أنشد فيه، وهو الإنشاد التسعون بعد الستمائة:
(٦٩٠) بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
أصل الكلام فيه: بنو أبنائنا مثل أبنائنا، فقدم وأخر، وحذف "مثل" للعلم بقصد التشبيه، لأن المراد تشبيه أبناء الأبناء بالأبناء لا العكس. قال المصنف في "شرح أبيات ابن الناظم": قد يقال: إن هذا البيت لا تقديم فيه ولا تأخير، وإنه جاء على عكس التشبيه مبالغة، كقوله:
ورمل كأوراك العذارى قطعته
وقال العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والبيانيون على التشبيه، والفقهاء والفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث والوصية، والوقف، وعلى أن الانتساب إلى الآباء، ولم أر أحدًا منهم عزاه إلى قائله والله أعلم.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والتسعون بعد الستمائة:
[ ٦ / ٣٤٤ ]
(٦٩١) ولا يك موقف منك الوداعا
صدره:
قفي قبل التفرق يا ضباعا
على أن فيه اسم "يك" نكرة، وخبرها معرفة، لضرورة الشعر، ويجوز عند ابن مالك والرضي الإخبار عن النكرة بالمعرفة في بابي "إن" و"كان" في اختيار الكلام، وقد أوردنا ما يتعلق بهذا في الشاهد الثالث والأربعين بعد المائة، وفي ما بعد الشاهد الواحد والأربعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وضباع: مرخم ضباعة، فحذفت الهاء للترخيم، وعوض منها الألف، قال الأعلم: والوقف عليها عوض من الهاء، لأنهم إنما رخموا ما فيه الهاء، ثم لما وقفوا عليه، ردوا الهاء للوقف، فلما لم يمكنهم رد الهاء، جعلوا الألف عوضًا منها على ما بينه سيبويه.
قال الدماميني في "شرح التسهيل": قد يقال: لا نسلم أن هذه الألف عوض عن الهاء المحذوفة، بل هي ألف الإطلاق، والمسألة لا يستدل عليها بالشعر، فإن ثبت مثل ذلك في النثر ثبت الدعوى، وإلا فلا. انتهى. ولا يخفى أنه يجوز أن يأتي حرف لمعنيين، كألف التثنية، فلا مانع من كون ألف الإطلاق عوضًا. وقوله: والمسألة لا يستدل عليها إلى آخره، أقول: هذا التعويض مخصوص بالقافية، فكيف يستدل له بالنثر. قال سيبويه في "الكتاب" أعلم أن الشعراء إذا اضطروا، حذفوا هذه الهاء في الوقف، وذلك لأنهم يجعلون المدة التي تلحق القوافي بدلًا منها. قال ابن الخرع:
[ ٦ / ٣٤٥ ]
كادت فزارة تشقى بنا فأولى فزارة أولى فزارا
وقال القطامي:
قفي قبل التفرق يا ضباعا
وقال هدبة:
عوجي علينا واربعي يا فاطما
وإنما كان الحذف للهاءات ألزم في الوصل، وفيها أكثر منه في سائر الحروف في النداء، من قبل أن الهاء في الوصل في غير النداء تبدل مكانها التاء، فلما صارت الهاء في موضع يحذف منه في الابتداء فيه تخفيفًا، كان ما يبدل ويتغير أولى بالحذف، وهو له ألزم، وجعلوا تغييره الحذف في موضع الحذف إذا كان متغيرًا لا محالة، وسمعنا الثقة من العرب يقول: يا حرمل، يريد: يا حرملة، كما قال بعضهم: ارم، يقفون بغير هاء، هذا نصه بحروفه.
قال السيرافي: ويجوز هذه الأبيات في غير الضرورة، لأن سيبويه حكى: يا حرمل في: يا حرملة، وغذا كان كذلك، فليس بضرورة، لأن فتحته في الوصل توجب إذا صارت في قافية مطلقة أن تمد وتوصل، كقولنا في آخر القافية: مررت بعمرو، ورأيت الرجلا. انتهى.
وقوله: ولا يك موقف .. إلى آخره. قال اللخمي في "شرح أبيات الجمل": يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون على الطلب والرغبة، كأنه قال: لا تجعلي هذا الموقف آخر وداعي منك، والآخر: أن يكون على الدعاء، كأنه قال: لا جعل الله موقفك هذا آخر الوداع. انتهى. ففيه حذف مضاف من الوداع، وقدره بعضهم موقف الوداع، وهذا أحسن، وروى الأخفش المجاشعي في كتاب "المعاياة":
ولا يك موقفًا منك الوداعا
[ ٦ / ٣٤٦ ]
وقال: نصب موقفًا لأنه أراد: قفي موقفًا، ولا يكن الوداعا، هذا إنشاد بعضهم فيما ذكروا، ورفع بعضهم موقف. انتهى. وعليه فاسم "يك" ضمير المصدر المفهوم من "قفي" كأنه قال: ولا يكن الموقف موقف الوداع، و"يك" أصله: "يكن" حذفت النون تخفيفًا لكثرة الاستعمال. قال اللخمي: وفيه عطف المفرد، وهو قوله: ولا يك، على المبني، وهو قوله: قفي، وإنما سوغ ذلك وجود العامل وهي "لا" كقوله تعالى: (وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ولْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) [العنكبوت/١٢]، ولو قلت: اقصدني وأكرمك، بالجزم على اللفظ، لم يجز عند البصريين، لأن "اقصدني" فعل مبني لا جازم له، فلا يعطف على لفظه، فلو قلت: اقصدني ولأحدثك، فأدخلت لام الأمر، جازت المسألة كما في الآية. وأقول: هذا غلط منه أو تغليط، فإن عطف "ولا يك" على قفي من عطف جملة على جملة، وأما عدم جواز المثال، فلأنه من قبيل عطف مفرد على جملة لا جازم لمسندها، وأم تصحيحه باللام، فمن عطف جملة على جملة كالآية، لا من عطف مفرد على مفرد.
