الاسعاد، وهو الإخبار عن كونه مشجيا إذا كان طاسما، وكلها تعسفات لما يلزم من تقديم متعلق المصدر عليه، أو الفصل بين المبتدأ وخبره بالأجنبي الذي هو كالربع، وقوله: "والدمع أشفاه ساجمه" مما يقوي هذا المعنى، ويقرر أنه أراد بالاسعاد ما يعين على البكاء والشجا، فذلك جعل غزارة الدمع شافية، فيقوى أن يكون المعنى بقوله عن الربع: "أشجاه طاسمه" تقرير أن طسمه مسعد لكونه يؤدي إلى الشجا المتضمن لغزارة الدمع التي جعلها شافية، ولإسعاد أبلغ مما يؤدي إلى الشفاء، وهذا يضعف قول من يزعم أن قوله كالربع خبر المبتدأ، وعلى معنى أنه أخبر عن وفائهما وعدمه كالربع في دثوره وإبكائه. هذا آخر كلام أبن الحاجب.
والبيت مطلع قصيدة للمتنبي
[ ٧ / ١٦٩ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثالث والثمانون بعد السبعمائة:
(٧٨٣) لسنا كمن حلت إياد دارها تكريت تمنع حبها أن يحصدا
أورده أبن جني في بابين من "الخصائص" الأول باب شجاعة العربية قال: أنشده أبو الحسن، ومعناه: لسنا كمن حلت دارها، ثم أبدل "إياد" من "من" فإن حملته على هذا، كان لحنا لفصله بالبدل بين بعض الصلة وبعض، فجري ذلك في فساده مجرى قولك: مررت بالضارب زيد جعفرا، وذلك أن البدل إذا جرى على المبدل منه آذن بتمامه وانقضاء أجزائه، فكيف يسوغ لك أن تبدل منه وقد بقيت منه بقية هذا خطأ في الصناعة، وإذا كان كذلك، والمعنى عليه، أضمرت ما يدل عليه "حلت" فتنصب به الدار، فصار تقديره: لسنا كمن حلت إياد، أي: كإياد التي حلت، ثم قلت من بعد: حلت دارها، فدل "حلت" في الصلة على "حلت" وهذه التي نصبت دارها.
وذاكرت المتنبي شاعرنا نحوا من هذا، وطالبته به في شيء من شعره، فقال: لا أدري ما هو إلا أن الشاعر قال: "لسنا كمن حلت .. البيت". فعجبت من ذكائه، وحضوره مع قوة المطالبة له حتى أورد ما هو في معنى البيت الذي تعقبته عليه من شعره، واستكثرت ذلك منه، والبيت قوله:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه أنتهى.
والثاني: باب تجاذب المعاني والإعراب، قال: ومن ذلك ما انشده أبو الحسن:
لسنا كمن حلت. . . . . . . البيت.
فإياد يدل من "من"، وإن كان كذلك. لم يمكنك أن تنصب دارها بحلت هذه
[ ٧ / ١٧٠ ]
الظاهرة لما فيه من الفصل، فيحسن ما تضمر لها فعلا بتناوله، فكأنه قال فيما بعد: حلت دارها، وإذا جازت دلالة المصدر على فعله، والفعل على مصدره، كانت دلالة الفعل على الفعل الذي هو مثله أدنى إلى الجواز وأقرب مأخذا في الاستعمال. أنتهى.
وحلت: نزلت، وفي نسخ هذا الكتاب جعلت وهو تحريف من النساخ. وإياد: قبيلة من معد، تكريت، بفتح أوله: بلد بشاطئ الفرات، سميت بتكريت بنت وائل، وهي عطف بيان لدارها، وتنظر معناه: تنظر، و"تمنع" من تحريف النساخ. وروي "ترقب" بمعنى: تنظر المذكورة، وحبه، أي: حب تكريت باعتبار البلد، ويروى حبها، والضمير لإياد، والمراد به الزرع مثل البر والشعير والذرة والدخن وما أشبه ذلك، مما يؤكل ويحصد بالبناء للمفعول من حصد الزرع: إذا أخذه من منبته بمنجل وغيره بعد استوائه، يريد أن قبيلة إياد أهل زرع وفلاحة معيشتهم بزرعهم، فهم ينتظرون إدراكه، وليسوا بأصحاب إبل ولا بداوة.
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري كتبها عن قومه، وأرسلها إلى كسرى أنوشروان لما طلب منهم الدخول في حكمه، فأبوا. قال بعد أبيات كثيرة من أولها:
من مبلغ كسرى إذا ما جاءه عنا وأبلغ من سعى وتجردا
التجرد: التخفف للسير. تجرد للسفر: إذا اكتفى بأخف ثيابه.
آليت لا أعطيه من ابنائنا رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا
كلا وبيت الله حتى تنزلوا من رأس شاهقة إلينا الاسودا
لنقاتلنكم على ما خيلت ولتحفلن لمن بغى وتمردا
ما بين عانة والفرات كأنما جس الغواة به ضراما موقدا
[ ٧ / ١٧١ ]
لسنا كمن حلت إياد دارها تكريت تنظر حبه أن يحصدا
جعل الإله طعامنا في مالنا رزقا تضمنه لنا ان ينفدا
مثل الهضاب جوارها بسيوفنا فإذا تراع فإنها لن تطردا
ولعمر جدك لز رأيت مقامنا لرأيت منا منظرا لك مبعدا
في عارض من أوائل أن تلقه يوم الهياج يكن مسيرك أنكدا
فأقعد عليك التاج معتصبا به لا تطلبن سوامنا فتعبدا
لا تحسبنا غافلين عن التي تغشى وجوه القوم لونا أسودا
وترجمت الأعشي تقدمت في الانشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده
فلولا الغمد يمسكه لسالا أوله يذيب الرعب منه كل عضب
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الاربعين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الرابع والثمانون بعد السبعمائة:
(٧٨٤) ابعد بعدت بياضا لا بياض له لأنت أسود في عني من الظلم
قال الحريري في "درة الغواص": قد عيب على المتنبي هذا البيت، ومن تأول
[ ٧ / ١٧٢ ]
له في جعل أسود هنا من قبيل الوصف المحض الذي تأنيثه سوداء، وأخرجه عن حيز أفعل التفضيل والترجيح بين الاشياء، ويكون على هذا التأويل قد تم الكلام، وكملت الحجة في قوله: لأنت أسود في عيني، وتكون "من" التي في قوله: "من الظلم" لتبيين جنس السواد، لأنها صلة أسود. ومعنى قوله: لا بياض له، أي: ماله نور، ولا عليه طلاوة. أنتهى.
وقال الواحدي: وجميع من فسر هذا الشعر قالوا في قوله: "لأنت أسود في عيني من الظلم": إن هذا من الشاذ الذي أجازه الكوفيون من نحو قوله: أبيض من أخت بني بياض
وسمعت العروضي يقول: أسود هنا واحد السود، والظلم: الليالي الثلاث في أواخر الشهر التي يقال لها: ثلاث ظلم، يقول لبياض شبيه: أنت عندي واحد من تلك الليالي الظلم. وقوله: إبعد، بكسر الهمزة وفتح العين من باب فرح، يقال: بعد يبعد بعدا: إذا ذل وهلك، وعني بالبياض الأول الشيب، يقول: يا بياضا ليس له بياض يريد معنى قول أبي تمام:
له منظرا في العين أبيض ناصع ولكنه في القلب أسود أسفع
يقول: بياض الشيب ليس ببياض فيه نور وسرور، وهو أشد سوادا من
[ ٧ / ١٧٣ ]
الظلم، لما يودي به من قرب الأجل، وقطع الأمل. والبيت من قصيدة قالها المتنبي في صباه.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الخامس والثمانون بعد السبعمائة
(٧٨٥) يلقاك مرتديا بأحمر من دم ذهبت بخضرته الطلى والأكبد
قال أبو حيان في "تذكرته": الظاهر أنه أفعل التفضيل، وتأويله أن "من دم" في موضع الصفة جعله من لكثرة تلبسه بالدم، أو "من دم" للتعليل، أي: هو محمر من أجل الدم. أنتهى.
والبيت قصيدة للمتنبي، مدح بها شجاع بن محمد الطائي مطلعها:
اليوم عهدكم فأين الموعد هيهات ليس اليوم عهدكم غد
وقبل البيت:
صح يال جلهمة تذرك وإنما أشفار عينك ذابل ومهند
من كل أكبر من جبال تهامة قلبا ومن جود الغوادي أجود
يلقاك مرتديا البيت.
جلهمة: اسم طيء، وطئ: لقب. يقول: إذا دعوتهم، دنوا منك برماحهم وسلاحهم، فيكونون في الدنو منك كأشفار عينك.
وقوله: "من كل أكبر" هذا صفة رجال جلهمة، يقول: من كل رجل أكبر قلبا من الجبال، وأجود من مطر السحاب.
[ ٧ / ١٧٤ ]
وقوله: يلقاك مرتديا، أي: متقلدا بسيف قد أحمر من الدم وزالت خضرة جوهرة بدماء الأعناق والأكباد. هذا كلام الواحدي.
والطلى، جمع طلية: مقدم العنق، والأكبد: جمع كبد، وهذا الجمع غير معهود، وإنما المعهود وأكباد وكبود.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس والثمانون بعد السبعمائة:
(٧٨٦) تتقطعت بي دونك الاسباب
قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنها زيادة حرف في الكلمة على طريق التوهم نحو قولك:
طلب لعرفك يا ابن يحيى بعدما تتقطعت بي دونك الاسباب
زاد تاء التوهم، وذلك أن "تقطعت" كثرت في الكلام حتى ظن أنها فعللت، فزاد عليها التاء التي تزداد في تفعلت. انتهى كلامه.
وطلب: مبتدأ محذف الخبر، تقديره: عندي طلب، واللعرف بالضم: المعروف والإحسان، والظاهر أن يحيى هنا هو يحيى بن خالد البرمكي، وأبنه إما جعفر وإما الفضل، وإما موسى، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثامنون بعد السبعمائة.:
(٧٨٧) اتقرح أكباد المحبين كالذي أرى كبدي من حب مية تقرح
على أن صاحب كتاب "البديع" وهو كتاب خالف فيه النحويين في أمور كثيرة
[ ٧ / ١٧٥ ]
زعم فيه أن "الذي" في البيت بمعنى "أن" وأن "أن" تأتي بمعنى "الذي" قد ذكره أبو حيان في "تذكرته" وسرد ما وقع في كتابه من مخالفة النحويين من أول كتابه إلى آخره. قال: محمد بن مسعود بن الزكي له كتاب في النحو سماه بالبديع، أدعى فيه أشياء خارجة عن المعتاد في النحو، وذكر فيه أن النحاة على خمس طبقات، وخلط فيها، وغلط غلطا فاحشا فيها، وذكر من الطبقة الخامسة أبا الحسن على بن فضال المجاشعي المغربي، وأنه ورد غزنة سنة ست وستين وأربعمائة، وأقام بمها مكرما معظما، وصنف تصانيف منها كتاب "الإكسير في النحو" وذكر من هذه الطبقة أبا الفرج عبد الرحمن بن عدنان المغربي، ورد غزنة سنة أربع وخمسمائة، قال: وهو إمام مقدام هم هرم يناهز المائة، أو يجاوزها، وكان يقول: إن بن فضال المجشاعي قرأ الكتاب على، وتلمذ برهة بين يدي، وأقام بها ثلاث سنين ملحوظ المنزلة من أكابر الدولة، وكنت مدة إقامته ملازما لخدمته، قارئا عليه كتاب الأصول، وهو كان يحفظه ظاهرا.
ثم أخذ أبو حيان في سرد ما خالف فيه من باب الإعراب إلى مسألتنا هذه، قال: ومن المشكلات قولهم: زيد أعقل من أن يهذي، ولا يجوز: زيد أعقل من الهذيان؛ لأن "أن" ها هنا بمعنى "الذي" كما أن الذي بمعنى "أن" في قول ذي الرمة
اتقرح أكباد المحبين كالذي . . . . . البيت.
وفي قوله: (وخضتم كالذي خاضوا) [التوبة/٦٩] أي: كخوضهم، وقوله: (ذلك الذي يبشر الله عباده) [الشورى/ ٢٣] انتهى كلامه.
قال الدماميني: اتقرح: اتضعف، والكبد مؤنثة، فتقرح بالتاء الفوقية. وينبغي أن يكون صلة الذي على جعلها مصدرية، هي الجملة الاسمية وهي: "كبدي من حب مية تقرح". وقوله: "رأى" جملة معترضة بين الصلة والموصول، والمعنى: اتقرح أكباد المحبين مثل قرح كبدي فيما أراه. أقول: من قال بمصدريتها
[ ٧ / ١٧٦ ]
جعل صلتها جملة فعلية، وجميع ما مثلوا به كذلك، وأما وصلها بالاسمية فيحتاج إلى شاهد أو نقل. ثم قال: ويحتمل أن يجعل "الذي" موصولا اسميا، وصلته " أرى" وما بعده، والعائد محذوف، أي: أراه، وقوله: تقرح، في موضع نصب على أنهه مفعول ثان لأرى، وكبدي مفعول منصوب بتقرح، فهو بالياء التحتية، و"الذي" وصف لمحذوف، والمعنى: اتقرح أكباد المحبين كالقرح الذي أراه يقرح كبدي من حب مية. انتهى كلامه.
وهذا البيت من قصيدة لذي الرمة، وليس الثابت في ديوانه كذلك وعندي نسختان صحيحتان منه، والرواية فيهما إنما هي كذا
اتقرح أكباد المحبين كالذي أرى كبدي من حب مية تقرح
وبعده
إذا خطرت من ذكر مية خطرة على القلب كادت في فؤادي تجرح
وتقدم بعد أبيات منها في الانشاد السادس والثمانين بعد الثلاثمائة.
وقد أورد السيوطي هذا البيت في ضمن قصيدة لجميل بن معمر، هذا مما يتعجب منه، فإن مية محبوبة ذي الرمة لا جميل. وتقدمت ترجمة ذي الرمة في الإنشاد الرابع والخمسين.
[ ٧ / ١٧٧ ]
وأنشد بعده وهو الانشاد الثامن والثمانون بعد السبعمائة:
(٧٨٨) إذا أنت فضلت امأ ذا براعة على ناقص كان المديح من النقص
ولم أقف على ئتمته، ولا على قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده
ولبس عباءة وتقر عيني
وتمامه:
أحب إلي من لبس الشفوف
وتقدم عليه في الكلام في الإنشاد الثاني والعشرين بعد الاربعمائة
وأنشد بعده:
لتقم أنت يا ابن خير قريش فلتقضي حوائج المسلمينا
وتقدم في الانشاد الرابع والسبعين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده وهو الانشاد التاسع والثمانون بعد السبعمائة
(٧٨٩) إذا ما شاء ضروا من أرادوا ولا يألوا لهم أحد ضرارا
على أن أصله شاؤوا حذفت الواو وأكتفى بالضمة لأنها تدل عليها، وأورده القراء في تفسيره عند قوله تعالى: (وأخشوني) من سورة البقرة [الآية/ ١٥٠] قال: أثبتت فيها الياء ولم يثبت في غيرها، وكل ذلك صواب وإنما استجازوا حذف
[ ٧ / ١٧٨ ]
الياء لأن كسرة النون تدل عليها، وليست العرب تتهيب حذف الياء من آخر الكلام إذا كان ما قبلها مكسورا من ذلك (أكرمن. وأهانن) في سورة الفجر [الآية ١٥ و١٦]، وقوله: (اتمدونن بمال) [النمل/ ٣٦]. ومن غير النون: المناد، والداع، وهو كثير يكتفي من الياء بكسرة ما قبلها، ومن الواو بضمة ما قبلها مثل قوله: (سندع الزبانية) [العلق/١٨]، «ويدع الإنسان) [الإسراء/ ٩١] وما أشبههه. وقد تسقط العرب الواو، وهي واو جمع اكتفى بالضمة قبلها، فقالوا في ضربوا "قد ضرب" وفي قالوا: "قد قال" وهي في هوازن وعليا قيس، أنشدني بعضهم:
إذا ما شاء ضروا من أرادوا ولا يألوا لهم أحد ضرارا
وأنشدني بعضهم
فلو ان الأطبا كان عندي وكان مع الأطباء الأساة
وتفعل ذلك في ياء التأنيث [من تحت] كقول عنترة:
إن العدو لهم إليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضب
يحذفون الياء وهي دليل على الانثى اكتفاء بالكسرة. هذا آخر كلامه.
وأنشده أبو الحسين عبد الله بن محمد بن سفيان النحوي في كتاب "التفسح في منثور اللغة ومنظومها" كذا:
إذا ما شاء ضروا من أرادوا ولا يسطيعهم أحد ضرارا
[ ٧ / ١٧٩ ]
قوله ولا يألأوهم أي: لا يستطيعهم. قال الجوهري: وألاه يألأوه ألوا: استطاعه. والضرار: المضارة، مصدر ضاره، أي: أوقع كل الضرر بصاحبه. وهذا البيت مشهور في تصانيف العلماء، ولم يذكر أحد منهم قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده
إن الذي حانت بفلج دماؤهم
تمامه:
هم القوم كل القوم يا أم خالد
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الرابع عشر بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده:
فسلم على أيهم أفضل
صدره:
إذا ما لقيت بني مالك
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التسعون بعد السبعمائة
(٧٩٠) إنك إن يصرع أخوك تصرع
على أنه كان ينبغي أن يجزم "تصرع" لأنه جواب الشرط، والجملة الشرطية تكون خبرا ل"إنك" لكنه رفع تصرع، وجعله مع مرفوعه خبرا لإنك، والجملة دليل جواب الشرط، وهو من رجز لعمرو بن خثارم البجلي، وهو:
[ ٧ / ١٨٠ ]
يا أقرع بن حابس يا أقرع إن أخوك فأنظرن ما تصنع
إنك إن يصرع أخوك تصرع
وهو رجز طويل. قال ابن الأعرابي في "نوادره": كان جرير بن عبد الله البجلي تنافر هو وخالد بن أرطاة الكلبي إلى الأقرع بن حابس، وكان عالم العرب في زمانه، والمنافرة: المحاكمة، والعرب كانوا إذا تنازع وتفاخر الرجلان منهم، وادعى كل واحد أنه أعز من صاحبه تحاكما إلى عالم، فمن فضل منهما فضل نفره على نفر الآخر، فقال الأقرع: ما عندك يا خالد؟ فقال: ننزل البراح، ونطعن بالرماح، ونحن فتيان الصياح. فقال: ما عندك يا جرير؟ فقال: نحن أهل المذهب، والأحمر المعتصر، نخيف ولا نخاف، ونطعم ولا نستطعم، ونحن حي لقاح، نطعم ما هبت الرياح، نطعم ما هبت الرياح، نطعم الدهر ونصوم شهر، ونحن ملوك القسر. فقال: واللات والعزى لو نافرت قيصر ملك الروم، وكسرى ملك عيم الفرس، والنعمان ملك العرب، لنصرتك عليهم. فقال عمروا بن خثارم البجلي هذه الأرجوزة في تلك المنافرة، وكانت هذه المنافرة في الجاهلية، وأقرع بن حابس، وجرير بن عبد الله اسلما، وهما صحابيان. وعمرو بن خثارم مات في الجاهلية. والصرع: الهلاك. وقد أوردنا هذا الرجز بتمامه، مع سبب المنافرة، شرحنا ما فيه من غريب ومشكل في الشاهد الواحد والثمانين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
[ ٧ / ١٨١ ]
وأنشد بعده:
"ليسوا مصلحين"
هو قطعة من بيت وأصله:
مشائم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها
وتقدم قريبا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد السبعمائة:
(٧٩١) ولا ذاكر الله إلا قليلا
على أن التنوين قد حذف من ذاكر المنصوب لالتقاء الساكنين، فإن التنوين نون ساكنة ولام الجلالة ساكنة، وكان يمكن دفع التقاء الساكنين بتحريك نون التنوين بالكسر، لكل حذف التنوين لضرورة الشعر.
والمصراع من شعر لأبي الأسود الدؤلي، وروي صاحب "الأغاني" بسنده عن أبي عوانه قال: كان أبو الأسود يجلس إلى فناء امرأة بالبصرة، فيتحدث إليها، وكانت جميلة، فقالت له يا أبا الأسود هل لك أن اتزوجك؟ فإني صناع الكف، حسنة التدبير، قانعة بالميسور. قال: نعم، فجمعت أهلها، وتزوجته، فوجدها بخلاف ما قالت، وأسرعت في ماله، ومدت يدها إلى جبايته، وأفشت سره، فغدا على من كان حضر تزويجه إياها فسألهم أن يجتمعوا عنده ففعلوا، فقال لهم:
أربت أمرا كنت لم أبله أتأنى فقال اتخذني خليلا
[ ٧ / ١٨٢ ]
فخاللته ثم أكرمته فلم استفد من لديه فتيلا
وألفيته حين جربته كذوب الحديث سروقا بخيلا
فذكرته ثم عاتبته عتابا رفيقا وقولا جميلا
فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا
ألست حقيقا بتوديعه وإتباع ذلك صرما طويلا
فقالوا: بلى والله يا أبا الأسود، فقال: تلك صاحبتكم وقد طلقتها، وأنا أحب أن أسر ما أنكرته من أمرها، فانصرفت معهم، انتهى.
وقوله: أريت أمرا إلى آخره، سلك أبو الاسود بهذا الكلام طريقة التعمية على مخاطبة ليتم ما يريد، ولو نسب هذه العيوب إليها مصرحا بها، لربما دافعوا عنها: وأريت بمعنى أخبرني، وأصل الهمزة فيه للاستفهام، وريت أصله رأيت حذفت الهمزة، وهي عين الفعل تخفيفا، قال صاحب "الصحاح": وربما جاء ماضيه بلا همزة، قال الشاعر:
صاح هل ربت أو سمعت براع رد في الضرع ما قرى في الحلاب
قال الكرماني في "شرح البخاري": أربت بمعنى أخبرني، وفيه تجوز إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار، لأن الرؤية سبب الإخبار، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر بجامع الطلب. انتهى.
والرؤية هنا منقولة من رؤية البصر، ولهذا تعدت لمفعل واحد، وزعم المصنف
[ ٧ / ١٨٣ ]
في بحث التاء أن أرأيتك منقولة من الرؤية العلمية، فتقتضي مفعولين، فيقدر الثاني إذا لم يوجد وهو تكلف. ولك أبله من بلاه ببلوه بلوا: إذا جربه واختبره، وخاللته: اتخذته خليلا، والفتيل: الشيء الحقير، وأصله ما يوجد في شق النواة، والرفيق: من الرفق ضد العنف، وقوله: فالفيته غير مستعتب، ألفي: بمعنى وجد، يتعدى لمفعولين، وعند بعضهم المفعول الثاني حال، ومستعتب: اسم فاعل الراجع بالعتاب، واستعتب واعتب بمعنى، وعناهما: أزال الشكوى، فالهمزة في اعتب للسلب، واستعتب: طلب الإعتاب، والعتبي اسم للأعتاب، والمعنى ذكرته ما كان بيننا من العهود، وعاتبته على تركها، فوجدته غير طالب رضاي.
وقوله: ولا ذاكر الله، روى بنصب ذاكر ووجره، فالنصب للعطف على غير، والجر للعطف على مستعتب، ولا لتأكيد النفي المستفاد من غير، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن الشجري، فقال: عطف نكرة على نكرة مجرورة بإضافة غير إليها وانتصاب غير على الحال. انتهى. والتوديع هنا الفراق، والصرم بالضم: الهجر، وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الثالث والأربعين بعد التسعمائة من شواهد الرضي، وترجمة أبي الاسود تقدمت في الإنشاد السابع والعشرين بعد الثلاثمائة.
[ ٧ / ١٨٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد السبعمائة
(٧٩٢) خليلي ما واف بعهدي أنتما
تمامه
إذا لم تكونا لي على من أقاطع
خليلي منادى، وما نافيه، وواف: مبتدأ اسم فاعل من وفى بالعهد: إذا التزمه، ولم يفعل خلافه، والعهد: الميثاق والوصية، وانتما فاعل واف، وساد مسد خبره، وإن يجوز أن تكون ظرفا لواف، ويجوز أنن تكون شرطة، ويكون جملة "ما واف بعهدي انتما" دليل جوابها وتكون تامة، وعلى متعلقة به، والمعنى: إذا لم تساعدني على قطع ما أقاطعه فما وفيتما بعهدي، والبيت مجهول قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد السبعمائة:
(٧٩٣) وحبذا نفحات من يمانيه تأتيك من قبل الريان أحيانا
على أنه قيل: الاسم الذي بعد "حبذا" عطف بيان لذا، ويرده هذا البيت، فإن المعرفة لا تبين بالنكرة، وقد جمع أبو حيان في "تذكرته" جميع المذاهب، فأحببت أن أثبته هنا، قال: "حبذا زيد"، حبذا: مبتدأ عند المبرد ذكره في "المقتضب"، وابن جني في "اللمع" وعند الأخفش: "زيد" مرتفع بحبذا
[ ٧ / ١٨٥ ]
كما ارتفع الاسم بضرب، وهو ظاهر مذهب الجرمي في "الفرخ"، ومذهب ابن كيسان أن ذا مرفوع بحب، وزيد مرفوع بما ارتفع به في نعم الرجل زيد، وحكى عن بعض البصريين أن حبذا خبر مقدم، واختار ابن الحاج أن يكون "زيد" بدلا من ذا، ولا يلزم منه حب زيد، لأنه استعمل استعمال الأمثال، واجاز الصيمري أن يكون زيد مبتدأ خبره حبذا، وأن يكون حبذا مبتدأ خبره زيد، وأن يكون خبرا لمبتدأ محذوف كما قيل في: نعم الرجل زيد، أي: هو زيد، ومذهب درويد: أن ذا صلة، يعني زائدة، وليست اسما مشارا إليه بدليل حذفه في "وحب دينا" قال: وكثرة إدخالهم حرف النداء على حبذا ما يدل على أنه أسم. هذا موضع تعجب منه، لأن "يا" ليس يلزم أن تدخل على الاسماء في مذهب سيبويه وأبى على وابن جني، لأنه يقع بعدها الحروف والأفعال. انتهى.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها الأخطل. وقبله:
يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا
وبعده
هبت جنوبا فذكرى ما ذكرتكم عند الصفاة التي شرقي حوارنا
قوله: "يا حبا جبل الريان" هو من شواهد الجمل الزجاجية، قال ابن السيد في شرحها، قوله: يا حبذا يحتمل أن يكون "يا" نداء، والمنادى محذوفا، كأنه قال: يا قوم حبذا جبل الريان، ويحتمل أن تكون استفتاح كلام، وقوله: من جبل في موضع نصب على التمييز، والعامل فيه معنى الجملة المتقدمة، كأنه قال: هو
[ ٧ / ١٨٦ ]
حبيب إلى من بين الجبال، وأخصه بمحبتي من بين الجبال، كذا قال الكسائي والفراء، وقال اللخمي في شرحها ايضا: الريان: أرض لبني عامر بن صعصعة كانت محبوبته تحل بجبل الريان، فحبب إليه ذلك الجبل من أجل محبوبته، وساكن الريان من كان من صديق أو عدو، لأن منازل الأحباب عند العرب بمنزلة الأحباب، فهي تحن إليها، وتذكرها في أشعارها، وقال المتنبي في هذا المعنى:
لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل
ويروى أن الفرزدق قال له: وإن كان ساكنه قرودا؟ فقال له جرير: إنما قلت "من".
وحكي مسعود الدولة المصري أن "من" في قوله "من كان" في موضع نصب على التمييز أيضا، وما بعدها في موضع الصفة، قال: ويدل على كونها تفسيرا أنها على مقابلة قوله: من جبل، وجاء التفسيران بعد المقصود، وقيل: إن من استفهام، وهي خبر كان مقدم، والتقدير: أي شيء كان فإني أحبه، وقيل: إن "من" بدل من ساكن ويكون اسم كان ضميرا فيها عائدا على "من" ويكون الخبر محذوفا، والتقدير: من كان ساكنا من الناس فساكن الخير، وأحسن هذه الأقوال، وأقواها كون "من" خبرا مقدما لكان. انتهى كلام اللخمي.
وقوله: وحبذا نفحات، جمع نفحة من قولك: نفحت الريح: إذاا هبت، ويعني اليمانة: الجنوب، لأنها تهب من قبل اليمن، وأوضح ذلك بقوله: هبت جنوبا. والمعنى: أنه لما هبت الريح من ناحية من يحبه تذكره، وحن إليه، وفي "معجم البلدان": الريان: جبل في ديار طيء، لا يزال يسيل منه الماء، والريان أيضا: واد في حمى ضرية في أرض كلاب أعلاه لبني الضباب، وأسفله لبني جعفر، وقال أبو زياد: الريان: واد يقسم حمى ضرية من قبل مهب الجنوب ثم يذهب نحو مهب الشمال، وريان: اسم جبل في بلاد بني عامر، والريان:
[ ٧ / ١٨٧ ]
جبل أسود عظيم في بلاد طيء إذا أوقدت عليه النار، أبصرت من مسيرة ثلاث، وقيل: هو من أطول جبال أجأ، قال جرير إما فيه أو في غيره:
يا حبذا جبل الريان من جبل البيتين
وقوله: هبت جنوبا إلى آخره هو من شواهد سيبويه. قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه جعل شرقي حوران ظرفا، ولو لم يكن ظرفا لم تكتف به صلة "الي" والصفاة: الصخرة الملساء، وهي هنا موضع بعينه، وحوران: موضع معروف بالشام، وأراد: هبت الريح جنوبا. وجنوبا منصوب على الحال، وإن شئت رفعت جنوبا بهبت، ويجوز أن يكون الضمير في هبت يعود إلى اليمانية في البيت السابق. وترجمة جرير تقدمت في الانشاد الحادي عشر.
وانشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد السبعمائة:
(٧٩٤) ألا حبذا لوما الحياء وربما منحت الهوى ما ليس المتقارب
هو من ابيات لمرادس بن همام الطائي، وقيل: مرادس بن هماس، أوردها أبو تمام في "الحماسة"، وهي:
هويتك حتى كاد يقتلني الهوى وزرتك حتى لامني كل صاحب
وحتى رأى مني أدانيك رقة إليك ولولا انت ما لان جانبي
ألا حبذا لوما الحياة وربما منحت الهوى ما ليس بالمتقارب
بأهلي ظباء من ربيعة عامر عذاب الثنايا مشرفات الحقائب
[ ٧ / ١٨٨ ]
قال التبريزي في شرحه: قوله: لولا أنت، أي: لولا هواك ما لنت لهم، وقوله: ألا حبذا، المحبوب محذوف كما حذف المحمود في قوله تعالى: (نعم العبد أنه أواب) [ص/ ٣٠]، والمراد: حبيب إلى التهتك في الهوى لولا الحياء، على أنني ربما منحت هواي ما لا مطمع في دنوه، ويروى: "من ليس بالمتقارب" أي: أحببت من لا ينصفني، ولا مطمع فيهز قال أبو العلاء: لوما الحياء، أي: حبذا ذكر هؤلاء النساء لولا أني استحي أن أذكرهن، والحياء مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى: لوما الحياء يمنعني، ولو رويت لوما الحياء، فجعلت لوما من اللوم، وأضفته إلى الحياء، لحسن ذلك، والمعنى قريب من الأول، انتهى كلامه.
وقال ابن جني في "إعراب الحماسة" قوله: ألا حبذا، حذف المقصود بذكر المحبة، كما حذف المثني عليه في قوله تعالى (نعم العبد) لما علم أنه أيوب، فكذلك عرف من المقصود بالمحبة هنا بقوله: بأهلي ظباء .. فكأنه قال: حبذا ظباء من قصتهن كذا، وزاد في أنه بذلك طول الكلام، فصار كالعوض في اللفظ من المحذوف.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد البعمائة:
(٧٩٥) لم أكن بأعجلهم
وهو قطعة من بيت من قصيدة الشنفري الشهيرة بلامية العرب وهو:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذا أجشع القوم أعجل
[ ٧ / ١٨٩ ]
زيدت الياء في خبر كان المنفية، والجشع، بفتحتين: شدة الحرص على الأكل يصف نفسه بالقناعة وعدم الشره. وهذه القصيدة ثمانية وستون بيتا، وقد شرحتها تماما في مواضع متفرقة من شواهد الرضى، والشنفري: شاعر جاهلي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد السبعمائة:
(٧٩٦) أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني وفرق الهجر بين الجفن والوسن
قال ابن الحجاب في "أماليه": اسفا يجوز أن يكون مفعولا من أجله، وكان القياس يقتضي مجيء اللام، إذا ليس هو لفاعل الفعل المعلل، فيكون حذفها لضرورة الشعر، وقد جاء مثل ذلك ويجوز أن يقال: إن الهوى لما كان من سبب المتكلم، فكأنه هو الذي أبلى نفسه، فيكون أسفا فعلا لفاعل الفعل المعلل في المعنى، ويجوز أن يقال: إنه جعل الهوى أسفا مبالغة، كأن الحب نفسه صار له أسف على من تعلق به، فيكون لذلك فعلا لفاعل الفعل المعلل أيضا، ولا يستقيم أن يكون مصدرار إلا على تأويل حذف مضاف، كأنه قيل: إبلاء أسف وهو ضعيف، لأنه يؤدي إلى أن يكون متعلقات الفعل كلها مصادر، كقولك: ضربت يوم الجمعة، لصحة تقدير: ضربت ضرب يوم الجمعة، وفيه اخراج الأبواب عن حقائقها. انتهى.
وقال الواحدي: الأسف: شدة الحزن، يقال: أسف يأسف أسفا فهو أسف وأسيف، وانتصب أسفا على المصدر، ودل على فعله بما تقدمه، لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال: أسف أسفا، ومثله كثير في التنزيل كقوله تعالى: (صنع الله الذي اتقن) [النمل/ ٨٨]، وبلي الثوب يبلي بلى وبلاء، وأبلاه
[ ٧ / ١٩٠ ]
وغيره إبلاء، ومعنى إبلاء الهوى بدنه: إذهابه لحمه وقوته بما يورد عليه من شدائده، وخص يوم النوى لأن برح الهوى إنما يشتد عند الفراق، ويوم النوى ظرف للإبلاء، ويجوز أن يكون معمول المصر الذي هو أسفا، والمعنى يقول: أدى الهوى بدني إلى الأسف والهزال يوم الفراق، وبعد هجر الحبيب بين جفني والنوم، أي: لم أجد بعده نوما. أنتهى.
وهذا البيت أول أبيات ثلاثة قالها في صباه، وهي أول ديوانه، وبعده:
روح تردد في مثل الحلال إذا أطارت الريح عنه الثوب لم أبن
كفى بجسمي نحولا أنني رجل لولا مخاطبتي إياك لم ترني
ويأتي شرحها في الباب السابع إن شاء الله تعالى
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد السبعمائة:
(٧٩٧) إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند
على أنه روى الضحاك بالحركات الثلاث، قال أبو حيان في تذكرته: أجاز الأخفش في "الضحاك" الرفع على أنه قام مقام مضاف محذوف، أي: وحسب الضحاك، والنصب على أنه مفعول معه، والجر عطفا على الضمير. انتهى.
وقال أبو بكر بن السراج في "الأصول": قال الأخفش: تقول: حسبك وعبد الله درهمان، على معنى يكفيك وعبد الله درهمان، فإن جررت، فهو جائز، وهو قبيح، وقبحه لأنك تعطف ظاهرا على ضمير مجرور، وأنشد:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا البيت ..
[ ٧ / ١٩١ ]
فمنهم من ينصب الضحاك، ومنهم من يجر، ومنهم من يرفع، فإن ظهرت، قلت: حسب زيد وأخيه درهمان، وقبح النصب والرفع، لأنك لم تضطر إلى ذلك. أنتهى. والعصا مستعار لجماعة المسلمين، وانشقاقها: عبارة عن اختلاف كلمتهم، قال صاحب "العباب": وانشقت العصا، أي: تفرق الأمر، وأصل هذا في الخوارج، فإنهم شقوا عصا المسلمين، أي: اجتماعهم وائتلافهم، أي: فرقوا جمعهم، ووقع الخلاف، وذلك لأنها لا تدعى العصا حتى تكون جميعا، فإذا انشقت لم تدع عصا، ومن ذلك قولهم للرجل إذا قام بالمكان، وأطمأن به، واجتمع له فيه أمره، قد ألقى عصاه، قال:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا البيت ..
أقول القاء العصا كناية ععن الإقامة كقول الشاعر:
فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالإياب المسافر
ولقد ظرف الباخرزي في قوله:
حمل العصا للمبتلي بالشيب عنوان البلا
وصف المسافر أنه ألقى العصا كي ينزلا
فعلى القياس سبيل من حمل العصا أن يرحلا
والهيجاء هنا بالمد: الحرب، وتقصر أيضا، والضحاك: هنا اسم رجل، وزعم جماعة من شراح الأبيات أنه أسم سيف، ولا يستقيم المعنى عليه، على أني راجعت "العباب" و"التهذيب" فلم ار فيهما أن الضحاك اسم سيف، أو هو وصف من أوصافه، والمهند: القاطع، وقيل: المطبوع في الهند، والمعنى: إذا
[ ٧ / ١٩٢ ]
اختلفت الكلمة ووقعت الحرب، فيكفيك سيف مهند مع ظاهرة هذا الرجل على وجه، أو يكفيكما سيف مهند على وجه آخر، ويشهد لهذا رواية القالي في "الأمالي":
فيكفيك والضحاك سيف مهند
وقال بعض فضلاء العجم في شرح ابيات "المفصل"، المعنى: إذا وقعت الحرب، ووقع الخلاف والتفرق، فقد كفاك مع هذا الرجل وهو الضحاك، أي كفاكما هذا السيف واستغنيتما به. انتهى. والبيت قائله مجهوا، والله أعلم.
وأنشد بعده:
في ليلة لا ترى بها أحدا يحكى علينا إلا كواكبها
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثالث والعشرين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد السبعمائة:
(٧٩٨) ها بينا ذا صريح النصح فاصغ له وطع فطاعة مهد نصحه رشد
الصريح: الخالص الذي لم يمازجه شيء، واصغ بضم الغين المعجمة: أمر من صغا يصغوا صغوا: إذا مال لاستماع الكلام، وفيه لغة أخرى، وهي: صغا يصغي بمعناه، فيكون بكسر الغين، وطع: من طاع بمعنى: انقاد، ومهد: اسم فاعل من أهدى هدية، ونصحه: مفعوله، والرشد بفتحتين: خلاف الغي، والبيت قائله مجهول، ولا اعرف تتمه. والله أعلم.
[ ٧ / ١٩٣ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع والتسعون بعد السبعمائة
(٧٩٩) خرجت بها أمشي تجر وراءنا على أثرينا ذيل مرط مرحل
على أن جملة أمشي حال من التاء في "خرجت"، وجملة "تجر وراءنا" حال من ضمير "بها"، والبيت من معلقة امريء القيس، وقبله:
اتيت وقد نضت لبنوم ثيابها لدى الستر إلا لبسة المتفضل
فقالت يمين لله مالك حيلة وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
فقمت بها أمشي تجر وراءنا البيت ..
نضا الثوب بنوضه نضوا: إذا خلعه ونزعه، وجملة: "وقد نضت" حال من التاء، ولدي: ظرف عامله نضت، واللبسة بالكسر: حال الابس وهيئة لبس الثوب كالجلسة، والمتفضل: اللا بس ثوبا واحدا للنوم، أو للخفة في العمل، واسم ذلك الثوب الفضل بضمتين، ويقال للرجل والمرأة: فضل أيضا، والمفضل بكسر الميم: الإزار الذي ينام فيه، أخبر أنه جاءها وقت خلوتها وتومها لينال منها ما يريد.
وقوله: فقالت يمين الله: منصوب بمعنى حلفت بيمين الله، ثم أسقطت الباء، فتعدى الفعل إليه، ثم حذف، ويروى يمين الله بالرفع مبتدأ، وخبره قسمي محذوفا، أو تقديره: على، وجملة: "مالك حيلة" جواب القسم، وإن بعد ما زائده والغواية: الغي، ويروى بدله: "العماية" بمعناه. المعنى: أنها خافت أ، يعلم بأمرهما فقالت: مالك حيلة في التخليص، أو مالك حيلة فيما قصدت له، وقال ابن حبيب: لا أقدر أن احتال في دفعك عني، وقوله: فقمت بها، وروي:
[ ٧ / ١٩٤ ]
خرجت بها، أي اخرجتها، فالباء للتعدية، واثرينا بالتثنية، وروي: "على إثرنا" بكسر الهمزة وسكون المثلثة، والأول بفتحتين، و"ذيل" بالإفراد مع الرواية الأولى، وبالجمع مع الثانية، والمرط بالكسر عند العرب: كساء من خز أو مرعزي، أو من صوف، وقد تسمى الملاءة مرطا، وإنما تجر ذيل المرط ليخفي الأثر، ولا يعرف موضعها، والمرحل: الثوب الذي فيه صور الرحال من الوشي وترجمة امرئ القيس تقدمت في أول الكتاب.
وانشد بعده، وهو الانشاد الموفي الثمانمائة:
(٨٠٠) عهدت سعاد ذات هوى معني فزدت وعاد سلوانا هواها
عهد من عهدته بمال، أي: عرفته به، والأمر كما عهد، أي: عرف، وذات هوى بالنصب: حال من مفعول عهدت وهو سعاد، والهوى: العشق، ومعنى حال من فاعل عهدت وهو التاء، وفي "المصباح": وعني يعني من باب تعب: إذا أصابه مشقة، ويتعدى بالتضعيف، فيقال: عناه تعنية: إذا كلفه ما يشق عليه، والاسم: العناء بالمد. انتهى. والمراد بالمعنى هنا: العاشق، والسلوان مصدره سلاه يسلوه سلوا وسلوانا: إذا نسيه مع ما كان كثير الذكر والمحبه له، يقول: كنت وسعاد متحابين، فأما أنا فصرت إلى ازدياد، وأما هي، فصارت إلى السلو والنسيان، والبيت لم أقف له على تنمية ولا قائل، والله أعلم.