والبيت مطلع قصيدة للقطامي التغلبي مدح بها زفر بن الحارث الكلابي القيسي، وكان بنو أسد أحاطوا به في نواحي الجزيرة، وأسروه يوم الخابور، وأرادوا قتله، فحال زفر بينه وبينهم وحماه، وحمله وكساه، وأعطاه مائة ناقة، فمدحه بهذه القصيدة وأشار إلى هذا في هذه القصيدة بقوله:
أكفرًا بعد رد الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا
وهو من شواهد الرضى، وشرحناه في الشاهد التاسع والتسعين بعد الخمسمائة من شواهده وغيرها، وخص قيسًا وتغلب على السلم. كذا في شرح ديوانه. وبعد هذا البيت:
[ ٦ / ٣٤٧ ]
قفي فادي أسيرك إن قومي وقومك لا أرى لهم اجتماعا
وكيف تجامع مع ما استحلا من الحرم الكبار وما أضاعا
ألم يحزنك أن حبال قيس وتغلب قد تباينت انقطاعا
يطيعون الغواة وكان شرًا لمؤتمر الغواية أن يطاعا
ألم يحزنك أن ابني نزار أسالا من دمائهم التلاعا
وفيها شواهد أخر أوردناها في شواهد الرضى.
وقوله: قفي فادي إلى آخره .. خطاب لضباعة بنت زفر الممدوح، لأنه كان عند والدها أسيرًا له، والمفاداة: أخذ الفدية من الأسير وإطلاقه، وحرف الدماميني هذه الكلمة: ب "داري" من المداراة، وفسرها بقوله: لايني واخفضي جناحك. والحبال: المواصلة والعهود التي كانت بين قيس وتغلب، وتباينت: تفرقت، روي أن ضباعة لما سمعت قوله: ألم يحزنك .. إلى آخره، قالت: بلى والله لقد حزنني: وحزنه، وأحزنه لغتان، والمؤتمر: الذي يرى الغواية رأيًا، ويأمر بها نفسه، وابنا نزار: ربيعة ومضر. والتلعة: مسيل من الارتفاع إلى بطن الوادي، ولما لم يقف الدماميني على منشأ القصيدة وأصلها، قال: أراد أسيرك: محبك الذي أسرته بمحبتك، هذا الظاهر، ويحتمل أن يكون أراد أسير أبيك، فإن أباها زفر كان قد أسره، ثم من عليه فأطلقه وأعطاه مائة من الإبل. انتهى كلامه. وقلده ابن الملا، ونقل هذا الكلام، وكلا الاحتمالين خلاف الواقع. وترجمة القطامي تقدمت في الإنشاد الثامن والخمسين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والتسعون بعد الستمائة:
[ ٦ / ٣٤٨ ]
(٦٩٢) يكون مزاجها عسل وماء
صدره:
كأن سبيئة من بيت رأس
لما تقدم قبله، فمزاجها بالنصب: خبر يكون، وعسل: اسمها، وهذا جائز عند المحقق الرضي، واستشهد به الجواز الإخبار عن النكرة بالمعرفة في بابي " إن وكان".
قال الزمخشري في شرح شواهد سيبوية: وإنما جاز هذا، لأن العسل والماء من الأجناس يؤدي نكرته على معرفته في المعنى لا فرق بين شربت ماء وشربت عسلًا. انتهى. وسبقه ابن جني إلى هذا التوجيه في "المحتسب" ونقله عمن قبله، وتبعه ابن السيد في "أبيات المعاني" واللخمي في شرح أبيات "الجمل" وغيرهم، وقد نقلنا الجميع فيما بعد الشاهد الواحد والأربعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي. وحكم المصنف هنا بأنه من باب ضرورة الشعر، وفي الباب الثامن بأنه من باب القلب، وهذا أيضًا من الضرورة، وأوردهما ابن عصفور في كتاب "الضرائر" وروي برفع مزاجها أيضًا، واختلف في التوجيه أيضًا، فنقل الرضي عن أبي البقاء بأنه حكم على أن يكون بالزيادة، فتكون الجملة في موضع نصب صفة ثانية ل "سبيئة" أو حال منها، وتبعه ابن الناظم في شرح الألفية، فحكم بزيادتها في قولها:
أنت تكون ماجد نبيل
[ ٦ / ٣٤٩ ]
فماجد خبر أنت، وارتضاه المصنف في شرح أبياته، وأنكر زيادتها بلفظ المضارع هنا، فحكم بضمير الشأن في تكون، وجعل جملة: "مزاجها عسل وماء" خبرها، وحرجه اللخمي: على أن اسم "تكون" ضمير سبيئة، وجملة: "مزاجها عسل وماء" خبرها، قال: ويجوز ان يكون خبرها قوله: من بيت رأس، وجملة تكون من بيت رأس: صفة لسبيئة، وجملة مزاجها عسل وماء: صفة ثانية لسبيئة، وعلى هذين الوجهين يقال: تكون بالمثناة الفوقية، وكذا خرجه ابن السيد في "أبيات المعاني" والسبيئة بالهمزة ككريمة: الخمر، قال صاحب "القاموس": سبأ الخمر كجعل سبئًا وسباء ومسبئًا: شراها كاستبأها، وبياعها السباء. والسبيئة ككريمةك الخمر. انتهى. وبيت رأس: قرية. قال ابن السيد فيما كتبه على كامل المبرد، قال عبيد الله بن عبد الله بن خرداذبة: بيت رأس: اسم قرية بالشام من ناحية الأردن، كانت الخمور تباع فيها، وفيها ماتت حبابة جارية يزيد بن عبد الملك، فمات يزيد بعد بضع سنين جزعًا عليها. انتهى. وقيل: بيت: موضع الخمر، ورأس: اسم للخمار، وقصد إلى بيت الخمار، لأن خمرة أطيب الخمر، وقيل: الرأس هنا بمعنى الرئيس، أي: من بيت رئيس، قال اللخمي: وهذا أحسن الأقوال، لأن الرؤساء إنما تشرب الخمر ممزوجة، وإنما اشترط أن يمزجها، لأنها خمرة شامية صليبة، فإن لم تمزج، قتلت شاربها وخص العسل والماء، لأن العسل أحلى ما يخالطها، وأنه يذهب بمرارتها. وأما الماء، فيبردها ويلينها، وإنما يشربها الرؤساء والملوك ممزوجة كراهية أن تخرجهم عن عقولهم، ألا ترى إلى قول عدي بن زيد:
رب ركب قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزلال
وقد عابت على جزيمة الأبرش أخته شرب الخمر صرفًا لأمر لحقها من ذلك، فقالت له:
ذاك من شربك المدامة صرفًا وتماديك في الصبا والمجون
[ ٦ / ٣٥٠ ]
وخبر "كأن" في بيت بعده وهو:
على أنيابها أو طعم غض من التفاح هصره اجتناء
فقوله: على أنيابها: هو خبر "كأن"، والأنياب أربعة أسنان: ثنتان من يمين الثنايا، واحدة من فوق، وواحدة من أسفل، وثنتان من شمالها كذلك، شبه طعم ريقها بطعم خمر قد مزجت بعسل أو ماء، أو كطعم تفاح غض قد اجتني، فطعم، بالنصب، معطوف على "سبيئة"، وهصره، بالتشديد: أماله، والاجتناء: أخذ الثمرة من الشجرة.
والبيتان من قصيدة لحسان بن ثابت مدح بها النبي، ﷺ، وهجا أبا سفيان، وكان هجا النبي، ﷺ، قبل إسلامه، قالها قبل فتح مكة، وقد أوردنا القصيدة، وشرحناها في الشاهد الثاني والثلاثين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والتسعون بعد الستمائة:
(٦٩٣) فلا تلمه أن ينام البائسا
صدره:
قد أصبحت بقرقري كوانسا
على أن الكسائي قال: يجوز أن يوصف الضمير للترحم عليه والتوجع له، فالبائس صفة لضمير المفعول وهو الهاء في "لا تلمه" وعند سيبويه يجوز أن يكون بدلًا من الهاء، وأن يكون منصوبًا بعامل محذوف على الترحم، قال في: "باب ما يجري من الشتم مجرى التعظيم وما أشبهه" من كتابه: ومن هذا الباب الترحم،
[ ٦ / ٣٥١ ]
والترحم يكون بالمسكين والبائس ونحوه، ولا يكون بكل صفة، ولا كل اسم، ولكن ترحم بما ترحم به العرب، وزعم الخليل، رحمه الله تعالى، أنه يقول: مررت به المسكين، على البدل، وفيه معنى الترحم، وبدله كبدل: مررت به أخيك، وقال:
فأصبحت بقرقري كوانسا البيت.
وكان الخليل يقول: إن شئت رفعته من وجهين. وقلت: مررت به البائس، كأنه لما قال: مررت به، قال: المسكين هو، كما قال مبتدئًا: المسكين هو والبائس أنت، وإن شاء قال: مررت به المسكين، كما قال:
بنا تميمًا يكشف الضباب
وفيه معنى الترحم، كما كان في قوله: "رحمة الله عليه" معنى: ﵀، فيما يترحم به يجوز فيه هذان الوجهان، وهو قول الخليل. انتهى.
وقال السيرافي: الترحم إنما هو رقة وتحنن يلحق الذاكر على المذكور في حال ذكره إياه رقة عليه وتحننًا، وإعرابه ما ذكره، وقوله: كما تقول مبتدئًا: المسكين أنت إلى آخره. هذا أحد وجهي الرفع، والوجه الآخر أن تجعل المسكين ابتداء، وخبره مررت به، وقوله: وإن شئت مررت به المسكين؛ فتنصب .. إلى آخره. يريد: أن نصبه المسكين بإضمار شيء من ألفاظ الرحمة له، كأنه قال: ارحم المسكين. وما أشبهه. كما أن قوله "بنا تميمًا" ينصب "تميمًا" بإضمار شيء يوجب الاختصاص والفخر. انتهى.
قال ابن خلف: الشاهد فيه: نصب البائس بإضمار فعل على معنى الترحم، وهو فعل لا يظهر، قال أبو الحسن: وذلك أن تنصبه على البدل من الهاء في "لا تلمه"
[ ٦ / ٣٥٢ ]
وفي الجميع معنى الترحم؛ لأن البائس والمسكين ونحوهما كثر استعمالها في الترحم كما قال الآخر:
لنا يوم وللكروان يوم تطير البائسات ولا نطير
فنصب البائسات على الترحم، بإضمار أعني، ومعنى الترحم في أعني أوضح منه في البدل، لأنك في البدل تجعله على فعل ليس فيه تنبيه عليه، وفي "أعني" تحمله على فعل لم تقصد به غير تعيينه، وهو أبلغ، قال: والمكنس: الموضع الذي يكون فيه الظبي وقد كنس، فاستعاره للإبل: وصف إبلًا بركت بعد الشبع، فنام راعيها، لأنه غير محتاج إلى رعيها. وقرقري، بقافين: موضع مخصب باليمامة، والبائس: الفقير المحتاج. انتهى. وقال كذا الأعلم.
وهذا أحد الأبيات الخمسين التي استشهد بها سيبويه ولم يعرف قائلها والله أعلم. ولا تلمه: مضارع "لامه" على كذا من باب قال: عذله عليه، وأن ينام في تأويل مصدر مجرور بعلى المقدرة، وتتعلق بقوله: لا تلمه، وفاعل ينام: ضمير مستتر عائد على ما عاد عليه الهاء، وهو الراعي. وهذا البيت من تمام الرجز أو بيتان من مشطورة.