[ ٧ / ١٩٥ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد الواحد بعد الثمانمائة:
(٨٠١) ومن يقترب منا ويخضع نؤوة
تمامه:
ولا يخش ظلما ما أفام ولا هضما
من اسم شرط جازم، ويقترب: فعل الشرط مجزوم به، ونؤوه: جزاء الشرط مجزوم بحذف اليا، وهو من أواه يؤويه إيواءا: إذا أنزله عنده وأكرمه، ولا يخش معطوف عليه، ولا النافية لا تمنع الجزم، ويخضع منصوب بأن مضمرة، وتؤول الفعل بالمصدر، والواو عاطفة مصدرا مؤولا على مصدر متوهم، لأن المعنى: من يكن منه اقتراب وخضوع نؤوه، وفي "المصباح": هضمه هضما من باب ضرب: دفعه عن موضعه فانهضم، وقيل: هضمه كسره، وهضمه حقه: نقصه. والبيت لم أقف له تتمة ولا قائل، والله أعلم.
وأنشد بعده:
أمرتك الحسر
هو قطعة من بيت، وهو:
أمرتك الحسر فافعل ما أمرت به فقد تركتك ذا مال وذا نشب
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثالث والعشرين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده:
وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان
وقد استوفينا الكلام عليه في الانشاد الخامس بعد المائة.
[ ٧ / ١٩٦ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثاني بعد الثمانمائة:
(٨٠٢) تمنى ابنتاى أن يعيش أبوهما وهل أن إلا من ربيعة أو مضر
على أن بعضهم استدل على جواز: قام هند في الشعر، كقوله: تمنى ابنتاي بناءين، فحذفت إحداهما تخفيفا، كما في قوله تعالة (نار تلظى) [الليل/ ١٤]، واستشهد به المحقق الرضي على أن فيه الإيهام على السامع، وقد قصد به الرد على الكوفيين، وذكرنا ما يتعلق به في الشاهد السادس والتسعين بعد الثمانمائة من شواهد الرضى. والبيت أول ابيات للبيد بن ربيعة اللعامري الصحابي قالها لابنته لما حضرته الوفاة، وبعده:
فقوما وقلا بالذي تعلمانه ولا تخشما وجها ولا تحلقا شعر
وقولا هو المرء الذي لا صديقه أضاع ولا خان الخليل ولا غدر
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وقد شرحنا هذه الابيات، وبسطنا الكلام على قوله: ثم اسم السلام عليكما في الشاهد الخامس بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي، وترجمة لبيد تقدمت في الانشاد الواحد والستين.
[ ٧ / ١٩٧ ]
وانشد بعده، وهو الانشاد الثالث بعد الثمانمائة:
(٨٠٣) فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في انيابها السم ناقع
على أن قوله: ناقع خبر لقوله السم، وفي متعلقة بناقع، أو خبر ثان للسم، وهذا قول سيبويه. قال الأعلم في شرح شواهده: الشاهد في رفع ناقع خيرا عن السم عن إلغاء المجرور، ولو نصب على الحال، والخبر المجرور، لجاز، والمساورة: المواثبة، والأفعى لا تلدغ إلا وثبا، والضئيلة الدقيقة من الكبر وهو أشد لمسها، والرقش: جمع رقشاء، وهي المنقطة بسواد، [والناقع: الخالص] قال جامع ديوان الخطيئة عن قوله:
كأني ساورتني ذات سم نقيع ما تلائمها رقاها
النقيع: المنقوع المجتمع، وذلك أن الحية يجتمع سمها من أول الشهر إلى النصف منه، فإن أصابت شيئا لفظته فيه، فإن جاء النصف ولم تصب شيئا تنهشه، لفظته من فيها بالأرض، ثم استأنفت تجمع إلى رأس الشهر، ثم تفعل فعلها الأول، فهذا دأبها الدهر كله. أنتهى.
والبيت من القصيدة للنابغة الذيباني يذكر فيها شدة خوفه من النعمان بن المنذر، وأنه لا ينام الليل إلا غرار لتهمة كان اتهم بها عنده، وقبله:
وعيد أبي قابوس في كنهه اتاني ودوني راكس فالضواجع
[ ٧ / ١٩٨ ]
أبو قابوس: كنية النعمان بن المنذر، وكنة الشيء: مقداره، قال الأصمعي: أي: جائني وعيده في قدر الوعيد، أي لم أكن بلغت ما يغضب علي فيه، وراكس: اسم واد، والضواجع جمع ضاجعة وهو نحنى الوادي، أي: اتاني وعيده وبيني وبينه الأودية والجبا، ثم وصف الحية بقوله:
يسهد في ليل التمام سليمها لحلى النساء في يديه قعاقع
ليل التمام بكسر التاء: أطول ليلة في السنة، والسليم: اللديغ، سمي به تفاؤلا، وكان اللديغ يجعل حلي النساء في يديه، وخلاخليهن في رجليه حتى لا ينام من قعقعتها، أي صوتها.
تناذرها الراقون من سوء سمها تطلقه حينا وحينا تراجع
الحيات، وتطلقه: تخف عنه مرة وتشتد عليه مرة، قال المبرد في "الكامل": ومن التشبيه الصحيح هذه الابيات، وهذه صفة الخائف المهموم. وقد شرحنا هذه القصيدة جميعا في الشاهد الخامس والخمسين بعد المائة من شواهد الرضي وترجمة النابغة تقدمت في الانشاد الثالث والعشرين
وأنشد بعده، وهو الانشاد الرابع بعد الثمانمائة:
(٨٠٤) ولست بالأكثر منهم حصا وإنما العزة للكاثر
صوابه في الرواية: "ولست بالأكثر منه حصا".
[ ٧ / ١٩٩ ]
والبيت من قصيدة للأعشى، ميمون البكري، يهجو بها علقمة بن علاثة، وينفر عليه عامر بن الطفيل، وكان علقمة بن علاثة نافر ابن عمه عامر بن الطفيل العامريين، وكان علقمه كريما رئيسا، وكان عامر عاهرا سفيها، وساقا إبلا جمة لينحر لهما المنفر له، فهابت حكام العرب أن يحكموا بينهما بشيء، إلى أن جاء الأعشى إلى علقمة مستجيرا به، فقال: أجيرك من الاسود والأحمر، قال: ومن الموت، قال: لا. فأتى عامرا، فقال له مثل ذلك، فقال: ومن الموت؟ فقال: نعم، قال: وكيف ذلك؟ قال: إن مت في جواري ودينك، فقال علقمة: لو علمت أن ذلك مراده، لهان علي، ثم أن الأعشى ركب ناقته، ووقف في نادي القوم، وانشدهم هذه القصيدة، ومطلعها:
شاقك من قيلة أطلالاها بالشط فالجزع إلى حاجر
وقيلة: امرأة، والشط: جانب النهر، وحاجر: موضع، ثم بعد أن نسب باثنى عشر بيتا قال:
دعها فقد أعذرت في ذكرها واذكر خني علقمة الحائر
الحي: الفحش، والحائر: الغادر.
اسفها توعدني جاهلا لست على الأعداء بالقادر
بحلف بالله لئن جاءه عني نبأ من سامع خابر
ليجعلني ضحكة بعدها خدعت يا علقم من ناذر
آليت بالله على فتكه فلم أقله عثرة العاثر
ليأتنه منطق فاحش مستوسق للسامع الآثر
لا تحسبني عنكم غافلا فلست بالواني ولا الفاتر
[ ٧ / ٢٠٠ ]
لي أن قال:
فاقن حياء أنت في هذه مالك بعد الجهل من عاذر
إن الذي فيه تماريتما بين للسامع والناظر
ما جعل الجد الظنون الذي جنب صوت اللجب الماطر
مثل الفراتي إذا ما جرى يقذف بالبوصي والماهر
الجد، بضم الجيم: الئر القديمة التي لا يدرى فيها ماء أم لا، والصوب: المطر، واللجب: السحاب، والفراتي: الفرات المعروف، أو الماء العذب، والبوصي: نوع من السفن، والماهر: السابح.
أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمه الفاخر
أي: سبحان الله على معنى التعجب، كما جرت به عادة العرب.
علقم لا تسفه ولا تجعلن عرضك للوارد والصادر
وأول الحكم على وجهه ليس قضائي بالهوى الجائر
حكمتموه فقضي بينكم أبلج مثل القمر الباهر
لا يأخذ الرشوة في حكمه ولا يبالي غبن الخاسر
كم قد مضى شعري في مثله فلست بالمدى ولا النائر
ولست في السلم بذي نائل ولست في الهيجاء بالجاسر
ولست بالأكثر منه حصا وإنما العزة للكاثر
ولست في الأثرين من مالك ولا إلى بكر اولي الناصر
هم هامة الحي إذا ما دعوا ومالك في السؤؤد القاهر
ساد وألفى قومه سادة وكابرا سادوك ععن كابر
فاصبر على حظك مما ترى فإنما الفلج مع الصابر
[ ٧ / ٢٠١ ]
علقم ما انت إلى عامر الناقم الاوتار والواتر
واللبيب الخيل بخيل إذا ثار غبار الكبسة المسائر
اللبس: خلط الشيء بعضه ببعض، والكبة بالفتح هنا: الجماعة، والكبة: الزحام.
سددت بني الأحوص لم تعدهم وعامر ساد بني عامر
قد قتلت شعري فمضى فيكما فاعترف المنفور للنافر
وبعد هذه الابيات قال جامع ديوان الاعشي: لما قال الأعشي هذه القصيدة، نذر علقمه دمه وجعل على كل طريق رصدا، فاتفق أن الأعشى خرج يريد وجها ومعه دليل، فأخطأ به الطريق، فألقاه في ديار بني عامر، فأخذه رهط علقمة، فأتوه به، فقال له علقمة: الحمد لله الذي أمكن منك، فقال الأعشي:
أعلقم قد صبرتني الأمور إليك وما أنت لي مقنص
فهب لي نفسي فدتك النفوس ولا زلت تنمي ولا تنقص
فقال قوم علقمة: أقتله وارحنا منه والعرب من شر لسانه، فقال علقمة: إذا تطلبوا بدمه، ولا ينغسل على ما قاله، ولا يعرف فضلى عنده القدرة، فأمر به فحل وثاقه، وألقى عليه حلة، وحمله على ناقة، واحسن عطاءه، ثم قال له: اذهب حيث شئت، واخرج معه من بني كلاب من يبلغه مأمنه، فقال الأعشى بعد ذلك:
علقم يا خير بني عامر للضيف والصاحب والزائر
والضاحك السن على همه والغاافر العثرة للعائر
[ ٧ / ٢٠٢ ]
وهذا كله في الجاهلية، ثم إن علقمة قدم على رسول الله - ﷺ - وهو شيخ، فأسلم، وبايع، وروي حديثا واحدا، واستعمله عمر بن الخطاب على حوران، فمات بها.
وقوله: "ولست بالأكثر منه حصا" الحصا:: العدد، لأن العرب أميون لا يعرفون الحساب بالقلم وإنما كانوا يعدون بالحصا، وبه يحسبون المعدود، واشتقوا منه فعلا، فقالوا: احصيت، والعزة: القوة والغلبة، والكاثر: الغالب بالكثرة. من كاثرته فكثرته، أي: غلبته، وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد السابع عشر بع الستمائة، وفي الشاهد الخامس والثلاثين بعد المائتين من شواهد المحقق الرضي. وعامر بن الطفيل مات كافرا كالأعشى، وتقدمت ترجمته في الإنشاء التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الخامس بعد الثمانمائة:
(٨٠٥) على أنني بعد ما قد مضى ثلاثون للهجر حولا كميلا
انشده سيبويه في باب كم مع مبيت بعده، وهو:
يذكرنك حنين العجول ونوح الحمامة تدعو هديلا
[ ٧ / ٢٠٣ ]
قال الأعلم في شرح شواهده: الشاهد في فصله بين الثلاثين والحول بالمجرور ضرورة، فجعل سيبويه هذا تقوية لما يجوز في كم من الفصل عوضا لما نعته من التصرف في الكلام بالتقديم والتأخير لتضمنها معنى الاستفهام والتصدر لذلك، والثلاثون ونحوها من العدد لا تمتنع من التقديم والتأخير، لأنها لم تتضمن معنى يجب لها به التصدر، فعلت في المميز متصلا بها على ما يجيب في التمييز. انتهى. وقوله: علىى أنني متعلق بما قبله، والحول: السنة، والكميل: الكامل، وثلاثونن: فاعل مضى، والتذكير يتعدى لمفعولين، أحدهما الياء، وثانيهما الكاف، وحنين: فاعل يذكرنيك، وهو ترجيع الناقة صوتها اثر ولدها، هذا اصله، ومنه معنى الاشتياق، والعجول من الإبل: الواله التي فقدت ولدها بذبح أو موت أو هبة، وقيل التي ألقت ولدها قببل أن يتم بشهر أو شهرين، ونوح الحمامة: صوت تستقبل به صاحبها، لأن أصل النوح: التقابل، وجملة "تدعو": حال من الحمامة، قال ابن قتيبة في "أدب الكتاب": العرب تجعل الهديل مرة فرخا تزعم الأعراب أنه كان على عهد نوح ﵇، فصاده جارح من جوارح الطير، قالوا: فليس من حمامة إلا وهي تبكي عليه، ومرة يجعلونه الطائر نفسه، ومره يجعلونه الصوت. انتهى.
فعلى الأول هو مفعول تدعو بمعنى تبكيه وترثيه، وكذلك على الثاني بمعنى تطلبه لسافدها، لأنه ذكر، قال صاحب "العباب": الهديل: الذكر من الحمام، وعلى الثالث مفعول مطلق، وناصبه إما تدعو بمعنى تهدل، وإما فعل مقدر من لفظه، أي تهدل هديلا، قال صاحب "العباب": والهديل: صوت الحمام، يقال: هدل الحمام يهدل هديلا، مثل: هدر يهدر هديرا.
ومعنى البيتين: لم أنس عهدك على هذه، وكلما حنت عجول، أو هدلت حمامة رقت نفسي، فذكرتك.
والبيتان من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف قائلوها، ونقل العيني عن "الموعب" أنهما للعباس بن مرداس الصحابي، والله أعلم.
[ ٧ / ٢٠٤ ]
وأنشد بعده
كما عسل الطريق الثعلب
صدره:
لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثالث من أول الكتاب
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس بعد الثمانمائة
(٨٠٦) له حاجب في كل أمر يشينه
تمامه:
وليس له عن طالب العرف حاجب
هو من ابيات "تلخيص المفتاح" استشهد به على أن التنوين في حاجب الأول للتعظيم، وفي حاجب الثاني للتحقير.
والبيت من أبيات ثلاثة لمروان ابن ابي السمط، اوردها صاحب " الحماسة البصرية" وهي:
في لا يبالي المدلجون بنوره إلى بابه أن لا تضيء الكواكب
له حاجب عن كل أمر يشينه . . . . . البيت
أصم عن الفحشاء حتى كأنه إذا ذكرت في مجلس القوم غائب
وروي القالي في "أماليه" البيتين الآخريين عن أبي بكر أبن الانباري (انتهى
[ ٧ / ٢٠٥ ]
وجميعهم نسب البيت إلى ابي السمط، قال ابن السبكي في "عروس الافراح" وتبعه الدماميني: هو مروان بن أبي حفصة، قال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" هو مولى مروان بن الحكم، وكان أعتق ابا حفصة يوم الدار، قال مروان:
بنو مروان قومى اعتقوني وكل الناس يعد لهم عبيد
والحاجب: المانع، والشين العيب، والعرف: المعروف بالإحسان، قال ابن خلكان: مروان بن أبي) حفصة: سليمان بن يحي بن أبي حفصة يزيد الشاعر المشهور كان جده أبو حفصة مولى ابن الحكم، فأبلى يوم الدار فأعتقه، وقيل: بل كان لعثمان، فوهبة لمروان بن الحكم، ومروان الشاعر من أهل اليمامة، وفد بغداد، ومدح المهدي والرشيد، ومولده سنة خمس ومائة، وتوفى ببغداد سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السابع بعد الثمانمائة:
(٨٠٧) فارسا ما غادروه ملحما غير زميل ولا نكس وكل
قال ابن الشجري: الرواية نصب فارس بمضمر يفسره الظاهر، و"ما" صلة ويجوز فيه الابتداء، وجملة غادروه صفة له، وغير زميل خبره، وقال ابن
[ ٧ / ٢٠٦ ]
الخشاب فيما كتبه على هامشه ومن خطة نقلت: الرواية برفع فارس كذا رواه أبو زكريا عن المغربي وغيره، وكذا قرأناه على الشيوخ عنه. انتهى.
والبيت من أبيات ثلاثة أوردها أبو تمام في آخر باب المرائي من "الحماسة" وتقدم بيتها الأول في بحث "لو" في الانشاد الرابع والثلاثين بعد الاربعمائة وبسطنا الكلام عليها هناك، والملحم بصيغة اسم المفعول من ألحمته الحرب إ ١ انشبت به في المعركة فقطع لحمه، ويقال للحرب: الملحمة باسم الفاعل، والزميل بضم الزاي وتشديد الميم المفتوحة بعدها ياء ساكنة: الجبان الضعيف، والنكس بكسر النون: الرجل الذي لا خير فيه، والوكل بفتحتين: الذي يكل أمره إلى غيره، وبسط الكلام فيه هناك.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثامن بعد الثمانمائة:
(٨٠٨) دعوني فيا لبي إذا هدرت لهم
تمامه:
شقاق أقوام فأسكتها بدري
قال المفضل بن سلمة الضبي في كتاب "الفاخر" قال الفراء: معنى ليبك إجابة لك قال: ومنه التلبية بالحج، وإنما هو إجابة لأمرك بالحج، وثني يريد إجابة بعد إجابة، ونصبه على المصدر، وقال الأحمر: معناه: إلباب بك، أي: إقامة ولزوم لك، وهو مأخوذ من قولك: لب بالمكان وألب: إذا أقام به، قال: وكان أصله لببك فاستقلوا ثلاث باءات، فقلبوا إحداهن ياء، كما قالوا: تظنيت، يريدون، تظنيت، ومنه قول العجاج:
تقضي البازي إذا البازي كسر
[ ٧ / ٢٠٧ ]
أراد: تقضض البازي، فاستثقل الضادات، فقلبت إحداهن ياء، وقد حكي أبو عبيد عن الخليل أننه قال: أصلها من: لببت بالمكان، فإذا دعا الرجل صاحبه، قال لبيك، فكأنه قال: أنا مقيم عندك، وحكي عنه أيضا أنه قال: هو مأخوذ من قولهم: أم لبة، أي محبة عاطفة، فإن كان كذذلك، فمعناه: إقبال إليك، ومحبة لك، ويقال: إنه مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك، فيكون معناه: اتجاهي إليك، وإقبالي على أمرك، هذا آخر كلام المفضل.
وفي "العباب" للصاغاني قال ابن الانباري في "لبيك" أربعة أقوال، احدها إجابتي لك مأخوذ من: لب بالمكان، وألب له: إذا أقام به، وقالوا: لبيك فثنوا لأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة، وقال بعض النحويين: أصل لبيك: لبيك فاستثقل الجمع بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الثالثة ياء، كما قالوا: تظنيت، والثاني: اتجاهي يا رب وقصدي لك، فثني للتوكيد، وأخذ من قولهم: داري تلب دارك، أي تواجهها، والثالث محبتي لك يا رب من قول العرب: امرأة لبة: إذا كانت محبة لولدها، عاطفة عليه، والرابع: اخلاصي لك يا رب من قولهم: حسب لباب: إذا كان خالصا محضا. انتهى.
وقوله: دعوني فيا لب إلى آخره .. أي طلبني المستغيثون لدفع الأعداء عنهم، فيا من دعاني: للبيك، فحذف الكاف لضرورة الشعر، وبقيت الياء ساكنة على حالها، وإذا ظرف لدعوني، وضمير لهم للأعداء، والشقاشق: جمع شقشقة، بكسر الشين، وهي شيء كالرئة يخرجها البعير من فيه إذا هاج، وهدرت شقشقة البعير: قرقرت وصوتت، واستعير هديرها للوعيد والتهديد المزعج، واسكتها: خلاف انطقها، والضمير لشقاشق، وبدري: مبادرتي ومارعتي للدفع منهم، والبيت لم أقف له على تتمة، ولا على قائل، والله أعلم،
[ ٧ / ٢٠٨ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع بعد الثمانمائة:
(٨٠٩) لقلت لبيه لمن يدعوني
قبله
إنك لو دعوتني ودونسي زوراء ذات منزع بيون
ولو قال بعد هذا
لقلت لبيك أمن يدعوني
لسلم من الشذوذ وقوله: ودوني، أي: أمامي وقدامي، والزوراء: بإعجام الأول وسكون الواو بعدها راء مهملة فألف ممدودة: البئر البعيدة والقعر، والأرض البعيدة أيضا، والمنزع بالنون والزاي المعجمة: مصدر نزع الرجل، إذا استقى، أي: نزع الدلو وهو جذبها وسحبها، والبيون بفتح الموحدة وضم المثناة التحتية: البئر البعيدة القعر الواسعة، ولم أقف على قائل هذا الشعر والله أعلم به.
وأنشد بعده، وهو الانشاد العاشر بعد الثمانمائة:
(٨١٠) فلبى، فلبى يدي مسور
صدره:
دعوت لما نابني مسورا
على أنه أضاف "لبى" إلى اسم ظاهر، وهو شاذ، ونابني: أصابني من النائبة وهي المصيبة، واللام للتعليل، ومسورا بكسر الميم: مفعول دعوت، وقوله: فلبى الفاء عاطفة على دعوت، أي: فأجاب وهو فعل ماض من التلبية، والفاء
[ ٧ / ٢٠٩ ]
الثانية سببية، ولبى باء التثنية، أضيف إلى يدي مسور، وخص يديه، لأنهما الدافعتان ضره، والمعنى: دعوت مسورا لينصرني، ويدفع عن ما نابني من الشدائد، فأجابني، ولباني، فاجاب الله دعاءه، وأعانه كما أعانني، والبيت من شواهد سيبويه، قال الأعلم: الشاهد فيه قوله: فلبي يدي باثبات الياء لأنها ياء التثنية، وإنما احتج به على يونس لزعمه أن لبيك اسم مفرد، وأن ياءه كياء عليك، ولو كان بمنزلة عليك، لقال: فلبى يدي مسور كما تقول على يديه ونحوه، يقول: دعوت مسورا لرفع نائبه نابتني، فاجابني بالعطاء فيها وكفاني مؤونتها، وكأنه سأل في دية وإنما لي يديه، لأنهما الدافعتان إليه ما سأله، فخصهما بالتلبية لذلك. انتهى.
قال بعضهم: إن لي الأولى تكتب بالألف، والثانية بالياء ليعرف أن الأولى فعل، والثانية مصدر منصوب بالياء، قال الفارسي: لا حجة له في البيت على ما ذكر، لأنه يجوز في نحو هذه الألف التي تطرفت أن تقلب ياء في الوقوف، فيقال في أفعى في أفعى بقلب الألف ياء، ومنهم من يجري الوصول مجرى الوقوف، فيمكن أ، يكون "فلي يدي مسور" من ذلك، قال ابو حيان: وهذا الذي قاله الفارسي يمكن إن سمع من كلامهم "لبا زيد" انتهى.
والتلبية مأخوذة من لبيك، قال أبن جني في "سر الصناعة" وهذا كلامه فيه قال: قال بعضهم في لبيت بالحج، إنما هو لبيت، فقلبت من قولهم: ألب بالمكان: أقام به، قرأت على أبي علي للمضرب بن كعب:
فقلت لها فيثي إليك فإنني حرام وإني بعد ذاك لبيب
[ ٧ / ٢١٠ ]
أي ملب بالحج، قال ابن السكيت: وقوله بعد ذاك، أي: مع ذاك، فأما حقيقة لبيك عند أهل الصنعة فليس أصل يائه باء، وإنما الياء في لبيت هي الياء في قولهم: لبيك وسعديك، اشتقوا من الصوت فعلا، فجمعوه من حروفه، كما قالوا من سبحان الله: سبحت، أي قلت سبحان الله، ومن لا إله إلا الله، هللت، ومن لاحول ولا قوة إلا بالله: حوقلت، ومن بسم الله: بسملت، ومن هلم وهو مركب من ها ولم عندنا، ومن هل وأم عند البغداديين، فقالوا: هلممت.
وكتب إلى أبو علي في حلب في شيء سألته عنه، فقال: قال لي بعضهم: سألتك حاجة، فلاليت فيها، أي: قلت لي: لا، وسألتك حاجة، فلو ليت لي، أي قلت لي: لولا، قال: وقالوا: بأبأ الصبي أباه، أي قال له: بابا، وحكي لنا عن الأصمعي أو أبي زيد انهم يقولون: رجل ويلمه، للداهية، اشتقوه وصفا من قولهم: وي لمه، وأصله: ويل لأمه، وهذا كثير، وكذلك أيضا اشتقوا: لبيت من لفظ لبيك، فجاؤوا في البيت بالياء التي هي للتثنية في لبيك، وعلى هذا قول سيبويه، فأما يونس، فزعم أن لبيك أسم مفرد، وأصله عنده: لبب، ووزنه فعلل، ولا يجوز أن يحمله على فعل لفلة فعل في الاسماء، وكثرة فعلل، فقلبت الباء التي هي اللام الثانية من لبب ياء هربا من التضعيف، فصار لبي، ثم أبدلت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت لبا، ثم انها لما وصلت بالكاف في لبيك، وبالهاء في لبيه نحو ما انشدنا أبو علي:
إنك لو دعوتني ودوني زوراء ذات منزع بيون
لقلت لبيه لمن يدعوني
قلبت الألف ياء، كما قلبت في وإلى وعلى إذا وصلتها بالضمير فقلت: إليك وعليك ولديك، ووجه التشبيه بينهما أن لبيك ليس له تصرف غيره من الاسماء لأنه لا يكون منصوبا، ولا يكون إلا مضافا، كما أن إليك وعليك ولديك
[ ٧ / ٢١١ ]
ولا تكون إلا منصوبة المواضع، ملازمة للإضافة، فقلبوا ألفه ياء، فقالوا لبيككما قالوا: عليك وإليك ولديك، ونظير هذا: كلا وكلتا في قلبهم الألف ياء متى أتصلت بضمير، فكانت في موضع نصب أو جر، ولم يقلبوا الألف في موضع الرفع باء، لأنهما بعدا برفعهما عن شبه اليك وعليك ولدي، إذ كن لاحظ لهن في الرفع، واحتج سيبويه على يونس، فقال لو كانت ياء لبيك بمنزلة ياء إليك وعليك ولديك، لوجب متى أضفتها إلى المظهر أن تقرها ألفا، كما أنك إذا أضفت عليك واختيها إلى المظهر أقررت ألفها بحالها ولكنت تقول: على هذا: لبي زيد، ولبي جعفر، كما تقول: إلى زيد وعلى زيد، ولدى سعد، وانشد قول الشاعر:
دعوت لما نابني مسورا فلبى فلبى يدي مسور
قال: فقوله: فلبى بالياء مع إضافته إياه إلى المظهر دلالة على أنه اسم مثنى بمنزلة غلامي زيد، وصاحبي سعد، هذا شرح المذهبين وبسطهما، ومعاني قول سيبويه ويونس فيهما، وإن لم يكن لفظهما، فإنه غرضهما، ثم إن أبا على فيما بعد انتزع لنا شيئا يونس به قول يونس، ولم يقطع به، وإنما ذكره تعللا، وهو أنه قال ليونس أن يحتج فيقول: قوله فلبى يدي إنما جاء على قول من قال في الوصل: هذه أفعى عظيمة، وهذه عصى طويلة، أي: أفعى وعصا، وقد حكي سيبويه: أنهم يقولون ذلك في الوصل، كما يقولونه في الوقف، وهذا ليس عندنا مقنعا وإنما فيه بعض التأنيس والقول بعد قول سيبويه، فقول من قال: إن لبيت بالحج من قولنا: ألب بالمكان، إلى قول يونس أقرب منه إلى قول سيبويه، ألا ترى أن الياء في "لبيك" عن يونس إنما هي بدل من الألف المبدلة من الباء المبدلة في لبب على تقدير قول يونس، وهذا كله منتزع من قول سيبويه والخليل أن لبيك من قولهم: ألب بالمكان إلا أنهما لم يزعما أن الياء بدل من اللام الثانية، فأعرف هذه المسألة فإنها من لطيف ما في الكتاب، وإن أعان الله على شرحه وتفسيره، سقت جميعه من التقصي والتنظير
[ ٧ / ٢١٢ ]
على هذه الطريق، وعلى ما هو ألطف وأدق منها إن شاء الله. هذا آخر كلام ابن جني قناها برمته لفوائده ونفاسته ولله الحمد.
وأنشد بعده
عسى الكرب الذي امسيت فيه يكون وراءه فرج قريب
وتقدم الكلام عليه، في الانشاد السادس والاربعين بعد المائتين،
وأنشد بعده، وهو الانشاد الحادي عشر بعد الثمانمائة:
(٨١١) وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ثوبي فأنهض نهض الشارب الثمل
على أن ثوبي بدل اشتمال من تاء جعلت، وهذا هو المشهور، وقال ابن مالك في التسهيل وتبعه المحقق، وربما جاء خبر جعل جملة اسمية وفعلية مصدرة بإذا فيكون ثوبي فاعل يثقلني، ويكون وقوع الجملة الشرطية خبرا لجعل موقع الفعل المضارع نادرا، ولا يخفي أنه إذا جاز تخريجها على ما ثبت لها، لا ينبغي العدول عنه إلى ادعاء الندرة، فأنه لا مانع من جعل يثقلني خبرا لها، ويكون ثوبي بدل اشتمال من التاء في جعلت، وذلك بتقدير إذا ظرفية.
والبيت من ابيات خمسة لعمرو بن أحمر الباهلي إلا أن قافيتها رائية لا لامية كما وقع في انشاد النحويين، والابيات رواها لعمرو المذكور المرزباني في "الموشح" ورأيتها كذلك بخط ابن نبتة السعدي صاحب "الحطب النباتية" ورواها عن ابي سعيد السكري عن ابن حبيب، عن ابن الاعرابي، وقد أقوى ي بيتين منها، نص عليه المزربانب وهي:
[ ٧ / ٢١٣ ]
ما للكواعب يا عياء قد جعلت تزور عنب وتطوى دوني الحجر
قد كنت فراج أبواب مغلقة دب الرياد إذا ما خولس النظر
فقد جعلت أرى الشخصين أربعة والواحد اثنين مما بورك البصر
وكنت أمشي على رجلين معتدلا فصرت أمشي على رجل من الشجر
وقد جعلت إذا ما قمت بثقلني ثوبي فانهض نهض الشارب السكر
وصف بها الشيخوخة، وضعف الحواس، وعجز القوى. وقوله: ما للكواعب استفهام انكاري، انكر اعراض الكواعب عنه، والكاعب: الشابة، وعيساء: اسم امرأة، وازور عنه: مال عنه، وتطوى بالبناء للمفعول، يريد انهن لا يقبلن على، ويسددن أبواب الحجر أمامي، وفرجة الباب: فتحته، وذب الرياد بالنصب خبر آخر لكان وهو بالذال المعجمة، أي كثير الحركة والدخول والخروج، يقال فلان ذب الرياد: إذا كان لا يستقر في موضع، والرياد مصدر رواد يرواد، وخولس للمفعول، خالس الشيء: اخنطفه بسرعة على غفلة، يقول: كان النساء يتسارقن النظر إلى لحسني وبابي عندما كنت خفيف الحركة، وجعل: من أفعال الشروع، وقوله "مما بورك النظر" تهكم واستهزاء ببصره، جعل ضعف بصره بركة، أي: زيادة، لأنه يريه الشيء مضاعفا، وأراد برجل من الشجر: العصا، لأن الشيوخ يعتمدون عليها في المشي، وقوله: يثقلني من اثقله الشيء: إذا أجهده واتعبه يجعله ثقيلا، وانهض معطوف على يثقلني، فهو خبر آخر بالعطف، وليس معطوفا على جعلت، كما زعم العيني لوجهين، أحدهما: أن النهوض على هذا الوجه مسبب عن اثقاله الثوب، وثانيهما: تناسب المتعاطفين في الضارعية، وفي السببية، وانهض: أقوم، وله مصدران، أحدهما ما في المبيت، والثاني النهوض، والسكر: صفة مشبهة.
[ ٧ / ٢١٤ ]
وعمرو بن أحمر: شاعر اسلامي في الدولة الأموية، وتقدمت ترجمته في الانشاد العاشر بعد المائة، وقال العيني: البيت الشاهد لأبي حية النميري، وقد نسب للحكم بن عبدل الأعرج الأسدي، وليس بصحيح لأنه لا يوجد في ديوانه، وقد بطنا الكلام بأكثر مما هنا في الشاهد الخامس والخمسين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٢) نطوف ما نطوف ثم نأوى ذوو الأموال منا والعديم
إلى حفر أسافلهن جوف وأعلاهن صفاح مقيم
على أن الرواية في "نأوى" بالنون، فلا يمكن أن يكون فاعله ذوو، فاحتيج إلى التأويل يجعله فاعلا لفعل مقدر مبدوء بياء الغيبة يفره نأوي، والتقدير: يأوي ذوو الأموال، فيكون مع ما بعده توكيدا لنأوي بالنون، وهذه رواية غير مشهورة، فإن الشعر من "الحماسة" وفي نسخها وشروحها إنما "يأوي" ببياء الغيبة لا بالنون، ولو كان بالنون لذكره شراحها، وتكلموا فيه.
والبيتان آخر ابيات عدتها اربعة عشر بيتا للبرج بن مسهر الطائي أوردها أبو تمام في أوائل باب النسيب من "الحماسة"، وتقدم شرح أبيات من أولها في الانشاد الثاني والثلاثين بعد المائة، وقبلهما:
[ ٧ / ٢١٥ ]
فبتنا بين ذاك وبين مسك فيا عجبا لعيش لو يدوم
وفينا مسمعات عند شرب وغزلان يعد لها الحميم
قوله: بين ذاك، قال ابو الفضل الطبرسي في شرحه للحماسة، إشارة إلى ما وصفه من الحصب وطيب العيش والترفه والتعطروالتمتع فيا عجبا! إنما تعجب من استمرار الوقت بمثل العيش الذي وصف، وكيف سمح الزمان به، والمسمعات: المغنيات، والسماع الغناء، والحميم: الماء المغلي يسمط به الغزلان، يريد: أنا صدنا فأغلينا الماء للصيد، ويريد بالحفر: القبور، أي: آخر أمر ذي المال، والعديم وهو من لا شيء له، الموت، والصفاح: الحجارة العراض. انتهى كلامه. ونطوف، بالتشديد للتكثير في الفعل، وما مصدرية زمانية، أي نطوف مدة تطوافنا، وقوله: إلى حفر متعلق بنأوي، وفيه العيب المسمى بالتضمين، وهو أن يتوقف معنى البيت الأول عن الثاني، والحفر: جمع حفرة، وأراد بها حفرة القبر، وجوف: جمع أجوف، بمعنى ذي جوف، والصفاح بصم الصاد وتشديد الفاء: الحجر العريض، وصف الحفر بأنها جوف الأافل لحدودها، وأن أعليها نصبت عليها الحجارة العراض كالسقوف بها، وهي دائمة على هذه الصفة.
وانشد بعده، وهو الانشاد الثالث عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٣) ما للجمال مشيها وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا
على أن الكوفيين استدلوا به على جواز تقدم الفاعل، قالوا: إن مشيها روي مرفوعا، ولا جائز أن يكون مبتدئا إذ لا خبر له غي اللفظ إلا وثيدا، وهو منصوب
[ ٧ / ٢١٦ ]
على الحال، فتعين أن يكون فاعلا بوثيدا مقدما عليه، واجاب البصريون بما ذكره المصنف، وروي مشيها بالحفض، واقتصر عليها الجواليقي في شرح "أدب الكتاب" في باب معرفة جواهر الأرض، قال: ومشيها خفض على البدل من الجمال بدل الاشتمال، والتقدير: ما المشي الجمال وثيدا، والوثيد من المشي: الرويد، ونصبه على الحال، و"ما" استفهام على سبيل الانكار، والجندل: الحجارة، وبعده:
أم صرفانا باردا شديدا أم الرجال قبضا قعودا
والصرفان، قيل: الرصاص، وقيل جنس من التمر، والقبض: جمع قابض وهو المجتمع، ومن روي "جثما" فهو جمع جاثم.
والابيات للزباء قالتها لما نظرت إلى الجمال التي جاء بها قصير بن سعد صاحب جذيمة، وكان قد احتال عليها، وجعل الرجال في توابيت، وجعل التوابيت في جوالقات، فرأتها تسير مثقلة، فأنكرت ثقلها، وقالت هذه الابيات، والقصة مشهورة. أنتهى كلامه.
وقال ابن السيد في شرح "أدب الكاتب" هذا الرجز للزباء قالته حين جاءها قصير اللخمي بالجمال، وعليها صاجيق فيها رجال عمرو بن عمدي، وتقدم إليها وقال: قد جئتك [بما صأى وصمت] فاشرفت، فنظرت إلى الجمالتمشي مشيا ضعيفا لثقل ما على ظهورهها، فقالت هذا الرجز، وخبرها مشهور، وكان أبو حاتم يقول: هي الزبي بالقصر، ويجعلها تأنيث زبان مثل كران وسكرى، وقال غيره: إنما هي الزباء بالمد تأنيث الأزب، وفي الصرفان ثلاثة أقول، قيل: هو الرصاص وقيل: هو الموت، لأنه انصراف عن الحياة، وقيل: هو نوه من التمر ذكر ذلك أبو حنيفة. وروي الكوفيون مشيها بالرفع والنصب والخفض، قالوا:
[ ٧ / ٢١٧ ]
فمن رفع أراد: ما للجمال وثيدا مشيها، فقدم الفاعل ضرورة، ومن نصب، فعلى المصدر بفعل مضمر، أراد تمشي مشيها، ومن خفض فعلى البدل من الجمال، والبصريون لا يجيزون تقديم الفاعل قبل الفعل، قال أبو علي: من روى مشيها بالرفع أبدله من الضمير الذي في قوله: للجمال المرفوع، قال: وإن شئت جعلته مبتدأ، ووئيدا منتصب به وفي وصلته، والخبر مضمر، والجملة في موضع نصب، قال: ويجوز أن يكون وثيدا حالا سد مسد الخبر، وهذه حال غريبة في الأحوال السادة مسد الأخبار، لأن النحويين يقدرون الحال السادة مسد الخبر بإذا وإذا، ويضمرون معمهما كان التامة لتكون عاملة في الحال، فإذا قلت: ضربي زيدا قائما، فتقديره عندهم: إذا كان قائما، أو إذ كان قائما، لأن الحال إنما جاز أن تسد في هذا الموضع مسد الخبر، لأنها نابت مناب ظرف الزمان المحذوف، ولذلك لم يجز أن تسد مسد خبر المبتدأ إلا إذا كان المبتدأ مصدرا أو في تأويل المصدر، كما أن الزمان لا يكون خبرا إلا عن المصدر، أو ما يسد مسده، ولا يجوز تقدير ذلك في بيت الزباء، ألا ترى أنك إذا قلت: ما للجمال مشيها إذا كان وئيدا أو إذ كانت وثيدا كان ذلك خطأ؟ لأن الزباء إنما قالت هذا القول في حال تشاهدها، ولم تقل ذلك في شيء ماض ولا مستقبل، فلا يصح دخول كان ها هنا، ولا دخول إذ وإذا، ومع ذلك فإن وثيدا على هذا التقدير لا يجوز أن يكون حالا إلا بعد من التأويل فلأجل هذا الذي قلناه صار كثير من النحويين ينكرون قول ابي علي هذا، ويرده لمخالفة المعهود من أمر الأحوال السادة مسد الأخبار. وتلخيص قول أبي علي أن يكون التقدير: مشيها حين أراها المضمر فعل حال، وبحذف ذات، ويقيم الوثيد مقامها، وهذا آخر كلام ابن السيد. والقول الأول، وهو القول بالبدلية، رده المصنف وغيره. ونقل ابن السيد عن ابي حنيفة الدينوري أن الصرفان جنس
[ ٧ / ٢١٨ ]
من التمر، وهذه عبارته في "كتاب النبات": قال بعض الرواة: الصرفان من أرزن التمر، قال: وكذلك قال الشاعر:
ما للجمال مشيها .. إلى آخره.
والبارد: الذي ذهبت رطوبته وماؤه وحصل جامده، واخبرني بعض العرب قال: الصرفانة: تمر حمراء نحو البرنية إلا أنها صلبة المضغة علكة، وهي ارزن التمر كله، يعده ذوو العيالات وذوو العبيد والأجراء لجزاءته وعظم موقعه، والناس يدخرونه، ومن أمثالهم: "صرفانة ربعية تصرم بالصيف، وتؤكل بالشتية"، وأخبرني النوشانجي قال: الصرفان هي الصيحانية بالحجاز نختها كنخلتها. انتهى كلامه.
وقد ساق الجاحظ قصة ازباء: اسمها هند، ومكت اشام بعد عمها الضيون، وكانت جذيمة الابرش قتل عمها، فبعث إيها جزيمة يخطبها، فكتبت إليه تأمره بالقدوم إيها لتزوجه نفسها، فاستشار نصحاءه، وقالوا: أيها الملك إن تزوجت بها جمعت ملك الشام إلى ملكك بالحيرة، فاستخلف عند ذلك ابن اخته عمرو بن عدي، وسار في الف فارس من خاصته، فما انتهى إلى مكان يسمى بقة وهو حد مملكتها ومملكته، نز في ذلك المكان، واستشار أصحابه ايضا في المصير إيها أو الانصراف، فزينوا له الإلمام بها، وقالوا: إنك إن انصرفت من هاهنا حملوه على جبن ووهن، فدنا منه قصير، وهو مولى له، فقال له: أيها الملك لا تقبل مشورة هؤلاء وانصرف إلى ملكك حتى يتبين لك أمرها، فإنها امرأة موتورة، ومن شأن النساء الغدر، فلم يحفل بقوله، ومضى حتى أقتحم مملكتها، فقال له قصير: ببقة صرم الأمر، ثم أرسلها مثلا، فلما بلغ المرأة قدومه عليها، أمرت جنودها، فاستقبلوا الملك، فقال له قصير: أيها الملك إن جنودها لم يرتجلوا لك كما يترجل للملوك، ولست آمن عليك، فاركب العصا، فانج بنفسك، والعصا كانت فرسا لجذيمة لا يشق غبارها، فلم يعبأ جذيمة بقوله، وسار حتى دخل المدينة، وأمرت هند الزباء بأصحابه أن
[ ٧ / ٢١٩ ]
ينزلوا، فأنزلوا، واخذ منهم اسلحتهم ودوابهم، واذنت لجذيمة فدخل عليها وهي في قصر لها، ولم يكن معها في قصرها إلا الجواري، فأومت إليهن بأن يأخذنه، قال: فاجتمعن عليه، ليكتفنه، فامتنع عليهن، فلم يزلن يضربنه بالأعمدة حتى اثخنه وكتفنه، ثم دعت بنطع، فاجلسته فيه، وكشفت عن عورتها، فنظر جذيمة فإذا لها شعرة وافية، فقالت: كيف ترى عروسك أشوار عرس أم ترى؟ فقا: أرى بظرا ناتئا، ونتنا فاشيا، ولا أعلم ما وراء ذلك، قالت: أما إنه ليس من عدم المواسي، أو لقلة الأواسي، ولكنها شيمة من أناسي، ثم أمرت به فقطعت عروقه، فجعلت دماؤه تشخب في النطع، فقالت: لا يحزنك ما ترى، فإنه دم هراقه أهله، فأرسلتها مثلا، واحتال قصير للعصا حتى وصل إليها فركبها، ثم دفعها، فجعلت تهوي به كأنها الريح، وكان المكان الذي قصد فيه جذيمة مشرفا على الطريق، فنظر جذيمة إليه وقد دفع الفرس، فقال: لله حزم على رأس العصا، فلم تزل دماؤه تشخي حتى مات، ثم أمرت بأصحابه، فقتلوا أجمع، وكان عمرو ابن عدي يركب كل يوم من الحيرة، فيأتي طريق الشام يتجسس على خبره وحاله، فلم يبلغه أحد خبره، فبينما هو ذات يوم في ذلك، إذ نظر إلى فارس يقبل على الطريق، فلما دنا منه عرف الفرس، وقال يا خير ما جاءت به العصا، فذهبت مثلا، فلما دنا منه قصير، قال له ما وراءك؟ قال: قتل خالك وجنوده جميعا، فأطلب بثأرك، قال وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فذهبت مثلا، وإن قصيرا أمر بأ، ف نفسه، فجدع، ثم ركب وصار نحو الزباء، فاستأذن عليها، فقيل ها: إن موى لجذيمة وقهرمانه وأكرم الناس عيه قد اتاك مجدوعا، فاذنت له، فدخل عيها، قالت: من صنع بك ذا؟ فقال: أيها الملكة، هذا فعل عمرو ابن عدي اتهمني، وتجنى، وزعم أني أشرت على خاله بالمصير اليك حتى فع بي ما ترين. ولم آمنه أن يقتلني، فخرجت هاربا إليك لأكون في خدمتك، ولي جدى
[ ٧ / ٢٢٠ ]
وعندي غناء، قالت: نعم، أقم فعندي لك ما تحب، وولته نفقتها، فخفف لها، ورأت منه الرشاد والرشاقة فيما اسندته إليه، فأقام عندها حولا، ثم قال لها: ايتها الملكة إن لي بالعراق مالا كثيرا، فإذا اذنت لي بالخروج لحمله فافعلي، فدفعت إليه مالا كثيرا وامرته أن يشتري لها ثيابا من الخز والوشي ولآليء ومسكا وعنبرا وياقوتا ولحوخا، فانطلق حتى اتى عمرا، فأمره فأخذ منه ضعفي مالها، وانصرف نحوها فاسترخصت ما جاء به وردته الثانية والثالثة، فكان يأخذ كل مرة أضعاف مالها يشتري لها جميع ما تريد، فتسترخصه، ووقع قصير بقلبها، ثم بعثت به في الرابعة بمال عظيم وامرته أن يشتري اثاثا ومتاعا وفرشا وآنية، فانطلق إلى عمرو، فقال قد قضيت ما عي، وبقي ما عليك، قال: ومال الذي تريد؟ قال أخرج معي في ألفي فارس من خدمك، وكونوا في جوف الجوالق على كل بعير رجلان، فانتخب عمرو من اصحابه ألفي فارس فخرج بهم، وخرجوا معه في الجواليق كل رجل بسيفه، وكان يسير إيها انهار، فإذا امسى الليل فتح الجواليق يخرجوا ويطعموا ويشربوا ويقضوا حوائجهم، حتى إذا كان بينه وبين مدينتها مقدار ميل تقدم حتى دخل عليها، وقال ايتها الملكة أصعدي من اقصر لتنظري ما اتيتك به، فصعدت فنظرت إلى ثقل الأحمال على الأجمال، فقالت:
ما للجمال مشيها وثيدا أجندلا يحملن أم حديدا
أم صرفانا باردا شديدا
فأجابها قصير سرا، فقال:
بل الرجال جثما قعودا
فقال: لما عليها من المتاع الثقيل النفيس، وأمرت بالأحمال، فأدخلت قصرها وكان وقت المساء، فقالت إذا كان غدا نظرنا إلى ما اتيتنا به، فلما جن عليهم الليل فتحوا الجواليق، وخرجوا فقتلوا جميع من في القصر، وكان لها سرب قد أعدته للفزع والهرب إن حل بها روع يخرج إلى الصحراء، وقد كان قصير عرف ذلك
[ ٧ / ٢٢١ ]
المكان ووصفه لعمرو، فبادر عمرو إلى السرب فاستقبلته الزباء، فولت اربة نحو السرب، فاستقبلها بالسيف [فمصت فصها وكان مسموما]، فقالت: بيدي لا بيدك يا عمرو، ولا بيد العبد، فقال عمرو يدي ويده سواء، وفي كليهما شفاء، وضربها بسسيفه حتى قتلها، فاقبل قصير حتى وقف عليها فجعل يدخل سيفه في فرجها ويقول
ولو رأوني بسيفي يوم أدخله بفرج زباء ماتوا كلهم فرحا
وغنم عمرو واصحابه من مدينتها أموالا جليلة، وانصرفوا إلى الحيرة، فكان عمرو الملك بعد خاله جذيمة، وعمرو هذا هو جد النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي هذا آخر كلام الجاحظ.
وانشد بعده
صددت فأطولت الصدود وقلما وصال على طول الصدود يدوم
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثامن بعد الخمسمائة
وانشد بعده
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب
وتقدم ما يتعلق به في الانشاد الثامن والخمسين بعد الستمائة.
[ ٧ / ٢٢٢ ]
وانشد بعده، وهو الانشاد الرابع عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٤) فإن لا مال أعطيه فإني صديق من غدو أو رواح
على أن الأصل: فإن أكن، ولا: نافية للجنس، وجملة أأعطيه: خبرها، وجملة "لا ما أعطيه" خبر "أكن" المحذوفة، والمفعول الأول من أعطيه محذوف تقديره: أعطيكموه، وجملة فإني صديق جزاء الشرط، ومن بمعنى في، والغدو: أول النهار، والرواح: ما بعد الزوال، والمراد في جميع الأوقات.
وأنشد بعده
ونبئت ليلى ارسلت بشفاعة إلى فهلا نفس ليلي شفيعها
وتقدم شرحه في الانشاد الثامن بعد المائة.
وانشد بعده وهو الانشاد الخامس عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٥) بربك هـ ضممت إيك ليلى
على أن اقسم الاستعطافي يجب أن يكون جوابه جملة انشائية كما هنا، فإن جمة هل ضممت جواب قوله: بربك، وهو قسم استعطافي، قال ابن الحباز في "النهاية":
[ ٧ / ٢٢٣ ]
وتختص اباء بظهور فع القسم، وبدخولها على الضمير، وباستعمالها لاستعطاف، ولا تكون للاستعطاف، إلا إذا اعتقبها كلام ليس بخبر من أمر او نهي أو استفهام نحو قوله
بدينك هل ضممت إليك ليلى وهل قبلت قبل الصبح فاها
وهل مالت عليك ذؤابتها كمثل الاقحوانة في نداها
ولا يظهر الفعل الذي يتعلق به هذا الاستعطاف، ويجوز ان يعقبها الشرط، انتهى كلامه.
وفي "الارتشاف" لأبي حيان: فع الطلب لا يعدي إلا بالباء وحدها، ويجوز حذفه كقوه:
بدينك هل ضممت إليك ليلى
أي أسألك بدينك وقد يحذف الفعل، وحروف الجر كقوله:
أقول لبواب على باب دراهما أميرك بلغها السلام وابشر
أي أسألك بأميرك. انتهى.
وقوله: قبيل الصبح، روى بدله: بعيد النوم، وخص ما بعد النوم، لأن الأفواه تتغير رائحتها بالنوم، وإذا كان فوها طيبا بعد النوم فما الظن به في غير النوم، والمراد أن نكهتها طيبة في سائر الأوقات. وروي:
وهل رفت عليك قرون ليلى رفيف الاقحوانة في نداها
وفي "التهذيب": يقال للنبات الذي يهتز خضرة وتلألؤا: قد رف يرف رفيفا: والقرون جمع قرن كفلوس جمع فل: وهي الذؤابة من الشعر.
وروي صاحب "الأغاني" بسنده عن الهيثم بن عدي، أن المجنون العامري، مر ذات يوم بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم شات، وقد أتى ابن عم له في حي المجنون لحاجة فوقف عليه ثم أنشأ يقول:
[ ٧ / ٢٢٤ ]
بربك هل ضممت إليك ليلى قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل رفت عليك قرون ليلى رفيف الاقحوانة في نداها
فقال: اللهم إذا حلفتني، فنهم، قال: فقبض المجنون بكلتا يديه من الجمر قبضة، فما فارقها حتى سقط مغشيا عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، فقام زوج ليلى مغموما بفعله، متعجبا منه. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السادس عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٦) بعيشك يا سلمى ارحمي ذا صبابة أبي غير ما يرضيك في السر والجهر
على أن جملة "ارحمي ذا صبابة" جواب للقسم الاستعطافي، وجملة النداء معترضة بين اقسم وجوابه، والصبابة: رقة الشوق، والعيش هنا الحياة، وابي بمعنى كره خلاف ما يرضيك سرا وعلانية، ويأتي أبي بمعنى امتنع، وليس بمراد هنا.
وانشد بعده
وإني لرام نظرة قبل التي لعلي وإن شطت نواها أزورها
وتفدم الكلام عليه في الانشاد الواحد والعشرين بعد الستمائة.
وانشد بعده
جاؤوا بمذاق هل رأيت الذئب قط
وتقدم الكلام عليه في الانشاد الثالث بعد الاربعمائة.
[ ٧ / ٢٢٥ ]
وانشد بعده، وهو الانشاد السابع عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٧) فإنما انت اخ لا نعدمه
على ان جملة "لا نعدمه" وهي غير خيرية وقعت لصفة نكرة، وهو أخ، ولا نعدمه: جملة دعائية إنشائية، إذ ليس المراد بها وصف الأخ بأنه غير معدوم، وأوله المصنف بتقدير القول، وقال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنه وضع الجملة غير الخيرية موضع الوصف نحو قوله:
فإنما انت اخ لا نعدمه
ألا ترى أنه وضع "لا نعدمه" وهي جملة دعاء موضع مدعو له بالمواصلة. انتهى. والبيت من رجز أورده ثعلب في "أماليه" الكراسة الخامسة، قال انشدنا أبو العباس لأبي محمد الحذلمي:
يا سعد عم الماء ورد يدهمه يوم تلاقى شاؤه ونعمه
واختلفت لأمراسه وقتمه فإنما أنت أخ لا نعدمه
فأبلنا منك بلاء نعلمه فقام وثاب نبيل محزمه
لم يلق بؤسا لحمه ولا دمه ولم تبت حمى به توصمه
لم يتجشأ من طعام يبشمه يدق مدماك الطوى قدمه
[ ٧ / ٢٢٦ ]
الورد بالكسر: ورود الماء، ودهمه: فاجأه، أي: اتاه على غفلة، والشاء: الغم، والنعم: الإبل، والأمراس: الحبال من الكتان جمع مرس بفتحتين، والقتم: الغبار، والبلاء: الجميل، والنعمة، والنبيل: الضخم، والمحزم: موضع الحزام، وتوصمه: تشينه وتعيبه من الوصم وهو العيب، وبشم من باب تعب: إذا اتخم من كثرة الأكل، والمامك: السطر من البناء، ويقال له السياف، والطوي: البئر المطوية بالبناء، أي المبنية بالحجر أو اطوب، وقال الصاغاني في "العباب" وتجشأ تجشؤا وجشأ تجشئة، قال أبو محمد الفقسعي:
لم يتجشأ من طعام يبشمه
انتهى. فعلم أن أبا محمد الحذلمي هو أبو محمد الفقعسي.
وانشد بعده، وهو الانشاد الثامن عشر بعد الثمانمائة:
(٨١٨) وكوني بالمكارم ذكريني ودلي دل ماجدة صناع
على أن جملة "ذكريني" مؤولة بالخبر أي: كوني تذكريني، قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر" جعل ذكريني في موضع مذكرة وهو قبيح، لأن فعل الأمر لا يقوم مقام الخبر في باب كان، وإنما فعل ذلك، لأن كوني في اللفظ، ومحصول الأمر منه ها إنما وقع على التذكير، فلما كان في المعنى امرا ها بتذكيره، استعمل فيه لفظ الأمر. انتهى. أورد أبو زيد في "نوادره".
ألا يا أم فارع لا تلومي على شيء رفعت به سماعي
وكوني بالمكارم ذكريني ودلي دل ماجدة صناع
[ ٧ / ٢٢٧ ]
فالمعنى لا تلوميني على شيء رفعت به صيني وذكري، وذكريني به. وقال السكري فيما كتب على "نوادر أبي زيد" المعنى: وصيري مذكرة ي بالمكارم، وتقديره في العربية رديء لو قلت: [يا فلان] كن بغلام بشرني، لم يجز، وهو يريد: يا أم فارعة فحذف، وذلك شاذ لأنه ليس بمنادى، وإنما المنادى الأم، والصناع بفتح الصاد: الرفيعة الكف، والماجدة: اكريمة، يقول: أضبطي دلالك بمنفعة وصنعة، ولا تكوني خرقاء لا تنفع أهلها، انتهى.
والصناع: الماهرة الحاذقة بعمل اليدين، وقال ابو زيد: قوله سماعي، أي: ذكري وحسن الثناء علي ودي بفتح الدال: من دلت تدل، ودللت أنا أدل، مثل خجلت أخجل. انتهى. وقال الأخفش في حواشيه على "النوادر": قوله: وكوني بالمكارم ذكريني تقديره: كوني ممن أقول له ذكريني إذا سهوت فجرى هذا على الحكاية، كما قال:
سمعت اناس ينتجعون غيثا
أراد: سمعت قائلا يقول: الناس ينتجعون فحكى. انتهى.
والبيتان نسبهما أبو زيد إلى بعض بني نهشل، وقائلها جاهلي.
[ ٧ / ٢٢٨ ]
وأنشد بعده، وهو الانشاد التاسع عشر بعد الثمانمائة
(٨١٩) إن الذين قتلتم أمس سيدهم لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
على أن جملة النهي وهي "لا تحسبوا" وقعت خبرا عن اسم إن بتأويل، وإسناد نام إلى ضمير اليل مجاز، والمراد: نوم أهله، أي لا تحسبوهم سكوتا عنكم، وتركوا الأخذ بثأر سيدهم منكم، جعل سكوتهم عن الأخذ بثأر سيدهم نوما على سبيل الاستعارة، وخص اليل، لأنه وقت اعمال الفكر والتدبير لأخذ الثأر بالغارة ونحوها، وهو من ابيات اوردها ابو عبد الله ابن الاعرابي في "نوادره" وهي:
أبلغ أبا مالك عني مغلغلة إن السنان إذا ما أكره أعتاما
إن الذين قتلتم أمس سيدهم لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
من يولهم صالحا نمسك بجانبه ومن يضمهم فإيانا إذن ضاما
هاتوا التي نقصت سبعين من مائة ثم ابعثوا حكما بالغيب علاما
قال: هذه دية أدوا منها سبعين من مائة، فقالوا: أدوا اتي نقصت سبعين من مائة، فمعنى نقصت سبعين من مائة، أي: أديتم سبعين من المائة، فبقى ثلاثون. انتهى.
قال ابو محمد الأسود الأعرابي الغندجاني في "ضالة الاديب" وهو كتاب يبين ما زل فيه ابن الاعرابي في "نوادره" ومؤاخذات عيه، قال أبو محمد: هذا موضع المثل:
أتتك الأزد تعثر في لحاها تساقط من مناخرها الجواف
رعد أبو عبد الله وبرق، ثم جاء بعد هذه اخيلاء ييتفسير انتن من الحيفة، وذلك
[ ٧ / ٢٢٩ ]
لاشتباه قصة هذا اشعر عليه، ثم أنه عمد إلى عجز الابيات، فجعله صدرها، وفي لفظ الابيات فساد أيضا وهو قوله:
ثم ابعثوا حكما بالغيب علا ما
وإنما هو:
أو ابعثوا حكما بالغيب علا ما
وقوله: "ابلغ ابا مالك .. " وهو آخر الابيات، فجعه أبو عبد الله أولها، وصوابه: ابلغ بني مالك .. " وكنت ذكرت لك أن مثل هذا الشعر إذا لم يعرف قصته، لم يعرف معناه البتة، وكان من قصة ذلك: أنه خرج غلام من بني سعد بن ثعلبة، وغلام من بني مالك بن مالك في إبل لهما، ومع السعدي سيف له، فقال المالكي: والله ما في سيفك هذا خير، ولو ضربت به عنقي ما قطعه، قال: مد عنقك، قال ففعل، فضرب السعدي عنقه فقطعه، فخرجت بنو مالك وأخذوا السعدي، فقتلوه، فاحتربت بنو سعد بن ثعلبة وبنو ماك، فمشت الشعراء بينهم، فقال بنو سعد بن ثعلبة: لا نرضى حتى نعطى مائة من صاحبنا، ويعطى بنو ماك سبعين، فغضب هم بنو سعد بن مالك، فقال أبو مكعت أخو بني سعد بن مالك
إن اذين قتلتم أمس سيدهم لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
من يولهم صاحا نمسك بجانبه ومن يضمهم فإيانا إذن ضاما
أدوا الذي نقصت سبعين من مائة وأبعثوا حكما بالحق علاما
أي: أدونا مائة كاملة، فإذا وضعت سبعين من مائة، بقيت ثلاثون، فكأنه قال: أدوا الدية التي التزمتم منها سبعين من مائة.
أو آذونا بحرب نأتكم سحرا حرب تغادر تحت النقع أقواما
أبلغ بني مالك عن مغلغلة أن السنان إذا ما أكره أعتاما
انتهى كلام "ضالة الاديب" ولم يذكر أن القصة اسلامية أو جاهلية. وضامة يضيمه ضيما: ظلمه، ومغلغلة: رساة سائرة جارية كتغلغل الماء في الاشجار.
[ ٧ / ٢٣٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٠) إني إذا ما القوم كانوا انجية واضطرب اقوم اضطراب الأرشية
هناك أوصيني ولا توصي بيه
وهذا ايضا مما قع فيه خبر اسم إن جملة أوصيني، وهذا فعل أمر. وهذا رجز أورده أبو تمام في أواخر باب "الحماسة": كذا
إني إذا ما القوم كانوا انجيه واضطرب القوم اضطراب الأرشية
وشد فوق بعضهم بالأروية هناك أوصيني ولا توصي بيه
قال الحطيب التبريزي في شرحه: خبر إن قوله أوصيني، والمعنى: إني أه لأن يوصى إلى حينئذ في غيري، ولا يوصى غيري بي، وما زائدة، وانجية جمع نجي، والنجي يقع للواحد والجمع، والمعنى: صاروا فرقا لما حزبهم من الشر، يتناجون ويتشاورون.
وقوله: وشد فوق بعضهم بالأروية، أي: خوف السقوط لضعف الاستمساك عند غلبة النعاس، ويجوز أن يكون الاضطراب الذي ذكره لاتصال التساير وغلبة النوم للاختلال بالنول، وهناك يشار به إلى الزمان والمكان معا، وموضعه نصب على الظرف. انتهى.
وفي "شرح ابيات الإيضاح" يصف قوما جد بهم السير فرقدوا فوق اركاب، فاضطربوا عليها اضطراب الأرشية بالدلاء، وشد بعضهم بالحبال خوف السقوط.
[ ٧ / ٢٣١ ]
انتهى. وهذا معنى خلاف المراد. والأرشية: جمع رشاء بكسر أوه والمد، وهو الحبل، والأروية مثلها: جمع رواء بالكسر والمد. قال ابو حنيفة في كتاب "النبات": أغلظ الارشية، والجمع اروية، وهي حبال الحمول. انتهى. وشد بالبناء للمفعول، وأوصيني بفتح الهمزة، وقال ابن جني في "اعراب الحماسة": انجيه جمع نجي، وهو فعي في معنى الجماعة كقوله تعالى (وحسن اولئك رفيقا) [النساء/ ٦٩] وقال: (والملائكة بعد ذلك ظهير) [التحريم/ ٤]، ولام النجي واو، ولا دلالة في النجوى، لقولهم من الواو: الفتوى والشروى والبقوى واتقوى، وغير ذلك، كن لقولهم: نجوت الرجل: أي: ناجيته، ولام الرشاء واو عندي، ورأيت أبا علي في "تذكرته" وقد ذهب إلى إنها ياء، فقت هـ: من أين لك الياء دون الواو؟ فأخذ ينظر، فقلت له: هو عندي فعال من الرشوة، وذلك أنه يوصل به إلى ماء القيب كما يوصل بالرشوة إلى البغية، فقبل ذلك ولم ينكره. انتهى. وهذا الرجز في غالب كتب اللغة وكتب الأدب، ولم يذكر أحد قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده:
أطلب ولا تضجر من مطلب
تمامه:
فآفة الطالب أن يضجرا
وتقدم في الانشاد السادس والثلاثين بعد الستمائة
[ ٧ / ٢٣٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢١) أأكرم من ليلى علي فتبتغي به الجاه أم كنت امرأ لا أطيعها
هو ثاني بيتين أوردهما أبو تمام في باب النسيب من "الحماسة"، وأولهما:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة إلي فهلا نفس ليلى شفيعها
وقد شرحناهما في الشاهد الثامن بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٢) رب رفد هرقته ذلك اليو م وأسرى من معشر أقيال
على أن أبا علي قال: من معشر صفة لأسرى، ولا يجوز أن يتعلق به لئلا يخلو مجرور رب من صفة، ولذا قال الزمخشري في "المفصل" هرقته، ومن معشر: صفتان لرفد، وأسرى، وتعسف المحقق الرضي، فعلق "من" بأسرى، وقدر صفة، أي: حصلت، وقد رددناه عليه.
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري مدح بها الأسود بن المنذر أخا النعمان بن المنذر اللخمي، وكان أغار على الحليفين أسد وذبيان، ثم أغار غلى الطف، فأصاب نعما وأسرى، وسبى من بني سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة رهط الأعشى، والأعشى غائب، فلما جاء إليه، وأنشده هذه القصيدة، سأله أن يهب له الأسرى، ففعل.
[ ٧ / ٢٣٣ ]
والرفد، بكسر الراء: القدح الضخم، وكذلك المرفد، بكسر الميم نقله الدينوري وابن الأنباري وغيرهما عن الأصمعي، وهرقته بالحطاب، وأصله أرقته، قال الزمحشري في " أساس البلاغة ": هريق رفد فلان إذا قتل، كما يقال: صفوت وطابه، وكفئت جفنته، وكذا قال ابن الأنباري في " شرح المفضليات " وقيل: كناية عن نهب الماشية، قال شارح ديوان الأعشي: معناه: رب رجل كانت له إبل يحلبها، فاستقتها فذهب ما كان يحلبه في الرفد، وهو القدح. وقوله: وأسري، الواو: عاطفة، وأسري: معطوف علي مجرور " رب " وهو جمع اسير، كجرحي جمع جريح، وأقيال: روي بالمثنأة التحتىة، وبالمثنأة الفوقية، أما الاول، فهو جمع قيل، بفتح القاف، وسكون الئ: مخفف قيل، بتشديد الئ المكسورة كسيد وهو الذي يكون دون الملك ممن له قول مسموع. واما الثاني، فهو جمع قتل بكسر القاف وسكون المثناة الفوقية، وله معنيان، أحدهما: العدو المقاتل، والثاني: الشبه والنظير، أي: العدل في المقاتلة، كما يقال: " سب" للعديل في المسابة، وقد بسطنا الكلام بسطا وافيا علي هذا البيت، وشرحنا غالب أبيات القصيدة لكثرة شواهدها في الشاهد السابع والتسعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده:
فيا رب يوم قد لهوت وليلة باّئسة كأنها خط تمثال
تقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس بعد المائتين.
[ ٧ / ٢٣٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٣) نعم الفتي المري انت إذا هم حضروا لدي الحجرات نار الموقد
علي ان ابن السراج منع أن يوصف فاعل نعم، وجعل المري بدلا من الفتي، وتبعه أبو علي في ذلك وأول من اجازه ابن جني في "إعراب الحماسة " وتبعه المحقق الرضي وغيره، وقد نقلنا كلامهم في الشاهد السادس والستين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
والبيت من قصيدة لزهير بن أبي سلمي مدح بها سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، وكان زهير مادحا لسنان هذا، ولابنه هرم بن سنان، واكثر مدحه في هرم بن سنان، ونسب من اول القصيدة بسلمي، وانتقل الى وصف ناقته، الى ان قال:
وتيممت عرض الفلاة كأنها غراء من قطع السحاب الأقهد
والى سنان سيرها ووسيجها حتى تلاقيه بطلق الأسعد
نعم الفتي المي أنت .. البيت.
تيممت: قصدت، وفاعله ضمير الناقة، والعرض بالضم: الناحية والجانب، والغراء: البيضاء، والأقهد: الأبيض من كل شيء، أي كأن الناقة سحابة بيضاء في سرعتها، والسحابة البيضاء أخف وأسرع ذهابا لقلة مائها، والوسيج:
[ ٧ / ٢٣٥ ]
سير خفيف هو الىن سير الإبل، وهو سير النجائب، وطلق: سليم من كل سوء وكروه، يقال: يوم طلق، وليلة طلقة: ليس فيهما حر ولا برد ولا مكروه، والاسعد: جمع سعد: وهو الىمن والبركة.
وقوله: نعم الفتي المري الى اّخره، نسبة الى مرة جده الاعلي، وأنت: هو المخصوص بالمدح، وإذا ظرفية، وهم: فاعل بفعل محذوف يفسره ما بعده، وهم ضمير الوفود والضيوف، ولدي: ظرف لحضروا، والحجرات بضمتين، قال شارح ديوانه صعوداء: هي حجرات الأضياف، يريد البيوت التي ينزل فيها الضيوف، ونار: مفعول حضروا، والموقد: اسم فاعل، قال شارحه: هو الذي يوقد ليستدل الغرباء والعفاة بناره، فيأتونه، يريد أنه أشد الناس إكراما لضيوفه إذا حضروا دار ضيافته، واستدلوا عليها بالنار التي يوقدها خادمه، ليقبل عليها من يراها. وقال العيني: إذا للمفاجأة، وهم مبتدأ، وحضروا خبره، والحجرات جمع حجرة، وهي شدة الشتاء. هذا كلامه، وهو كلام من لم يفهم المعني، والحجرات بالمعني الذي ذكره بفتحتىن.
وترجمه زهير بن أبي سلمي تقدمت في الإنشاد الخمسين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٤) أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ولن تري طاردا للحر كالىس
علي ان " من " متعلقة بفعل محذوف تقديره: يئست من نوالكم لا بالمصدر، لأنه لا يعمل بعد الوصف، قال ابن جني في " المحتسب": قرأ أبو جعفر والاعمش:
[ ٧ / ٢٣٦ ]
(وعد الله حقا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده)﴾ يونس /٤ ﴿إن شئت كان تقديره: (وعد الله حقا) لأنه يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ أي: من قدر علي هذا الامر العظيم فإنه غني عن إخلاف الوعد ﴿، وإن شئت كان تقديره: وعد الله وعدا حقا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، فتكون " أنه " منصوبة بالفعل الناصب، لقوله: وعدا، ولا يجوز أن تكون﴾ أنه ﴿منصوبة الموضع بنفس وعد، لأنه قد وصف بقوله حقا، والصفة إذا جرت علي موصوفها أذنت بتمامه وانقضاء اجزائه، فهي من صلته، وكيف يوصف قبل تمامه؟ فأما قول الحطيئة:
أزمعت يأسا مبينا من نوالكم .. البيت
فلا يكن قوله: من نوالكم، من صلة يأس من حيث ذكرنا، ألا تراه قد وصف بقوله: مبينا؟ وإذا كان المعني لعمري عليه، ومنع الإعراب منه، أضمر له ما يتناول حرف الجر، ويكون ياسا دليلا عليه، كانه قال فيما بعد: يئست من نوالكم. انتهي كلامه وكذلك قال في باب تجاذب المعاني والإعراب ومنه قول الحطيئة:
أزمعت يأسا مبينا. . . . . البيت.
أي: يأسا من نوالكم مبينا، فلا يجوز أن يكون قوله من نوالكم متعلقا بيأس، وقد وصف مبين، وإن كان المعني يقتضيه، لأن الاعراب مانع منه، لكن تضمر له حتى كأنك قلت: يئست من نوالكم. انتهي.
والبيت من قصيدة للحطيئة هجا بها الزبرقان بن بدر الصحابي، وهي:
والله ما معشر لاموا امرأ جنبا من اّل لأي بن شماس باكياس
ما كان ذنب بغيض لا أبالكم في بائس جاء يحدو اّخر الناس
[ ٧ / ٢٣٧ ]
لقد مريتكم لو أن درتكم يوما يجئ بها مستحي وإبساسي
وقد مدحتكم عمدا لأرشدكم كيما يكون لكم متحي وأمراسي
فما ملكت بأن كانت نفوسكم كفارك كرهت ثوبي وإلباسي
حتى إذا ما بدا لي غيب أنفسكم ولم يكن لجراحي فيكم آسي
أزمعت يأسا مبينا من زوالكم .. البيت
ما كان ذنب بغيض أن أري رجلا ذا فاقه عاش في مستو عر شاس
جارا لقوم أطالوا هون منزله وغادروه مقيما بين أرماس
ملوا قراه وهرته كلابهم وجرحوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
قد ناضلوك فسلوا من كنانتهم مجدا تليدا ونبلا غير أنكاس
وهذا آخر القصيدة وتركنا منها ثلاثة أبيات.
قوله: والله ما معشر لاموا الى آخره، الجنب بضم الجيم والنون: الغريب، يقول: من لامني علي مدح بغيض الى آخره، قال شارح ديوانه: يقول: احتملوا فتركوه، فجاء آخر الناس، ولا أبالكم: كلمة تستحسنها العرب فلا أب لك مدح، ولا أم لك ذم، والبائس: الشديد الفقر، ويحدو: يسوق بعيره، يقول: أصابت الناس سنة شديدة، وكان الحطيئة فيمن انحدر مع الناس، فلم يكن به من القوة أن يكون أول الناس.
وقوله: لقد مريتكم الى آخره، مريتكم: طلبت ما عندكم، وأصله من مريت الناقة، وهو أن تمسح ضرعها لتدر، والإبساس: صوت تسكن به الناقة عند الحلب، يقال: بس بس.
[ ٧ / ٢٣٨ ]
وقوله: وقد مدحتكم عمدا الى آخره. قال شارح آخر: هذا مثل ضربه، والإمراس: أن يقع الحبل بين البكرة وبين القعو، فيخلصه حتى يرده الى البكرة، يقال: مرس الحبل يمرس مرسا: إذا نشب في ذلك المكان، وأمرسه الساقي: إذا خلصه، فرده الى البكرة يمرسه إمراسا، والماتح: الساقي الذي يجذب الدلو، والمائح بالهمز: الذي يكون في أسفل البئر يملأ الدلو، يريد: مدحتكم ليكون مدحي خالصا لكم، فأبيتم.
وقوله: فما ملكت بأن كانت .. الى آخره. قال شارحه: الباء زائدة، أي: ما ملكت أن كانت نفوسكم كفارك، أي: ما ملكت إبغاضكم إياي، والفارك: المرأة المبغضة لزوجها، وكرهت ثوبي، أي: كرهت أن تدخل معي في ثوبي، وأن تدخلني في ثوبها، وأن تلبس ثوبها فتدخلني معها.
وقوله: حتى إذا ما بدا الى آخره، يقول: بدا لي منكم ما كان غائبا في أنفسكم من البغضة، ولم يكن فيكم مصلح لما بي من سوء الحال، وضرب الجراح مثلا لسوء حاله، وأسا الجرح يأسو أسوا: إذا داواه.
وقوله: أزمعت يأسا إلخ، أزمعت الأمر، وأزمعت عليه: أجمعت، والفاقة: الفقر، والمستوعر: مكان وعر، والشأس: المكان الغليظ، والهون، بالضم: الهوان، وغادروه: تركوه كالميت بين الأموات، وهرته كلابهم مثل، أي: ضجروا منه، والجوازي جمع جازي، والمناضلة: المراماة بالسهام، والمجد: الشرف، والتليد: القديم، وأراد بالمجد التليد: النواصي، وكانت العرب إذا أنعمت علي الرجل الشريف بأسره، جزوا ناصيته وأطلقوه، فتكون الناصية عند الرجل يفتخر بها، والنكس: بالكسر: من السهام: الذي ينكسر سنخه فيقلب، فيجعل أعلاه أسفله، وهو من أضعف السهام.
وكان السبب في هجو الزبر قان ومدح بغيض ما رواه الأصبهاني في " الأغاني " أن النبي صلي الله عليه وسلم كان ولي الزبرقان بن بدر عملا، وأقره أبو بكر.
[ ٧ / ٢٣٩ ]
ثم قدم على عمر في سنة مجدبة لدفع صدقات قومه، فلقيه الحطيئة بقرقري ومعه ابناه وبناته وزوجته، فقال له الزبرقان وقد عرفه ولم يعرفه الحطيئة: أين تريد؟ فقال: العراق، فقد حطمتنا هذه السنة، قال: ماذا تصنع؟ قال: وددت ان أصادف بها رجلا يكفيني مؤونة عيالي، واصفيه مدحي ابدا، فقال له الزبرقان: قد أصبته،﴾ فهل لك فيه ﴿يوسعك تمرا ولبنا، ويجاورك احسن جوار؟ قال: هذا وأبيك العيش، وما كنت ارجو هذا كله،،﴾ قال: فقد أصبته، قال: ﴿عند من؟ قال: عندي، قال: ومن أنت؟ قال: الزبرقان، قال: وأين محلك؟ قال: اركب هذه الإبل، واستقبل مطلع الشمس، وسل عن القمر حتى تاتي منزله، وأرسل الزبرقان إلى زوجته هنيدة بنت صعصعة المجاشعية بالوصية عليه وفاكرمته، وأحسنت إليه، فبلغ ذلك بغيض بن عامر من بني أنف الناقة، وكان ينازع الزبرقان الشرف، وكان أشرف من الزبرقان إلا انه كان قد استعلاهم بنفسه، وكان الحطيئة دميما سيئ الخلق وعياله كذلك، فلما رات﴾ ام شذرة ﴿حاله، هان عليها وقصرت به، فأرسل إليه بغيض وإخوته: أن ائتنا فأبى، وقال: شأن النساء التقصير والغفلة، ولست بالذي أحمل على صاحبها ذنبها، فلما ألح عليه﴾ بنو أنف الناقة ﴿وكان الرسول شماس بن لأي، وعلقمة بن هودة، والمخبل الشاعر، واطمعوه، ووعدوه وعدا عظيما، ودسوا إلى زوجة الزبرقان أن الزبرقان يريد أن يتزوج مليكة بنت الحطيئة، وكانت جميلة، فظهر منها جفوة، والحوا عليه في الطلب، فارتحل إليهم، فضربوا له قبة، وربطوا بكل طنب من أطنابها جلة هجرية، واراحوا عليهم إبلهم، وأكثروا عليهم التمر وز اللبن، وأعطوه لقاحا وكسوه، فلما قدم الزبرقان سأل عنه، فأخبر بقصته، فنادي في بني بهدلة بن عوف، فركب فرسه، وأخذ رمحه، وسار حتى وقف على بني أنف الناقة، وقال: ردوا علي جاري، قالوا: ما هو لك بجار، وقد اطرحته وضيعته، وكاد أن يقع بين الحيين حب فاجتمع أهل الحجى، فخيروا الحطيئة، فاختار بغيضا، فجعل يمدحه من
[ ٧ / ٢٤٠ ]
غير أن يهجو الزبرقان وهم يحرضونه على ذلك حتى هجاه، فاستعداه الزبرقان إلى عمر، وادعى عليه أنه هجاه، فاستعداه الزبرقان إلى عمر، وادعى عليه أنه هجاه، وأنشده هذه القصيدة، فقال عمر: ما أسمع هجاء إنما أسمع معاتبة، فقال الزبرقان: أو ما تبلغ مروءتي أن اّكل وأشرب، فسأل عمر حسان ولبيا، فقالا: نعم هذا هجو، فامر عمر بحبسه، وقصته طويلة نقلها صاحب "الأغاني "،وترجمة الحطيئة تقدمت في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائتين.
وأنشد بعده:
إن من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جاّذرا وظباء
وتقدم شرحه في الإنشاد السابع والاربعين.
وأنشد بعده:
صددت فاطولت الصدوود وقلما وصال على طول الصدود يدوم
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثامن بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٥) أظبي كان أمك أم حمار
على أن قوله ظبي اسم لكان محذوفة مفسرة بكان المذكورة إلى اّخر ما ذكره، وذهب صاحب "المفتاح " إلى أن تنكير المسند إليه إنما هو في ظبي إذا ارتفع بالمضمر، لا في ضمير كان العائد عليه، وهو وارد على القلب، والأصل: أظبيا كان أمك أم حمارا،
[ ٧ / ٢٤١ ]
قال: إن كون المسند غليه نكرة، والمسند معرفة، سواء قلنا: يمتنع عقلا، أو يصح عقلا، ليس في كلام العرب، وأما ما جاء من نحو قوله:
ولا يك موقف منك الوداعا
وقوله: يكون مزاجها عسل وماء
وبين الكتاب:
أظبي كان أمك أم حمار
فمحول على المنوال: عرضت الناقة على الحوض، واصل الاستعمال: ولا يك موقفا منك الوداع، ويكون مزاجها عسلا وماء، وأظبيا كان امك ام حمار ا، ولا تظن بيت الكتاب خارجا عما نحن فيه هابا إلى أن اسم كان هو الضمير، والضمير معرفة، فليس المراد كان أمك، وإنما المراد ظبي، بناء على أن ارتفاعه بالفعل المفسر لا بالابتداء، ولذلك قدرنا الأصل على ما ترى. انتهى.
واختار السعد في " المطول " هذا الاخير، قال: قيل: إنه قلب من جهة اللفظ بناء على ان ظبي مرفوع بكان امقدرة، والحق أن ظبي مبتدأ، وكان أمك خبره، فحينئذ لا قلب فيه من جهة اللفظ، لأنه اسم كان ضمير، والضمير معرفة، نعم فيه قلب من جهة المعنى، لان المخبر عنه في الاصل هو الأم. انتهى. ويشهد للقلب ما رواه ابن خلف في " شرح شواهد سيبويه " قال: وقد ينشد:
أظبيا كان أمك حمار
على أنه جعل اسم كان معرفة وخبرها نكرة، فهذا جيد إلا أنه كان يجب أن ينصب حمارا، لأنه معطوف على ظبي فيجوز رفعه على إضمار مبتدأ.
[ ٧ / ٢٤٢ ]
قال المبرد في كتابه " الجامع ": والاجود في هذه الابيات نصب الاخبار المقدمة، ورفع المعارف، وقطع القوافي على قطع وابتداء. انتهى كلام ابن خلف.
والبيت من ابيات أوردها أبو تمام في كتاب " مختار أشعار القبائل " ونسبها لثروان ابن فزارة بن عبد يغوث العامري وهي:
وكائن قد رايت من اهل دار دعاهم رائد لهم فساروا
فأصبح عهدهم كمقص قرن فلا عين تحس ولاأثار
لقد بدلت أهل بعد أها فلا عجيب بذاك ولا سخار
فأنك لا يضرك بعد عام أظبي كان ام حمار
فقد لحق الأسافل بالأعالي وماج اللؤم واختلط النجار
وعاد العبد مثل أبي قبيس وسيق مع المعلهجة العشار
وقوله: وكائن: هي خبرية بمعنى كم الخبرية، والرائد: الذي يرسل في طلب الكلأ.