[ ٦ / ٣٥٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والتسعون بعد الستمائة:
(٦٩٤) لقد أذهلتني أم عمرو بكلمة أتصبر يوم البين أم لست تصبر
وأذهلتني: شغلتي عن النظر في أمري بما ألقته إلى من قولها ذلك، لإشعاره بوقوع التفرقة وتشتيت الشمل، ولأنه في الظاهر كلام من لم يعتقد من محب صدق دعواه، إذ هو يقتضي صدق الصبر والتسليم والانقياد. وسمي الكلام الاستفهامي كلمة لإِطلاق الكلمة على الكلام، وفي الحديث "أصدق كلمة قالها لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل"
وأنشد بعده:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا
تمامه:
وإلا فكن في السر والجهر مسلما
وتقدم اكلام عليه في الإنشاد السبعين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والتسعون بعد الستمائة:
(٦٩٥) رويد بني شيبان بعض وعيدكم تلاقوا غدًا خيلي علىا سفوان
تلاقوا جيادًا لا تحيد عن الوغا إذا ما غدت في المأزق المتداني
[ ٧ / ٣ ]
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم على ما جنت فيهم يد الحدثان
قال ابن جني في "المحتسب" قرأ ابن مسعود ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ [البقرة: ٢٨٤] جزم بغير وفاء، وجزم هذا على البدل من "يحاسبكم" على وجه التفصيل لجملة الحساب، ولا محالة أن التفصيل أوضح من المفصل، فجرى مجرى بدل البعض أو الاشتمال، والبعض: كضربت زيدًا رأسه، والاستمال: كأحب زيدًا عقله، وهذا البدل ونحوه واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان، فمن ذلك قول الله سبحانه: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: ٦٨ و٦٩] لأن مضاعفة العذاب هو لقى الآثام، وعليه قوله: رويد بن شيبان بعض وعيدكم . . . . . إلى آخر الأبيات الثلاثة.
فأبدل "تلاقوا جيادًا" من قوله: "تلاقوا غدًا خيلي" وجاز إبداله منه للبيان، وإن كان من لفظه، وعلى مثاله لما اتصل بالثاني من قوله: "جيادًا لا تحيد عن الوغا" وأبدل "تلاقوهم" من "تلاقوا جيادًا" لما اتصل به من المعطوف عليه، وهو قوله: "فتعلموا كيف صبرهم" وإذا حصلت فائدة البيان لم تبل أمن نفس المبدل كانت، أم مما اتصل به فضله عليه، أم من معطوف مضموم إليه، فإن أكثر الفوائد إنما تجتنى من الإلحاق والفضلات، وما أكثر ما تصلح الجمل وتتممها! ولولا مكانها لوهت ولم تستمسك، ألا تراك لو قلت: زيد قامت هند. لم تتم الجملة! فلو وصلت بها فضلة ما لتمت، وذلك كأن تقول: زيد قامت هند في داره، أو: معه أو بسببه، أو لتكرمه، أو فاكرمته أو نحو ذلك، فصحت المسألة لعود
[ ٧ / ٤ ]
الضمير على المبتدأ من الجملة. هذا كلامه. ولله دره في اتساق كلامه كعقود الجمان مع بيان ليس فوقه تبيان!
وقال أيضًا في "إعراب الحماسة": وأما قوله: "تلاقوا جيادًا" فبدل من قوله: "تلاقوا غدًا خيلي"، والأفعال قد تبدل بعضها من بعض، تقول: إن تقصدني تزرني أحسن إليك، وتقول: إن تزرني أحسن إليك أعطك، فتبدل "أعطك" من "أحسن إليك" قال تعالى: (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) [الفرقان: ٦٨ و٦٩] وعلى هذا لا يحسن أن تقول: "إن تزرني أعطك ألفًا أحسن إليك"، وذلك أن إعطاءك إياه ألفًا أوضح في البيان من "أحسن إليك" لأن الإحسان قد يكون عطية وغيرها، وإنما يبدل الأعراف من الأنكر لما فيه من البيان، ولا يبدل الأعم من الأخص، لأنه بضد ما وضع الأمر عليه، ولهذا عدل سيبويه في قول الشاعر:
اعتاد قلبك من سلمى عوائده وهاج أهواءك المكنونة الطلل
ربع قواء أذاع المعصرات به وكل حيران سار ماؤه خضل
عن أن يجعل "ربع" بدلًا من "طلل" لأنه أكثر منه، وإنما يبدل الأقل من الأكثر للبيان، ل الأكثر من الأقل، ثم أبدل من بعد "تلاقوهم" من "تلاقوا جيادًا" المبدل من "تلاقوا غدًا خيلي"، وساغ ذلك لما في قوله: تلاقوهم، فتعرفوا كيف صبرهم على كذا. وجاز أن يبدل الثالث من الثاني لما معه من ذكر الصبر المفخور به، وهذا يدلك على فوة اتصال المعطوف بالمعطوف عليه، وذلك أن الفائدة إنما هي في ذكر الصبر، لا في مجرد تلاقوهم، ونحو من هذا قول كثير:
وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبد وتارات يجم فيغرق
[ ٧ / ٥ ]
فالعائد على الإنسان إنما هو من " يبدو" لا من "يحسر" ويكفيك من هذا أن العطف نظير التثنية، وحسبك بها اتصالًا وامتزاجًا. انتهى كلامه.
وفي هذا من الفوائد ما ليس في كلامه الأول.
وفي هذا الشعر من أبيات ستة لو دالك بن ثميل المازني أوردها أبو تمام في أوائل "الحماسة" وبعد البيت الثاني:
عليها الكماة الغر من آل مازن ليوث طعان عند كل طعان
تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم . . . . . البيت
مقاديم وصالون في الروع خطوهم بكل رقيق الشفرتين يمان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لآية حرب أم لأي مكان
وقوله: رويد بني شيبان، قال الخطيب التبريزي في شرحه؛ ويروى: "رويدًا بني شيبان" وهو الأكثر، ورويدًا تصغير إرواد مرخمًا، وانتصابه بفعل مضمر دل عليه لفظه، وأكثر ما يجيء تصغير الترخيم في الأعلام، ورويدًا اسم ل "أرفق"، فيبني كما يبني أسماء الأفعال، وانتصب: "بعض وعيدكم" بفعل مضمر دل عليه رويد، فكأنه لما قال: أرودوا يا بني شيبان، قال: كفوا بعض الوعيد، وهذا تهكم، وتلاقوا: مجزوم على أنه جواب الأمر الذي دل عليه رويد، وقوله: "غدًا" لم يرد به اليوم الذي هو غد يومه، وإنما دل به على تقريب الأمر، كأنه قال: تلاقوا خيلي قريبًا على سفوان، وهو ماء على أميال من البصرة، وكان بنو شيبان توعدوا تميمًا، وتنزعم أن سفوان لهم، وأرادوا إجلاء بني مازن عنه ومن كان معهم من بني تميم.
وقوله: "تلاقوا جياًا": بدل من قوله الأول، ونبّه بهذا على أنَّ المراد بالخيل الفرسان، ويجوز أن يكون أراد بالخيل الدواب ووصفها بأنها لا تجبن في الوغا لدوام ممارستها، ثم خبَّر عن أصحابها بقوله: تلاقوهم، والوغا (بالغين معجمة و)
[ ٧ / ٦ ]
بالعين غير منقوطة. أصله الجلبة والأصوات، ثم سميت الحرب به، والمأزق: المضيق، وأصله من الأزق، وهو الضيق في الحرب، [فهو مفعل منه].
وقوله: فتعرفوا، أي: من بلائهم ما يستدل به على حسن صبرهم على ما جنت، أي: على جناية، وموضعه نصب على الحال، والعامل فيه "تعرفوا" ويد الحدثان: مثل [أراد الحوادث]، وليس للحدثان يد، إنما استعار ذلك، لأن أكثر الجناية باليد تكون، ورقيق الشقرتين، أي: الحدين، وأصل الشفر: القطع، وسمي الحرف من كل شيء شفرًا، لأنه كالمقصود منه، والاستنجاد: الاستنصار، يقول: هؤلاء لحرصهم على الحرب إذا استنصرهم صارخ، ودعاهم إلى الحرب؛ لم يطلبوا علة يتأخرون بها. هذا آخر كلام الخطيب.
وقال ابن جني: قوله: على ما جنت فيهم يد الحدثان. يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون "على" متصلة بنفس الصبر، ومعمولة له، كقولك: عجبت من صبرك على الضرب! والآخر أن يكون بمنزلة مع، كقول الأعشى:
وأصفدني على الزمانة قائدا
أي: مع أنا فيه من الزمانة، فتكون متعلقة بنفس كيف، كقولك: كيف [هو] زيد، على ما [هو] فيه من المعرفة والفضل، ويجوز أيضًا مع هذا المعنى أن تكون متعلقة بنفس الصبر، لا على قولك صبرت على كذا، ولكن كقولك: صبرت مع أنا فيه من الشدة والبؤس، أي: صبرت على ما هذه الحال، أي: وأنا في هذه الحال، فاعرف ذلك فرقًا بين العوين. انتهى.
[ ٧ / ٧ ]
وقال أيضًا في رويد: من رواه: "رويد يني" بغير تنوين، فهو اسم سمي به الفعل، بمنزلة عندك، ودونك، وصه، ومه، وإيه، وهلم. ومن رواه منونًا: [فهو] منصوب عنده على المصدر، أي: أرود إروادًا، غير أنه حقر تحقير الترخيم بحذف زيادته، وفي هذا رد على الفراء في قوله: إنه لا يحقر الاسم تحقير الترخيم إلا في الأعلام نحو قولهم: أسود سويد، وفي أزهر زهير، ولا أدفع أن يكون [ذلك] في الأعلام أقيس منه في الأجناس من حيث كانت العلمية فيه دالة على المحذوف، فأما أنه لا يجوز إلا في الأعلام فلا. ألا ترى قولهم في تحقير أكمت وكتماء: كميت، وقولهم قفي السكت: سكيت. وبني شيبان منصوب على نداء المضاف [البتة] في القولين جميعًا، كقولك مع التنوين: رفقًا [يا] بني شيبان، فكذلك حاله إذا بناه، وجعله اسمًا للفعل في الأمر، كأنه قال: رويدكم يا بني شيبان [أي: انتظروا الأمر يابني شيبان]. فإن قلت: فهلا تجيز أن يكون "بني شيبان" مع كون رويد اسمًا للفعل مجرورًا بإضافة رويد [هذه لاسم المبني] إليه، كما تقول في الكاف والميم من رويدكم: إنها اسم مجرور بإضافة هذا السم المبني إليه! ويستدل على أنها اسم لا حرف خطاب بما حكاه سيبويه عنهم من قولهم: رويدكم أجمعين وأجمعون، وأجمعين توكيد للكاف والميم، وأجمعون توكيد للضمير المرفوع فيه؟ فالجواب: أن ذلك لا يجوز هنا من قبل أن هذه الأسماء المسمى بها الأفعال لا يؤمر بها الغائب، وإنما هي موضوعة لأمر الحاضر تقول: عليك زيداُ، ولا يجوز: عليه زيدًا، لأن الغائب لا يتمكن في الأمر تمكن الحاضر فيه، لأنك حينئذٍ تحتاج إلى فعلين: أحدهما للغائب، والآخر للحاضر، ليؤديه عنك الغائب، فيكثر الإضمار فيجتنب لما فيه من كثرة الاتساع. انتهى كلامه.