وقوله: فاصبح عهدهم إلى اّخره: العهد بالفتح: المنزل الذي لا يزال القوم إذا بعدوا عنه رجعوا اليه وكذلك المعهد، وقوله: كمقص قرن، قال أبو تمام:
أي: كمقطع قرن، يريد: خلت ديارهم، وقيل: مقص قرن: جبل مشرف على عرفات أيضا، وليس يريده. انتهى. قال ابو محمد الأعرابي: مقص موضع تقتص فيه الأرض، أي: لا يوجد لهم ولعهدهم أثر، كما لا يوجد أثر من يمشي على صخرة وقرن جبل. انتهى. وتحس بالبناء للمفعول: من أحس الرجل الشيء إحساسا، أي: علم به، والأثار بفتح الهمزة: هو الأثر ويقال: أثارة أيضا بالهاء. وقوله: لقد بدلت أهلا .. إلى اّخره بالبناء للمفعول. والسخار بضم السين وكسرها: اسم للسخرية والاستهزاء، وقوله: فإنك لا يضرك، هذه رواية أبي عبيدة ورواه مؤرج السدوسي في "أمثاله": فإنك لا يضورك، يقال: ضاره يضوره
[ ٧ / ٢٤٣ ]
ويضيره بمعنى، ورويا "حول " بدل "عام" ولم أر رواية " فإنك لا تبالي " لأحد إلا للنحويين.
وقوله: أظبي كان إلى اّخره، هذه هي الرواية المشهورة التي رواها سيبويه فمن بعده من النحاة وقال أبو محمد الأسود الأعرابي في كتابه "فرحة الاديب" رد فيه على ابن السيرافي في " شرح أبيات سيبويه": كيف يكون الظبي والحمار أمين وهما ذكرا الحيوان، حتى إن المثل يضرب بالحمار، فيقال: " من ينك العير ينك نياكا "، والصواب ما أنشدناه أبو الندى:
أظبي ناك أمك أم حمار
وإنما قلبت اللفظة تحرجا فيما أرى، ثم استشهد به النحويون على ظاهره. وهذه الابيات قطعة ظريفة اكتبها أبو الندى، وذكر أنها لثروان بن فزارة بن عبد يغوث بن ربيعة بن عمرو بن عامر. انتهى.
أقول: يدفع ما توقف فيه بأن الأم هنا معناه الأصل وهذا معنى شائع لا ينبغي العدول عنه، فإن الام في اللغة يطلق على أصل﴾ كل ﴿شئ سواء كان في الحيوان أم في غيره. وقال الأعلم في " شرح شواهد سيبويه ": وصف في البيت تغير الزمان، واطراح مراعاة الانساب ويتصل به ما يبين وهو قوله: فقد لحق الأسافل بالأعالي فيقول: لا تبالي بعد قيلعك بنفسك واستغنائك عن أبويك من انتسبت إليه من شريف أو وضيع، وضرب المثل بالظبي والحمار وجعلهما أمين وهما ذكران، لانه مثل لا حقيقة، وقصد قصد الجنسين، ولم يحقق أبوة وذكر الحول لذكر الظبي والحمار، لانهما يستغنيان بانفسهما بعد الحول، فضرب المثل بذكره للإنسان لما أراد من استغنائه بنفسه. انتهى.
[ ٧ / ٢٤٤ ]
وقوله: وماج اللؤم إلى اّخره، ماج يموج، واللؤم: دناءة النفس والأباء، والنجار، بكسر النون بعدها جيم: الأصل، أي: ذهب السؤدد، وغلب على الناس اللؤم والدناءة واشتبه الأصل والنسب، حتى لو بقوا على هذه الحالة سنة لا يبالي إنسان أهجينا كان أو غير هجين وقوله: مثل أبي قبيس هو مصغر "أبو قابوس" وهو كنية النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وقابوس معرب كاووس: اسم ملك من ملوك الفرس القديمة.
وقال ابو محمد الاعرابي الذي انشدناه أبو الندى:
وعاد الفند مثل أبي قبيس
ورواية الناس "العبد" وذكر أبو الندى أنه تصحيف.
والفند بكسر الفاء وسكون النون: قطعة من الجبل طولا، وقيل: الجبل العظيم، وابو قبيس: جبل بمكة، سمي برجل من مذحج حداد، لأنه أول من بنى فيه وفي " قاموس ": المعلهج، كمزعفر: الأحمق اللئيم والهجين، وحكم الجوهري بزيادة هائه غلط، والهجين: اللئيم، وعربي ولد من أمة، أو من أبوه خير من أمه، وفرس هجين: غير كريم كالبرذون، والعشار بالكسر: جمع عشير، وهو الغريب والصديق، أو جمع عشراء، والعشراء من النوق: التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية، او هي كالنفساء من النساء.
وثروان بن فزارة صحابي وفد إلى النبي ﷺ، ومدحه بابيات نقلناها في ترجمته في الشاهد الرابع والعشرين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي بعد شرح هذه الأبيات.
[ ٧ / ٢٤٥ ]
وأنشد بعده:
اّليت حب العراق الدهر أطعمه
تمامه:
والحب ياكله في القرية السوس
وتقدم الكلام عليه في الغنشاد السابع والثلاثين بعد المائة.
وانشد بعده:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما بأسحم داج عوض لا نتفرق
وتقدم بسط الكلام عليه في الإنشاد الثالث والأربعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٦) ورب السموات العلى وبروجها والأرض وما فيها المقدر كائن
على أن اللام في جواب القسم محذوف تقديرها: للمقدر كائن، ورب مجرور بواو القسم، وبروجها: معطوفة على السموات، والأرض: معطوفة أيضا على السموات، وكذا قوله: ما فيها، والأرض فتحة همزتها منقولة إلى الواو بعد حذف فتحتها، والبيت لم أعرف قائله، ولا تتمته، والله اعلم.
[ ٧ / ٢٤٦ ]
وأنشد بعده وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٧) حنت نوار ولات هنا حنت
تمامه:
وبدا الذي كانت نوار أجنت
لما ذكره، والصحيح كما قال ابن الحاجب في " شرح الإيضاح" إن "هنا" بفتح الهاء وتشديد النون إذا كانت مع لات ظرف زمان لأمور: أحدها: أن "لا" التي لنفي الجنس المكسوفة بالتاء لا تدخل إلا على الاحيان، والثاني: أن المعنى إنكار الحنين بعد الكبر، وذلك إنما يتحقق بالزمان لا بالمكان، والثالث: انه لو جعل للمكان، لم يصح إضافته إلى الفعل، إذا لم يضف من أسماء المكان إلى الافعال غلا الظروف غير المتمكنة كحيث. انتهى. وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الثالث والثمانين بعد المائتين من شواهد الرضي.
والتاء من حنت وأجنت مكسورة للوزن، ونوا: فاعل حنت مبني على الكسر في لغة الجمهور، وعند تميم معرب لا ينصرف، وهو من أسماء النساء، وجملة "لات هنا حنت " حال من نوار، والحنين: الشوق، ونزاع النفس إلى شيئ وأجنت بالجيم: أخفت وسترت، وبعد هذا البيت بيت ثان، وهو:
لما رأت ماء السلا مشروبا والفرث يعصر في الإناء أرنت
والسلا بفتح السين المهمل والقصر: هي الجلدة الرقيقة التي يكون الولد فيها من المواشي، وهي المشيمة له، والفرث بالفتح السرجين دم في الكرش،
[ ٧ / ٢٤٧ ]
وارنت إرنانا: صاحت، ويقال أيضا: رنت رنينا، وإنما صاحت وبكت، لانها تيقنت في تلك المفازة الهلاك، حيث لا ماء إلا ما يعصر من فرث الإبل، وما يخرج من المشيمة من بطونها.
وهذان البيتان اختلف في قائلهما، فقيل: هو شبيب بن جعيل التغلي وهو جاهلي، وإليه ذهب الاّمدي في " المؤتلف والمختلف" قال: وشيب هذا كان بنو قنينة الجاهليون اسروه في حرب كانت بينهم وبين بني تغلب، فقال شبيب هذين البيتين لما رأى أمه نوار أرنت، وهي بنت عمرو بن كلثوم.
وقيل هو حجل بن نضلة، وهو جاهلي أيضا، وهو قول أبي عبيدة، وتبعه ابن قتيبة في كتاب " الشعراء "، وأبو علي في " المسائل البصرية " قالوا: فالهما في نوار بنت عمرو بن كلثوم لما اسرها يوم طلحو فركب بها الفلاة خوفا من أن يلحق والله أعلم.
ومنه تعرف أنه لا وجه لقول ابن الحاجب: إن معنى البيت إنكار الحنين بعد الكبر، وذلك إنما يتحقق بالزمان لا بالمكان، قال ابن قتيبة والاّمدي: قد نقص حرف من فاصلة البيت الثاني، وكان يستوي البيت بان يقول: " متشربا"، وقد روي "شربا لها"، وهذا أحسن، وبقي كلام ذكرناه هناك من شواهد الرضي.
[ ٧ / ٢٤٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٨) وتسخن ليلة لا يستطيع نباحا بها الكلب إلا هريرا
على أن رجوع الضمير الرابط من الجملة المضاف إليها إلى المضاف نادر، فإن ضمير بها راجع إلى ليلى، وكونه نادرا غير مسلم، فإن المضاف يجوز أن يعود عليه الضمير، سواء كان مضافا إلى مفرد، أم إلى جملة، وليس بلازم، فقد يخلو من رجوع ضمير عليه.
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري مدح بها هوذة بن علي الحنفي من بكر ابن وائل، ومطلعها:
غشيت لليلى بليل خدورا وطالبتها ونذرت النذورا
فبانت وقد أسأرت في الفؤا د صدعا على نايها مستطيرا
كصدع الزجاجة ما تستطيع كف الصناع لها أن تحيرا
مليكية جاورت بالحجا ز قوما عداة وأرضا شطيرا
وتفتر عن بارق مشرق كشوك السيال أسف النؤورا
كأن جنيا من الزنجبيل بفيها وراحا وأريا مشورا
إذا هي تانى تريد القيام تهادى كما قد رأيت البهيرا
لها مالك كان يخشى القراف إذا خالط الحب منه الضميرا
فبان بحسناء براقة على أن في الطرف منها فتورا
مبتلة الحلق مثل المها ة لم تر شمسا ولا زمهريرا
ترى الحز تلبسه ظاهرا وتبطن من تحت ذاك الحريرا
[ ٧ / ٢٤٩ ]
وتبرد برد رداء العرو س بالصيف رقرقت فيه العبيرا
وتسخن ليلة لا يستطيع نباحا بها الكلب غلا هريرا
الحدور: الستور التي تخدر فيها النساء، وبانت: فارقت، واسارت: أبقت، والمستطير: المنتشر، والصناع بالفتح: الحاذقة الماهرة بعمل اليدين، أن تحير: أن ترجع، وأن ترد من قولهم: ما أحار شيئا، ومليكية: منسوبة إلى مليك مصغر مالك، والشطير: البعيد، والغريب أيضا، والعداة: الأعداء، وتفتر: تكشف وتبسم عن ثغر بارد، والسيال بالفتح: شجر له شوك صغار يشبه بحدتها الاشر، واسف، بالبناء للمفعول: ذر، والنؤور: دخان يتصعد في إناء، ثم يؤخذ للوشم يذر على الأسنان فتخضر، والجنى: كل ما يجنى من الشجر، والراح: الخمر، والاري: العسل، وشاره: إذا اجتناه، وتانى، أي: تتهيأ، تهادى: تتمايل في مشيها، واصله تتهادى، والبهير: المتتابع النفس، فبان، أي: فبعد، والبراقة: من البريق واللمعان، وروى رقراقة، قال الجواليقي في شرح "أدب الكاتب ": أي: بيضاء ناعمة، ويقال:
هي التي يبرق وجهها كأن الماء يجري فيه، والطرف: اسم جامع للبصر، وهي هنا تحريك الجفون، والفتور: الاسترخاء، وإنما يستحسن الفتور في الجفون ولا في نفس البصر، والمبتلة: التامة الخلق، ولا يوصف به الرجل، ويقال: المبتلة التي يركب لحمها بعضه بعضا، وقيل: هي المنقطعة عن النساء لها عليهن فضل، والمها: بقر الوحش الواحدة مهاة، والمها: البلورة أيضا، وقوله: لم تر شمسا، اي: هي في كن لم تجد حرا ولا بردا.
وقوله: وتبرد برد رداء .. إلى اّخره وقال شارح ديوانه: هذا مدح في النساء كما قال طرفة:
تطرد القر بحر ساخن وعكيك القيظ إن جاء بقر
[ ٧ / ٢٥٠ ]
ورقرقت، أي: تلألأ لما طلته به، أو علق به، والعبير هنا: الزعفران وحده، وعند بعضهم: أخلاط من الطيب. انتهى.
وقال الجواليقي، أي: تبرد هذه المرأة في الصيف بردًا مثل برد رداء العروس إذا رقرقت فيه العبير، أي: صبغته [بالزعفران] وصقلته، أي: قد جمعت في الصيف البرد، وطيب الرائحة، والعبير: الزعفران وحده، ثم قال: وتسخن إلى آخره، يقول: هي حارة في الليلة الشديدة البرد التي لا يقدر الكلب فيها على النباح من شدة البرد إلا أن يهر هريرًا، وهو دون النباح، وهذا كما قال الآخر:
سخنة في الشتاء باردة الصيف سراج في الليلة الظلماء
انتهى.
والهرير: أن ينبح وخيشومه في بطنه من شدة البرد.
قال المرزباني في "الموشح": حدثني عبد الله بن أحمد عن أبي العباس المبرد قال: قال الأعشى:
وتبرد برد رداء العروس إلى آخر البيتين.
هذا الكلام تقبل واستحسن، ثم قال في عيبه: إنه أتى به في بيتين، وطول به الخطاب، وأجود منه قول طرفة:
تطرد البرد بحر ساخن وعكيك القيظ إن جاء بقر
وقيل: هذا أجمع وأخصر. انتهى.
وقال ابن السيد في شرح "أدب الكاتب": وصف المرأة بصحة الجسم، واعتدال المزاج، فيقول: إذا ضاجعتها في الصيف، وجدتها باردة الجسم كبرد
[ ٧ / ٢٥١ ]
رداء العروس إذا رقرق فيه العبير، أي: جعل رقيقًا، وذلك حتى يصير أملس، وإذا ضاجعتها في البرد الشديد الذي لا يقدر فيه الكلب على النباح، وجدت جسمها سخنًا، والباء في قوله: بالصيف بمعنى في، وجملة "رقرقت فيه العبير" حال من الرداء جارية على غير من هي له، ولو جعلت مكان الفعل الحال المحضة لقلت: مرقرقًا فيه العبير أنت، فأبرزت الضمير، ولوقلت: رقرق فيه العبير، ثم أظهرت الحال، لقلت مرقرقًا فيه العبير، ولم تظهر الضمير، وفيه: متعلق برقرقت، وفي البيت تقديم وتأأخيرك وتقديره: وتبرد بالصيف برد رداء العروس [فالباء متعلقة بتبرد، وبرد رداء العروس] منصوب على المصدر المشبه به، والتقدير: وتبرد بردًا مثل [برد] رداء العروس. انتهى.
وفي "أمالي الزجاجي الصغرى والوسطى": أخبرنا أبو بكر بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: قال ابن دأب: "إنما سمى الناس الطيب: الغالية والساهرية والعبير ببنات عبد بن عبد الله بن صخر بن نافع بن سلف بن يقظان من أهل اليمن من العرب العاربة، وكان له ثلاث بنات يقال لهن: الغالية والساهرية والعبير، اجتمعن فسحقن مسكًا وعنبرًا وعودًا فخلطته الغالية بالبان، فقيل: هذا طيب الغالية، وخلطته الساهرية بالزنبق، فقيل: هذا طيب الساهرية، وخلطته العبير بماء الورد، فقيل: هذا طيب العبير، قال أبو القاسم: هكذا روي
[ ٧ / ٢٥٢ ]
هذا الخبر. وأما أهل اللغة، فمختلفون في العبير، فالأصمعي: يزعم أن العبير الزعفران نفسه، ويحتج بقول الأعشى:
وتبرد برد رداء العروس .. .. البيت.
وغير الأصمعي يذهب إلى أن العبير أخلاط يجمع بالزعفران، وهو القول الصحيح، لأنه قد روي عن النبي ﷺ أنه قال لامرأة: "أتعجز إحداكن أن تتخذ تومتين، ثم تلطخفهما بعبير أو زعفران"، ففرق بينهما، والتومة: حبة تعمل من الفضة كالدرة، انتهى.
وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد الثمانمائة:
(٨٢٩) مضت سنة لعام ولدت فيه وعشر بعد ذاك وحجتان
لما تقدم قبله، وصوابه: مضت مائة، ولم يتنبه أحد من الشراح لهذا التحريف، وأكثر ما يكتب مائة بصورة مئة بلا ألف، فحرف بسنة.
[ ٧ / ٢٥٣ ]
والبيت من قصيدة للنابغة الجعدي هجا بها الأخطل وبني سعد بن زبد مناة، ومدح كعب بن جعيل: ومنها:
وظل لنسوة النعمان منا على سفوان بوم أروناني
فأعتقنا حليلته وجئنا لما قد كان جمع من هجان
وسفوان بالتحريك: موضع، وأرواني: شديد، فإن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير بن قشير غزا بقومه حتى بلغ البحر، فأغار على إبل النعمان وماله وهو بكاظمة، فأخذ عصافير النعمان وهي إبله المختارة، وزوجته المتجردة، فرد المتجردة عليه، واستأثر بالهجائن، إلى أن قال:
ألا زعمت بنو سعد بأني ألا كذبوا كبير السن فاني
فإن تحرص على كبر فإني من الفتيان أيام الخنان
مضت مائة لعام ولدت فيه وعشر بعد ذاك وحجتان
فأبقى الدهر والأيام مني كما أبقى من السيف اليمان
تحسر وهو مأثور جراز إذا جمعت بقائمه اليدان
مضى عصر ولا يشرى بشيء وإن سيقت به مائة الهجان
ألا أبلغ بني جشم رسولًا أحقًا أن أخطلكم هجاني
فلولا أن تغلب رهط أمي وكعب وهو مني ذو مكان
تراجمنا بصدر القول حتى نصير كأننا فرسا رهان
وقوله: "ألا كذبوا" جملة معترضة بين اسم إن وخبرها، والخنان بضم الخاء المعجمة بعدها نون، قال صاحب "الأغاني": سئل محمد بن حبيب عن أيام الخنان، ما هي: فقال: وقعة لهم، فقال قائل منهم وقد لقوا عدوهم خننوهم
[ ٧ / ٢٥٤ ]
بالرماح، فسمي ذلك العام الخنان. انتهى. وقال الجواليقي في كتاب "لحن العامة": الخنان: داء يأخذ الإبل في مناخرها، وهو في الإبل مثل الزكام في الناس، والخنان أيضًا: داء يأخذ الناس، قال الشاعر:
وأشفي من تخلج كل حق وأكوي الناظرين من الخنان
والخنان أيضًا: داء يأخذ الطير في رؤوسها، يقال: طائر مخنون. انتهى. وقال ابن درير في "الجمهرة": زمن الخنان زمن معروف عندا لعرب قد ذكر في أشعارهم، ولم أسمع له تفسيرًا شافيًا من علمائنا. انتهى.
قال صاحب "الأغاني": اسمه: قيس بن عبد الله الجعدي العامري، وإنما سمي النابغة لأنه أقام مدة لا يقول الشعر، ثم نبغ، وقال القحذمي: قال الجعدي الشعر في الجاهلية، ثم أجبل دهرًا، ثم نبغ بعد بالشعر في الإسلام، وعن ابن الأعرابي قال أقام النابغة ثلاثين سنة لا يتكمل بالشعر، ثم تكلم بالشعر، وقال ابن سلام: كان النابغة قديمًا شاعرًا مفلقًا، طويل البقاء في الجاهلية والإسلام، وكان أكبر من الذبياني، ويدل على ذلك قوله:
ومن يك سائلًا عني فإني الإبيات الثلاثة.
قال: وعمر بعد ذلك عمرًا طويلًا، وقال أيضًا:
لبست أناسًا فأفنيتهم وأفنيت بعد أناس أناسا
ثلاثة أهلين أفنيتهم وكان الإله هو المستآسا
واستآسه: استعاضه، والمستآس: المستعاض. وفي هذه القصيدة يقول:
وكنت غلامًا أقاسي الحرو ب يلقى المقاسون مني المراسا
[ ٧ / ٢٥٥ ]
وأنشد عمر بن الخطاب هذه القصيدة، فقال: "كمل لبثت مع كل أهل لك؟ فقال: ستين سنة".
وأما ابن قتيبة فإنه ذكر أنه عمر مائتين وعشرين سنة، ومات بأصبهان، وما ذاك بمنكر لأنه مكث إلى أيام عبد الله بن الزبير، وبين عمر وابن الزبير نحو مما ذكر ابن قتيبة لا شك.
والحجة، بكسر الحاء المهملة: السنة، وقوله: تحسر، أي: تكشف عن جوهره، والمأثور: الذي جوهره ظاهر عليه، وجراز بضم الجيم: القاطع، وإذا ظرف لجراز، وقائمة: مقبضه، ولا يُشرى: لا يباع، وسيقت، مبني للمفعول من السوق، وبه: أي: بثمنه، والهجان: الإبل الكريمة، وترجمة النابغة الجعدي تقدمت في الإنشاد الرابع والتسعين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٠) هذا وجدكم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
على أن عينه مؤكدة للصغار، وزيدت الباء فيه، كما يقال: جاء زيد بعينه، وقيل: حال مؤكدة، أي: هذا الصغار حقًا، قال اللخمي في "شرح أبيات الجمل": بعينه: حال من الصغار، والعامل فيه ما في "ها" من معنى التنبيه، أو ما في "ذا"
[ ٧ / ٢٥٦ ]
من معنى الإشارة، والبيت من شواهد سيبويه، والشاهد فيه رفع الاسم الثاني مع فتح الأول، وذلك إما على إلغاء الثانية، ورفع تاليها بالعطف على محل الأولى مع اسمها، وعلى هذا فخبرهما واحد، وإما على تقدير "لا" الثانية عاملة عمل ليس، فيكون لكل من الأولى والثانية خبر يخصها، لأن خبر الأولى مرفوع، وخبر الثانية منصوب، وهذا: مبتدأ، والصغار: خبره، بفتح الصاد، بمعنى الذل.
وقوله: "وجدكم" جملة قسمية معترضة بين المبتدأ والخبر، قال اللخمي: والجد هنا: أبو الأب، والجد أيضًا: البخت والسعد والعظمة، وروي: هذا لعمركم، وذاك: فاعل كان التامة، ويجوز أن تكون ناقصة، والخبر محذوف، والتقدير: إن كان ذاك مرضيًا، ولا بد على الوجه الأول من حذف مضاف، أي: إن كان رضا ذاك، ليصح المعنى، لأنه إنما اشترط أنه لا يرضى بذلك الجور. وجملة الشرط معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وسد ما قبل الشرط مسد الجواب، أي: إن كان الجور مرضيًا انتفيت من أمي وأبي، والمشار إليه بذاك في الموضعين، الفعل الذي فعلوه به، والبيت آخر أبيات سبعة، وأولها:
يا جندب اخبرني ولست بمخبري وأخوك ناصحك الذي لا يكذب
هل في القضية أن إذا استغنيتم وأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا الشدائد بالشدائد مرة أشجتكم فأنا المحب الأقرب
وإذا تكون كريهة أُدعى لها وإذا يحاس الحيس يُدعى جندب
ولجندب سهل البلاد وعذبها ولي الملاح وخبتهن المجدب
عجب لتلك القضية وإقامتي فيكم على تلك القضية أعجب
هذا وجدكم الصغار بعينه البيت
[ ٧ / ٢٥٧ ]
والشعر لضمرة بن ضمرة النهشلي: شاعر جاهلي، وكان يبر أمه ويخدمها، وكانت مع ذلك تؤثر أخًا له يقال له جندب، فقال هذا الشعر، والأجنب، بالجيم والنون: القريب والبعيد، والحيس: لبن وأقط وسمن وتمر يصنع منه طعام، والملاح: جمع مليح، يقال: قليب مليح ماؤه، أي: ملح، والخبت، بفتح المعجمة وسكون الموحدة: المطمئن من الأرض فيه رمل، والمجدب: اسم فاعل من الجدب ضد الخصب، وقد بسطنا الكلام بسطًا وافيًا على هذا الشعر، وقائله في الشاهد الثامن والثمانين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣١) تعلم رسول الله أنك مدركي
تمامه:
وأن وعيدًا منك كالأخذ باليد
على أن تعلم مثل زعم لا يقع على المفعولين صريحًا، بل على أن وصلتها، قال ابن السكيت: تقول: تعلمت أن فلانًا خارج بمعنى علمت، قال: إذا قال لك: اعلم أن زيدًا خارج، قلت: قد علمت، وإذا قال: تعلم أن زيدًا خارج، لم تقل: قد تعلمت، يعني أنه يقتصر على ما ورد عنهم، ولا يتجاوز إلى غيره، والبيت من شعر أورده ابن هشام في السيرة، قال فيها: قال ابن إسحاق، وقال أنس بن زنيم الديلي يعتذر إلى رسول الله ﷺ مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي:
أأنت الذي تهدى معد بأمره بل الله يهديهم وقال لك اشهد
وما حملت من ناقة فوق رحلها أبر وأوفى ذمة من محمد
أحث على خير وأسبغ نائلًا إذا راح كالسيف الصقيل المهند
[ ٧ / ٢٥٨ ]
وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله وأعطى لرأس السابق المتجرد
تعلم رسول الله أنك مدركي وأن وعيدًا منك كالأخذ باليد
تعلم رسول الله أنك قادر على كل صرم متهمين ومنجد
تعلم بأن الركب ركب عويمر هم الكاذبون المخلفو كل موعد
ونبي رسول الله أني هجوته فلا حملت سوطي إلي إذن يدي
وبعد هذا ستة أبيات، وقال السهيلي في "الروض الأنف" قوله: وأكسى لبرد الخال إلخ الخال: من برود اليمن، وهو من رفيع الثياب، وأحسبه سمى بالخال الذي بمعنى الخيلاء، وقوله: تعلم رسول الله أنك مدركي إلخ .. وهذا البيت سقط من رواية أبي جعفر بن الورد، ومعناه من أحسن المعاني، ينظر إلى قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة تمد بها أيد إليك نوازع
فالقسم الأول كالبيت الأول من بيت النابغة، والقسم الثاني كالبيت الثاني، لكنه أطبع منه وأوجز، وقول النابغة كالليل فيه من حسن التشبيه ما ليس في قول الديلي، إلا أنه يسمج مثل هذا التشبيه في النبي ﷺ، لأنه نور وهدى، فلا يشبه بالليل، وإنما حسن في قول النابغة أن يقول: كالليل، ولم يقل كالصبح، لأن الليل ترهب غوائله، ويحذر من إدراكه ما لا يحذر من النهار، وقد أخذ الأندلسي هذا المعنى، فقال في هربه من ابن عباد:
كأن بلاد الله وهي عريضة تشد بأقصاها علي الأناملا
فأين مفر المرء عنك بنفسه إذا كان يطوي في يديك المراحلا
[ ٧ / ٢٥٩ ]
وهذا كله معنى منتزع من كلام القدماء، روى [الطبري] أن منوجهر بن إيرج ابن أفريدون [بن أثفيان]، وهو الذي بعث موسى ﵇ في زمانه، قال حين عقد التاج على رأسه في خطبة له طويلة: أيها الناس إن الخلق للخالق، وإن الشكر للمنعم، وإن التسليم للقادر، وإنه لا أضعف من مخلوق طالبًا أو مطلوبًا، ولا أقوى من طالب طلبته في يده، ولا أعجز من مطلوب هو في يد طالبه. انتهى كلام السهيلي.
قال دعبل بن علي في "طبقات الشعراء": قوله:
فما حملت من ناقة فوق رحلها .. البيت.
هذا أصدق بيت قالته العرب. وروى ابن إسحاق في "المغازي" أن عمرو ابن سالم الخزاعي خرج في أربعين راكبًا ينصرون رسول الله على قريش، فأنشده:
لا هم إني ناشد محمدًا عهد أبينا وأبيه الأتلدا
الأبيات ..، ثم قال: يا رسول الله إن أنس بن زنيم هجاك، فهدر رسول الله دمه، فبلغه ذلك، فقدم عليه متعذرًا، وأنشده أبياتًا مدحه بها، وكلمه فيه نوفل بن معاوية الديلي، فعفا عنه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٢) زعمتني شيخًا ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا
على أن وقوع زعم على المفعولين صريحًا من غير الغالب، والبيت أول أبيات
[ ٧ / ٢٦٠ ]
أوردها أبو تمام في كتاب "مختار أشعار القبائل" لأبي أمية الحنفي، واسمه أوس، وبعده:
إنما الشيخ من يستره الحي ويمسي في بيته محجوبًا
إن إراد الخروج خوف بالذئب وإن كان لا يرى الحي ذيبا
كيف يدعى شيخًا أخو مضلعات ليس يثني تقلبًا وركوبًا
فإذا ما الجليل عي به القو م وهاب الخطيب كان خطيبًا
كم لأوس من كاشح لو تراه قد بنت دونه المساحي قليبًا
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٣) تعلم شفاء النفس قهر عدوها
تمامه:
فبالغ بلطف في التحيل والمكر
لما تقدم قبله، فشفاء وقهر مفعولا "تعلم" بمعنى اعلم، ولم أقف على تتمته ولا على قائله، وقد نسبه العيني إلى زياد بن سيار، وقد غلط في هذه النسبة، وسبب الغلط أن المصنف أورد في شرح أبيات ابن الناظم بيتًا من أبيات النابغة الذبياني رد بهى على زياد المذكور التطير الذي فيه، وهو:
تعلم أنه لا طير إلا على متطير وهو الثبور
[ ٧ / ٢٦١ ]
وأورد بعده:
تعلم شفاء النفس قهر عدوها .. البيت
وقال: البيت الأول للنابغة يذم تطير زياد بن سيار، وأورد بعده:
تعلم شفاء النفس .. البيت
وسكت عن البيت الثاني، فخلط العيني، ونسب الشاهدين إلى زياد المذكور، وأورد أبيات الشاهد الأول وهي أربعة تمامًا، وقلده السيوطي هنا، فنسب البيت إلى زياد المذكور.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٤) فقلت أجرني أبا خالد وإلا فهبني أمرأً هالكا
على أن هب بمعنى "ظن" الغالب تعديتها إلى صريح المفعولين كما في البيت، فالياء مفعول أول، وامرأً مفعول ثان، وهالك صفته، والبيت من قصيدة لعبد الله بن همام السلولي، مدح بها عبيد الله بن زياد بن أبيه، وهي:
جعلت الغواني من بالكا ولم ينهك الشيب عن ذلكا
على حين كان الصبا شانئًا وأقصر باطل أخدانكا
بكيت العشيرة إذ فارقوك لإلفك فيهم وأوطانكا
أقول لعصمان لا تلحني أفق عثم عن بعض تعذالكا
غريب تذكر إخوانه فهاجوا له سقمًا ناهكا
وكرهني أرضكم أنني رأيت بها مالكًا فاتكا
فلما خشيت أظافيره نجوت وأرهنتهم مالكا
[ ٧ / ٢٦٢ ]
مالك: عريف لهم سلولي ضمنه من زياد، فهرب، وأسلمه فمضى إلى معاوية، فآمنه من زياد بن أبيه.
عريفًا مقيمًا بدار الهوان فأهون علي به هالكا
ويممت أبيض ذا سورة علا ذروة المجد والحاركا
أجوب إليه أديم النهار وأدرع الأسود الحالكا
بأدماء قد ضم منها السفار وأفنى سنامًا لها تامكا
فلما أنخت إلى بابه رأيت خليفتنا ذلكا
فقلت أجرني أبا خالد وإلا فهبني امرأً هالكا
فجال بنا ثم قلت اعطفي به يا صفي ويا عاتكا
فأطت لنا رحم برة ولم يخفر النسب الشابكا
فيا ابن زياد وكنت امرأً كما زعموا عابدًا ناسكا
فإن معي ذمة من يزيد وإني أعوذ بإسلامكا
من أن أظلم اليوم أو أن تطيع بي الآثم الآفكا
فلولا الثقال شفاعاتهم وعقد الخليفة لم آتكا
فلا تخفرنه فقد خط لي رقى من مخافة حياتكا
أحب رضاك وإن لم تثبني به وتثبيت سلطانكا
[ ٧ / ٢٦٣ ]
وقوله: جعلت الغواني إلى آخر الأبيات الثلاثة: خطاب لنفسه، وعثمان: رفيقه وصاحبه، وعثم: مرخم عثمان، والناهك: المرض الذي يقلل لحم البدن ويبريه، والفاتك: الظالم الذي لا يبالي بظلمه من أحد، وأظافيره: كناية عن بطشه، وأخذه بالعنف، ونجوت: أسرعت في الهرب، وأرهنتهم: لغة في رهنتهم، وأنكرها الأصمعي، ورواه: وأرهنهم على أنه فعل مضارع للمتكلم، ومالك الثاني عريف كما ذكرناه، وقوله: فأهون به: صيغة تعجب، أي: ما أهونه!، ويممت: قصدت، وأبيض: سيدًا أراد به معاوية بن أبي سفيان، والسورة بالضم: الشرف والمجد، وأجوب: أطقع، وأديم النهار: ضياؤه، والأسود: الليل، يعني: أجوب إليه القفار بالليل والنهار، وأدماء: ناقة سمراء، والسفار: جمع سفر، يعني: أهزلها الأسفار، والتامك: السمين ذو الشحم الكثير، وأجرني: أنقذني من زياد بن أبيه، وأبو خالد: كنية معاوية، وإلا، أي: وإن لم تجرني منه، فعدني في الأموات، وقوله: فجال بنا، أي: فراجع في الكلام، وتوقف عن الإنقاذ، فعطفته علي بالنسب الذي بيننا من جهة أمهاته، فقلت: اعطفي به، أي: اجعلي أبا خالد عطوفًا علي يا صفية وهي أم أبي سفيان، ويا عاتكة وهي أم أمية بن عبد شمس، وأطت: حنت، والرحم: القرابة، والبر: البار، وأخفره: غدر به.
وقوله: فيا ابن زياد وكنت، بالخطاب، وقوله: فإن معي ذمة: هي العهد والأمان من يزيد بن معاوية، فإن ابن زياد كان قد غضب عليه، فهرب إلى يزيد بن معاوية، فآمنه، وكتب له بجائزة إلى عبيد الله، وأمره أن يرضى عنه، وقوله: وإني أعوذ بإسلامك، أي: ألتجئ إلى ديانتك ودينك لأسلم منك، وقوله: من أن متعلق بأعوذ، وفتحة أن منقولة إلى نون من، وأظلم بالبناء للمفعول، وأراد بالثقال:
[ ٧ / ٢٦٤ ]
الأعيان وأكابر الدولة، وشفاعاتهم: بدل اشتمال منه، وأراد بعقد الخليفة: تأمينه وكتابه بالعفو، فلا تخفرنه، أي: فلا تغدر بعقد الخليفة، وخط بالبناء للمعلوم، والرقى جمع رقية: أراد بها كلمات العفو ذات العزائم، وقوله: أحب فعل مضارع، ورضاك: مفعول، وتثبيت: معطوف على رضاك، وجملة: وإن لم تثبني به معترضة، أي: وإن لم تحسن إلي بعقد الخليفة، ولم تجازني بإتياني به إليك. وعبد الله ابن همام السلولي أورده محمد بن سلام الجمحي في الطبقة الخامسة من شعراء الإسلام.
وأنشد بعده:
لا نسب اليوم ولا خلة
وتمامه:
اتسع الخرق على الراقع
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثالث والسبعين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده:
ألا رجلًا جزاه الله خيرًا
تمامه:
يدل على محصلة تبيت
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني بعد المائة.
[ ٧ / ٢٦٥ ]
وأنشد بعده:
آليت حب العراق الدهر أطعمه
تمامه:
والحب يأكله في القرية السوس
وتقدم شرحه في الإنشاد السابع والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٥) اعتاد قلبك من سلمى عوائده وهاج أحزانك المكنونة الطلل
ربع قواء أذاع المعصرات به وكل حيران سار ماؤه خضل
على أن قوله: ربع بتقدير هو ربع لا بدل من الطلل، وهو من أبيات سيبويه أنشده في باب ما يحذف منه الفعل لكثرته في كلامهم حتى صار بمنزلة المثل، وأنشد فيه هذين البيتين، وقال: كأنه قال: وذلك ربع، أو وهو ربع. قال الأعلم: الشاهد رفع الربع على إضماء مبتدأ، والتقدير: ذاك ربع، وجاز ذلك لما تقدم من ذكر الطلل الدال عليه، ولو نصب على: أعني وأذكر لكان حسنًا، يقول: كنت سلوت عن حب سلمى هذه المرأة فلما نظرت إلى أثر دارها متغيرة، ذكرتها، فعاد إلى قلبك حبها، وهاج: حرك، والمكنونة هنا: المستورة، وأصلها المصونة،
[ ٧ / ٢٦٦ ]
يقال: كننت الشيء: إذا صنته، وأكننته في نفسي: إذا سترته وأخفيته، والربع: المنزل، والقواء: القفر، والخالي، ومعنى: أذاع: فرق ونشر، ومنه إذاعة السر وهو نشره، والمعصرات: السحائب ذوات المطر، ويقال: الرياح، أي غيرته، وأزالت بهجته الأمطار بما محت منه، والرياح بما أذرت عليه، وأراد بالحيران: سحابًا تردد بمطره عليه، ولازمه، فجعله كالحيران لذلك، والخضل: الغزير. انتهى.
وقال ابن خلف الشعر لعمر ابن أبي ربيعة، قال أبو سعيد: ويجوز أن يكون": ربع قواء" جعل بدلًا من الطلل، وقوله: من سلمى، يريد: من أجل حب سلمى، وعوائده: جمع عائدة، وهو ما تعوده من وجده بها، وشوقه إليها، وهاج ما في قلبك من الأهواء التي كنت تكنها وتسترها. يعني أن نظره إلى الطلل ذكره ما كان في قلبه منها، قال أبو الحسن: والطلل: ما ارتفع من بقايا الديار المتهدمة، وكذا كل ما له شخص، والرسم: ما لم يكن له شخص، والمعصرات: السحاب التي فيها أعاصير، الواحد إعصار، وهي الريح التي تهب بشدة، والحيران: السحاب الذي كأنه متحير لا يقصد إلى جهة لثقله وكثرة مائه، والساري: الذي ينشأ بالليل ويسير وهو من نعت حريان، وماؤه: مبتدأ، وخضل: خبره بمعنى مخضل، والمخضل: الذي يبل ويندى لكثرته. انتهى. وفي جعل السيرافي ربعًا بدلًا من الطلل لم يرتض به أحد، قال ابن جني في "إعراب الحماسة": إنما يبدل الأعراف من الأنكر لما فيه من البيان، ولا يبدل الأعم من الأخص، لأنه بضد ما وضع الأمر عليه، ولهذا عدل سيبويه في قول الشاعر:
اعتاد قلبي من سلمى عوائده البيتين.
[ ٧ / ٢٦٧ ]
عن أن يجعل ربع بدلًا من الطلل، لأنه أكثر منه، وإنما يبدل الأقل من الأكثر للبيان، لا الأكثر من الأقل. انتهى.
وقال عبد القاهر الجرجاني: قال في "أسرار البلاغة": أنشد صاحب الكتاب:
اعتاد قلبك .. البيتين
وقال: أراد ذاك ربع أو [هو] ربع، قال شيخنا: لم يحمل البيت على أن الربع بدل من الطلل، لأن الربع أكثر من الطلل، والشيء يبدل مما هو مثله أو أكثر منه، فأما بدل الشيء من أقل منه، ففاسد لا يتصور، وهذه طريقة مستمرة لهم إذا ذكروا الديار والمنازل. انتهى كلامه. وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدمت في الإنشاد السادس من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٦) إن من لام في بني بنت حسا ن ألمه وأعصه في الخطوب
قال سيبويه: وقد جاء في الشعر "إن من يأتنا نأته" قال الأعشى:
إن من لام في بني .. البيت.
فزعم الخليل أنه إنما جازى حيث أضمر الهاء، وأراد أنه ولو لم يرد الهاء كان محالًا. انتهى، فعلم أن حذف اسم في هذا مخصوص بالشعر، وكذلك قال الأعلم:
[ ٧ / ٢٦٨ ]
الشاهد في جعل "من" للجزاء مع إضمار منصوب "إن" ضرورة، وقال النحاس: يقدره سيبويه على حذف الهاء وهو قبيح، وفما كتبته عن أبي إسحاق لم يجز: "إن من يأتني آته" من جهتين، لأن "من" إذا كانت شرطًا واستفهامًا، لم يعمل فيها ما قبلها، ولأن تقديرها تقدير "إن" في المجازاة، لكما لا يجوز: إن "إن تأتنا نكرمك"، [كذا] لا يجوز هذا، فإذا جاء في الشعر، فعلى إضمار الهاء، وقال أبو العباس في الشرح: وأجاز [الزيادي] "إن من يأتنا نأته" على غير ضمير في إن، وهذا لا يجوز لامتناع الجزاء من أن يعمل فيه ما قبله. انتهى.