وسفوان، بفتح السين والفاء، قا ياقوت في "معجم البلدان": كأنه فعلان من سفت الريح التراب، وأصضله الياء، إلا أنه هكذا تكلموا به، قال أبو منصور:
[ ٧ / ٨ ]
سفوان: ماء على قدر مرحلة من باب المربد من البصرة، وبه ماء كثير السافي، وهو التراب. انتهى.
وقال البكري: سفوان: ما بين ديار بني شيبان، وديار بني مازن، على أربعة أميال من البصرة عند جبل سنام، ومكان سفوان من البصرة، كمكان القادسية من الكوفة، وقال الشرقي بن القطامي: التقت عليه القبيلتان، فتنازعتا فيه، فاقتلوا قتالًا شديدًا، فظهرت بنو تميم، وشلوا بني شيبان [حتى وردوا المحدثة]، فقال ودال المازني:
رويد بني شيبان بعض وعيدكم . . . . . البيت، انتهى.
وفي "العقد الفريد" لابن عبد ربه، يوم سفوان، قال أبو عبيد: التقت بنو مازن وبنو شيبان على ماءٍ يقال له سفوان، فزعمت بنو شيبان أنه لهم، وأرادوا أن يجلوا تميمًا عنه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فظهر عليهم بنو تميم، فأجلوهم عنه، وكانوا يتوعدون بني مازن قبل ذلك، فقال في ذلك الوداك، وأنشد الأبيات. انتهى.
ووداك بن ثميل المازني، وهو مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، شاعر إسلامي في الدولة المروانية، وهو بفتح الواو وتشديد الدال وآخره كاف، وثميل بضم المثلثة. قال الخطيب التبريزي: وقيل: هو وداك بن سنان، مثل وداك: فعال، من الودك، وهو الدسم، وأصله الصفة، وثميل: تصغير ثمل أو ثامل، على الترخيم، ويقال فيه أيضًا: نميل بالنون.
[ ٧ / ٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والتسعون بعد الستمائة:
(٦٩٦) يا زيد زيد اليعملات الذبل
وبعده:
تطاول الليل هديت فانزل
وزيد الأول فيه وجهان بناؤه على الضم، ونصبه، وزيد لاثاني منصوب لا غير، وعلى ضم الأول، فزيد الثاني بدل من الأول، أو عطف بيان له، واليعملات، جمع اليعمله، بفتح الياء والميم: الناقة المطبوعة على العمل، وقيل: القوية عليه، وكذلك الجمل. قال صاحب "القاموس": ولا يوصف بهما، إنما هما أسماؤه، والذبل: جمع ذابل: وهي الضامرة من طول السفر، وأضاف زيدًا إلى اليعملات لحسن قيامه عليها، ومعرفته بحدائها. وقوله: تطاول الليل، أي: انزل عن راحلتك، واحد الإبل، فإن الليل قد طال، وحدث للإبل الكلال، فنشطها بالحداء، وأزل عنها الأعياء. وجملة"هديت" دعاء بدوام الهداية. وهذا الشعر لعبد الله بن رواحة الأنصاري، ﵁، قال في غزوة "مؤته" وهي بأدنى البلقاء، من أرض الشام، وكانت في جمادى الأولى من سنة ثمان من الهجرة.
قال صاحب "الاستيعاب": ذكر ابن إسحاق أن زيد بن أرقم كان يتيمًا في حجر ابن رواحة، فخرج [به] معه إلى مؤتة يحمله على حقيبة رحله، فسمعه زيد بن أرقم يقول ليلًا:
إذا أدنيتني وحملت رجلي مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي وخلاك ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي
[ ٧ / ١٠ ]
فبكى زيد بن أرقم، فخفقه ابن رواحة بالدرة، وقال: ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبي الرحل! ولزيد بن أرقم يقول ابن رواحة يا زيد زيد زيد اليعملات الذبل . . . . . إلى آخره.
وقيل: بل قال ذلك في غزوة مؤتة في زيد بن حارثة. انتهى. وزيد بن حارثة كان أمير الجيش في هذه الغزوة، وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الثالث والثلاثين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والتسعون بعد الستمائة:
(٦٩٧) يا تيم تيم عدي لا أبا لكم لا يلقينكم في سوءة عمر
لما تقدم قبله، وأضاف تيمًا إلى عدي للتخصيص، واحترز به عن تيم مرة في قريش، وعن تيم غالب بن قهر في قريش أيضًا، وعن تيم قيس بن ثعلبة، وعن تيم شيبان، وعن تيم ضبة. وعدي المذكور أخو تيم، فإنهما ابنا عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر. ومعنى: "لا أبا لكم" الغلظة في الخطاب، وأصله أن ينسب المخاطب إلى غير أب معلوم شتمًا له واحتقارًا له، وقوله: "لا يلقينكم" النهي واقع في اللفظ على عمر وهو في المعنى واقع عليهم، والسوءة، بالفتح: الحالة الشنيعة، أي: امنعوه من هجائي حتى تأمنوا أن ألقاكم في بلية، فأنتم قادرون على كفه، فإذا تركتم نهيه، فكأنكم رضيتم بهجوه إياي.
والبيت من قصيدة لجرير هجا بها عمر بن لجأ التيمي، ولجأ، بفتح اللام والجيم
[ ٧ / ١١ ]
بعدها همزة، وقد بسطنا الكلام عليه في الشاهد الثاني والثلاثين بعد المائة ن شواهد الرضي، وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده:
لقائل يا نصر نصرًا نصرا
قبله:
إني وأسطار سطرن سطرا
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السادس والعشرين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والتسعون بعد الستمائة:
(٦٩٨) من صديق أو أخي ثقة أو عدو شاحط دارا
على ان شاحطًا صفة مشبهة بمعنى بعيد، ودارًا: تمييز محول من الفاعل.