وألمه: أصله ألومه، فسكنت الميم للجزم، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وأعصه مجزوم بالعطف بحذف الياء، والخطوب جمع خطب وهو الأمر والشأن. والبيت في ديوان الأعشى كذا:
من يلمني على بني بنت حسان
وعليه لا شاهد فيه، وهو من قصيدة له مدح بها قيس بن معدي كرب الكندي، ومات في الجاهلية، وكان يكني بابنه الأشعث، واسمه معدي كرب، كان أبدًا أشعث الرأس، فلقب الأشعث، وهو من الصحابة وقد على النبي ﷺ سنة عشر وأسلم، وكان شريفًا مطاعًا، جوادًا شجاعًا، وهو أول من مشت الرجال في خدمته، وهو راكب، وكان من أصحاب أمير المؤمنين علي في وقعة صفين، وقاتل قتالًا شديدًا حتى هجم على أصحاب معاوية، ودفعهم عن ماء الفرات، وبعده:
إن قيسًا قيس الفعال أبا الأشعث أمست أعداؤه لشعوب
[ ٧ / ٢٦٩ ]
وشعوب بالفتح: علم للمنية، وقد بسطنا الكلام عليه في الشاهد السابع بعد الأربعمائة من شواهد الرضي، والأعشى تقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده:
وما كانت ممن يدخل العشق قلبه ولكن من يبصر جفونك يعشق
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٧) ولكن متى يسترفد القوم أرفد
صدره:
ولست بحلال التلاع مخافة
وهذا نص سيبويه: وتقول: ما أنا ببخيل، ولكن إن تأتني، أعطك، جاز هذا وحسن، لأنك قد تضمر هاهنا كما تضمر في "إذا" ألا ترى أنك تقول: ما رأيتك عاقلًا ولكن أحمق، وإن لم تضمر تركت الجزاء كما فعلت ذلك في إذا، قال طرفة: "ولست بحلال التلاع .. البيت" كأنه قال: أنا، ولا يجوز في
[ ٧ / ٢٧٠ ]
"متى" أن يكون الفعل وصلًا لها كما جاز في "من"، فشرط جواز وقوع أداة الشرط بعد "لكن" تقدير الضمير بينهما وحينئذ لا ضرورة فيه، بل هو حسن للفصل، ولم يصب الأعلم في قوله: الشاهد في هذا البيت حذف المبتدأ بعد، "لكن" ضرورة، والمجازاة بعدها، والتقدير: ولكن أنا متى يسترفد القوم أرفد. انتهى.
وإن لم يقدر الضمير، فلا يجوز وقوع الأداة بعد، لكن إلا في الشعر، وقد أخذ أبو علي هذا التفصيل في "التذكرة القصرية" وقال فيها: قال سيبويه في قوله:
ولكن متى يسترفد القوم أرفد
تقديره: ولكن أنا. إن قيل هذا لم يحتج إلى الضمير، لأن لكن إنما تشبه الفعل إذا كانت ثقيلة، فإذا خفت، زال عنها شبه الفعل، وإذا كان كذلك، صلحت للجملتين، وإذا صلحت لهما، لم يحتجإلى ضمير وقيل: "لكن" لما فيها من معنى الاستدراك لم يزل عنها معنى الفعل، فاحتيج إلى الضمير فيها، وهذا عندي إنما يجب إذا دخل حرف العطف عليه نحو: ولكن التي في البيت، لأن حرف العطف إذا دخل عليها، خلصت لمعناها، وخرجت من العطف، وإذا لم يدخل عليها حرف العطف، كانت للعطف، فلم يحتج في وقوع الجزاء بعدها إلى إضمار، كما لا يحتاج في حروف العطف إلى ذلك. انتهى كلام أبي علي، والمصنف نقل كلامه بخلاف هذا كما ترى.
وقوله: ولست بحلال التلاع .. إلخ، حلال: مبالغة حال من الحلول وهي النزول، والجيد أن يكون فعال هنا للنسبة، أي: لست بذي حلول، والتلاع: جمع تلعة: وهو مجرى الماء من رؤوس الجبال إلى الأودية، وقال ابن الأنباري: التلعة من الأضداد تكون ما ارتفع وما انخفض، والمراد هنا الثاني، ومخافة: مفعول لأجله، وأرفد بكسر الفاء مضارع رفده من باب ضرب، أي: أعطاه
[ ٧ / ٢٧١ ]
أو أعانه، والرفد بالكسر الاسم منه، وأرفد مثله، واسترفدته: طلبت رفده، والمعنى: إني لست ممن يستتر في الأماكن المنخفضة مخافة الضيف أو غدر عدو إياي، ولكني أظهر، وأعين القوم إذا استعانوا بي إما في قري، وإما في دفع عدو.
والبيت من معلقة طرفة بن العبد، وقد بسطنا الكلام بأكثر من هذا في الشاهد السادس والتسعين بعد الستمائة من شواهد الرضي، وترجمة طرفة تقدمت في الإنشاد الرابع والستين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٨) لن تراها ولو تأملت إلا ولها في مفارق الرأس طيبا
قال سيبيه في "باب ما يحذف منه الفعل لكثرته في كلامهم": ومن ذلك قول القطامي:
فكرت تبتغيه فوافقته على دمه ومصرعه السباعا
وقال الآخر:
لن تراها ولو تأملت .. البيت
وإنما نصبت هذا، لأنك حين قال: وافقته، وقال: لن تراها، فقد علم أن الطيب والسباع قد دخلا في الرؤية والموافقة، وأنهما قد اشتملا على ما بعدهما في المعنى. انتهى كلامه.
[ ٧ / ٢٧٢ ]
قال الأعلم: الشاهد فيه نصب السباع على إضمار الموافقة لما جرى من ذكرها في صدر البيت، والتقدير: فكرت تبتغيه، فوافقته، ووافقت السباع على دمه ومصرعه. هذا تقدير سيبويه، وقد أنكر المبرد ما ذهب إليه سيبويه في هذا البيت، وفي أبيات هي مثله، فقال: الحمل على المعنى لا يكون إلا بعد تمام الكلام والجملة في قوله: فكرت تبتغيه فوافقته لا تتم، لأنه يريد فوافقته على حال ما، فكيف يضمر فعلًا ينصب السباع، والكلام الأول لم يتم، وقال أبو إسحاق: الأول قد تم، لأن قوله: فوافقته، الضمير للولد وهي كانت تلتمس ولدها، ولم ترد أنها وافقته على حال من الأحوال، فلما كان المعنى يدل على هذا، واحتاج الشاعر إلى إيقاع الموافقة على الولد، أضمر للسباع الفعل الذي دل عليه أول الكلام، ودليله أن الوحشة لما وافقت ولدها متمزقًا يخور في دمه كانت كأنها وافقت السباع تقطعه بمصادفة آثار السباع فيه، والحمل على المعنى يختلف منه لم يأتي بعد تمام الكلام، كقولك: إن زيدًا قائم وعمرو، عمرو محمول على موضع إن، ومنه ما يأتي بعد تمام الجملة، وله نظائر، ومنه ما يأتي قبل الكلام مثل قوله ﷿: (ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ) [يونس/ ٤٢] فحمل الصلة على معنى "من" والكلام لم يتم، والشاهد في قوله: "لن تراها البيت" أنه أضمر فعلًا نصب طيبًا، ودل على هذا الفعل المحذوف قوله: لن تراها في أول البيت، والفعل المحذوف: إلا ورأيت لها. يصف هذه المرأة بإدامة استعمال الطيب، والمعنى واضح. انتهى كلام الأعلم وابن خلف، وليس فيه أن الرؤية المقدرة فعل قلبي، وإنما قاله ابن جني في "الخصائص"، قال بعد إنشاد قوله: "لن تراها ولو تأملت ".
[ ٧ / ٢٧٣ ]
ولعمري إن الرؤية إذا لحقتها، فقد لحقت ما هو متصل بها، وفي ذلك شيئان، أحدهما: أن الرؤية وإن كانت مشتملة عليها، فليس لها طريق إلى الطيب في مفارقها، اللهم إلا أن تكون حاسرة غير مقنعة، وهذه مبتذلة لا توصف به الخفرات، ألا ترى إلى قول كثير:
وإني لأسمو بالوصال إلى التي يكون سناء وصلها وازديارها
ومن كانت من النساء هذه حالها، فليست رذلة، ولا مبتذلة، وبه وردت الأشعار القيمة، والمولدة، وهي طريق مهيع، وإذا كان كذلك، وكان الرؤية لها ليس مما يلزم معه معه رؤية طيب مفارقها، وجب أن يكون الفعل المقدر لنصب الطيب مما يصحب الرؤية لا الرؤية نفسها، فكأنه قال: لن تراها إلا وتعلم لها، أو تتحقق لها في مفارق الرأس طيبًا، غير أن سيبويه حمله على الرؤية، وينبغي أن يكون على ما تدل عليه الرؤية من الفعل الذي قدرناه.
والآخر: أن هذه الواو في قوله: ولها كذا هي واو الحال، وصارفة للكلام إلى معنى الابتداء، فقد وجب أن يكون تقديره: لن تراها إلا وأنت تعلم، أو تتحقق، أو تشم، فتأتي بالمبتدأ، وتجعل ذلك الفعل المقدر خبرًا عنه، فاعرف ذلك. انتهى كلام ابن جني، ولم يأت المصنف بذكر المبتدأ وبناء الفعل المقدر عليه.
والبيت نسبه شراح شواهد سيبويه لعبد الله بن قيس الرقيات من قصيدة، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الثامن والأربعين.
[ ٧ / ٢٧٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد الثمانمائة:
(٨٣٩) يا أيها المائح دلوي دونكا
على أن دلوي لا يجوز أن تكون معمولة لدوك محذوفة، ولا بدونك المذكورة، لأن اسم الفعل لا يحذف، ويبقى معموله، ولا يتأخر عن معموله، وكلاهما جائز عند الكوفيين، والأول جائز عند الفراء، والثاني سائغ عند غيره منهم، قال في تفسيره عند قوله تعالى: (كتاب الله عليكم) [النساء/ ٢٤]: هذا كقولك كتابا من الله عليكم، وقد قال بعض أهل النحو: معناه: عليكم كتاب الله، والاولاشبه بالصواب، وقلما تقول العرب: زيدا عليك، وزيدا دونك، وهو جائز، كأنه منصوب بشيء مضمر قبله، وقال الشاعر:
يآ أيها المائح دلوي دونكا
الدلو رفع، كقولك: زيد فاضربوه، هذا زيد فاضربوه، وتنصب الدلو بمضمر، كأنك قلت: دونك دلوي دونك. انتهى.
ورد عليه الزجاج في تفسيره، قال: كتاب الله منصوب على التوكيد، محمول على المعنى، لأن المعنى: حرمت عليكم أمهاتكم، كتب الله كتابا عليكم وقد يجوز أن يكون منصوبا على جهة الأمر، ويكون عليكم مفسرا له، فيكون المعنى: الزموا كتاب الله عليكم، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب " عليكم"، لأن قولك:
[ ٧ / ٢٧٥ ]
عليك زيدا، ليس له ناصب في اللفظ متصرف، فيجوز تقديم منصوبه، وقول الشاعر
يا أيها المائح دلوي دونكا
يجوز أن يكون دلوي في موضع نصب بإضمار: خذ دلوي، ولا يجوز أن يكون على: دونك دلوي، لما شرحنا، ويجوز أن يكون دلوي في موضع رفع، المعنى:
هذه دلوي دونك. انتهى.
وفي جعله دلوي خبر مبتدأ، يكون دونك ظرفا في موضع الحال، قال الشيخ خالد في " التصريح": وفيه نظر، لأن المعنى ليس على الخبر المحض حتى يخبر عن الدلو بكونها دونه. ورد عليه الدووشري: وما المانع من أن يكون خبرا محضا قصد به التنبيه على أن الدلو أمامه، ويكون الدال على الأمر بأخذ الدول مقدرا، والتقدير: قتناوله. انتهى.
قال أبو محمد الأسود الأعرابي: أملى علينا أبو الندى قال: كان وائل بن صريم الغبري ذا منزلة من الملوك ومكان عندهم، وكان مفتوق اللسان حلوه، وكان جميلا، فبعثه عمرو بن هند اللخمي ساعيا على بني تميم، فأخذ الإتاوة منهم حتى استوفي ما عندهم غير بني أسيد بن عمرو بن تميم، وكانوا على طويلع، فأتاهم، فنزل بهم، وجمع النعم والشاء، فأمر بإحصائه، فبينا هو قاعد على بئر، أتاه شيخ منهم، فحدثه فغفل وائل، فدفعه الشيخ، فوقع في البئر، فاجتمعوا، فرموه بالحجارة حتى قتلوه وهم يرتجزون ويقولون:
يا أيها المائح دلوى دونكا إني رأيت الناس يحمد ونكا
وإنما هذا هزء به، فبلغ الخبر أخاه باعث بن صريم، فعقد لواء، ونادى
[ ٧ / ٢٧٦ ]
في غبر، فساروا، وآلى أن يقتلهم على دم وائل حتى يلقي الدلو، فيمتلئ دما، فقتل باعث منهم ثمانين رجلا، وأسر عدة، وقدم رجلا منهم يقال له قمامة، فذبحه حتى ألقى دلوه، فخرجت ملأى دما، ولم يزل يغير عليهم زمانا، وقتل منهم فأكثر حتى إن المرأة من بني أسيد كانت تعثر فتقول: تعست غبر، ولالقيت الظفر، ولا سقيت المطر، وعدت النفر. وقال باعث في ذلك:
سائل أسيد هل ثأرت بوائل أم هل أتيتهم بأمر مبرم
إذ أرسلوني مائحا لدمائهم فملأتها حتى العراقي بالدم
انتهى كلامه.
وغبر، بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة: قبيلة، وأسيد، بضم الهمزة وتشديد الياء المكسورة، قال الجوهري: المائح: الذي ينزل البئر فيملأ الدلو، وذلك إذا قل ماؤها، والجمع ماحة، وقد ماح يميح، وأنشد البيت، وأما المائح بالمثناة الفوقية، فهو الذي يستقي الماء، يقال: متح الماء يمتحه متحا: إذا نزعه بالدلو، وبئر متوح للتي يمد منها باليدين على البكرة، وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الرابع والخمسين بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
[ ٧ / ٢٧٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد الثمانمائة:
بما كان إياهم عطية عودا
صدره:
قنافذ هداجون حول بيوتهم
" كان " في هذا البيت عند البصريين إما شأنيه وإما زائدة، فيكون عطية في الأول مبتدأ، وعودا فعل ماض، وألفه للاطلاق، وفاعله ضمير عطية، ومفعوله إياهم، والأصل عودهم، فلما تقدم انفصل، وجملة "عودهم " خبر المبتدأ، وجملة عطية عودهم في محل نصب خبر كان، واسمها ضمير الشأن.
وقال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم ": ويجوز أن يكون اسم كان ضميرا مستترا فيها عائدا على "ما" الموصولة، أي: بسبب الأمر الذي كان هو عطية عودهم إياه، وجملة: " عطية عودهم" خبر كان، وحذف العائد، لأنه ضمير منصوب، ويجوز أيضا أن يكون عطية اسم كان، وتقديم معمول الخبر للضرورة، وهذا الجواب عندي أولى لاطراده في نحو قوله:
باتت فؤادي ذات الخال سالبة فالعيش إن حم لي عيش من العجب
إذ الأصل: باتت ذات الخال سالبة فؤادي، ولا يجوز تقدير ذات مبتدأ لنصب سالبة، واعترض على هذه الأوجه بأن الخبر الفعلي لا يسبق المبتدأ، فكذا معموله، والجواب أن المانع من تقديم الفعل خشية التباس الاسمية بالفعلية، وذلك مأمون مع تقدم المعمول. انتهى.
[ ٧ / ٢٧٨ ]
والبيت من قصيدة للفرزدق هجا به جريرا، ويخاطب بها عمر بن لجأ التيمي، وقبله:
لئن عبت نار ابن المراغة إنها لألأم نار مصطلين وموقدا
إذا ثقبوها بالكدادة لم تضئ رئيسا ولا عند المنيخين مرفدا
ولكن ظرابي عندهت يصطلونها يصفون للزرب الصفيح المسندا
قنافذ هداجون. . . . . . . . . . البيت.
قوله: لئن عبت خطاب لعمر بن لجأ، وابن المراغة: جرير لقبه به الفرزدق، والمراغة: الأتان، ومصطلين تمييز من ألأم، والمصطلي: الذي يقعد حول النار لدفع البرد والكدادة بالضم: موضع، وظرابي حقه النصب بأن يقول: ظرابيا، والصفيح ك صخور رقاق عراض، والزرب: حظيرة الغنم، وهو مأواها، وثقبوها: حركوها لتتقد، وصف نارهم بقلة الإضاءة لخستهم ولؤمهم، ولا يوقدون حطبا كثيرا لئلا يقصدهم الضيوف، والكريم يوقد ناره في أعلى موضع، ويكثر وقودها حتى يراها الضيف والمنقطع من مكان بعيد، فيقصده، وأما هؤلاء، فقد أوقدوا نارهم في الزرب، وأسندوا عليهم الحجارة العراض حتى لا يظهر ضوؤها لأحد، فيقصدهم، ومع ذلك، فلا يوقدونها بشدة، فلا تبين الرئيس منهم، والمنيخ: الضيف الذي ينيخ راحلته، والمرفد، بالكسر: القدح الضخم، والظرابي: جمع ظربان، بفتح أوله وكسر ثانيه: دويبة كالهرة منتنة الريح إذا فست بين إبل تشردت من نتنه، وتأتي إلى جحر الضب، فتقسو فيه، فيسدر من خبث رائحته فتأكله، وإذا فست في ثوب لم تذهب رائحته النتن حتى يبلى، شبههم بهذه الدابة، فلا يقدر أحد أن يقربهم لنتن فساهم.
وقوله: قنافذ هداجون، أي: هم قنافذ، وهو تشبيه بليغ لا استعارة بالكناية كما توهم العيني، وهو جمع قنفذ بالذال المعجمة، وهو حيوان معروف يضرب به
[ ٧ / ٢٧٩ ]
المثل في سرى الليل، يقال: أسرى من قنفذ، ولبهدجان: مشية الشيخ، وقد هدج يهدج من باب ضرب، وعطية والد جرير، وروي " دراجون " بمعنى هداجون، وروي أيضا: " درامون " من درم يدرم: إذا مشى مشي المثقل بسرعة، يقول: إن رهط جرير كالقنافذ لمشيهم في الليل للسرقة والفجور، وإن أبا جرير هو الذي عودهم ذلك، وقد هجاه الأخطل بمثل هذا أيضا، قال من قصيدة:
مثل القنافذ هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوآتهم هجر
ويأتي شرحه إن شاء الله تعالى في الباب الثامن، وقد تقدم بعض أبيات من قصيدة الفرزدق في الإنشاد السبيعين بعد الأربعمائة، وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد الثمانمائة:
فخالد يحمد سادتنا
صوابه:
وخالد يحمد سادتنا بالحق لا يحمد بالباطل
قال ابن عصفور في "الضرائر": ومنه حذف الضمير الرابط للجملة الواقعة خبرا بالمخبر عنه إذا كان حذفه يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه نحول قول الأسود ابن يعفر:
وخالد يحمد ساداتنا بالحق لا يحمد بالباطل
وقول الآخر:
قدا أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبا كله لم أصنع
[ ٧ / ٢٨٠ ]
وقول الآخر: وقالوا تعرفها المنازل من منى وما كل من وافي منى أنا عارف
يريد: أنا عرافه، ألا ترى أن يحمد، وأصنع، وعارف متهيئات للعمل] في المبتدآت التي هي أخبار لها [وهي مع ذلك مقطوعة عن العمل] فيها [، فحذف الرابط في هذه الأبيات وأمثالها يحسن في الشعر، ولا يحسن في سعة الكلام، بل إن جاء منه شيء حفظ، ولم يقس عليه، فما جاء من ذلك قراءة يحيي: (أفحكم الجاهلية يبغون)] المائدة/ ٥٠ [برفع حكم، التقدير: يبغونه. هذا مذهب المحقيين من البصريين، وأما الكوفيون ومن أخذ بمذهبهم من البصريين، فإنهم يجيزون حذفه في سعة الكلام بشرط أن يكون المبتدأ كلا أو اسم استفهام، نحو قولك: كل الدراهم قبضت، وأي رجل ضربت؟ والصحيح أنه لا فرق بين اسم الاستفهام وكل، وبين غيرهما من الأسماء إذا أدى حذف الرابط إلى تهيئة العامل للعمل، وقطعه عنه. انتهى كلامه.
وقال الفارسي في " الأغفال": إن حذف هذا الضمير مختص بالاضطرار، ويحتمل أن يكون خبر " وخالد " قوله: لا يحمد بالباطل، والجملة بينهما اعتراض وبعد البيت:
جاد بأموال تميم كما جاد ابن ذي الجدين في وائل
ويجوز أن يكون الخبر جاد وما قبله اعتراض. انتهى كلامه، ونقلته من " تذكرة أبي حيان".
[ ٧ / ٢٨١ ]
وقال أبو العلاء المعري في شرح رجز رؤبة الذي أوله:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
مانصه: ابتدأ رؤبة بالواو، والابتداء بها كثير في الرجز، فأما القصائد من غير الجز، فلا يكثر ابتداؤها بالواو، إلا أنهم ربما جاؤوا به كما قال أبو دواد الإيادي:
وقد أغتدي في بياض الصباح وأعجاز ليل مولي الذنب
ولو حذف الواو، لجاز، وكان ذلك خرما، وقال أيضا:
وكل حصن وإن طالت سلامته يوما ستدخله النكراء والحوب
وقد رواه بعض الناس بحذف الواو، وذلك لا يجوز في رأي الخليل، لأن الخرم لا يجوز عنده في هذا الوزن، وقال أبو زبيد الطائي:
ولقد مت غير أني حي يوم ولت بودها الخنساء
فابتدأ بالواو، وحذفها قبيح، ولم يروه أحد، وهذا البيت في ديوان الأسود بن يعفر:
وخالد يحمد ساداتنا بالحق لا يحمد بالباطل
والبيت الأول قصيدة، وقد روي بحذف الواو، وذلك غير جائز عند الخليل، ويستشهدون بهذا البيت لأن خالدا مرفوع كأنه لما ابتدئ به، حمل على الابتداء، وإرادة الهاء، كأنه قال: خالد يحمده ساداتنا. انتهى كلام المعري.
[ ٧ / ٢٨٢ ]
والأسود بن يعفر، بفتح الياء: شاعر جاهلي تقدم في الإنشاد الثالث والخمسين.
وأنشد بعده:
كله لم أصنع
هو قطعة وأصله:
قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبا كله لم أصنع
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الواحد والثلاثسن بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد الثمانمائة:
(٨٤٢) بعكاظ يعشي الناظرين إذا هم لمحوا شعاعه
هو من أبيات لعاتكة بنت عبد المطلب، عمة النبي ﷺ، أوردها أبو تمتا في آخر الباب الأول من " الحماسة"، وهي:
سائل بنا في قومنا وليكف من شر سماعه
قيسا وما جمعوا لنا في مجمع باق شناعه
فيه السنور والقنا والكبش ملتمع قناعه
بعكاظ يعشي الناظريـ ـن إذا هم لمحوا شعاعه
فيه قتلنا مالكا قسرا وأسلمنا رعاعه
ومجدلا غارنه بالقاع تنهسه ضباعه
وقولها: سائل بنا: الباء بمعنى " عن" كقوله تعالى: (واسأل به خبيرا)] الفرقان /٥٩ [، وليكف من شر سماعه، قال التبريزي: مثل تقول: يكفي من
[ ٧ / ٢٨٣ ]
الشر أن يتحدث به وإن لم يكن له حقيقة، فكيف إذا كان حقا، وقال الطبرسي: توجع مما نالهم، واستفظاع لما أجروا إليه فيما أرادوا لأنفسهم عليه، وظاهر لفظ الأمر للسماع، وهو في الحقيقة للمخاطب، لأن المراد: واكتف إذا سألت من الشر بالسماع دون العيان، وقولها: قيسا هو مفعول سائل، وقال التبريزي: أي سائل قيسا عنا، والجيش الذي جمعوه لنا تخبرك ببلائنا يوم الفخار، وشناعه: قبحه بمعنى الشناعة، والسنور: الدروع، وقيل: السلاح، والجملة صفة لمجمع، والكبش: الرئيس، وملتمع من لمع: إذا برق، والقناع بالكسر: السلاح، والباء من: بعكاظ متعلقة بملتمع، وعكاظ بالضم: سوق كانت في الجاهلية بين نخلة والطائف كانت تقوم هلال ذي القعدة، وتستمر عشرين يوما تجتمع قبائل العرب فيها، فيتعاكظون، أي: يتفاخرون، ويتناشدون الأشعار، وشعاعه: فاعل يعشي، والضمير قيل إما لعكاظ لكون الشعاع به، وإما للقناع، لأن اللمعان له، ويعشي من الإعشاء وهو إضعاف البصر، واللمح: سرعة إبصار الشيء، وإذا: ظرفية، وهم: فاعل بفعل محذوف يفسره لمحوا، والقسر: القهر، وأسلمه: خذله، والرعاع بالفتح: أراذل الناس، ومجدلا: حال من الهاء في غادرنه، أي: تركنه، والنون ضمير الخيل المفهومة من المقام، والقاع: المستوي من الأرض، وضمير ضباعه راجع إليه، والنهس: أخذ الشيء بمقدم الفم، يروى بالمهملة والمعجمة قال الأصمعي: وهما بمعنى.
وعاتكة قد اختلف في إسلامها، فقال ابن إسحاق: لم تسلم، وقيل: إنها أسلمت، وكانت تحت أبي أمية بن المغيرة المخزومي، أبي أم سلمة، فولدت له عبدالله، أسلم وله صحبة.
[ ٧ / ٢٨٤ ]
وأند بعده:
عممتهم بالندى حتى غواتهم فكنت مالك ذي غي وذي رشد
وتقدم في الإنشاد السابع والتسعين بعد المائة.
وأنشد بعده:
وما شيء حميت بمستباح
صدره:
حميت حمى تهامة بعد نجد
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والأربعين بعد السبعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد الثمانمائة:
(٨٤٣) إذن ظللت الدهر أبكي أجمعا
قال ابن عبد ربه في " العقد الفريد ": نظر أعرابي إلى امرأة حسناء، ومعها صبي يبكي، فكلما بكى، قبلته، فأنشأ يقول:
يا ليتني كنت صبيا مرضعا تحملني الذلفاء حولا أكتعا
إذا بكيت قبلتني أربعا إذا ظللت الدهر أبكي أجمعا
ومرضع: اسم مفعول من أرضعته أمه إراضاعا، وجملة " تحملني الذلفاء": صفة ثانية لصبي، ويجوز أن تكون حالا من ضمير مرضع، ويجوز أيضا أن تكون
[ ٧ / ٢٨٥ ]
خبرا ثانيا ل " كنت "، والذلفاء بالذال المعجمة: وصف مؤنث أذلف من الذلف وهو صغر الأنف، واستواء الأرنبة، ويحتمل أنه اسم امرأة منقول من هذا، وأكتع قال الجوهري: يقال، إنه مأخوذ من قولهم: أتى عليه حول كتيع، أي: تام، وأربعا، أي: تقبيلا أربعا، وظللت بكسر اللام، وظل بمعنى استمر من أخوات كان، والتاء اسمها، وجملة أبكي خبرها، والدهر ظرف لأبكي، وجملة إذن ظللت الخ: جواب شرط محذوف، والتقدير: لو حصل ما تمنيته [استمررت في البكاء حتى تستمر الذلفاء تحملني وتقبلني كلما بكيت].
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد الثمانمائة:
(٨٨٤) إن يستغيثوا بنا إن يذعروا يجدوا منا معاقل عز زانها كرم
الاستغاثة: طلب الإغاثة، يقال: أغاثه إغاثة: إذا أعانه ونصره، والغوث: اسم منه، واستغاث به فأغاثه، وأغاثهم الله برحمته: كشف شدتهم، ويذعروا بالبناء للمفعول، ذعرته ذعرا من باب نفع: أفزعته، والذعر بالضم: اسم منه، والمعاقل: جمع معقل كمسجد: الملجأ، والعز: خلاف الذل، والكرم: حسن الفعل، وزانها: زينها، والأفعال الثلاثة في المصراع الأول بالغيبة، ويجوز أن تكون بالخطاب.
[ ٧ / ٢٨٦ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد الثمانمائة:
(٨٤٥) فإن عثرت بعدها إن وألت نفسي من هاتا فقولا لا لعا
هو من مقصورة ابن دريد، وقبله:
إن القضاء قاذفي في هوة لا تستبل نفس من فيها هوى
وبعده:
وإن تكت مدتها موصولة بالحتف سلطت الأسا على الأسى
القاذف: الرامي، والهوة بالضم والتشديد: حفرة يضيق أعلاها ويتسع أسفلها،
وتستبل: تبرأ، يقال: استبل من مرضه وأبل: إذا توجه إلى العافية والصحة، وكان المناسب لا تنجو، وهذا من قول الأفوه الأودي:
وصروف الدهر في أطباقه خلقة فيها ارتفاع وانحدار
بينما الناس على عليائها إذ هووا في هوة منها فطاروا
وقوله: فإن عثرت، أي سقطت، ووألت بالهمز: نجت ومضارعه تئل، ومنه الموئل وهو الملجأ، وهاتا: بمعنى هذه. قال الخليل: لعا، كلمة تقال عند العثرة، وقال ابن سيده: كلمة يدعى بها للعاثر معناها: الارتفاع، وقال ابن السيد:
[ ٧ / ٢٨٧ ]
هو اسم فعل مبني على السكون، والتنوين فيه للتنكير، وقد بين القزاز الفعل الذي لعا اسمه، فقال: يقال: لعا لك الله، أي: نعشك الله، ورفعك، فلعا: اسم لنعش، كما أن هيهات اسم لبعد.
وحكى أبو عبيد في " الأمثال ": ومن دعائهم: لالعا لفلان، أي: لا أقامه الله، فجعل "لعا" اسما لأقامه الله، وهو قريب من القول الأول، لأنه إذا أقامه، فقد رفعه، وإذا رفعه، فقد نعشه، وقد رد عليه ذلك أبو عبيد البكري، وقال: هذا ما قاله أحد، وإنما قال اللغويون: لعا كلمة تقال للعاثر في معنى اسلم، وكذلك دعدع، وقد روي في حديث مرفوع أنه كره أن يقال للعاثر: دعدع، وليقل له: " اللهم ارفع وانفع"، وهذا ينظر إلى قوله ﵊: " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين"، وتأويله أنه ينبغي له إذا نكب من وجه أن لا يعود لمثله، فابن دريد يقول: إن عثرت بعد أن نجت نفسي من هذه، فحقي أن يقال لي: لا لعا، لأني خالفت قول النبي ﷺ. وقوله: فإن عثرت جواب "إن" الشرطية الفاء في قوله: فقولا، وجواب إن الثانية: إن الأولى وما بعدها، والتقدير: وإن وألت نفسي، فإن عثرت بعدها، فقولا لالعا، ونظير هذه المسألة قوله تعالى: (فأما إن كان من المقربين فروح)] الواقعة/٨٩ [، قال أبوعلي: قد اجتمع هنا شرطان وجواب واحد، فليس يخلو من أن يكون جوابا لهما، أو جوابا لأما، أو لإن، فلا يجوز أن يكون جوابا لهما، لأنا لم نر شرطين لهما جواب واحد، ولو جاز هذا، لجاز شرط واحد له جوابان، وهذا لا يكون. ولا يكون جوابا لإن دون أما، لأن أما لم تستعمل بغير جواب، فجعل الفاء جوابا لأما، وأما وما بعدها جوابا لإن، وكذلك حكم البيت، كذا في شرح ابن هشام اللخمي لهذه المقصورة.
[ ٧ / ٢٨٨ ]
وقوله: وإن تكن مدتها موصولة، أي: متصلة، والحتف: الموت، والأسا بالضم: جمع أسوة بالضم والكسر: القدوة، يكتب بالألف، لأنها منقلبة عن واو، والأسى بالفتح: الحزن، ويكتب بالياء والألف، لأنه يقال في التثنية: أسيان وأسوان، وهذا مأخوذ من قول الخنساء:
وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي
وقال الشمردل بن شريك:
ولولا الأسى ما عشت في الناس ساعة ولكن إذا ما شئت جاوبنى مثلى
وترجمة ابن دريد تقدمت في الإنشاد التاسع والخمسين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد الثمانمائة:
(٨٤٦) ولست مقرا للرجال ظلامة أبى ذاك عمي الأكرمان وخاليا
قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنه تقديم النعت نحو قول الفرزدق:
[ ٧ / ٢٨٩ ]
متقلدا لأبيه كانت عنده أرباق صاحب ثلة وبهام
يريد: متقلدا أرباق صاحب ثلة وبهام كانت عنده لأبيه، فقدم النعت على المنعوت بدلا منه، وقول الآخر:
ولست مقرا للرجال ظلامة .. البيت.
يريد أبى ذلك عمي وخالي الأكرمان، فقدم النعت على أحد المنعوتين، ومثل ذلك قوله:
فأوردتها ماء كأن جمامه من الأجن حناء معا وصبيب
يريد: كأن جمامه حناء وصبيب معا. أنتهى. والمقر: اسم فاعل من اقر الشيء بحاله: إذا تركه ولم يزله، وليس من الإقرار بمعنى الاعتراف، إذ ليس المعنى عليه، والظلامة بالضم، قال صاحب "المصباح": والمظلمة بكسر اللام: اسم لما يطلب عند الظالم كالظلامة بالضم: مدح نفسه بالعزة، وأنه لا يقدر أحد على أن يظلمه، ولم أقف على تتمة هذا البيت، ولا على قائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الانشاد السابع والأربعون بعد الثمانمائة:
(٨٤٧) إذا قامتا تضوع المسك منهما نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
على أن فيه حذفا تقديره تضوعا مثل تضوع نسيم الصبا، والبيت من أول معلقة امرئ القيس، وقبله:
[ ٧ / ٢٩٠ ]
وإن شفائي عبرة مهراقة وهل عند رسم دارس من معول
كد أبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسل
إذا قامتا تضوع المسك .. البيت.
وقوله: وإن شفائي .. البيت، تقدم الكلام عليه في "هل"، وفي عطف الإنشاء على الخبر من الباب الرابع، وقوله كدأبك، قال الزوزني: يقول: عادتك في حب هذه كعادتك في تينك، أي: قلة حظك من وصال هذه كمعاناتك الوجد بهما. وقوله قبلها، أي: قبل هذه التي شغفت بها الآن، والدأب: العادة، وأصلها متابعة العمل والجد في السعي. انتهى.، والباء في قبله: بمأسل متعلقة بدأبك، ومأسل: موضع، وقوله: إذا قامتا، ضمير الاثنين راجع إلى أم الحويرث وأم الرباب، وتضوع: فاح متفرقا، والمسك يذكر ويؤنث، وكذلك العنبر، ومن أنثه ذهب إلى معنى الريح، ورواه: " تضوع المسك" في باب الاتساع، وهو أن يأتي الشاعر ببيت يتسع فيه التأويل على قدر قوي الناظر، وبحسب ما يحتمله ألفاظه، فإن هذا البيت اتسع النقاد في تأويله، فمن قائل: تضوع مثل المسك منهما بنسيم الصبا، ومن قائل: تضوع نسيم الصبا منهما، ومن قائل: تضوع المسك منهما تضوع نسيم الصبا، وهذا هو الوجه عندي، ومن قائل: تضوع المسك منهما - بفتح الميم- يعني الجلد بنسيم. انتهى. والريا: الرائحة الطيبة لا غير، وجملة جائت بتقدير "قد" حال من الصبا، ونسيم الصبا: هبوبها بضعف، قال الدينوري
[ ٧ / ٢٩١ ]
في كتاب " النبات": القرنفل أجود ما يؤتى به من بلاد الصين، وقد كثر مجيء الشعر بوصف طيبه، وأنشد هذا البيت ثم قال: وقالوا قد أخطأ امرؤ القيس، فإنه لا يقال تضوع المسك حتى كأنه ريا القرنفل، إنما كان ينبغي أن يقول: تضوع القرنفل حتى كأنه ريا القرنفل، إنما كان ينبغي أن يقول: تضوع القرنفل حتى كأنه ريا المسك. انتهى، وتبعه الإمام الباقلاني في كتاب "إعجاز القرآن" وزيف هذا من وجوه، ونقلنا كلامه في الشاهد الرابع والأربعين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد الثمانمائة:
(٨٤٨) وأضرب منا بالسيوف القوانسا
قال ابن جني في "إعراب الحماسة ": القوانس عندنا [منصوب] بفعل مضمر يدل عليه أضرب، أي: ضربنا، أو نضرب القوانس، فلا يجوز أن يتناوله أضرب هذه في البيت، لأن أفعل هذه [التي] للمبالغة تجري مجرى فعل التعجب، وأنت لا تقول: ما أضرب زيدا عمرا، حتى تقول لعمرو، وذلك لضعف هذا الفعل وقلة تصرفه، فإن تجشمت ما أضرب زيدا عمرا فإنما نصبت عمرا بفعل آخر على ما تقدم. انتهى.
والمصراع من قصيدة للعباس بن مرداس الصحابي قالها في الجاهلية، واختار منها أبو تمام في "الحماسة" أربعة أبيات وهي:
فلم أر مثل الحي حيا مصبحا ولم مثلنا يوم التقينا فوارسا
أكر وأحمى للحقيقة منهم وأضرب منا بالسيوف القوانسا
[ ٧ / ٢٩٢ ]
إذا ما حملنا حملة نصبوا لنا صدور المذاكي والرماح المداعسا
إذا الخيل جالت عن صريع نكرها عليهم فما يرجعن إلا عوابسا
قال أبو عبيدة في كتاب "أيام العرب": غزت بنو سليم ورئيسهم العباس بن مرداس مردا، فجمع لهم عمرو بن معدي كرب، فالتقوا بتثليث من أرض اليمن بعد تسع وعشرين ليلة، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من كبار مراد ستة، وقتل من بني سليم رجلان، وصبر الفريقان حتى كره كل واحد منهما صاحبه، فقال عباس ابن مرداس قصيدته التي على السين، وهي إحدى المنصفات. انتهى.
قوله: فلم أر مثل الحي، أراد بالحي بني زبيد من مراد، قال المرزوقي: يقول: لم أر مغارا عليه كالذين صبحناهم، ولا مغيرا مثلنا يوم لقيناهم، فقسم الشهادة قسم السواء بين أصحابه وأصحابهم، وتناول بالمدح كل فرقة منهم، وانتصب "حيا مصبحا" على التمييز، وكذلك فوارسا تمييز، وتبيين، ويجوز أن يكونا في موضع الحال، فإن قيل: لم قال فوارس، والتمييز يؤتى به مفرد اللفظ؟ قلت: إذا لم يتبين كثرة العدد واختلاف الجنس من المميز، يؤتى بالتمييز مجموع اللفظ متى أريد التنبيه على ذلك، وعلى هذا قول الله تعالى: (قل هل ننبؤكم بالأخسرين أعمالا)] الكهف/١٠٣ [كأنه لما كانت أعمالهم مختلفة كثيرة نبه على ذلك بقوله: أعمالا، ولو قال عملا، كان السامع لا يعتقد في وهمه أن خسرهم كان لجنس واحد من أجناس المعصية، أو لعمل واحد من الأعمال الذميمة. وكذلك قوله: " فوارس" جمعه حتى يكون فيه إيذان بالكثرة. انتهى.
[ ٧ / ٢٩٣ ]
وقوله: أكر وأحمى .. الخ، قال المرزوقي: المصراع الأول ينصرف إلى أعدائه وهم بنو بيد، والثاني إلى عشيرته وأصحابه، والمراد: لم أر أحسن كرا وأبلغ حماية للحقائق منهم، ولا أضرب للقوانس بالسيوف منا، وانتصب القوانس من فعل دل عليه قوله: وأضرب منا، ولا يجوز أن يكون انتصابه عن أضرب، لأن أفعل الذي يتم بمن لا يعمل إلا في النكرات، ولذلك يعدى إلى المفعول الثاني باللام، فقلت: ما أضرب زيدا لعمرو، قال الدريدي: القونس هو أعلى البيضة، وقال غيره: قونس الفرس: ما بين أذنيه إلى الرأس، ومثله قونس البيضة من السلاح. انتهى. وأكر من كر عليه: إذا صال عليه، وأحمى من الحماية، وحقييقة الرجل: ما يحق عليه حفظه من الأهل والأولاد والجار.
وقوله: إذا ما حملنا حملة .. الخ، قال المرزوقي: يروى: " إذا ما شددنا شدة "، يقول: إذا حملنا عليهم ثبتوا في وجوهنا، ونصبوا صدور الخيل القرح، والرماح المعدة للدفع، والدعس: الدفع في الأصل، ثم يستعمل في الطعن، وشدة الوطء، والجماع، والذكاء: ضد الفتاء، يقال: فرس مذك: إذا تم سنه، وكمل قوته، وفي المثل: "جري المذكيات غلاب"، ويقال: غلاء، ويقال: فتاء فلان كذكاء فلان وكتذكية فلان، أي: حزامته على نقصان سنه كحزامة ذاك مع استكماله. وقوله: إذا الخيل جالت، قال المرزوقي: إذا الخيل دارت عن مصروع منا، كررنا عليهم لنصرع مثل ما صرعوا منا، ويجوز أن يريد: إذا جالت الخيل عن صريع منهم لا يقنعنا ذلك فيهم، بل نكرها عليهم لمثله، وإن كرهت الكر لشدة البأس، فلم ترجع إلا كوالح. والعامل في إذا
[ ٧ / ٢٩٤ ]
[الخيل]: نكرها وهو جوابه، وعوابس حال، والخيل فاعل فعله يفسره ما بعده. انتهى. وقد بسطنا الكلام بأكثر من هذا في الشاهد السابع والعشرين بعد الستمائة من شواهد الرضي، وترجمة العباس بن مرداس تقدمت في الإنشاد الثالث والأربعين.
وأنشد بعده:
والله لن يصلوا إليك يجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والستين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد الثمانمائة:
(٨٤٩) ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح
على أن الفعل المسند إلى ضارع محذوف جوازا، أي: يبكه ضارع، وهذا على رواية ليبك بالبناء للمفعول، ويزيد نائب الفاعل، وأما على روايته بالبناء للمعلوم، ففاعله ضارع، ويزيد مفعوله، ولا حذف، ولا شاهد، هذه الرواية هي الثابتة
[ ٧ / ٢٩٥ ]
عند العسكري، قال في كتاب "التصحيف": فيما غلط فيه النحويون، ومما قلبوه وخالفهم الرواة قول الشاعر: ليبك يزيد ضارع البيت، وقد رواه خالد والأصمعي وغيرهما بالبناء للفاعل من البكاء، ونصب يزيد. ومثله في كتاب " فعلت وأفعلت" لأبي حاتم السجستاني قال: أنشدنا الأصمعي: " ليبك يزيد ضارع"، أي بالبناء للفاعل، ولم تعرف العرب ليبك يزيد، أي: بالبناء للمفعول، وقال: هذا من عمل النحويين. وقوله: لخصومة: متعلق بضارع، والمختبط: الذي يأتي لطلب الإحسان، والمعروف من غير وسيلة، و"مما" متعلق بمختبط أو بضارع، و"ما" مصدرية أو موصولة، والعائد محذوف، أي: مما تطيحه الطوائح، يقال: أطاحته الطوائح، وطوحته، أي: قذفته الدواهي، وكان القياس المطيحات أو المطاوح، لكنه جاء على حذف الزائد، ونقل ابن خلف عن الأصمعي أن العرب تقول: طاح الشيء بنفسه، وطاحه غيره بمعنى طوحه وأبعده، فعلى هذا تكون الطوائح جمع طائحة من المتعدي، وفي "عباب" الصاغاني: طاح يطوح ويطيح. والبيت من أبيات لنهشل بن حري، رثي بها يزيد بن نهشل، نقلها ابن خلف في "شرح شواهد الكتاب " وهي:
لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشل حشا جدث تسقي عليه الروائح
لقد كان ممن يبسط الكف بالندى إذا ضن بالخير الأكف الشحائح
فبعدك أبدى ذو الضغينة ضغنه وسد لي الطرف العيون الكواشح
ذكرت الذي مات الندى عند موته بعاقبة إذ صالح العيش صالح
ليبك يزيد ضارع . .. البيت.
سقى جدثا أمسى بدومة ثاويا من الدلو والجوزاء غاد ورائح
[ ٧ / ٢٩٦ ]
وقد بسطنا الكلام على هذا البيت بسطا وافيا في الشاهد الخامس والأربعين من شواهد الرضي.
ونهشل بن حري بلفظ المنسوب إلى الحر خلاف البرد، وهو شاعر إسلامي عصري الفرزدق وجرير، وابنه حري بن نهشل شاعر أيضا، ونسبت هذه الأبيات لغيره، واختلفوا فيه أيضا.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد الثمانمائة:
(٨٥٠) يسوء الفاليات إذا فليني
على أن أصله فليني بنونين، والمحذوف نون الوقاية، وهو من أبيات لعمرو بن معدي كرب قالها في امرأة لأبيه تزوجها بعده في الجاهلية، وأولها:
تقول حليلتي لما قلتني شرائج بين كدري وجون
تراه كالثغام يعل مسكا يسوء الفاليات إذا فليني
وزينك في شريطك أم عمرو وسابغة وذو النونين زيني
الحليلة: الزوجة، وقلتني بالقاف: ماض من القلى وهو البغض، وشرائج: خبر مبتدأ محذوف التقدير: شعرك شرائج، أو مبتدأ خبره محذوف، تقديره: لك شرائج جمع شريج بالشين المعجمة وآخره جيم: الضرب والنوع، قال ابن دريد: كل لونين مختلفين هما شريجان، وأنشد هذا البيت. وقوله: بين كدري وجون
[ ٧ / ٢٩٧ ]
تفسير للشرائج، والكدري: الأغبر منسوب إلى الكدرة، وجون بضم الجيم: جمع جونة، وهو مصدر الجون بفتح الجيم وهو من الأضداد، يقال للأبيض جون وللأسود جون، وهذا هو المراد هنا، عيرته بالشيب. وهذا المصراع كله مقول القول.
وقوله: تراه كالثغام .. الخ، هذا إخبار عن نفسه يقول: تراه يا من تتأتى منه الرؤية، والهاء ضمير الشعر المدلول عليه بالشرائج، ويجوز أن يكون ضمير تراه راجعا للحليلة، ويؤيده رواية الفراء وابن دريد: رأته بالماضي، وقوله: كالثغام حال من الهاء، وكذلك جملة " يعل مسكا" حالية، قال الجوهري: الثغام نبت يكون في الجبل يبيض إذا يبس، يقال له بالفارسية: "درمنه اسفيد" ويشبه به الشيب جمع ثغامة، وعللته عللا من باب طلب: سقيته السقية الثانية، هذا أصله، والمراد: يطيب بالمسك مرة بعد أخرى، ونائب فاعل يعل ضمير الشعر، ومسكا: مفعول يعل الثاني، وقوله: يسوء فاعله ضمير الشعر، والفاليات: جمع فالية اسم فاعل من الفلي، بفتح الفاء وبسكون اللام، وهو إخراج القمل وتفتيشه من الشعر والثياب، والفاليات: مفعول يسوء، وساءه: أحزنه، يقول: من شأنه أن يسوء النساء اللاتي يفلينه، لأنهن يكرهن الشيب، وإذا: ظرف ليسوء، ويجوز أن تكون شرطية، ويسوء دليل الجواب، والجملة استئنافية.
وقوله: وزينك: خطاب لها، والزين: الزينة، قال جامع ديوانه: الشريط هو العيبة - بالفتح- وهو مايجعل فيه الثياب، وقوله: وسابغة خبر مقدمه، وزيني مبتدأ مؤخر، والسابغة: الدرع الواسعة الطويلة، وذو النون: السيف، والنون: شفرته، يقول لها: لي فروسيتي وشجاعتي، ولك تزينك بثيابك المصونة. وآخر الأبيات:
فلولا إخوتي وبني منها ملأت لها بذي شطب يميني
[ ٧ / ٢٩٨ ]
ذو الشطب: السيف جمع شطبة، وهي الطرائق في الحديد المجلو، وترجمة عمرو بن معدي كرب تقدمت في الإنشاد الرابع والعشرين بعد المائتين.
وأنشد بعده:
يا زيد زيد اليعملات الذبل
تقدم شرحه في الإنشاد السادس والتسعين بعد الستمائة.
وأنشد بعده:
يا من رأى عارضا أسر به بين ذراعي وجبهة الأسد
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني عشر بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد الثمانمائة:
(٨٥١) نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ـدك راض والرأي مختلف
على أن الحذف من الأول تقديره: نحن راضون، وأورده سيبويه في أوائل كتابه قال الأعلم: استشهد به مقويا لما جاز من حذف المفعول الذي هو فضلة مستغنى عنها في قولهم: ضربت وضربني زيد، لأنه حذف في البيت خبر المبتدأ الثاني دال عليه، إذ كان معناه كمعناه، [والتقدير: نحن راضون وأنت راض]، وهذا يقوي مذهب سيبويه في تقدير الحذف من الأول في قوله ﷿: (والله ورسوله
[ ٧ / ٢٩٩ ]
أحق أن يرضوه) [التوبة/٦٢]، لأن قوله: راض، لا يكون خبرا عن نحن البتة. انتهى.
وقال ابن خلف: وقيل: إن التقدير: نحن بما عندنا وأنت بما عندنا وأنت بما عندك راضون، ولكنه وضع موضع راضون راض، فجعل الخبر واحدا، لأن المخاطب يستدل، وكان ابن كيسان يتأول هذا البيت على غير حذف، وهو قول غريب على أنه يجعل قوله: نحن، لواحد، فكأنه قال: نحن راض، ثم عطف "وانت" على "نحن"، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه.
والبيت لعمرو بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، وقيل: هو لقيس بن الخطيم، والصحيح أنه لعمرو. انتهى.
ونقل المصنف كلام ابن كيسان هنا، وفي شرح أبيات ابن الناظم على خلاف هذا قال: وفيه شذوذ، لأنه حذف من الأول لدلالة الثاني تحيل ابن كيسان لإزالة ذلك فقدر: نحن للواحد المعظم نفسه وراض خبرا عنه، والمحذوف خبر أنت، وفيه نظر، لأن الإخبار بالمفرد عن نحن ممتنع وإن كان للواحد. انتهى.
والبيت من قصيدة أوردناها، وشرحناها شرحا وافيا، وذكرنا الخلاف في قائلها وترجمناه في الشاهد الثامن والتسعين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده:
خليلي هل طب فإني وأنتما إذا لم تبوحا بالهوى دنفان
[ ٧ / ٣٠٠ ]
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد التاسع عشر بعد السبعمائة. وأنشد بعده:
ومن يك أمسى بالمدينة رحله فغني وقيار بها لغريب
وتقدم الكلام عليه في لإنشاد العشرين بعد السبعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الثمانمائة:
(٨٥٢) ألم تغتمص عيناك ليلة أرمدا
على أنه فيه حذفًا تقديره: اغتماض ليلة رجل أرمد، قال أبو علي: ليلة منصوب
نصب المصادر، أي: اغتماض ليلة أرمد، وليست ليلة ظرفًا، لأن المعنى ليس على ذلك، إذ ليس التقدير: ألم تغتمض عيناك في ليلة أرمد، وإنما أراد أن اغتماضه كان يسيرا عليه كاغتماض الارمد في ليلته. انتهى. وتبعه السهيلي في " الروض الأنف " فقال: لم ينصب " ليلة " على الظرف، لأن ذلك مفسد معنى البيت، ولكن أراد المصدر فحذفه، والمعنى: اغتماض ليلة أرمد، فحذف المضاف إلى الليلة، فأقامها مقامه، فصار إعرابها كإعرابه، وقد روى:
ألم تغتمض عيناك ليلك أرمدا
بالكاف ومعناه: غمض أرمد، وقيل: بل أرمد على هذه الرواية من صفة الليل، أي: حال منه على المجاز، كما يقال: ليلك ساهر. انتهى "٤". أقول: هذه الرواية اثبتها أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش المجاشعي في كتاب ط المعاياة " فيكون ليلك ظرفا لتغتمض، أي: ألم تغتمض عيناك في ليلك كاغتماض أرمد،
وكذا تبعه ابن الشجري في " أماليه " قال: أراد اغتماض ليلة أرمد، وأضاف
[ ٧ / ٣٠١ ]
الاغتماض المصدر إلى الليلة، كما أضيف المكر إلى الليل والنهار في قوله ﷿: (بل مكر الليل والنهار)] سبأ/٣٣ [، فانتصاب الليلة انتصاب المصدر لا انتصاب الظرف، وكيف يكون انتصابها انتصاب الظرف مع قوله بعد: وبت كما بات السليم مسهدا. انتهى.
وقال أبو بكر الزبيدى في كتاب "لحن العامة": يقال: بات بليلة أرمد: إذا لم ينم، فأما قول الأعشى:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبت كما بات السليم مسهدا
فأرمد: مكان فيما زعموا. انتهى. وعليه لا حذف في البيت أصلا، ويكون معنى البيت صحيحا بعطف "بت" على "لم تغتمض" ويكون الاستفهام منسحبا عليهما وهو للتقرير، والخطاب لنفسه على سبيل التجريد، واغتمضت عينه مطاوع أغمضتها، والاغتماض: انطباق الجفن على العين للنوم، والأرمد: الذى به وجع العين.
وقوله: وبت كما بات، قال الأزهرى: قال الفراء: بات الرجل: إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية، والسليم: الذى لدغته الحية، وسمى سليما للتفاؤل بالسلامة، والمسهد: المسهر الذى لا يترك أن ينام لئلا يدب السم فيه، فيموت، وروى المصراع الثانى:
وعادك ما عاد السليم المسهدا
والبيت مكن قصيدة للأعشى ميمون البكرى مدح بها النبى، ﷺ، ولم يوفق للإسلام، وشرحنا بعض الأبيات التي بعده في الإنشاد الخامس والخمسين بعد الثلاثمائة.
[ ٧ / ٣٠٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد الثمانمائة:
(٨٥٣) وقد جعلنى من حزيمة إصبعا
على أن فيه حذف مضافين، والتقدير: ذا مسافة إصبع، والمسافة: معناها البعد، وهكذا قدره جماعة منهم أبو على الفارسى في "الإيضاح الشعرى"، ومنهم الزمخشرى في "مفصله" وفي "كشافه"، وهذا عجز وصدره:
فأدرك إبقاء العرادة ظلعها
والبيت من أبيات للكلحبة العرينى أوردها] في [المفضليات أولها:
فإن تنج منها يا حزيم بن طارق فقد تركت ما خلف ظهرك بلقعا
ونادى منادى الحى أن قد أتيتم وقد شربت ماء المزادة أجمعا
وقلت لكأس ألجميها فإنما نزلنا الكثيب من زرود لنفزعا
فأدرك إبقاء العرادة. . . . البيت
وبقى منها بيتان، وسبب هذه الأبيات أن الكلحبة كان نازلا بزرود، وهى أرض بنى مالك بن حنظلة وهو من بنى يربوع، فأغارت بنو تغلب على بنى مالك، وكان رئيسهم حزيمة بن طارق، فاستاق إبلهم، فأتى الصريخ لبنى يربوع، فركبوا في أثره، فهزموه، واستنقذوا ما كان أخذه.
قوله: " إن تنج منها " الضمير لفرس الكلحبة، وحزيم، بفتح الحاء المهملة
[ ٧ / ٣٠٣ ]
وكسر الزاى المعجمة: مرخم حزيمة، وهذا البيت يشهد بانفلاته، وشعر جرير يشهد بأسره، وهو:
قدنا حزيمة قد علمتم عنوة
ولا مانع منه بأن أدركه غير الكلحبة وأسره لما ظلعت فرسه
وقوله: "فقد تركت الخ " العرب كثيرا ما تذكر أن الحيل فعلت كذا وكذا، وإنما يراد به اصحابها، لأنهم عليها فعلوا، وأدركوا يقول: إن تنج يا حزيمة من فرسى، فلم تفلت إلا بنفسك، وقد استبيح مالك، وما كنت حويته وغنمته، فلم تدع لك هذه الفرس شيئا
وقوله: "ونادى منادى الحى الخ " كان الكلحبة يعتذر من انفلات حزيمة، يقول: أتى الصريخ وقد شربت فرسى ملء الحوض ماء، وخيل العرب إذا علمت أنه يغار عليها وكانت عطاشا، فمنها ما يشرب بعض الشرب، وبعضها لا يشرب البتة، لما قد جربت من الشدة التي تلقى إذا شربت الماء وحورب عليها، وجملة قد شربت حال، وقوله: "وقلت لكأس البيت" كأس بنت الكلحبة، وقيل جاريته، والعرب لا تثق في خيلها إلا بأولادها ونسائها. وقوله: لنفزعا، أى: لنغيث، يقول: ما نزلت في هذا الموضع إلا لنغيث من استغاث بنا، والفزع من الأضداد، هنا بمعنى الإغاثة والاستغاثة.
وقوله: " فأدرك إبقاء .. البيت" العرادة بفتح العين والراء والدال المهملات: اسم فرس الكلحبة كانت أنثى، والإبقاء: ما تبقيه الفرس من العدو إذ من عتاق الخيل ما لا تعطى ما عندها من العدو، بل تبقى منه شيئا إلى وقت الحاجة، يقال:
[ ٧ / ٣٠٤ ]
فرس مبقية: إذا كانت تأتى بجرى عند انقطاع جريها، يريد أنها شربت الماء، فقطعها عن إبقائها، ففاته حزيمة، وظلعها: فاعل أدرك، وإبقاء: مفعوله، والظلع: العرج اليسير. قالى ابن الأنبارى: الظلوع في الإبل بمنزلة الغمز، أى: العرج اليسير، يقال: ظلع يظلع بفتحهما ظلعا وظلوعا، ولا يكون الظلوع في الحافر إلا استعارة، والكلحبة العرينى، بفتح العين وكسر الراء المهملتين نسبة إلى عرين وهو جده القريب: ويقال أيضا: الكلحبة اليربوعى، نسبة الى جده البعيد، وهو شاعر فارس، وقد ترجمناه ترجمة واسعة، وشرحنا الأبيات بأبسط من هذا في الشاهد الواحد والستين، وفي الشاهد السادس عشر بعد الثلاثمائة من شواهد الرضى
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد الثمانمائة:
(٨٥٤) أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء
على أن اسم الموصول حذف من المصراع الثانى لدلالة الأول عليه، والتقدير:
ومن يمدحه وينصره، وهذا غير مرضى عند أبى على وأتباعه، قال في " التذكرة القصرية": يمنع أن يكون "ويمدحه وينصره" في الصلة، لأن سواء لا يقع على الواحد، فـ "من" إذن نكرة، ويهجو صفة لها، وحذفت بعد، وأقيم الفعل نائبا عنها، كقوله:
جادت بكفي كان من أرمى البشر
انتهى
وقال ابن جنى في " إعراب الحماسة " قال في بيت لأبى دهبل الجمحى:
[ ٧ / ٣٠٥ ]
ولا يجوز أن تكون " ما " هنا موصولة، لأنه ينكر أن يحذف الموصول، وتبقى صلته، وهذا ليس جائزا، إنما الجائز حذف الموصول وإقامة صفته مقامه، وعليه بيت حسان: " أمن يهجو البيت "، أى: فواحد يهجو رسول الله، وآخر يمدحه وينصره سواء! ولا تكون " من " هنا موصولة، لأنه يلزم منه أن يكون تقديره: الذى يهجو رسول الله، والذى يمدحه وينصره سواء، أى: يلزم من هذا حذف الموصول وتبقيه صلته، وهذا فاسد. انتهى كلامه
وقوله: وإنما الجائز حذف الموصوف، ممنوع إذ لا يجوز حذفه مطلقا إنما يجوز إذا كان الوصف مفردا، أو يكون هو بعضا من مجرور بـ " من " أو " في "، وأما إذا كانت صفته كما هنا جملة، فلا يجوز حذفه، وكأنه أراد أنه جائز في الشعر للضرورة، قال صاحب "الكشاف" و"البيضاوى" عند قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء)] العنكبوت / ٢٢ [إن فررتم من قضائه بالبرارى في الأرض، أو الهبوط في مهاويها، والتحصن في السماء أو القلاع الذاهبة فيها، وقيل: ولا من في السماء كقول حسان:
أمن يهجو رسول الله البيت (٣)
وحمل خدمة هذين التفسيرين " من " المحذوفة في الآية على أنها موصولة كالتي في البيت، ولم يذكر أحد منهم جواز كونها نكرة موصوفة بتقدير: ولا أحد في السماء، وهو ابلغ لوقوعه في سياق النفي
أل الطيبى: فالموصول المحذوف عطف على أنتم، وقوله: أمن يهجو، أى: ومن يمدحه، وقيل: لوم لم تقدر "من "، لكان يمدحه عطفا على يهجو، وكان
[ ٧ / ٣٠٦ ]
داخلا في حيز الصلة، فكان الهاجى والمادح شخصا واحدا، وفسد المعنى، ولا يصح قوله: سواء. انتهى
أقول: هذا لا يعين كون " من " المحذوفة موصولة، ويصح أن يكون دليلا لكونها نكرة موصوفة، وقال صاحب "الكشف" في تقدير "من" يقتضى التعدد، كأنه قيل الجماعتان التي هجت منكم، والتي مدحت من غيركم سواء، أو الاثنان الذى هجا منكطم، والذى مدح من غيركم إن خص بحسان وأبى سفيان.
انتهى.
وأفاد الجواليقى كون الهاجى والمادح من المشركين، وروى البيت: " فمن يهجو رسول الله " بالفاء موضع همزة الاستفهام، وقال في تقرير معناه: يقول: هجوكم لا ينقصه كما أن مدحكم لا يرفعه
والبيت من قصيدة لحسان بن ثابت أورده ابن هشام في " السيرة" وقال: قالها حسان قبل يوم فتح مكة، وهذه أبيات منها:
ألا أبلغ أبا سفيان عنى مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء
فمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء
فإن أبى ووالده وعرضى لعرض محمد منكم وقاء
قال الجواليقى: يعنى أبا سفيان بن الحارث] بن عبد المطلب [، وكان يألف النبى ﷺ في الجاهلية، فلما بعث عاداه، وهجاه، ثم أسلم عام الفتح، وشهد حنينا. والمغلغلة: الرسالة تحمل من بلد إلى بلد، وبرح الخفاء:
[ ٧ / ٣٠٧ ]
انكشف الستر، واتضح الأمر، وهو مثل، والخفاء: مصدر خفي الأمر خفاء: إذ كنتم.
وقوله: " وعند الله في ذاك الجزاء "، كان الظاهر أن يقول في ذينك، أى: عند الله جزاء هجوك، وجزاء إجابتى ومدافعتى عنه، لكنه بتقدير ذلك المذكور، كما قيل في قوله تعالى: (عوان بين ذلك)] البقرة / ٦٨ [. وقوله: فشركما لخيركما الفداء، قال السهيلى في " الروض الأنف " في ظاهر هذا اللفظ بشاعة، لأن المعروف أن لا يقال: هو شرهما إلا وفي كليهما شر، وكذلك شر منك، ولكن سيبويه قال في كتابه: تقول مررت برجل شر منك: إذا نقض] عن [أن يكون مثله، وهذا يدافع الشناعة عن الكلام الأول، ونحو منه قوله ﵊: " شر صفوف الرجال آخرها "، يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الأول، كما قال سيبويه، ولا يجوز أن يريد التفضيل في الشر والله أعلم. انتهى.
وقوله: أمن يهجو .. الخ. وقوله: أتهجوه الهمزة للاستفهام الإنكارى التوبيخى، والكفء: النظير، أى: لا يستوى من هجاه منكم، ومن مدحه منا، فكيف تهجوه، وتجعل نفسك نظيرا له. وتقدمت ترجمة حسان بن ثابت في الإنشاد التاسع والتسعين.
[ ٧ / ٣٠٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد الثمانمائة:
(٨٥٥) ما الذى دأبه احتياط وحزم وهواه أطاع يستويان
قال ابن مالك في " شرح التسهيل ": واذا كان الموصول اسما غير الألف واللام أجاز الكوفيون حذفه إذا علم، وبقولهم في ذلك أقول، وإن كان خلاف قول البصريين إلا الأخفش، لأن ذلك ثابت بالقياس والسماع، فالقياس على " أن " فإن حذفها مكتفي بصلتها جائز بإجماع مع أن دلالة صلتها عليها أضعف من دلالة صلة الموصول من الأسماء عليه، لأن صلة الاسم مشتملة على عائد يعود عليه، وصلة الحرف لا يزيد فيها على ما يحصل بها، فكان الموصول الأسمى أولى بجواز الحذف من الموصول الحرفي، وأيضا، فإن الموصول الأسمى كالمضاف، وصلته كالمضاف إليه، وحذف المضاف إذا علم جائز، فكذلك ما أشبهه، وأما السماع، فمنه قول حسان:
أمن يهجو رسول الله منكم .. البيت (٢)
أراد: أمن يهجو رسول الله منكم أيها المشركون ومن يمدحه وينصره منا سواء!؟
ومنه قول ابن رواحة:
فو الله ما نلتم وما نيل منكم بمعتدل وفق ولا متقارب
أراد: وما الذى نلتم، وما الذى نيل منكم، ومنه قول بعض الطائيين:
ما الذى دأبه احتياط وحزم البيت
أراد: والذى أطاع هواه. وأقوى الحجج قوله تعالى: (وقولوا آمنا بالذى
[ ٧ / ٣٠٩ ]
أنزل إلينا وأنزل إليكم)] العنكبوت / ٤٦ [، أى: وبالذى أنزل إليكم ليكون مثل: (آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنول من قبل)] النساء / ١٣٦ [، هذا آخر كلامه.
والدأب: الشأن، والحزم: التيقظ في الأمور والمصالح، وهواه: مفعول أطاع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد الثمانمائة:
(٨٥٦) وعند الذى واللات عدنك إحنة عليك فلا يفررك كيد العوائد
عدنك: من العيادة، وهى زيارة المريض، والإحنة، بكسر الهمزة: الحقد، والعوائد: جمع عائدة من العيادة، ويدخل فيه المذكر بطريق التغليب، ويحتمل أن يكون على حذف معطوف، أى: كيد العوائد والعائد فلا تغليب، قاله الشارح.
وأنشد بعده:
نحن الألى فاجمع جمو عك ثم وجههم إلينا
وتقدم شرحه في الإنشاد الخامس والعشرين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد الثمانمائة:
(٨٥٧) بعد اللتيا واللتيا والتي إذا علتها أنفس تردت
أنشده سيبويه في باب حذف المستثنى استخفافا، قال: وذلك قولك: ليس غير
[ ٧ / ٣١٠ ]
وليس إلا، كأنه قال: ليس إلا ذاك، وليس غير ذاك، ولكنهم حذفوا ذلك تخفيفا واكتفاءا بعلم المخاطب، إلى أن قال: ومثل قولهم: ليس غير هذا الذى أمس يريد: الذى فعل أمس، وقوله، وهو العجاج:
بعد اللتيا واللتيا والتي
فليس حذف المضاف إليه في كلامهم بأشد من حذف تمام الاسم. انتهى
وأنشده في باب التصغير أيضا، قال الأعلم: الشاهد فيه حذف صلة التي اختصارا لعلم السامع بما أراد، وبعده:
إذا علتها أنفس تردت
وهذا يكون صلة للتى وحدها، وحذف صلة اللتيا لتصغيرها الدال على شناعتها، لأنهم قد يصغرون الشئ على معنى التعظيم والتشنيع، وإنما وصف العجاج دواهى شنيعة، ومعنى تردت: سقطت هاوية وهلكت. انتهى
وقال ابن الشجرى في المجلس الرابع من " أماليه": لم يأت للموصولين الأولين بصلة، لأن صلة الموصول الثالث دلت على ما أراد، ومثله:
من اللواتى والتي واللاتى زعمن أنى كبرت لداتى
وصل اللاتى، وحذف صلة اللواتى والتي للدلالة عليها، ومما حذف منه صلة موصولين، فلم يؤت فيه بصلة أخرى قول سلمى بن ربيعة:
ولقد رأبت ثأى العشيرة بينها وكفيت جانيها اللتيا والتي
[ ٧ / ٣١١ ]
أراد: اللتيا والتي تأتى على النفوس، لأن تأنيث اللتيا والتي إنما هو لتأنيث الداهية، ألا إلى قول العجاج:
بعد اللتيا واللتيا والتي إذا علتها .. البيت
وتردت: تفعلت من الردى: مصدر ردى يردى إذا هلك، وإن شئت أخذته من التردى الذى هو السقوط من علو، ومنه "المتردية": الشاة التي تسقط من جبل أو حائط أو بئر، فتموت، وحذف الصلة من هذا الضرب من الموصولات إنما هو لتعظيم الأمر وتفخيمه. انتهى كلامه.
وعلتها من العلو، والضمير لأسماء الموصولات التي هى بمعنى الدواهى، وإذا شرطية، وعلتها شرطها، وتردت جزاؤها، والجملة الشرطية صلة التي. وترجمة العجاج تقدمت في الإنشاد الثانى عشر
وأنشد بعده:
وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الواحد والستين
وأنشد بعده:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفونى
وتقدم بسط الكلام فيه في الإنشاد الثانى والستين بعد المائتين.
[ ٧ / ٣١٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد الثمانمائة:
(٨٥٨) نبئت أخوالى بنى يزيد ظلما علينا لهم فديد
على أن يزيد علم محكى لكونه سمى بالفعل مع فاعله الضمير المستتر فيه، ونبئت بالبناء للمجهول من النبأ، وهو الخبر، يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل: الأول: ضمير المتكلم، والثانى: أخوالى، والثالث: جملة " لهم فديد "، وبنى يزيد: نعت لأخوالى، أو بيان له، أو بدل، والفديد: التصويت، مصدر: فد يفد بالكسر، أى: إن أصواتهم علت علينا لا يوقروننا في الخطاب، وقد بسطنا الكلام عليه في الشاهد التاسع والثلاثين من شواهد الرضى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد الثمانمائة:
(٨٥٩) وقد كنت في الحرب ذا تدرإ فلم أعط شيئا ولم أمنع
أى: لم أعط شيئا طائلا، فحذفت الصفة، ولم أمنع من الإعطاء، وكلا الفعلين مبنى للمفعول، وتدرأ، بضم المثناة الفوقية، وفتح الراء بعدها همزة من الدرء، وهو الدفع، قال الجوهرى: السلطان ذو تدرأ، أى: ذو عدة وقوة على دفع أعدائه، وهو اسم موضوع للدفع، والبيت من أبيات للعباس بن مرداس الصحابى يعاتب بها النبى ﷺ، وهى:
[ ٧ / ٣١٣ ]
أتجعل نهبى ونهب العبيد بين عينيه والأقرع
وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لا يرفع
وقد كنت في الحرب ذا تدرإ فلم أعط شيئا ولم امنع
إلا أفائل من جربة عديد قوائمه الأربع
وكانت نهابا تلافيتها بكرى على المهر في الأجرع
وإيقاظى القوم أن يرقدوا إذا هجع الناس لم أهجع
النهب: الغنيمة، والعبيد بالتصغير: اسم فرسه، والأفائل: جمع أفيل كالفصيل وزنا ومعنى وروى:
إلا أفائل أعطيتها
في السير أن رسول الله ﷺ لما فرغ من رد سبايا إل أهلها أعطى المؤلفة قلوبهم، وكانوا أشرافا بتألفهم، ويتألف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، وجماعة من قريش، والأقرع بن حابس التميمى، وعيينة بن حصن الفزارى، كل واحد مائة بعير، وأعطى دون المائة رجالا من قريش، وأعطى عباس بن مرداس أباعر، فسخطها، وقال هذه الأبيات، فلما أنشدها بين يدى النبى، ﷺ، قال: "اقطعوا عنى لسانه"، فأعطى حتى رضى، وقد بسطنا الكلام عليه في الشاهد السابع عشر من شواهد الرضى، وأحسن من جمع أطراف الكلام عليه السيوطى هنا فإنه جمعها من
[ ٧ / ٣١٤ ]
كتب الأحاديث، وناهيك بها.
وترجمة العباس بن مرداس تقدمت في الإنشاد الثالث والأريعين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٠) وليس لعيشنا هذا مهاه وليست دارنا هاتا بدار
على أن الصفة محذوفة، أى: بدار طائلة، وليس المعنى على هذا، وإنما المعنى: ليست بدار إقامة وقرار، فالمحذوف إنما هوالمضاف إليه، قال أبو زيد في أوائل " نوادره": قال عمران بن حطان السدوسى الخارجى من قصيدة طويلة:
وليس لعيشنا هذا مهاه .. البيت
لنا إلا ليالى هينات وبلغتنا بأيام قصار
وإن قلنا لعل بها قرارا فما فيها لحى من قرار
أرانا لا نمل العيش فيها وأولعنا بحرص وانتظار
ولا تبقى ولا نبقى عليها ولا في الأمر نأخذ بالخيار
ولكنا الغداة بنو سبيل على شرف نيسر لانحدار
كركب نازلين على طريق حثيث رائح منهم وسارى
وغاد إثرهم طربا إليهم حثيث السير مؤتنف النهار
قال أبو حاتم: حثيث بالنصب، ومؤتنف أيضا. انتهى.
قوله: وليس لعيشنا هذا .. البيت ن أنشده سيبويه في كتابه، قال الأعلم:
الشاهد فيه قوله: هاتا، ومعناه: هذه، وإذا صغرتها قلت: هاتيا على لفظ هاتا،
[ ٧ / ٣١٥ ]
لئلا يلتبس بالمذكر. والمهاه: الصفاء والترفه وهو بالهاء الصحيحة غير المنقوطة، وقد رواه قوم بالتاء وهو تصحيف، وتخريجه أن يكون مستعارا من المهاة، وهى البلورة، ويروى:
وليست دارنا الدنيا بدار
انتهى. وقال المبرد في " الكامل " بعد إنشاد البيت: النحويون يكتبون الهاء في الوصل، فيقولون: "مهاه" وتقديره: فعال، ومعناه: اللمع والصفاء، يقال: وجه له مهاه يا فتى، والأصمعي يقول: مهاة، تقديرها حصاة، يجعل الهاء زائدة، وتقديرها في قوله: فعلة، والمهاة: البلورة، والمهاة: البقر [الوحشية]، وجمعها: المها. انتهى.
وأنشد بعده:
أرشد طلابها أصله:
دعانى إليها القلب إنى لأمره سميع فما أدرى أرشد طلابها
وتقدم الكلام عليه في أول بحث الهمزة
وأنشد بعده، وهو لإنشاد الواحد والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦١) لهفي عليك للهفة من خائف يبغى جوارك حين ليس مجير
على أن خبر ليس محذوف كما قدره، وعد ابن عصفور هذا من ضرائر الشعر قال: ومنه حذف الخبر في باب "كان" لدلالة المعنى عليه نحو قوله
[ ٧ / ٣١٦ ]
لهفي عليك للهفة من خائف .. البيت
يريد: ليس في الدنيا مجير، وقول الآخر:
فإن قصدوا لحق حق فاقصد وإن جاروا فجر حتى يصيروا
يريد: حتى يصيروا لك تبعا، وإنما لم يجز حذفه إلا في ضرورة، لأنه عوض عما اخترم منها من الدلالة على الحدث، فلزم ذلك. انتهى. وكذا قال ابن جنى في " إعراب الحماسة " قال: حذف خبر " ليس"، أى: حين ليس مجير في الدنيا، وعليه قولهم: " ليس الطيب إلا المسك "، أى: ليس الطيب في الدنيا، ثم أبدل المسك من الطيب، فهذا أحد الوجوه في هذه اللفظة. واعلم أن حذف أخبار كان وأخواتها يضعف في القياس، وقلما توجد في الاستعمال، فإن قلت: قد علم أن " كان " يتجاذبه شبهان: أحدهما: خبر المبتدأ، لأنه هو أصله، والآخر: المفعول به، إذ كان منصوبا بعد مرفوع بفعله، وليس ظرفا ولا مصدرا، ولا حالا، ولا تمييزا، ولا مفعولا له، ولا مفعولا معه، وكل واحد من خبر المبتدأ، ومن المفعول به قد ساغ في الكلام، واطرد حذفه، وهو واقع بينهما وآخذ للشبه من كل منهما. فليت شعرى من أين قبح وقل حذفه؟ فالجواب أنه دخله أمر لم يوجد في واحد منهما، وذلك أن كان الناقصة إنما ألزمت الخبر تعويضا لها مما جرى مما اخترم منها من دلالة الحدث، فجاء متمما لها وعوضا من المخترم منها، فلو حذفته لنقضت الغرض الذى جئت به له ومن أجله، فجرى في ذلك نحوا من إدغام الملحق، لما في ذلك من نقص الغرض الذى أريد به من احتذاء المثال الملحق به،
[ ٧ / ٣١٧ ]
وكحذف المؤكد لما فيه من تناقض المطلب. ألا ترى أن التوكيد من مقام الإسهاب والإطناب، والحذف من مظان الاختصار والإيجاز، وهما كما ترى ضدان! ورأيت أبا على وقتا ما آنسا بحذف خبر كان، ولم أره راجعه ولا أكثر في كلامه، وفيه عندى ما ذكرته لك، فتفهمه، فإنه لا يجوز في القياس غيره. انتهى كلام ابن جني.
والبيت أول أبيات أوردها أبو تمام في باب المراثى للتيمى رثى بها منصور بن زياد وبعده:
أما القبور فإنهن أوانس بجوار قبرك والديار قبور
عمت فواضله فعم مصابه فالناس فيه كلهم مأجور
يثنى عليك لسان من لم توله خيرا لأنك بالثناء جدير
ردت صنائعها إليه حياته فكأنه من نشرها منشور
والناس مأتمهم عليه واحد في كل دار رنة وزفير
عجبا لأربع أذرع في خمسة في جوفها جبل أشم كبير
قال التبريزى: لهفي: مبتدأ، وهو لهف مض ١ اف إلى ضمير النفس، ففر من الكسرة وبعدها ياء إلى الفتحة فانقلبت ألفا، ولو رويت: لهفي عليك لجاز ويكون جاريا على أصله، وعليك في موضع الخبر، واللام من " للهفة " متعلقة بما دل عليه لهفي، وقوله: حين ليس مجير، ظرف ليبغى، ويبغى في موضع صفة لخائف، وخبر " ليس " محذوف، كأنه قيل: حين ليس مجير في الدنيا، أو ينعشه، وما أشبه ذلك، وأضاف حين إلى " ليس"، فبناه، لأن المضاف غير متمكن، فأكسب البناء من جهته، فالفتحة في حين فتحة بناء، ولا يمنع أن تكون فتحة إعراب، كأنه أجرى " حين" على سلامته، ولم يعتد بالإضافة فيه.
[ ٧ / ٣١٨ ]
وقوله: من نشرها، أى: نشر الناس لها، فأضيف المصدر إلى المفعول، وانتصب عجبا على المصدر، والعامل فيه فعل مضمر كأنه قال: عجبت عجبا، وإنما قال: "أربع أذرع"، لأن الذراع مؤنثة، و" في خمسة " لأنه أراد الأشبار، والشبر مذكر. انتهى كلامه.
واللهف: مصدر لهف كحزن حزنا، وهو الحزن، والتحسر على ما فات، وزعم الدمامينى أن قوله: لهفي عليك منادى بتقدير " يا "، قال: وعليك يتعلق باللهف، وكذا قوله للهفة، وليس بمنادى كما توعم. والجوار: أن تجيره مما يخاف. ونسب الشريف المرتضى في " اماليه" هذه الأبيات إلى حارثة بن بدر الغدانى رثى بها زياد بن أبيه والله أعلم. ونسب السيوطى هذه الأبيات إلى الشمر دل بن شريك الليثى قال: وهو معاصر لجرير والفرزدق.
وأنشد بعده:
إن محلا وإن مرتحلا وإن في السفر إذ مضوا مهلا
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده:
من صد عن نيرانها فأنا ابن قيس لا براح
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد التاسع والخمسين بعد الثلاثمائة.
[ ٧ / ٣١٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثانى والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٢) إذا قيل سيروا إن ليلى لعلها جرى دون ليلى مائل القرن أعضب
على أن خبر ليلى محذوف تقديره: لعلها قريبة، وكذا أنشده أبو حيان في " تذكرته" والسيد المرتضى في أماليه: "الدرر والغرر"، ولم يعزوا البيت إلى قائله. والأعضب بالعين المهملة والضاد المعجمة: المكسور القرن، والعرب تتشاءم وتتطير إذا مر بين يديها حيوان قرنه ملتو، أو كان مكسورا، وقد تفاءل النبى ﷺ، ونهى عن التطير، وهى الطيرة، وذلك أن الفأل تقوية للعزيمة، وتحضيض على البغية، والطيرة تكسر النية، وتصد عن الوجهة، وفي ذلك ما يعطل الإحالة على المقادير. ويتشاءمون من أشياء كثيرة منها: الثور الأعضب، وهو المكسور القرن، قال الكميت بن زيد ينفي الطيرة عن نفسه:
ولا أنا ممن يزجر الطير همه أصاح غراب أم تعرض ثعلب
ولا السانحات البارحات عشية أمر صحيح القرن أم مر ثعلب
والسانح: ما ولا ك ميامنه، والبارح: ما ولا ك مياسره، وأهل نجد تتيمن بالسانح، وتتشاءم بالبارح، وبالعكس عند أهل العالية.
وقوله: إذا قيل: إذا ظرفية عاملها جرى، ويجوز أن تكون شرطية، ويكون
[ ٧ / ٣٢٠ ]
جملة جرى جواب الشرط، ودون بمعنى قدام، ومائل فاعل جرى، وقوله: إن ليلى، أي: قبيلة ليلى، وجملة لعلها قريبة خبر إن، وسيروا،: فعل أمر مسند للجماعة، ورواه أبو حيان: "إذا قلت سيروا".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٣) فقال على اسم الله أمرك طاعة
قال ابن جني في باب شجاعة العربية من "الخصائص": وقد يحذف الخبر، كقوله تعالى: (طَاعَةٌ وقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ) [محمد/ ٢١]: إن شئت كان على: طاعة وقول معروف أفضل من غيرهما، وإن شئت كان على: أمرنا طاعة وقول معروف، وعليه قوله:
فقالت على اسم الله أمرك طاعة وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
وتبعه ابن الشجري في فصل كسره على الحذف من المجلس التاسع والثلاثين قال: وقد جاء الحذف في قوله تعالى: (طَاعَةٌ وقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ)، فقيل: تقديره: أمرنا طاعة، واحتج صاحب هذا القول بقول الشاعر:
فقالت على اسم الله أمرك طاعة البيت.
فقال: قد أظهر الشاعر المبتدأ المحذوف في الآية، والقول الآخر: إن قوله: "طاعة" مبتدأ خبره محذوف والتقدير: طاعة، وقول معروف أمثل من غيرهما. انتهى كلامه. ويرد على ما شرحه المصنف من المثال الأول ما ذكره الدماميني، فإن الأمر فيه المقدر ليس بمعنى خلاف النهي، والبيت من أبيات لعمر ابن أبي ربيعة وأوله:
[ ٧ / ٣٢١ ]
وناهدة الثديين قلت لها اتكي على الرمل من جنباته لم توسد
فقالت على اسم الله أمرك طاعة وإن كنت قد كلفت ما لم أعود
فلما دنا الإصباح قالت فضحتني فقم غير مطرود وإن شئت فازدد
فبتنا دوين الحي يضربنا الهوى نلذ كما شئنا وإن لم نجرد
وقامت كمثل الغصن يهتز ردفها وتلفظ شيئًا من جمان مبدد
قد ازددت منها واتشحت بمرطها وأشفيت نفسي من رضاب مبرد
ولهذا الأبيات حكاية سقناها في الإنشاد السابع والأربعين بعد المائة.
وقوله: وناهدة،، أي: رب ناهدة، ونهد ثدي الجارية إذا ارتفع وكبر، واتكي: توسدي واعتمدي، وجملة "لم توسد" حال من التاء في قلت، وأصله: لم تتوسد.
قوله: على اسم الله، متعلق بمحذوف على أنه حال، وعلى بمعنى مع، والمقول محذوف تقديره: فقالت أفعل مع ذكر الله للتيمن، والأمر هنا خلاف النهيـ وقوله: وإن كنت قد كلفت، يجوز أن يكون بضم التاءين، وكلفت بالبناء للمفعول، ويجوز فتح التاءين، وكلفت بالبناء للمعلوم، وأما لم أعود، فهو بالبناء للمفعول على الوجهين، وقوله: وإن لم نجرد، أي من الثياب، والجمان، بضم الجيم: اللؤلؤ، وأراد به كلماتها وألفاظها، واتشحت: التفتت، والمرط، بالكسر: الملاءة إذا لم تكن من لفقين، والرضاب، بضم الراء: الريق، وهو ماء الفم.