والذي رواه سيبويه وأتباعه: "من حبيب أو أخي ثقة" وأورده سيبويه في باب الصفة المشبهة من أوائل الكتاب قال: واعلم أن كينونة الألف واللام في الاسم الآخر- يعني نحو حسن الوجه- أحسن وأكثر من أن لا يكون فيه الألف واللام، وهذا عربي كما أن التنوين عربي مطرد، وأنشد هذا البيت وغيره.
قال ابن خلف تبعًا للأعلم: الشاهد فيه أنه نون "شاحطًا" ونصب به "دارًا" تشبيهًا بالمفعول به، وأصله شاحطة داره، ثم نقل الفعل إلى ما تقدم ذكره، والشاحط: البعيد. وقوله: "من حبيب" زعموا أنه في صلة "فوجدت العيش" في بيت قبله:
إنني رمت الخطوب فتى فوجدت العيش أطوارا
ليس يغني عيشه أحد لا يلاقي فيه إمعارا
[ ٧ / ١٢ ]
يريد: فوجدت العيش من حبيب، وقيل: لإنه في موضوع الوصف لأحد، كأنه قال: ليس يفني عيشه أحد من الأولياء والأعداء لا يلاقي فيه ما يكرهه. وقوله: رمت الخطوب، أي: رمت معرفة الخطوب، وهي الأحوال المختلفة، يعني: أنه طلب معرفة الأشياء، وبحث عنها وهو حدث، والأطوار: الأحوال المختلفة، يقول: وجدت عيش الإنسان في طول عمره يختلف، فتارة يستغني، وتارة يفتقر، وتارة يصح، وتارة يمرض، وتارة يصيب، وتارة يخطئ، وقوله: ليس يفني عيشه، يريد: أزمان عيشه، والإمعار: الافتقار وتغير الحال. وقوله: "أو أخي ثقة "أي: من صديق حميم يوثق به في الشدة. هذا آخر كلامه.
والجيد أن تكون للبيان، فتكون مع مجرورها في موضع الحال من أحد، ورمت مصدره الروم: وهو الطلب، وفتى، أي شابًا، حال من التاء في "رمت" ويفني: مضارع أفناه، وعيشه: مفعوله مضاف إلى الضمير، وأحد: فاعله، والعيش: مصدر عاش، أي: صار ذا حياة، وجملة "لا يلاقي" إلى آخره، صفة لأحد، والإمعار، بالكسر مصدر أمعر، بالعين المهملة. وهذه الأبيات من قصيدة لعدي بن زيد العبادي، تقدم أبيات من أولها في الإنشاد الخامس بعد الثلاثمائة، ومطلعها:
يا لبينى أوقدي نارا إن من تهوين قد حارا
وعدي هذا جاهلي تقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين. وقال السيوطي وتبعه ابن الملا في شرحه: هو عدي بن زيد بن حارث التيمي، وهذا خلاف الواقع، فإن عديًا هذا عبادي لا تيمي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والتسعون بعد الستمائة:
(٦٩٩) فظل طهاة اللحم من بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل
[ ٧ / ١٣ ]
على أن البغداديين أجازوا إتباع المنصوب بمجرور، قال الفراء في "تفسيره": قوله تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) [الأنعام: ٩٦] الليل في موضع نصب في المعنى، فرد الشمس والقمر على معناه لما فرق بينهما، بقوله: "سكنًا"، فإذا لم يفرق بينهما آثروا الخفض، وقد يجوز أن ينصب وإن لم يحل بينهما بشيء، أنشد بعضهم:
بينا نحن ننظره أتانا معلق وفضة وزناد راعي
وتقول: "أنت آخذ حقك وحق غيرك"، فتضيف في الثاني، وقد نونت في الأول، لأن المعنى في قولك: "أنت ضارب زيدًا وضارب زيد سواء"، وأحسن ذلك أن تحول بينهما بشيءٍ كما قال امرؤ القيس:
فظل طهاة اللحم من بين منضج . . . . . البيت
فنصب الصفيف، وخفض القدير على ما قلت لك. انتهى.
وأبو جعفر النحاس لم يشرط المحرز، فإنه قال في شرح معلقة امرئ القيس: وقد أجاز سيبويه مثله، إنه كان يجوز أن يقال: "من بين منضج صفيف شواء"، فحمل قديرًا على صفيف لو كان مخفوضًا، وشرح هذا: أنك إذا عطفت الثاني عليه، جاز لك أن تعربه بإعراب الأول، وجاز لك أن تعربه بما كان يجوز في الأول، فيقال: هذا ضارب زيد وعمرو، وإن شئت قلت: هذا ضارب زيد وعمرًا، لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: هذا ضارب زيدًا وعمرًا، وإن شئت قلت: هذا ضارب زيدًا وعمرو، لأنه قد كان يجوز لك أن تقول: هذا ضارب زيد وعمرو، فهذا يجيء على مذهب سيبويه. وأنشد:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها
وأبو عثمان المازني، وأبو العباس المبرد، لا يجيزان هذه الرواية، والرواية عندهما: "ولا ناعبًا"، لأنه لا يجوز أن يضمر الخافض، لأنه لا يتصرف وهو
[ ٧ / ١٤ ]
من تمام الاسم، وأما القول في البيت: فإن قديرًا: معطوف على "منضج" بلا ضرورة والتقدير: ومن بين منضج قدير، ثم حذف منضج وأقام قديرًا مقامه في الإعراب كما قال تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢] انتهى كلامه.
وهذا هو التخريج الجيد، وقد اعتمده أبو علي في كتاب "إيضاح الشعر" قال: القول فيه: إنه على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كأنه: من بين منضج، أو متخذ قدير، ألا ترى أن "بين" ههنا تقتضي الإضافة إلى اثنين متجانسين من حيث كان تبيينًا للطهاة، فإذا كان كذلك علمت أنه مثل قوله: سل القرية، وعلمت أيضًا أنه لا حجة فيه لمن أجاز: هذا ضارب زيدًا وعمرو، إذا "القدير" ليس بمعطوف على "الصفيف"، إنما هو معطوف على الاسم المشارك في "بين"، وإنام حذف اسم الفاعل، وأقام المضاف إليه مقامه، لأن "بين" تقتضيه، وفي الكلام دلالة على حذفه من حيث ذكرنا. انتهى كلامه.