وترجمة عمر ابن أبي ربيعة تقدمت في الإنشاد السادس من أول الكتاب:
[ ٧ / ٣٢٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٤) علفتها تبنًا وماء باردًا حتى شئت همالة عيناها
وشئت: كـ "بدت" وزنًا ومعنى، وعيناها: فاعله، وهمالة: تمييز محول عن الفاعل من هملت العين: إذا تصببت دمعها، وبعضهم رواه كذا:
لما حططت الرحل عنها واردًا علفتها تبنًا وماء باردًا
وقائله مجهول لم يعرف، والله أعلم به.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٥) لها سبب ترعى به الماء والشجر
صدره:
أعمرو بن هند ما ترى رأي صرمة
والبيت آخر أبيات لطرفة بن العبد أولها:
لعمرك ما كانت حمولة معبد على جدها حربًا لدينك من مضر
[ ٧ / ٣٢٣ ]
رأى منظرًا منها بوادي تبالة فظل عليه الزاد كالمقر أو أمر
وكان لها جاران قابوس منهما حذار أو لم أسترعها الشمس والقمر
وعمرو بن هند كان ممن أجارها وبعض الجوار المستغاث به غرر
فمن كان ذا جار يخاف جواره فجاراي أوفى ذمة وهما أبر
سأحلب عنسًا صحن سم فأبتغي به جيرتي حتى يجلوا لي الخمر
رأيت القوافي يتلجن موالجًا تضايق عنها أن تولجها الإبر
أعمر بن هند ما ترى رأي صرمة لها سبب ترعى به الماء والشجر
وسبب هذه الأبيات ما رواه ابن السكيت في شرح ديوان طرفة أن ملك العرب عمرو بن هند اللخمي كان خرج عليه أخوه عمرو بن أمامة، وكان طرفة في جيشه، فحقد عليه عمرو بن هند، فبعث إلى إبل طرفة التي كانت في جوار قابوس بن عمرو ابن قيس، فأخذها، فقالت طرفة هذه الأبيات.
والحمولة: الإبل التي يحمل عليها، والجد، بضم الجيم: البئر البعيدة من الكلا، وقوله: لدينك: لأهل طاعتك، أي: نحن في طاعتك ومضر في طاعتك، فما بالنا أغير علينا. انتهى، وكذا قال أبو عمرو الشيباني، وزاد قوله: معبد: أخو طرفة.
وقوله: رأى منظرًا .. البيت، قال ابن السكيت، أي: رأى معبد من إبله قد أغير عليها، فظل عليه الطعام كالمقر لما في نفسه منها. انتهى. والمقر بفتح الميم: الصبر المر.
وقوله: ولم أسترعها الشمس والقمر، قال ابن السكيت: قد استوثقت بهما ولم أتركها في جوار الشمس والقمر وأتكل عليهما فيها. انتهى. وقال الشيباني:
[ ٧ / ٣٢٤ ]
ولم أسترعها يقول: لم أسترع هذه الإبل، أي: لم أستحفظها الشمس والقمر، والراعي: الذي يحوز الشيء ويجمعه ويحفظه. انتهى. والجار: الذي يجير غيره، أي: يؤمنه مما يخاف، ويطلق على المستجير أيضًا والغرر، بفتحتين: الخطر.
وقوله: سأحلب عنسًا البيت، قال ابن السكيت: الصحن: الإناء الواسع القصير الجدار، ويروي: "وإن لم يجلوا لي الخبر"، وإنما يتهددهم بشعره، وروى المفضل: "عيسًا" وهو ماء الفحل، وهو سم قاتل. انتهى. وقال الشيباني: العنس: الناقة الصلبة، وإنما أراد الحرب، فجعل الناقة مثلًا للحرب، والصحن: القدح الكبير، والخمر، بفتح الخاء المعجمة والميم: كل شيء غطاك أو سترك من ثوب أو جدار أو شجر.
وقوله: رأيت القوافي .. البيت، قال السيباني: يتلجن، أي: بدخلن من الولوج مداخل لا تصل إليها الإبر.
وقوله: لها سبب، قال ابن السكيت: ويروي:
لها أرج يشقى به الماء والشجر
والأرج: نفحة طيبة تلوح من جلودها إذا أكلت الربيع، ثم عرقت يشقى به الماءوالشجر، أي: تجهد أكل الشجر وشرب الماء، وذلك محمود. انتهى. وعلى هذه الرواية لا شاهد فيه، وقال الشيباني: الصرمة: القطعة من الإبل، والصريمة: القطيعة، والسبب: العهد والحبل. انتهى:
والهمزة في قوله: أعمرو بن هند للنداء، وعمرو هو الملك. يقول: أي رأي لك في هذه الصرمة أتردها علينا، أم تجلب الشر عليك؟ ووصف الصرمة بجملة قوله: لها سبب. ز الخ، يعني: أنها كانت ترعى بجوارك وجوار رجلين كبيرين. وتقدمت ترجمة طرفة في الإنشاد الرابع والستين بعد المائة.
[ ٧ / ٣٢٥ ]
وأنشد بعده:
حميت حمى تهامة بعد نجد وما شيء حميت بمستباح
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد [الثاني و] الأربعين بعد السبعمائة.
وأنشد بعده:
قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبًا كله لم أصنع
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الواحد والثلاثين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده:
فأقبلت زحفًا على الركبتين فثوب نسيت وثوب أجر
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السادس عشر بعد السبعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٦) إن امرأً رهطه بالشام منزله برمل يبرين جار شد ما اغتربا
على أن جملة "منزله برمل يبرين" معطوفة بواو محذوفه، قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنه حذف حرف العطف إذا دل المعنى عليه، نحو قوله، أنشده أبو الحسن الأخفش:
كيف أمسيت كيف أصبحت مما يزرع الود في فؤاد الكريم
يريد: وكيف أصبحت، وقوله:
[ ٧ / ٣٢٦ ]
فأصبحن ينشرن آذانهن في الطرح طرفًا شمالًا يمينًا
يريد: ويمينًا، وقوله، وأنشده ابن الأعرابي:
مالي لا أسقى على علاتي .. ز صبائحي غبائقي قيلاتي
يريد: صبائحي وغبائقي، وقيلاتي، وقوله:
ضربًا طلخفًا في الطلى شخيتا
يريد: وشخيتًا، والطلخف أشد من الشخيت. انتهى.
وقال ابن الشجري في المجلس الثاني عشر من "أماليه": ومما أضمر فيه الو وقول الحطيئة:
إن أمرأً رهطه بالشام البيت.
أراد: ومنزله برمل يبرين، وكذلك أضمرها الراجز في قوله:
[ ٧ / ٣٢٧ ]
لما رأيت نبطًا أنصارًا شمرت عن ركبتي الإزارا
كنت لها من النصارى جارًا
أراد: وكنت. انتهى، وأعاده في المجلس الرابع والأربعين.
والبيت من قصيدة مدح بها بغيض بن عامر بن شماس بن لأي بن جعفر وهو أنف الناقة، ويعرض بالزبرقان بن بدر وهو ابن عم بغيض، ومطلع القصيدة، وهو من الشوهد:
طافت أمامة بالركبان آونة يا حسنه من قوام ما ومنتقبا
إلى أن قال بعد سبعة أبيات:
قالت أمامة لا تجزع فقلت لها .. ز إن العزاء وإن الصبر قد غلبا
هلا التمست لنا إن كنت صادقة مالًا نعيش به في الحرج أو نشبا
حتى نجازي أقوامًا بسعيهم من آل لأي وكانوا سادة نجبا
إن امرأً رهطه بالشام البيت.
أمامة، بالضم: بنت الحطيئة، وغلب، بالبناء للمفعول، والحرج، بفتح الحاء المهملة وآخره جيم: اليمامة، والنشب: العقار، وقال شارح ديوانه: هو المال القليل، والنجبا، واحدة نجيب، قصر للضرورة.
وقوله: إن امرأً، البيت .. قال شارح ديوانه: أي: بناحية الشام، ومنازل
[ ٧ / ٣٢٨ ]
بني عبس شرج والقصيم والجوى وهي أسافل عذبة، وكان الحطيئة جاور بغيض ابن شماس برمل يبرين، ورمل يبرين لبني سعد، وقيل: أراد هو بالشام، ومنزله برمل يبرين، قال: ويبرين من بلاد بني تميم، فأضمر الواو، ثم قال: شد ما اغتربا، يقول: هو جار لقوم، أي: تباعد من أهله. انتهى كلامه. والجار: الذي يجاور بيت بيت، والحليف والنزيل، وروى بالرفع على أنه خبر "إن"، وجملة التعجب صفه له بإضمار القول، وروي بالنصب على أنه حال من الهاء في منزله لصحة سقوط المضاف، أو حال من ضمير الظرف على التجوز أو تمييز من نسبة المنزل إلى رمل يبرين، وعلى هذه الثلاثة جملة التعجب هي الخبر لإن، وجملة" رهطه بالشام": صفة لامريء، وقوله: شد ما اغتربا فحذف ما التعجبية والهمزة من "أشد" لضرورة الشعر، وما مصدرية، أي: ما أشد اغترابه، ومثله لجرير:
فقلت للركب إذ جد المسير بنا يا بعد يبرين من باب الفراديس
وباب الفراديس: باب من أبواب الشام، فقال ابن السكيت: ويبرين: اسم رمل، ورد عليه علي بن حمزة البصري بأنه ليس كذلك، إنما يبرين اسم موضع ينسب الرمل إليه، فيقال: رمل يبرين، كما يقال: رمل عالج، وعالج: جبل. انتهى.
وقال ياقوت في "معجم البلدان": أبرين: لغة في يبرين، قال أبو منصور: هو اسم قرية كثيرة النخل والعيون العذبة بحذاء الأحساء من بني سعد بالبحرين، وهو واحد على بناء الجمع حكمه كحكمه في الرفع بالواو، وفي الجر والنصب بالياء، وربما أعربوا نونه، وجعلوه بالياء على كل حال. انتهى.
[ ٧ / ٣٢٩ ]
وقال شارح ديوان القطامي: رمل يبرين لبني عوف بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ثم لبنى أنف الناقة منهم، به نخل ومياه، وهو على ثلاث مراحل من الفلج، وبينه وبين هجر والأحساء مرحلتان.
وتقدمت ترجمة الحطيئة في الإنشاد الخامس والسبعين بعد المائتين.
وأنشد بعده:
من يفعل الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثلان
وتقدم في الإنشاد الثمانين.
وأنشد بعده:
نصف النهار الماء غامره ورفيقه بالغيب لا يدري
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس والأربعين بعد السبعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٧) وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة عشية لاقينا جذام وحميرا
هو أول أبيات أوردها أبو تمام في "الحماسة" لزفر بن الحارث الكلابي وبعده:
فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ببعض أبت عيدانه أن تكسرا.
ولما لقينا عصبة تغلبية يقودون جردًا للمنية ضمرا
سقيناهم كأسًا سقونا بمثله ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
[ ٧ / ٣٣٠ ]
قوله: وكنا حسبنا .. إلخ، قال التبريزي في شرحه، أي: كنا نطمع في أمر، فوجدناه على خلاف ما كنا نظن، وهذا من قولهم في المثل: "ما كل بيضاء شحمة" ومثله: "ما كل سوداء تمرة"، ومعناه: ليس كل ما أشبه شيئًا يكون ذلك الشيء وجذام، بضم الجيم وإعجام الذال قبيلة من اليمن غير منصرف للعلمية والتأنيث، واسمه عمرو، يقال: إنهم يسمون بهذه الأسماء الفظيعة لتكون لعدوهم كالطيرة، فسموا بالجذام، هذا الداء، وبغيظ وحنظلة ومرة ونحو ذلك، وإنما أخذ الجذام من الجذم، وهو القطع، وحمير: قبيلة من اليمن أيضًا، والمعنى: إننا ظننا أن سبيل هاتين القبيتين كسبيل سائر الناس لما التقينا معهم بأنا نقهرهم قهرًا قريبًا، ثم وجدناهم بخلافه.
وقوله: فلما قرعنا النبع .. إلخ، النبع: شجر صلب ينبت بالجبال تعمل منه القسي، ومن الأمثال: "النبع يقرع بعضه بعضًا" فضربه مثلًا لهم ولأعدائهم، وبعضه: بدل من النبع، وضمير عيدانه للنبع، قال أبو العلاء المعري: لم يقل إلا عيدانهم، يعني الذين حاربوه، لأنه قد شهد لهم بالصبر. يقول: لما قرعنا أصلهم بأصلنا أبت العيدان من التكسر، يعني أن كلًا منا أبى أن ينهزم عن صاحبه، والعيدان مثل الرجال، والنبع مثل الأصل. والشاعر اعترف بأن أصلهم نبع كما أن أصله نبع.
وقوله: تغلبية، بفتح اللام وكسرها: نسبة إلى تغلب، بفتح المثناة الفوقية وسكون العين المعجمة وكسر اللام: قبيلة من اليمن، وهو تغلب بن حلوان بن عمران ابن إلحاف بن قضاعة، وليس ما هنا نسبة إلى تغلب بن وائل، لأن الظفر في يوم
[ ٧ / ٣٣١ ]
مرج راهط، كان لكلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان، وليس لتغلب بن وائل هناك مدخل، واللام في قوله: "للمنية" متعلقة بيقودون، أو بضمر. والجرد: جمع أجرد وجرداء، وهو القصير الشعر من الخيل.
وقوله: سقيناهم كأسًا .. إلخ، شهد لهم بالغلبة، واعترف بأنهم أهل صبر، وقوله: أصبر، أي: أصبر منا.
وكانت وقعة مرج راهط، في آخر سنة أربع وستين من الهجرة، وكان من خبرها أن بني أمية لما استخلفوا مروان بن الحكم بعد موت يزيد بن معاوية كان الضحاك بن قيس الفهري يدعو لابن الزبير، فجمع مروان كلبًا وغسان والسكاسك والسكون، وتحارب مع الضحاك بمرج راهط عشرين ليلة، ثم قتل الضحاك، وهرب أصحابه، منهم زفر بن الحارث الكلابي قائل هذه الأبيات، وزفر شاعر فارس من الأمراء، وكان سيد قومه.
وأنشد بعده:
حلفت لها بالله حلفة فاجر لناموا فما إن من حديث ولا صلي
وتقدم شرحه في الإنشاد السابع والثمانين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٨) فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
أي: لا أبرح قاعدًا، فـ "لا" حذفت من جواب القسم باطراد، وروي:
فقلت يمين الله ما أنا بارح
[ ٧ / ٣٣٢ ]
فلا شاهد فيه، وروي أيضًا:
فقلت لها تالله أبرح قاعدًا
و"يمين الله" روي مرفوعًا ومنصوبًا، أما الرفع: فعلى الابتداء، والخبر محذوف، أي: لازمي ونحوه، وأما النصب، فعلى أن أصله: أحلف بيمين الله، فلما حذفت الباء، وصل فعل القسم إليه بنفسه، ثم حذف فعل القسم، وبقي منصوبًا، وأنشده سيبويه بالرفع، وقال: هكذا سمعناه من فصحاء العرب، والأوصال: المفاصل، وقيل: مجتمع العظام جمع: وصل، بكسر الواو وضمها، وهو كل عظم لا ينكسر ولا يختلط بغيره.
والبيت من قصيدة لامرئ القيس، وقبله:
سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو حباب الماء حالًا على حال
فقالت سباك الله إنك فاضحي ألست ترى السمار والناس أحوالي
وتقدمت ترجمته في الإنشاد الرابع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد الثمانمائة:
(٨٦٩) فإن شئت آليت بين المقا م والركن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي أمد به أمد السرمد
قال ابن مالك في "التسهيل": وقد يحذف نافي الماضي إن أمن اللبس، وقال في شرحه بعد البيتين، أراد: لا نسيتك فحذف النافي، لأن المعنى لا يصح
[ ٧ / ٣٣٣ ]
إلا بتقديره، وأنه لو أراد الإثبات، لقال: لقد نسيتك، أو لنسيتك، وهذا النوع مع ظهور المعنى دون تقدم نفي آخر على القسم قليل. انتهى.
وقال أبو حيان في "شرح التسهيل": وقال بعض أصحابنا: إن دخلت على لفظ الماضي نحو قولك: والله لا فعلت هذا أبدًا، لم يجز حذفها إلا في ضرورة. انتهى.
والبيتان من شعر أورده السكري لأمية بن أبي عائذ الهذلي في آخر أشعار الهذليين، وهي:
أفاظم حييت بالأسعد متى عهدنا بك لا تبعدي
تصيفت نعمان واصيفت جنوب سهام إلى سردد
كأن بعيني إذا أطرقت حصاة تحثحث بالمرود
فإن شئت آليت بين المقا م والركن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي أمد به أبد السرمد
تبارك ذو العرض ماذا نوى من الحسن في جانب المسجد
قوله: أفاطم: الهمزة للنداء، وحييت: بالبناء للمفعول جملة دعائية، أي: حياك الله، وهو من التحية، وهو البقاء، والأسعد: جمع سعد، وقوله: متى عهدنا بك، جملة استفهامية، أي: متى كان اجتماعنا بك، يقال: عهدته بمكان كذا، أي: لقيته وهو قريب العهد بكذا، أي: قريب العلم والحال، وجملة لا تبعدي دعائية، وقوله: تصيفت نعمان البيت الأول بالتكلم، والثاني بالغيبة، أي: أقمت مدة الصيف في نعمان، وأقامت مدة الصيف في جنوب تهام، ونعمان، بفتح النون، يقال له: نعمان الأراك: واد بين مكة والطائف ويخرج إلى عرفات، وقال الأزهري: نعمان اسم جبل بين مكة والطائف وهو وج الطائف. وجنوب، بفتح الجيم وضم النون: موضع، وسهام، بفتح السين المهملة: اسم
[ ٧ / ٣٣٤ ]
واد، وسردد بمهملات، بضم الأول والثالث: ولاية قصبتها المهجم من أرض ربيد، وأطرقت: مصدره الإطراق، وهو استرخاء في الجفون، وتحثحثت: أصله تتحثحث بتائين: تتحرك وتدخل، وآليت: حلفت، والمقام: هو مقام إبراهيم ﵇، وأمد بالميم: أزيد، وضمير "به" لدوام العقل، أي: أصل بدوام عقلي أبد السرمد، وأبد بالباء الموحدة لا بالميم، كذا في نسخة القاري من "أشعار الهذليين" وهي نسخة صحيحة مضوبطة غاية الضبط، تاريخ كتابتها يزيد على سبعمائة سنة. والأبد: الدهر الطويل الذي ليس بمحدود، قال الرماني: إذا قلت: لا أكلمه أبدًا، فالأبد من لدن تكلمت إلى آخر عمرك، والسرمد: كجعفر، قال الأزهري عن الزجاج: دوام الزمان من ليل ونهار، والسرمد: الدائم، ونوى بالنون: قصد وأراد.
وأمية بن عائذ، بالهمزة والذال المعجمة، شاعر مخضرم كما في "الإصابة" لابن حجر، وقال صاحب "الأغاني": إنه من شعراء الدولة الأموية ومداحهم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٠) فلا والله نادى الحي قومي
قال أبو حيان في "شرح التسهيل"، وقوله: ويكثر ذلك لتقدم نفي على القسم، أي: ويكثر حذف نافي الماضي كقوله:
فلا والله نادى الحي ضيفي هدوًا بالمساءة والعلاظ
[ ٧ / ٣٣٥ ]
أي: فلا والله لا نادى فحذف النافي استغناء عنه بالأول. انتهى، وهو من قصيدة طويلة للمتنخل الهذلي، أوردها السكري في "أشعار الهذليين"، وقال في شرحه: أراد: لا والله لا ينادى الحي ضيفي هدوءًا، أي: بعد ساعة من الليل، بالمساءة: مصدر سؤته سوءًا، والعلاط، بالعين المهملة، يقال: علطه بشر: إذا وسمه ولطخه به، والعلاط، أصله: وسم في عنق البعير، ومعناه: لا وأبيك ما نادى الحي، فأضمر "ما". انتهى. وبعده:
سأبدأهم بمشمعة وأثني بجهدي من طعام أو بساط
قال السكري: بمشمعة: بمزاح وضحك، يقال للرجل: قد شمع، أي: مزح ولعب، وأثنى، أي: أتبع من طعام وتبسط لهم، يقول: ألقاه ضاحك السن، أي: اجتهد لهم، وسمعت مرة شيخًا عالمًا بشعر هذيل يقول البسطة: الدهن، دهنه في بسطة راحته، يقال: أعطني بسطة من دهن، يقول: أطعمهم وأدهنهم، وفي رواية: "من لحاف أو بساط"، ولحاف: طعام، يقول: يأكلون فيشبعون، فهو لحافهم، يقول: أكل الضيف فنام فهو لحافه، ويقال للبين إذا ذهبت الرغوة عنه: قد صقل كساءه، أنشد رجل من أهل البصر:
فبات لنا منها وللضيف موهنًا لحاف ومصقول الكساء رقيق
انتهى. رجعنا. وقوله: فلا والله، روي: فلا وأبيك، وقوله: نادى الحي، أي بعضهم. وهدوءًا: ظرف لنادى، لأن غالب ضيوف العرب، إنما يجيئون بعد دخول الظلام وفي "المصباح"، هدأ القوم والصوت يهدأ مهموز وبفتحتين هدوءًا:
[ ٧ / ٣٣٦ ]
سكن. انتهى. والباء متعلقة بـ "نادى" أيضًا، وقوله: سأبدأهم: السين للتوكيد، ومشمعة، بالشين المعجمة والعين المهملة مصدر ميمي، وبساط: جمع بسطة، كجعاب جمع جعبة. وتقدمت ترجمة المتنخل الهذلي في الإنشاد الواحد والسبعين بعد الخمسمائة. وقال السيوطي: تمام المصراع الشاهد:
طوال الدهر ما دعي الهديل
أي: لا يطمعون في مشاركتي، ولا في تحويل الضيف عني، والبيت من مقطوعة لأبي أسامة الجشمي، أولها:
وهادية قعدت لها سبيلًا فجاءت وهي نافرة تجول
هذا ما أورده، وليس في البيت الشاهد ذكر الضيف، فكان ينبغي أن ينبه أولًا بقوله: صوابه: "فلا والله نادى الحي ضيفي".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧١) وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم تلاقونه حتى يؤوب المنخل
قال ابن عصفور في كتاب "الضرائر": ومنه إضمار "لا" النافية في غير الداخلة على الفعل المستقبل في جواب القسم نحو قول النمر:
وقولي إذا ما أطلقوا .. البيت
[ ٧ / ٣٣٧ ]
يريد: لا تلاقونه، وقو لأبي ذؤيب:
وأنسى نشيبة والجاهل المغمر يحسبه قد نسي
يريد: ولا أنسى نشيبة، وهو ابن عمه، وقول الآخر:
تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه
ومما حذف منه أيضًا ضرورة في غير الفعل قول أوس:
حتى إذا الكلاب قال لها كاليوم مطلبًا ولا طلبًا
يريد: لا كاليوم، وقول الآخر:
رأيتك يا ابن الحارثية كالتي صناعتها أبقت ولا الوهي ترقع
يريد: لا صناعتها أبقت. انتهى.
وقدره بعضهم في بيت الكلاب كذا: لم أر كاليوم مطلوبًا مطلبًا ولا طلبا
وقال أبو حيان في تذكرته: قد حذفت "لا" في بعض أشعارهم، وأجاز يونس: كاليوم رجلًا أفضل، فحذف لا، وأنشد أبيات ابن عصفور، وزاد قول أبي النجم:
[ ٧ / ٣٣٨ ]
أوصيك أن يحمدك الأقارب ويرجع المسكين وهو خائب
كأنه قال: وأن لا يرجع، وقول خداش بن زهير:
وأبرح ما أدام الله قومي بحمد الله منتطقًا مجيدًا
كأنه قال: ولا أربح، وجميع هذا عند ابن مالك مما حذف منه القسم و"لا".
قال أبو حيان في "شرح التسهيل" ومثال حذف لا والقسم محذوف قوله: وقولي إذا ما أطلقوا .. البيت، أراد: والله لا تلاقونه. إلا أنه لا يجوز حذفها والقسم محذوف إلا إذا كان المعنى لا يصح إلا بتقدير النفي، كالذي أنشدناه، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز حذفها منه، أي: حذف "لا" من المضارع في غير القسم إلا في ضرورة، لأنه لا يوجد فيه من كثرة الاستعمال والتفرقة اللازمة بين الإيجاب والنفي ما يوجد في القسم، ومما جاء من ذلك قول النمر بن تولب:
وقولي إذا ما أطلقوا .. البيت
يريد: لا تلاقونه، وقول الآخر:
تنفك تسمع ما حييت .. .. البيت
يريد: لا تنفك. انتهى. فلم تجعل تلاقونه، ولا تنفك جواب قسم محذوف.
انتهى كلام أبي حيان.
والبيت من قصيدة للنمر بن تولب الصحابي، وتقدم أبيات من أولها في الإنشاد الرابع بعد الأربعمائة، وهذه أبيات من آخرها:
[ ٧ / ٣٣٩ ]
لعمري لقد أنكرت نفسي ووابني مع الشيب أبدالي التي أتبدل
فضول أراها في أديمي بعدما يكون كفاف اللحم أو هو أجمل
كأن محطًا في يدي حارثية .. صناع علت مني به الجلد من عل
دعاني العذارى عمهن وخلتني لي اسم فلا أدعى به وهو أول
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم .. البيت
فيحضي قريبًا غير ذاهب غربة وأرسل أيماني ولا أتحلل
وظلعي ولم أكسر وإن ظعينتي تلف بنيها في الدثار وأعزل
وكنت صفي النفس لا أستزيدها فقد كدت من إقصاء جنبي أذهل
ويطوي عن الداعي فلست بآخذ إليه سلاحي مثل ما كانت أفعل
تدارك ما قبل الشباب وبعده حوادث أيام تمر وأغفل
يود الفتى طول السلامة والبقا فكيف ترى طول السلامة يفعل
يود الفتى بعد اعتدال وصحة ينوء إذا رام القيام ويحمل
قال أبو حاتم في كتاب "المعمرين": عاش النمر بن تولب مائتي سنة حتى أنكر بعض عقلة، فقال في ذلك هذه الأبيات، والريب: الشك، يقال: رابني فلان: إذا رأيت ما يريبك وتكرهه، وأبداله: هي الشيب بعد الشباب، والضعف بعد القوة، والهزال بعد السمن، والقسم بعد الصحة.
وقوله: فضول أراها، أي: أبدال فضول، يقول: إن جلدي وأديمي
[ ٧ / ٣٤٠ ]
كان ممتلئًا لحمًا، فذهب اللحم، وتقدد الجلد، والمفضل عليه محذوف، أي: أو هو أجمل من الكفاف، والكفاف بالكسر: ما يكف عن طلب الزيادة.
وقوله: كأن محطًا .. إلخ، وصف بدنه في أيام شبابه في الحسن واللين والنعومة، والمحط بكسر الميم وفتح الحاء المهملة: حديدة يصقل بها الجلد ليلين ويحسن، يقول: كان جلدي وأنا شاب كأنه مصقول لامتلائه باللحم والشحم، وكان النساء الحارثيات يجدن الصقل، ولذا خصها بالذكر. والصناع بفتح الصاد، يقال: امرأة صناع اليدين حاذقة، أي: ماهرة بعمل اليدين، ورجل صنيع اليدين وصنع اليدين، بكسر فسكون، وصنع اليدين، بفتحتين، أي: حاذق ماهر، ومن عل، أي: ومن فوق جلدي، فحذف المضاف إليه، وبني المضاف على الضم.
وقوله: دعاني العذارى .. إلخ، أي: الأبكار، ويروى: "الغواني" جمع غانية، وهي التي استغنت بحسنها عن الزينة، وهذا على منوال ما حكى سيبويه عن بعض العرب: "قال فلانة" بدون تأنيث الفعل، مع أنه مسند إلى حقيقي التأنيث، والدعاء هنا بمعنى التسمية، ولهذا تعدى إلى مفعولين، أحدهما الياء، والثاني عمهن، وهذا ما أنكره ثانيًا، يعني: وأنكرت أيضًا دعاء العذارى إياي عمهن، وتركهن اسمي الذي كنت أدعى به وأنا شاب، وروى أبو حاتم في كتاب "المعمرين":
وتسميتي شيخًا وقد كان قبله
وروى أبو علي "دعاء العذارى" فيكون منصوبًا بأنكرت مقدرًا، أو بتقدير واو العطف بدليل ما بعده، ويكون المفعول الأول أيضًا محذوفًا كما قدرناه. وهذا البيت استشهد به في "شروح الألفية" على أن "خال" فيه بمعنى تيقن، والمعنى:
[ ٧ / ٣٤١ ]
تيقنت في نفسي أن لي اسمًا متقدمًا على اسمهن فلا أدعى به، وجملة "لي اسم" هو المفعول الثاني لـ "خلت"، وأول بمعنى متقدم.
وقوله: وقولي إذا ما أطلقوا .. إلخ، هو معطوف على بدالي، أي: ورابني قولي .. إلخ، ومقوله هو: تلاقونه على تقدير "لا" النافية المحذوفة، أي: لا تلاقون البعير بعد إطلاقكم إياه حتى يعود المنخل، وهذا القول في نفس الأمر مما يريب، فإنه يدل على ذهول عقل وخرف، فإن البعير إذا أطلق ليس في إمساكه جهد عظيم. والمنخل على صيغة اسم المفعول، قال ابن الأعرابي: هو ابن الحارث بن قبيس بن عمرو بن ثعلبة بن عدي بن جشم بن حبيب بن كعب [بن يشكر]: شاعر مقل من شعراء الجاهلية كان النعمان بن المنذر قد اتهمه بامرأته المتجردة، وقيل: وجده معها، وقيل: بل سعى إليه في أمرها، فقتله، وقيل: حبسه، ثم غمض خبره فلم تعلم له حقيقة إلى اليوم، فيقال: إنه دفنه حيًا، وقيل: غرقه، والعرب تضرب به المثل كما تضرب بالقارظ العنزي وأشباهه ممن هلك ولم يعلم له خبر. وقال ابن الجصاص: عمرو بن هند هو الذي قتل المنخل، فإنه كان يتهم بامرأته، والله أعلم.
وقوله: فيضحي قريبًا .. إلخ، الفاء للتفريع والسببية، وفاعله ضمير البعير، والغربة: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة بعدها باء موحدة، بمعنى البعد، أي: البعير الذي أطلقوه يصير قريًا منهم، ولا يذهب ذهاب بعد، ومع ذلك فأنا أذهل وأقول لهم ذلك القول، وقوله: وأرسل أيماني .. ألخ، معطوف على يضحي،
[ ٧ / ٣٤٢ ]
أي: أطلق أيماني ولا أقيدها باستثناء، ولا أتحلل، معناه: لا أستثني بأن أقول: إلا أن يشاء الله.
وقوله: وظلعي .. إليخ، هو معطوف أيضًا على أبدالي، أي: ورابني أيضًا ظلعي، وهو العرج الخفيف، والحال أنني لم أقع من موضع فأنكسر، وإنما عرجي من الكبر. وقوله: وإن ظعينتي، هو معطوف على أبدالي أيضًا، والظعينة: الزوجة، والدثار: ما كان من الثياب فوق الشعار، والشعار: ما لاصق الجلد منه، وأراد به الغطاء كاللحاف والبردة، أي: ومما رابني أن زوجتي تستخف بي فتغطي أولادها دوني.
وقوله: وكنت صفي النفس .. إلخ، الصفي: العزيز المختار، أي: كنت عندها عزيزًا لا أطلب منها زيادة لما كانت تجاملني وتخدمني، والآن صرت أذهل عنها لكثرة ما تبعدني عن ناحيتها.
وقوله: ويطوي عن الداعي: هو معطوف على أبدالي، والداعي: المستغيث.
وقوله: يود الفتى .. إلخ، قصر البقاء ضرورة، ويروى في نسخة قديمة: الغنى بدله، فلا ضرورة، أي: إن الإنسان بعد اعتدال قامته وصحته في زمن الشباب يكون غاية أمنيته في الشيخوخة أن يقدر على القيام بمشقة، ويحمل، أي: يمسك بيده حتى ينهض، يقال: ناء ينوء: إذا قام مثقلًا، وقوله: يود الفتى طول السلامة، هذا المعنى تداوله الناس قديمًا وحديثًا، قال حميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحة وحسبك داء أن تصح وتسلما
وقال بعض شعراء الجاهلية:
[ ٧ / ٣٤٣ ]
كانت قناتي لا تلين لغامز فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربي بالسلامة جاهدًا ليصحني فإذا السلامة داء
وفي معناه قول الخيمي من المتأخرين:
إذا كان موت المرء إفناء عمره ففي موته من يوم يولد يشرع
وما أحسن قول أسامة بن منقذ الكناني:
لا تحسدن على البقاء معمرًا فالموت أيسر ما يؤول إليه
وإذا دعوت بطول عمر لامرئ فاعلم بأنك قد دعوت عليه
وأحسن من الجميع قوله ﷺ: "كفى بالسلامة داء" فإنه أوجز واسلس، وأرشق مما تقدم.
ومثل قوله: "حتى يؤوب المنخل" قولهم في الآمثال: "لا آتيك حتى يؤوب ابن مندله"، وقد شرحه ابن الأثير في "المرصع" فقال: ابن مندلة: هو أحد رؤساء العرب واسمه الحارث، وكان من ملوك الشام يضرب به المثل في التأبيد، قال مالك بن جوين الطائي:
فأقسمت لا أعطي مليكًا ظلامة ولا سوقة حتى يؤوب ابن مندله
[ ٧ / ٣٤٤ ]
وذلك أنه أغار على حجر بن الحارث آكل المرار على عهد بهرام جور، فاستاق ماله وأهله وامرأته هند الهنود، فلما بلغه الخبر وكان غازيًا، تتبع ابن مندلة بعد ثمان، فلحقه وقتله، واستعاد أهله وماله.
تتمة: أنشد المصنف بعد هذا البيت بيتين من ألفية ابن معطي لجواز حذف "لا" و"ما" من جواب القسم، قال شارحه أبو العباس أحمد بن الحسن بن أحمد ابن أبي المعالي الشهير بابن الخباز، وهو شرح مختصر: وما رأيت في كتب النحو إلا حذف "لا"، وقد ذكر يحيى، يعني ابن معطي ناظم الألفية حذف "ما"، وقال لي شيخنا: لا يجوز، لأن التصرف في "لا" أكثر من التصرف في "ما". انتهى. وحكى الجواز عن جماعة أبو عبدالله محمد بن أحمد بنم محمد الشهير بالشريشي في شرح ألفية ابن معطي قال: واعلم أن جمهور النحويين المتقدمين يقولون: لا يحذف من الجواب إلا "لا" دون "ما"، وذهب الجرجاني إلى جواز حذف "ما"، وتبعه على ذلك ابن الدهان، وقال: لا أرى للصروف عنه وجهًا إلا قلة الاستعمال أو احترامًا لـ "ما" الحجازية عن الحذف، وظاهر كلام أبي زكريا الناظم موافقتهما، لأنه ذكر حذف الحرف بعد ذكرهما ولم يفصل بينهما، وإن كان إنما مثل بـ "لا". قال الجرجاني: والذي سوغ حذف هذين الحرفين تصرفهم فيهما بالزيادة، فجعلوا حذفهما تقابلًا لزيادتهما: فكما ساغ زيادتهما، ساغ حذفهما، وقال الآخرون: إنما سوغ حذف "لا" في القسم أنها تحذف في غير القسم كثيرًا، ومن ذلك قول الشاعر:
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم البيت
أي: لا تلاقونه، وقيل في قول الله ﷿: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا) [النساء/ ١٧٦]، إن "لا" منه محذوفة تقديره: أن لا تضلوا، فلما ساغ حذفها في غير القسم وكثر، كان في القسم الذي هو موضع الحذف والاختصار أسوغ،
[ ٧ / ٣٤٥ ]
ولا كذلك "ما"، وقال أبو الحسن بن خروف: يجوز حذف "ما" كما جاز حذف "لا"، لأن المسوغ لحذف "لا" إنما هو الاختصار، وأمن اللبس، وهو موجود في "ما". إلى هنا كلام الشريشي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٢) فوالله ما نلتم وما نيل منكم بمعتدل وفق ولا متقارب
قال أبو حيان في "شرح التسهيل" أراد: ما نلتم، فحذف "ما" النافية، وأبقى "ما" الموصولة، وجاز ذلك لدخول الباء الزائدة على الخبر، ولدلالة العطف، ويجوز على مذهب الكوفيين أن تكون "ما" الباقية النافية، والمحذوفة الموصولة، ولا يجوز هذا على مذهب البصريين ونصوص أصحابنا على أن "ما" و"إن" النافية إذا دخلتا على الجملة الإسمية لا يجوز حذف واحد منهما، فلا يجوز في: والله ما زيد قائم، ولا والله إن زيد قائم أن تقول: والله زيد قائم. انتهى.
وحكى السمين في باب الموصول من "شرح التسهيل" أن المصنف جوز حذف اسم الموصول، واستدل له بقول حسان:
أمن يهجو رسول الله منكم .. البيت
وبقول عبد الله بن رواحة:
فالله ما نلتم البيت
أراد: ما الذي نلتم، وما الذي نيل منكك. انتهى. وقال الدماميني: يحتمل أن
[ ٧ / ٣٤٦ ]
يجعل قوله بمعتدل مفعولًا به، والباء زائدة، وما المذكور نافية في الموضعين، والفعلان تنازعا، وحذف المفعول من أحدهما، فلا يحتاج إلى تقدير "ما"، لا نافية ولا موصولة. انتهى. وهو جيد، وقوله: ما نلتم أراد من النيل الإصابة في الحرب من القتل والتجريح، وهو خطاب للمشركين، والمعتدل: المعادل، والوفق: الموافق، يقول: إن ما أصبتم منا في الحرب ليس يعادل ما أصبنا منكم فيها. بل إصابتنا فيكم أشنع وأهول.
والبيت من شعر لعبد الله بن رواحة الأنصاري الصحابي ﵁، وتقدمت ترجمته في الإنشاد السادس والتسعين بعد الستمائة.
وأنشد بعده:
إلا من مبلغ عني تميمًا بآية ما يحبون الطعاما
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والستين بعد الستمائة.
وأنشد بعده:
بآية يقدمون الخيل شعثًا كأن على سنابكها مداما
وتقدم في الإنشاد الستين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٣) ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
وصدره:
فلم أر مثلها خباسة واحد
[ ٧ / ٣٤٧ ]
أنشده سيبويه لعامر بن جوين الطائي، وقال: حملوه على "أن" لأن الشعراء قد يستعملون "أن" مضمرين كثيرًا. انتهى.
قال ابن خلف: الشاهد فيه نصب "أفعله" بإضمار أن، لأن هذا الموضع قد تدخله "أن"، وإن لم يكن دخولها عليه قويًا، وشبه "كاد" بـ "عسى". انتهى. وأحسن منه قول الأعلم: الشاهد فيه نصب أفعله بإضمار "أن" ضرورة، ودخول "أن" على كلمة لا يستعمل في الكلام، فإذا اضطر الشاعر، أدخلها عليها تشبيهًا لها بـ "عسى"، لاشتراكهما في معنى المقاربة، فيما أدخلوها بعد "كاد" في الشعر ضرورة توهمها هذا الشاعر مستعملة، ثم حذفها ضرورة هذا تقرير كلام سيبويه، وقد خول فيه، لأن "أن" مع ما بعدها اسم فلا يجوز حذفها، وحمل الراد الفعل على إرادة النون الخفيفة وحذفها ضرورة، والتقدير عنده: بعد ما كدت أفعلنه، وهذا التقدير أيضًا بعيد، لتضمنه ضرورتين وهما أدخالها في الواجب، ثم حذفها، فقول سيبويه أولى، لأن "أن" قد أتت في الأشعار محذوفة كثيرًا. انتهى. وهذا مذهب أبي الحسن الأخفش حكاه عنه المازدني قال ابن خلف: قال أبو جعفر: سمعت محمد بن الوليد يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: سمعت المازني يقول: أخبرني أبو إسحاق الزيادي عن الفراء في قوله:
بعد ما كدت أفعله
قال: أراد أفعلها، فلما اضطر حذف الألف، وفتح اللام ليدل على أنه قد حذف الألف، لأن الفتحة من جنس الألف، وهذا القول عند أبي الحسن غير مرضي، لأنه كان يجب أن تكون الفتحة على الهاء، لأنها تلي الألف، ولم تحذف حركة الإعراب، وأيضًا قال: الاسم "ها" فيحذف بعض الاسم، وايضًا فإنه
[ ٧ / ٣٤٨ ]
يلتبس المؤنث بالمذكر، والقول في هذا أنه أراد النون الخفيفة، أي: أفعلنه، ثم حذف النون لما اضطر، وأنشد أبو الحسن:
اضرب عنك الهموم طارقها .. البيت
أراد: إضربن عنك، وأنكر أبو إسحاق أن يكون معنى أفعله على النون الخفيفة. انتهى كلام ابن خلف، وقول أبي الحسن كان يجب أن تكون الفتحة على الهاء لأنها تلي الألف، أقول: الألف ساكنة وضعًا، فأي فتحة لها حتى تنقلب إلى هاء؟ ! وإنما نقلت فتحة الهاء إلى اللام بعد حذف حركتها لتكون الفتحة دليلًا على الألف المحذوفة، وكون الألف بعض الاسم ليس كذلك. قال أبو علي في "الحجة": وأما ثبات الألف في ضمير المؤنث المفرد، فليس بدال على أنه من نفس الكلمة، وإنما أحلقت للفصل بين التأنيث والتذكير كما ألحقت السين أو الشين في الوقف قي قولهم: أكرمتكس وأكرمتكش، في بعض اللغات لذلك، فكما أنها ليسا مع الكاف كلمة واحدة، وإنما الأصل الكاف، ولحق هذان الحرفان للفصل بين التأنيث والتذكير، كذلك الألف اللاحقة لهاء الضمير في التأنيث، وقد يكون من الزوائد ما يلزم، فلا يحذف نحو نون منطلق، ونحو الألف المبدلة من التنوين في النصب في أكثر اللغات على أن ناسًا أجازوا حذف هذه الألف في الوقف، قال أبو عثمان: أخبرني أبو محمد التوزي، قال: أخبرني الفراء، قال: قال: قوله:
ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
أراد: بعد ما كدت أفعلها، يعني: الخصلة، فحذف الألف، وطرح حركة الهاء على اللام، قال: ومن كلام أهل بغداد الكسائي والفراء: "نحن جئناك به" طرح حركةالهاء على الباء، وهو يريد: "نحن جئناك بها"، وهذا الذي حكاه أبو عثمان ليس بالمتسع في الاستعمال، ولا المتجه [في القياس]، وذلك أن حركة الحرف
[ ٧ / ٣٤٩ ]
التي هي له، أولى من المجتلبة، يدل على ذلك أن منألقى حركة الحرف المدغم على الساكن الذي قبله في نحو: "استعد" إذا أمر، فقال: امتد، واعتد، أقر الحركة التي للحرف فيه، ولم يحذفها ويلقي على الحرف حركة الحرف المدغم، فذلك الحركة التي هي الكسرة من به أولى به من نقل حركة الموقوف عليه، إلى هنا كلامه. وبعده كلام متصل به تركناه، وعلم مما نقلنا بأن القائل: أصله أفعلها، إنما هو الفراء، لا المبرد كما زعمه المصنف، والبيت من أبيات أوردها أبو محمد الأعرابي الأسود في "فرحة الأديب" قال: وهذه الأبيات قالها عامر بن جو بن الطائي في هند أخت امرئ القيس بن حجر لما هرب من النعمان بن المنذر، ونزل عليه، فأراد عامر الغدر به، فتحول عنه، وهي:
أأظعان هند تلكم المتحملة لتحزنني أم خلتي متدلله
فما بيضة بات الظليم يحفها فيفرشها وحفًا منالريش مخمله
ويجعلها بين الجناح ودفه إلى جؤجؤ جاف بميثاء حومله
بأحسن منها يوم قالت وأعرضت تبدل خليلي إنني متبدله
ألم تر ما بالجزع من ملكانه وما بالصعيد من هجان مؤبله
فلم أر مثلها خباسة واحد ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله
انتهى قوله: أأظعان هند، الهمزة للاستفهام من قبيل تجاهل العارف، والخلة بالضم: مصدر بمعنى الصداقة، وأطلق على الوصف مبالغة، والظليم:
[ ٧ / ٣٥٠ ]
النعام، ويحفها: يسترها، والوحف: الجناح الكثير الريش بفتح الواو وسكون الحاء المهملة، والمخملة بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم: وهو الشيء الذي له خمل بفتح فسكون، وهو شيء يكون كالقطن والصوف يعلوه، والدف بفتح الدال الجنب، والجؤجؤ بالهمز كقنفذ: الصدر، الميثاء باللتح والمثلثة والمد: الأرض الطيبة السهلة المرملة، وحوملة: اسم مكان، والجزع بكسر الجيم: منعطف الوادي، قال أبو محمد الأسود: ملكان بفتح الميم وكسر اللام: هو جبل من بلاد طيء، كان يقال له: ملكان الروم، لأن الروم كانت تسكنه في الجاهلية مرة. انتهى.
ورواه ابن السيرافي "ملكات" جمع ملكة، وجهله الأسود قال: ولو كان له حياء لما استحستن لنفسه أن يدخلها في مثل هذا التصحيف الشنيع، ولكن لا دواء لمن لا حياء له. انتهى. وتبعه ابن خلف، فقال: ملكات جمع ملكة بين النساء، ومن رواه: من ملكاته كان أحسن وزنًا، وألم تر: ألم تعلم، والصعيد: وجه الأرض، والهجان: الإبل الكريمة، والمؤبلة بفتح الباء المشددة: الإبل الكثيرة، وقوله: فلم أرد مثلها، أي: مثل هند، والخباسة بضم الخاء المعجمة بعدها موحدة: الغنيمة، يقول: لم أر مثل هذه الغنيمة غنيمة رجل واحد، وإنما يحوي هذه الغنيمة جيش عظيم، ونهنهت: كففت نفسي عن أخذ هذه الغنيمة بعد ما كدت آخذها، والهاء في أفعله ضمير المصدر، أي: بعد ما كدت أفعل الفعل، وقيل ضمير الغدر المفهوم من المقام، وتقدم خبر هذه الأبيات في الإنشاد الواحد والأربعين بعد المائتين.
وعامر بن جوين الطاي شاعر فارس جاهلي.
وأنشد بعده:
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الخامس عشر بعد الستمائة.
[ ٧ / ٣٥١ ]
وأنشد بعده:
محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من شيء تبالا
وتقدم في الإنشاد التاسع والستين بعد الثلاثمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٤) بمثلك هذا لوعة وغرام
صدره:
إذا هملت يومًا لها قال صاحبي
هو من نتفة ثمانية أبيات أولها:
عليكن يا أطلال مي بشارع على ما مضى من عهدكن سلام
ثم دعا للأطلال بالسقيا في بيتين فقال:
علام سألناكن عن أم سالم .. ومي فلم يرجع لكن كلام
هوى لك لا ينفك يدعوك ما دعا حمامًا بأجراع العقيق حمام
إذا هملت عيني لها .. البيت.
الطلل: ما له جرم يبقى في المنزل إذا رحلوا عنه كالأواني المكسورة، والأثفية، وشارع: مكان، ومي: اسم محبوبته، والعهد هنا: زمان إقامتها في المنزل، والعقيق: اسم واد، وهملت: بكت وجرى دمعها، ولها، أي: لأجل الأطلال، وبمثلك الجار والمجرور خبر مقدم، ولوعة: متبدأ مؤخر وهي حرقة القلب، والغرام، العذاب الدائم، وهذا منادى بتقدير "يا".
وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
[ ٧ / ٣٥٢ ]
وأنشد بعده، وهوا لإنشاد الخامس والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٥) هذي برزت لنا فهجت رسيسا ثم انصرفت وما شفيت نسيسا
هو مطلع قصيدة للمتنبي مدح بها محمد بن زريق الطرسوسي، قال الواحدي: قال ابن جني: يا هذه ناداها، وحذف حرف النداء ضرورة، وقال أبو العلاء المعري: هذي موضوعة موضع المصد وإشارة إلى البرزة الواحدة كأنه يقول: هذه البرزة برزت لنا، كأنه يستحسن تلك البرزة الواحد، وأنشد:
يا إبلي إما سلمت هذي فاستوسقي لصارم هذاذ
وطارق في الدجن والرذاذ
يريد: هذها لكرة، وهذا تأويل حسن لا ضرورة فيه، ولا حاجة معه إلى الاعتذار. والرسيس والرس: مس الحمى وأولها، وهو ما يتولد منها منا لضعف، والرسيس: ما رس في القلب من الهوى، أي: ثبت، ومنه قول ذي الرمة:
إذ غير النأي المحبين لم أحد رسيس الهوى من حب مية يبرح
وهذا هو المراد في بيت المتنبي، والنسيس: بقية النفس بعد المرض والهزال، يقول: برزت لنا، فحركت ما كان في قلبنا من هواك، ثم انصرفت ولم تشف بقايا نفوسنا التي أبقيت لنا بالوصال، إلى هنا كلام الواحدي.
[ ٧ / ٣٥٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٦) يا عمرو إنك قد مللت صحابتي وصحابتيك إخال ذاك قليل
على أن ابن مالك أنشده شاهدًا على وقوع اسم الإشارة مصدرًا مؤكدًا للفعل من غير نعته بمصدر. أقول: أنشده في باب "ظن" من "شرح الكافية" التوكيد يدل على الاعتناء بالمؤكد، والإلغاء يدل على عدم الاعتناء بالملغى، فلذلك قبح توكيد ما ألغي من هذه الأفعال، نحو: زيد ظننت ظنًا منطلق، فلو أضمر المصدر، أو أشير إلى معناه، اغتفر ذلك نحو: زيد ظننته مقيم، أو ظننت ذلك، ومنه قول الشاعر:
يا عمرو إنك قد مملت صحابتي .. البيت
وإنما اغتفر التوكيد بالضمير واسم الإشارة، لأنهما لا يتنزلان منزلة تكرير الفعل، بخلاف التوكيد بصريح المصدر، فإنه بمنزلة تكرير الفعل فقبح كما قبح تكرير الفعل إذا ألغي. انتهى. فذلك إشارة إلى مصدر إخال.
وأنشده أيضا أبو بكر محمد بن الإشبيلي الشهير بالخفاف في باب "ظن" من شرحه على "الجمل الزجاجية"، أجاز المازني نيابة ذلك مناب مفعولي ظننت، ومفعولي أعلمت الثاني والثالث، فأجاز أن تقول: ظننت ذلك، في جواب من قال: هل ظننت زيدًا قائمًا. وأشرت بذلك إلى مفعولي ظننت، وكذلك: أعلمت زيدًا ذلك، في جواب من قال: هل أعلمت زيدًا عمرًا منطلقًا؟ فتشير بذلك إلى المفعولين، فأنبته مناب المفعولين، وهو مفرد كما فعلت ذلك في أن واسمها وخبرها، وهي تتقدر بالمفرد، لكونها في المعنى جملة، وأجاز الفراء الإشارة بذاك إلى اثنين، لأن العرب قد تفعل ذلك، قال تعالى: (لاَّ فَارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ)
[ ٧ / ٣٥٤ ]
[البقرة/ ٦٨]، وهذا عندنا غير جائز، لأن إقامة المفرد مقام المفعولين ليس بقياس وأيضًا، فإن ذلك ليس فيه ما سوغ في أن وموضعها موضع المفعولين من الطول وجريان المفعولين بالذكر في الصلة، فإذا لم يكن ذلك قياسًا جعلنا قول العرب: ظننت ذلك إشارة للمصدر، لأن ذلك قد ثبت في مثل قوله تعالى: (ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [الشورى/ ٤٣]، أي: إن صبره. ومما يدل على فساد مذهبه قول الشاعر:
يا عمرو إنك قد مللت صحابتي .. البيت
فأتى مع ذكر المفعولين بذلك، ولو كان "ذاك" إشارة إلى المفعولين لم يحتج إلى ذكرها مع ذكر المفعولين، وهما صحابتيك، وقليل، فدل ذلك على أن "ذاك" إشارة إلى المصدر، وهذا البيت من قبيل ما ذكرنا من قبل أنه يجوز الإلغاء مع تأكيد الفعل بالإشارة إلى المصدر.
وقد رد الفارسي أيضًا على المازني، إذ لو جاز أن يكون "ذاك" إشارة للمفعولين مع هذه الأفعال لجاز مع عدمها، فكنت تقول في جواب من قال: هل زيد قائم؟ ذاك، أي: زيد قائم، فامتناع العرب من ذلك والنحويين، دليل على أن ذلك عند العرب ليس قياسًا، لكن الذي يفسد مذهبه ما قدمناه. إلى هنا كلام الخفاف، ونقلناه برمته، لأنه يتعلق بمسألة غريبة قل من ذكرها.
وكأن الدماميني لم يقف على ما في "شرح الكافية" لابن مالك، ولم يستحضر وقوع اسم الإشارة مصدرًا مؤكدًا للأفعال الناسخة في باب ظن، ولو استحضر ذلك، لم يكن يقول: الذي يظهر لي أن ذلك إشارة إلى الملل المفهوم من قوله: مللت، أو إلى الأمر الذي تضمنه هذا البيت، والمعنى: إنك قد مللت صحبتك إياي، وصحبتي إياك فيما أخاله وأظنه، وهذا الأمر قليل في الأصحاب. فقوله "ذاك" مبتدأ أخبر عنه بقليل، وقوله: "إخال" جملة ألغي فعلها، وأتى بها بعد الجملة
[ ٧ / ٣٥٥ ]
السابقة لبيان أن الإخبار بما تقدم عليها نشأ عن الظن لا اليقين، كما تقول: زيد قائم أظن، وحينئذ ليست الإشارة بذاك إلى مفعول مطلق، ولم يتضح لي وجه الرد على ابن مالك بهذا البيت فتأمله، هذا كلامه.
ومللت: يتعدى بنفسه كما هنا، وبمن، يقال: مللته ومللت منه مللًا، من باب تعب، وملالة: إذا سئمت منه وضجرت، وصحابة، بفتح أوله مصدر صاحبه، كذا في "تهذيب الأزهري"، والصحبة: مصدر صحبه يصحبه بكسر لالحاء في الماضي وفتحها في المضارع، وفي "عمدة الحفاظ" الصحبة أصلها الاجتماع طال زمانها أو قصر. وقيل: الصاحب الملازم، إنسانًا كان أو حيوانًا أو مكانًا أو زمانًا، وصحابتي: مصدر مضاف إلى المفعول، وفاعله محذوف، أي: صحابتك إياي، والأولى أن يكون مثل الثاني مضافًا إلى الفاعل والمفعول محذوف، أي: صحابتيك. وإخال: المشهور بكسر الهمزة على خلاف القياس، وبنو أسد يفتحونها على القياس، يقال: خال الرجل الشيء يخاله خيلًا، من باب نال: إذا ظنه، وصحابتيك مبتدأ، بتقدير مضاف، وخبره قليل، والتقدير: ومدة صحابتيك قليل، وجملة "إخال ذاك" معترضة بينهما، وذاك: إشارة إلى مصدر إخال، أي: إخال ذلك الخيل، والبيت لم أقف على تتمته وقائله، والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٧) فلا وأبي لنأتيها جميعًا ولو كانت بها عرب وروم
على أنه كان يجب أن يقول: لنأتينها باللام، ونون التوكيد جميعًا، فترك نون التوكيد لضرورة الشعر. وهو من أبيات لعبد الله بن رواحة: صحابي قالها في
[ ٧ / ٣٥٦ ]
غزوة مؤتة، والمروي في شعره في السير:
فلا وأبي مآب لنأتينها
وهو مؤكد بالنون الخفيفة، فلا ضرورة، ومآب: قرية من أرض البلقاء بالشام، قال ابن هشام في "السيرة" في غزوة مؤتة، وكانت في سنة ثمان من الهجرة، ومضى المسلمون هم ثلاثة آلف حتى نزلوا من أرض السام، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء مائة ألف، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره، فنمضي له. قال: فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: إنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور، وإما شهادة، فقال الناس: صدق والله ابن رواحة، فقال عبد الله بن رواحة في محتبسهم ذلك:
جلبنا الخيل من أجأ وفرع يغر من الحشيش لها العكوم
أقامت ليلتين على معان فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والجياد مسومات تنفص في مناخرها السموم
فلا وأبي مآب لنأتينها وإن كانت بها عرب وروم
وبعده ثلاثة أبيات، قال السهيلي: مؤتة مهموزة االواو: قرية من أرض البلقاء من الشام، وقوله: جلبنا الخيل، أراد: أصحابها، وأجأ، بالهمز جبل لطيء، وفرع: مكان، ويغر، بالغين المعجمة، وبالبناء للمفعول، قال السهيلي: يغر، أي: يجمع بعضها إلى بعض، والعكوم جمع عكم. انتهى. والعكم بالكسر: الجوالق،
[ ٧ / ٣٥٧ ]
قال السهيلي: قال الشيخ أبو بحر: معان بضم الميم، وجته في أصلين، وأصلحه علينا القاضي حين السماع معان، بفتح الميم، وهو اسم موضع ذكره البكري بضم الميم، وقال: هو اسم جبل، انتهى. وهو بالعين المهملة، والسومة بالضم: العلامة، والمسومة: المعلمة، وعبد الله بن رواحة تقدمت ترجمته في الإنشاد السادس والتسعين بعد الستمائة.
وأنشد بعده:
لا تهين الفقير علك أن تركع يومًا والدهر قد رفعه
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الرابع والخمسين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والسعبون بعد الثمانمائة:
(٨٧٨) اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس
قال أبو زيد في "نوادره" قال الراجز:
ويهًا فداء لك يا فضاله أجره الرمح ولا تهاله
فتح اللام ولو كسرها، لكان حسنًا، لأن تحريكها تحريك اعتلال، لسكون
[ ٧ / ٣٥٨ ]
ما قبلها، وقال الجرمي: تقول للرجل إذا أغريته، ويها فلان. وقال أبو حاتم: فتح اللازم من تهاله، لأنه أراد النون الخفيفة وحذفها، ومثله:
من أي يومي من الموت أفر أيوم لم يقدر أم يوم قدر
فتح راء يقدر، لأنه أراد النون الخفيفة، فحذفها وبقي ما قببلها مفتوحا، أنشدناه أبو عبيدة والأصمعي، وأنشدني الأخفش بيتًا مصنوعًا لطرفة:
اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسوط قونس الفرس
وقال: أراد النون الخفيفة. انتهى:
والطارق: الذي يأتي ليلًا، والقونس: بفتح القاف وسكون الواو بعدها نون، قال أبو عبيد في "الغريب المصنف": القونس: مقدم البيضة، ورد عليه علي بن حمزة البصري فيما كتبه عليه من أغلاطه: إنما القونس أعلاها، ومن ذلك قونس الفرس، قال الشاعر:
ضربك بالسوط قونس الفرس
وأورد هذا البيت ابن عصفور في كتاب "الضرائر" مع أبيات أخر، وأطال ابن جني الكلام عليه في حرف الهمزة من "سر الصناعة"، وقال ابن السيد في
[ ٧ / ٣٥٩ ]
كتاب "أبيات المعاني": وفيه وجه آخر وهو أن يكون ضمير التثنية، ويكون قد أجرى الواحد مجرى الاثنين، فإنهم كثيرًا ما كانوا يفعلون ذلك تعظيمًا للمخاطب، ولا يكون في الأكثر ممن ينفرد بنفسه، فإذا انفرد يومًا، حمل أمره على الغالب من حاله، قال تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ) [ق/ ٢٤] فأمر مالكًا بأمر الاثنين، وقد حذف النون من قوله:
لا تهين الفقير عليك .. البيت
للضرورة، وحذفها منه أحسن من حذفه في قوله: "اضرب عنك الهموم" لالتقاء الساكنين.
والبيت مصنوع لم يعلم قائله، والله أعلم، وعلم مما نقلنا أن الرواية: ضربك بالسوط لا بالسيف.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والسبعون بعد الثمانمائة:
(٨٧٩) هما خطتا إما إسار ومنة وإما دم والقتل بالحر أجدر
قال ابن جني في "إعراب الحماسة": روي برفع إسار وجره، أما الرفع، فطريف المذهب، وظاهر أمره أنه على لغة من حذف نون التثنية لغير إضافة، وقد حكى ذلك، ومما يعزى إلى كلام البهائم قول الحجلة للقطاة: بيضك ثنتا، وبيضتي مائتا، أي: ثنتان ومائتان، وقول الآخر:
لنا أعنز لبن ثلاث فبعضها لأولادها ثنتا وما بيننا عنز
[ ٧ / ٣٦٠ ]
وقد تقصيت القول على هذا الموضع في كتابي "سر الصناعة" فعلى هذا يجليء قوله:
هما خطتا إما إسار ومنة .. البيت
على أنه أراد: خطتان، ثم حذف النون على ما تقدمه، فإن قلت: فإذا كان بالتثنية قد أثبت شيئين، فكيف فسر بالواحد، فقال: إما وإما، وهما يثبتان الواحد كما تثبته أو؟ فالجواب: أنه تصور أمرين، واعتقد أنه لا بد من أحدهما، وعلم أن المحصول عليه أحدهما لا كلهما، ففسر ما تصوره وهما شيئان، بما يحصل عليه وهو الواحد كما يخص بعد العموم في نحو قولك: ضربت زيدًا رأسه، ولقيت بني فلان ناسًا منهم، فإن قلت: فهلا حملته على حذف المضاف فكان أقرب مذهبًا وأيسر متوهمًا حتى كأنه قال: هما إحدى خطتين؟ قيل: يمنع من ذلك قوله: هما، وهما لا يكون في خبره مفرد، ألا ترى لا تقول: أخواك جالس! فلذلك انصرفنا عن هذا الوجه إلى الذي قبله، ويجوز عندي فيه وجه أعلى من هذا الضعيف حذف نون التثنية عندنا، وهو أن يكون على وجه الحكاية حتى كأنه قال: هما خطتا قولك إما إسار ومنة، وإما دم، فتحذف النون على هذا للإضافة البتة. وأما من جر: إما إسار ومنة [وإما دم] فأمره واضح، وذلك أنه حذف النون [من خطتان] للإضافة، ولم يعتد "إما" فاصلًا بين المضاف والمضاف إليه، وعلى هذا تقول: هما غلاما إما زيد، وإما عمر، وهذان ضاربا إما زيد وإما جعفر، وأجود من هذا أن تقول: هما إما خطتا إسار ومنة، وإمادم، وإن شئت: وإما خطتا دم، فإن قلت: "إن "إما" مثل "أو" في أن كل واحدة منهما توجب أحد الشيئين فترجع بك الحال إذن إلى أنك كأنك قلت: هما خطتا أحد هذين الأمرين، وليس الأمر كذلك إنما، [المعنى] هما خطتان: إحداهما كذا، والأخرى كذا، وليست أيضًا كل واحدة من الخطتين للإسار والدم جميعًا، إنما إحداهما لأحدهما على ما تقدم، فالجواب أن سبب جواز ذلك هو أن كل واحد من الإسار والدم لما كان معرضًا لكل واحدة من الخطتين فيصلح أن يصير بصاحب الخطة إليه أطلقا جميعًا على كل واحدة منهما بأن أضيفا إليه، وجعل مفضى له ومظنة
[ ٧ / ٣٦١ ]
منه، ونحو منه قول الله ﵎: (ومِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ) [القصص/ ٧٣]، ولم يجعل كل واحد من الليل [والنهار] لكل واحد من السكون والابتغاء، وإنما جعل الليل للسكون، والنهار للابتغاء، فخلط الكلام اكتفاء بمعرفة المخاطبين بوقت السكون من وقت الابتغاء. إلى هنا كلام ابن جني.
والبيت من أبيات لتأبط شرًا، أوردها أبو تمام في "الحماسة" وهذا أولها:
إذا المرء لم يحتل وقد جد جده أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلًا به الخطب إلا وهو للقصد مبصر
فذاك قريع الدهر ما عاش حول إذا سد منه منخر جاش منخر
أقول للحيان وقد صفرت بهم وطابي ويومي ضيق الحجر معور
هما خطتا إما إسار ومنة .. البيت
وأخرى أصادي النفس عنها وإنها لمورد حزم إن فعلت ومصدر
فرشت لها صدري فزل عن الصفا به جؤجؤ عبل ومتن مخصر
فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا به كدحة والموت خزيان ينظر
فأبت إلى فهم وما كدت آيبًا وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
وخبر هذه الأبيات: أن تأبط شراص كان يشتار عسلًا في غار من بلاد هذيل، وكان يأتيه كل عام، وإن هذيلًا ذكر لها ذلك، فرصدته، حتى إذا جاء هو وأصحابه تدلى، فدخل الغار، فأغارت هذيل على أصحابه وأنفروهم، ووقفوا على الغار، فحركوا الحبل فأطلع رأسه، فقالوا: اصعد، قال: فعلام أصعد! على الطلاقة والفداء؟ قالوا: لا شرط لك، قال: أفتراكم آخذي وقاتلي وآكلي جناي،
[ ٧ / ٣٦٢ ]
لا والله لا أفعل، ثم جعل يسير العسر على فم الغار، ثم عمد إلى زق فشده على صدره، ثم لصق بالعسل، ولم يزل يتزلق عليه حتى جاء سليمًا إلى أسفل الجبل، فنهض وفاتهم، وبين موضعه الذي وقع فيه وبينهم مسيرة ثلاثة أيام.
وقوله: وقد جد جده، أي: ازداد جده جدًا، والجد بالكسر: الاجتهاد، وقوله: فذاك قريع الدهر، يجوز أن يكون في معنى مختار الدهر، ويكون من قرعت، أي: اخترته بقرعتي، ويجوز أن يكون من قرعه الدهر بنوائبه حتى جرب وتبصر. وقوله: إذا سد منه منخر .. إلخ، مثل للمكروب المضيق عليه، وجاش: تحرك واضطرب، والمعنى: لا يؤخذ عليه طريق إلا نفذ في طريق آخر لافتنانه في الحيل.
ولحيان، بكسر اللام: بطن من هذيل خاطبهم لما كانوا على رأس الغار، والواو للحال، والطاب هنا: ظروف العسل، جمع وطب وهو في الأصل سقاء اللبن، وصفرت: خلت أشار إلى ظروف العسل التي صبت العسل منها على الجانب الآخر، وركبه متزلقًا حتى لحق بالسهل، وقيل معناه: خلا قلبي من ودهم، يريد: وطاب ودي، وقيل: اشرفت نفسي على الهلاك فيكون أراد بالوطاب جسمه، ومعور: اسم فاعل من أعور لك الشيء: إذا بدت عورته لك، وهي موضع المخافة، وكل ما طلبته فأمكنك، فقد أعورك وأعور لك.
وقوله: هما خطتا .. إلخ، هذا مقول القول، والخطة بالضم: الحالة والشأن، والمعنى: ليس إلا واحدة من الحالتين على زعمكم: إما استئسار والتزام منتكم إن رأيتم العفو، وإما قتل، وهو بالحر أليق مما يكسبه الذل، فهاتان هما الخطتان.
وقوله: وأخرى أصادي، المصاداة: إدارة الرأي في تدبير الشيء أو الإتيان به، يقول: وهنا هنا خطة أخرى أداري نفسي فيها، وإنها هي الموضع الذي يرده الحزم، ويصدر عنه.
[ ٧ / ٣٦٣ ]
والفرش: البسط، وضمير لها للخطة الثالثة، والجؤجؤ: كقنفذ: الصدر، وعبل: ضخم، ومتن مخصر، أي، دقيق، وهذا مثل: لقيت بزيد أسدًا، وقد شرحنا هذه الأبيات بأبسط مما هنا في الشاهد الخامس والستين بعد الخمسمائة من شواهد الرضي، وتقدمت ترجمة تأبط شرًا في الإنشاد الرابع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٠) لا يزالون ضاربين القباب
صدره:
رب حي عرندس ذي شباب
وهو مطلع قصيدة لعمرو بن الأيهم التغلبي أوردها أبو عمرو الشيباني له في آخر أشعار تغلب، وبعده:
قد أراهم بها حلولًا جميعًا في السن الخاليات والأحقاب
إذا نشيع الصبي بنص المعالي وبركض المسومات العراب
ونساء نواعم حاليات جامعات لميسم وشباب.
والعرندس: بفتح العين والراء المهملتين وسكون النون: الشديد، والقباب، جمع قبة، وهي الخيمة، وحلول جمع حال، أي: نازل، وقد أراهم: جواب رب، وإذ: طرف لأراهم، ونشيع بالنون، والإشاعة: الإنشاء والإظهار، والنص:
[ ٧ / ٣٦٤ ]
نوع من السير، وأراد بالمعالي: الإبل العالية، والمسومات: المعلمات بعلامات، والعراب: الخير العربية، ونساء بالجر: معطوف على نص، والنواعم: المنعمات أو ناعمات البدن، والحاليات: من الحلي: وهو الزينة، واليسم بكسر الميم: الحسن والجمال.
وقال العيني: صدر المصراع الشاهد:
رب حي عرندس ذي طلال
وقال: لم أقف على قائله، والطلال، بفتح الطاء المهملة: الحالة الحسنة، والهيئة الجميلة، هذا صنعه، ولا أدري من أين أتى به؟ !
وأنشد بعده:
إذا قيل أي الناس شر قبيلة أشارت كليب بالأكف الأصابع
وتقدم الكلام عليه في ديباجة الكتاب.
وأنشد بعده:
أمسلمني إلى قومي شراحي
صدره:
وما أدري وظني كل ظن
وتقدم في الإنشاد الواحد والستين بعد الخمسمائة.
وأنشد بعده:
وليس الموافيني ليرفد خائبًا
تمامه:
وأن له أضعاف ما كان أملا
وتقدم في الإنشاد الثاني والستين بعد الخمسمائة.
[ ٧ / ٣٦٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨١) جارية من قيس ابن ثعلبة
على أن تنوين قيس على خلاف القياس، لأن ابنًا وقع بين علمين مستجمع الشروط، فكان ينبغي حذف التنوين، إلا أنه نونه للضرورة، قال ابن جني في "سر الصناعة": من نون، لزمه إثبات الألف في ابن خطا.
قال ابن الحاجب في "الإيضاح": وزعم قوم أن "ابن ثعلبة" بدل، وقصده أني يخرجه عن الشذوذ وهو بعيد، لأن المعنى على الوصف، وأيضًا فإن خرج عن الشذوذ باعتبار التنوين لم يخرج باعتبار استعمال ابن بدلًا. انتهى.
ومن ذلك القوم ابن جني، قال في "سر الصناعة": إلى هذا رأيت جميع أصحابنا يذهبون، والذي أرى أن الشاعر لم يرد أن يجري ابناص وصفًا على ما قبله، ولو أراد لحذف التنوين، ولكن أراد أن يجري ابنًا بدلًا مما قبله، وحينئذ لم يجعل منه كالشيء الواحد، فوجب أن ينوي انفاصال ابن مما قبله، ووجب أن يبتدئ، فاحتاج إذن إلى الألف، لئلا يلزم الابتداء بالساكن. انتهى.
والبيت طلع أرجوزة للأغلب العجلي.
وبعده:
كريمة أخوالها والعصبه
قباء ذات سرة مقعبه كأنها حقة مسك مذهبه
ممكورة الأعلى رداح الحجبه كأنها حلية سيف مذهبه
أهوى لها شيخ شديد العصبه خاظي البضيع أيره كالخشبه
فضربت بالود فوق الأرنبه ثم انثنت به فويق الرقبه
فأعلنت بصوتها أن يا أبه كل فتاة بأبيها معجبه
[ ٧ / ٣٦٦ ]
أراد بالجارية: امرأة اسمها كلبة كان بينهما مهاجاة، ومن قولها فيه:
ناك أبو كلبة أم الأغلب
وقيس بن ثعلبة: قبيلة، والقباء: مؤنث الأقب من القبب بفتحتين: وهو ضمر البطن ودقة الخصر، والمقعبة: السرة التي دخلت في البطن، وعلا ما حولها حتى صار كالعقب وهو القدح، والممكورة: المطوية الخلق، وأراد بالأعلى: البطن والخصر، والرداح، بفتح الراء: المرأة الثقيلة الأوراك والحجبة، بفتح الحاء المهملة والجيم: رأس الورك، وأهوى لها: مد يده إليها، والخاظي: المكتنز والمتداخل، والبضيع: اللحم، والود، بفتح الواو: الوتد، والأرنبة: طرف الأنف. و"أن" مفسرة.
والأغلب العجلي: راجز إسلامي تقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والخمسين بعد السبعمائة. وقد بسطنا الكلام على هذا الرجز، وعلى ترجمة قائله في الشاهد الواحد والعشرين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده:
فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والتسعين بعد السبعمائة.
وأنشد بعده:
ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
وتقدم في الإنشاد الأربعين بعد المائة.
[ ٧ / ٣٦٧ ]
تم بحمد الله تعالى
الجزءا السابع
ويليه الجزء الثامن
وبه تمام الكتاب إن شاء الله تعالى
[ ٧ / ٣٦٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٢) وقتيل مرة أثأرن فإنه فرغ وإن أخاهم لم يثأر
قال أبو علي في "إيضاح الشعر": وأما ما أضمر من الحروف التي لا تعمل في اسم ولا فعل، فاللام التي يتلقى بها القسم في وقله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) (الشمس: ٩)، قيل: إن المعنى: لقد أفلح من زكاها، ومن ذلك ما أنشده أو الحسن وأبو عثمان:
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا
وقتيل مرة أثأرن فإنه فرغ وإن أخاهم لم يثأر
فحذف اللام، وكما حذفت اللام وتركت النون كذلك حذفت النون وتركت اللام في نحو: والله لتخرج. انتهى. وتبعه ابن الشجري في المجلس الرابع والأربعين، وظاهره أنه جائز في الكلام، وقد قال ابن عصفور وغيره: إنه من ضرورة الشعر، قال في كتاب "الضرائر"، ومنه إثبات النون الداخلة على الفعل المضارع للتأكيد وحذف اللام كقوله:
وقتيل مرة أثأرن فإنه فرغ وإن أخاهم لم يثأر
انتهى.
والبيت من قصيدة دالية، كما أنشده ابن عصفور، لعدو الله عامر بن الطفيل عدتها كما في ديوانه ثلاثة عشر بيتا، وأوردها المفضل في "المفضليات" أحد عشر
[ ٨ / ٣ ]
بيتا، وقبل هذا البيت:
ولأثأرن بمالك وبمالك وأخي المروراة الذي لم يسند
قوله: ولأثارن، معطوف على بيت قبله وهو:
فلأنعينكم الملا وعوارضا ولأهبطن الخيل لابة ضرغد
يخاطب أعداءه الذين قتلوا أشراف قومه، وأنعينكم يعني: أذكر معايبكم، وقبيح أفعالكم، يقال، فلان ينعي على فلان ذنوبه، أي يذكرها ويصفها، والملأ، بفتح الميم، وعوارض، بضم العين، وضرغد، بإعجام الضاد والعن: أسامي مواضع، واللابة: أرض ذات حجارة، وهذا البيت من شواهد النحو، وقد استوفينا الكلام عليه في الشاهد الثامن والستين بعد المائة من شواهد الرضى، يقال: ثأرت القتيل، وثأرت به من باب نفع: إذا قتلت قاتله، قال جامع ديوانه: مالك ومالك: رجلان من قومه، والمروراة: أرض بظهر الكوفة. انتهى. وبها كانت الحرب، والأخ يطلق على الملابس، يردي الذي قتل بها، وهي بفتح الميم وفتح الراء المهملة الأولى والثانية بينهما واو ساكتة. وقوله: لم يسند، قال ابن الأنباري في شرحه، أي لم يدفن، ولكن ترك للسباع تأكله.
وقوله: وقتيل مرة، قال جامع ديوانه: مرة قبيلة، وقال ابن الأنباري: روى الضبي: وقتيل بالخفض، ورواه الحرمازي بالنصب، ورواه الأثرم بالرفع انتهى. أما الخفض، فعلى أن الواو للقسم، وعليه استشهاد النحويين بهذا البيت، وجملة: أثارن" جواب القسم، وأما النصب، فعلى أن الواو عاطفة على محل مالك المجرور بالباء الزائدة، وأما الرفع، فعلى الابتداء، وخبره محذوف تقديره: قسمي، وجملة: أثارن" جوابه، ويجوز أن يكون استشهاد النحويين على هذه
[ ٨ / ٤ ]
الراوية أيضا بخلاف الراوية الثانية، والفراغ، بكسر الفاء، وسكون الراء المهملة وآخره غين معجمة: الهدر، أي باطلا لم يطلب به. يقال: ذهب دم فلان فرغا، أي: باطلا لم يطلب به. قال ابن الأنباري: ومن روى "فرع" يعني: بفتح الفاء وآخره عين مهملة، فإنه رأس عال في الشرف. انتهى. ويريد بأخاهم كبير الأعداء، ولم يقصد: لم يقتل، من أقصده بمعنى قتله. وتقدمت ترجمة عامر بن الطفيل في الإنشاد التاسع والثلاثين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثمانون بعد الثمانمائة:
(٩٩٣) فطلقها فلست لها بكفء وإلا يعل مفرقك الحسام
على أن جملة الشرط محذوفة تقديرها: وإن لا تطلقها يعل. والبيت من قصيدة للأحوص
سلام الله يا مطر عليها وليس عليك يا مطر السلام
كأن المالكين نكاح سلمى غداة نكاحها مطر نيام
وإن يكن النكاح أحل شيء فإن نكاحها مطرا حرام
فطلقها فلست لها بكفء .. البيت
في "الأغاني": إن الأحوص قدم البصرة، فخطب إلى رجل من بني تميم بنته، وذكر له نسبه، فقال: هات لي شاهدا يشهد لك أنك ابن حمى الدبر وأزوجك، فجاء من شهد له ذلك فزوجه إياها، وشرطت عليه أن لا يمنعها من أحد من أهلها،
[ ٨ / ٥ ]
فخرج بها إلى المدينة، وكانت أختها عند رجل من بني تميم قريبا من طريقهم، فقالت له: اعدل بي إلى أختي ففعل، فذبحت لهم وأكرمتهم، وكانت من أحسن الناس، وكان زوجها في إبله، فقالت زوجة الأحوص له: أقم حتى يأتي زوجها، وكان اسمه مطر، فلما جاء بإبله ورعائه ازدراه الأحوص، واقتحمته عينه، وكان شيخا دميما، فقال له زوجته: قم إلى سلفك، فسلم عليه! فقال الأحوص وأشار إلى أخت زوجته بأصبعه: "سلام الله يا مطر عليها .. الأبيات"، وأشار إلى مطر بأصبعه، فوثب إليه مطر وبنوه، وكاد المر يتفاقم حتى حجز بينهم. انتهى.
وقد بسطنا الكلام عليه في الشاهد السادس بعد المائة، من شواهد الرضي، وتقدمت ترجمة الأحوص بالحاء المهملة، في الإنشاء الثامن بعد الأربعمائة، وتقدمت هذه الأبيات أيضا في الإنشاد الستين بعد الخمسمائة، وتأتي أيضا في الإنشاد الثالث بعد التسعمائة.
وأنشد بعده:
من يشكر الحسنات الله يشكرها والشر بالشر عند الله مثىلان
وتقدم شرحه في الإنشاد الثمانين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٤) قالوا أخفت فقلت إن وخيفتي ما إن تزال منوطة برجائي
الهمزة في قوله: أخفت الاستفهام، وإن بمعنى: نعم، حذف جملة الكلام
[ ٨ / ٦ ]
بعدها، والتقدير: فقلت: نعم خفت، لكن خيفتي مقترنة بالرجاء، فليست بخيفة محضة، و"إن" بعد "ما" زائدة والمنوطة: المتعلقة، والبيت أنشده ابن مالك في فصل عقده لـ "إن" ترادف "نعم" من "شرح التسهيل"، ونسبة لبعض الطائبين.
وأنشد بعده:
ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت إنه
وتقدم شرحه في "إن" المكسورة المشددة من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٥) قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيرا معدما قالت وإن
هو من رجز مشهور نسب إلى رؤية، ولم أجده في ديوانه وأوله:
قالت سليمي ليت لي بعلا يمن يغسل جلدي وينسيني الحزن
وحاجة ما إن لها عندي ثمن ميسورة فضاؤها منه ومن
قالت بنات العم يا سلمى .. إلى آخره ..
البعل: الزوج، ويمن: من المنة خفف النون للضرورة، وقوله: مني ومن، يريد: ومني فخفف النون، وحذف الياء، والمعدم: الذي لا يملك شيئا، وإن وصلية حذف شرطها، والأصل: وإن كان فقيرا معدما.
[ ٨ / ٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٦) إن يكن طبك الدلال فلو في سالف الدهر والسنين الخوالي
أنشد الجاحظ في كتاب "البيان" لعبيد بن الأبرص:
تلك عرسي غضبي تريد زيالي ألبين تريد أم لدلال
إن يكن طبك الفراق فلا أحفل أن تعطفي صدور الجمال
أو يكن طبك الدلال فلو في سالف الدهر والسنين الخوالي
كنت بيضاء كالمهاة وإذا آتيك نشوان مرخيا إذ يالي
فاتركي خط حاجبيك وعيشي معنا بالرخاء والتأمل
زعمت أنني كبرت وأني قل مالي وضن عني الموالي
وصحا باطلي وأصبحت شيخا لا يؤاتي أمثالها أمثالي
إن تريني تغير الرأس مني وعلا الشيب مفرقي وقذالي
فبما أدخل الخباء على مهضومة الكشح طفلة كالغزال
فتعاطيت جيدها ثم مالت ميلان القضيب بين الرمال
ثم قالت فدى لنفسك نفسي وفداء لمال أهلك مالي
انتهى. العرس، بالكسر: الزوجة، والزيال: بالكسر: المزايلة، وهي المباينة، والطب، بالكسر: العادة، والمهاة، بالفتح: البلورة، والتأمال: تفعال مصدر مبالغة من الأمل، وضن: بخل، والموالي: أبناء العم، وقوله: فبما، أي: كثيرا ما، والخباء: الخيمة من الوبر، والمهضومة: الدقيقة، والكشح: الحاصرة.
[ ٨ / ٨ ]
وعبيد بن الأبرص: شاعر جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الخامس والعشرين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثمانون بعد الثمانمائة:
(٨٨٧) وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد
هل هنا للاستفهام الصوري بمعنى النفي، وروى أيضا: "وما أنا إلا من غزية"، يقول: أنا واحد من هذه القبيلة في حالتي الغي والرشاد، فإن عدلوا عن الصواب، عدلت معهم، وإن اقتحموه، اقتحمت معهم، وغزية، بفتح الغين وكسر الزاي المعجمتين: رهط دريد بن الصمة. قال أبو تمام في "مختار أشعار القبائل" غزية: جد دريد، يقول: أنا أتابع لقومي على رشد كانوا أم غي، قال صاحب "الصحاح": الغي: الضلال والخيبة أيضا، وقد غوى - بالفتح - يغوي - بالكسر - غيا وغواية، وأنشد البيت. والرشد جاء فعله من باب فرح، ومن باب نصر.
والبيت من قصيدة لدريد بن الصمة رثى بها أخاه أوردها أبو تمام في "الحماسة" وقد بسطنا الكلام في شرحها وذكرنا خبر قتل أخيه عن صاحب "الأغاني" في الشاهد الخامس والعشرين بعد التسعمائة من شواهد الرضى، ودريد بن الصمة، بكسر الصاد وتشديد الميم، قتل في غزوة حنين كافرا.
[ ٨ / ٩ ]