وقال أبو حيان في تذكرته: أجاز الكوفيون: "هذا ضارب زيدًا وعمرو" بالخفض محمولًا على زيد، لأنه يكون مخفوضًا، وعلى ذلك حملوا:
"فظل طهاة اللحم البيت" ولا حجة فيه، ولا في الجواز، لأنه يمكن أن يقدر: أو منضج قدير، فحذفه، وجعله بمنزلة المثبت لتقدم ذكره، ولا يبعد عطفه على شواء، وأو بمعنى الواو، وبين تقتضي ذلك. انتهى.
والبيت من معلقة امرئ القيس، وصف كثرة ما صاد بفرسه، فكثر عنده لحم الصيد، والطهاة جمع طاه من الطهو والطهي وهما إنضاج اللحم، والإنضاج يشتمل على طبخ اللحم وشيه، والصفيف: المصفوف على الحجارة لينضج، يقول: ظل المنضجون اللحم وهم صنفان: صنف ينضجون شواء مصفوفًا على الحجارة في النار، وهو المسمى بالكباب، وصنف يطبخون اللحم في القدور، ووصف القدير بمعجل، لأنهم كانوا يستحسنون تعجيل ما كان من الصيد ويستظرفونه. ومن في قوله "من بين" للتفصيل والتفسير نحو: هم من بين عالم وزاهد، أي إنهم لا يعدون هذين الصنفين. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
[ ٧ / ١٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الموفي السبعمائة:
(٧٠٠) إنما الميت من يعيش كئيبًا كاسفًا باله قليل الرخاء
على أن الحال قد يتوقف عليها معنى الكلام، فإن "كئيبًا" حال من ضمير يعيش، فإن الكلام، وهو جملة: "إنما الميت من يعيش" لا يتم معناه بدونها، وهو آخر أبيات ستة لعدي بن الرعلاء الغساني، وتقدم شرح أربعة منها في الإنشاد الثالث عشر بعد المائتين، وقيبل هذا البيت:
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
قال الصاغاني في "العباب": الموت ضد الحياة، وقد مات يموت ويمات أيضًا، وأكثر ما يتكلم بها طيء، وقد تكلم بها سائر العرب، وقال يونس في كتاب اللغات: إن يميت لغة فيها، فهو ميت بالتشديد، وميت بالتخفيف، وقوم موتى وأموات وميتون، وأصل ميت: ميوت، على فيعل، ثم أدغم، ثم يخفف، فيقال: ميت، قال عدي بن الرعلاء الغساني: وأنشد هذين البيتين. لكن رواه: "من يعيش بئيسًا" ثم قال: ويروى "يعيش كئيبًا"، ويستوى فيه المذكر والمؤنث، قال تعالى: (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا) [الفرقان: ٤٩] ولم يقل: ميتة، قال الفراء: يقال لمن لم يمت: إنه مائت عن قليل وميت، ولا يقولون لمن مات: هذا مائت. انتهى كلامه. والبئيس، بفتح الموحدة بعدها همزة مكسورة على وزن فعيل: وهو من اتصف بالبؤس، وهو سوء الحال، وشدة الفقر، والكئيب،
[ ٧ / ١٦ ]
بفتح الكاف بعدها همزة مكسورة: وهو من اتصف بالكآبة، بعد الكاف همزة ممدودة، وهي سوء الحال، والانكسار من الحزن.
وفي "عمدة الحفاظ" للسمين: وكسوف الشمس والقمر استتارهما بعارضٍ في علم الله، ومنهم من خص الكسوف بالشمس، والخسوف بالقمر، ثم استعير ذلك لتغير الوجه [والحال]، فقيل: كسف وجهه وحاله وماله، وأنشد هذين البيتين. وقال شمر: الكسوف في الوجه: صفرة وتغير، وقال أبو زيد: كسف باله، إذا حدثته نفسه الشر، وقيل: كسوف البال: أن يضيق عليه أمله، وفي "العباب" البال: الحال، يقال: فلان كاسف البال، أي: سيء الحال، قال امرؤ القيس:
فأصبحت معشوقًا وأصبح بعلها عليه القتام كاسف الطن والبال
وقال الهواري: البال: الأمل، وكسوف البال: أن يضيق على الإنسان الأمل، وفلان رخي البال: إذا لم يشتد عليها الأمر، ولم يكترث، وفي "المصباح": العيش رخي ورخو: إذا اتسع، فهو رخي على فعيل، والاسم الرخاء، وزيد رخي البال، أي: في نعمة وخصب. ورأيت هذين البيتين في ديوان الحارث بن حلزة صاحب الملعقة، قال جامع ديوانه: هذا ليس له، وهي من أبيات لعدي بن الرعلاء الغساني، وقد ذكرناه في الإنشاد الثالث عشر بعد المائتين. وكاسفًا وقليىً: حالان كالأول، ويجوز أن تكون أحوالًا متداخلة، و"باله": فاعل كاسف.
[ ٧ / ١٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد بعد السبعمائة:
(٧٠١) علي إذا ما زرت ليلى بخفية زيارة بيت الله رجلان حافيا
على أن رجلان وحافيًا حالان متعددتان من فاعل المصدر المحذوف، والأصل: زيارتي بيت الله، فلما حذف الفاعل وهو الياء أضيف المصدر إلى المفعول، ويجوز أن يكون صاحب الحال الياء في "علي" أو ضمير المتكلم في رواية: "نذرت إذا لاقيت ليلى" ويجوز أن يكونا حالين متداخلتين بأن يكون "حافيًا" حال من الضمير المستر في "رجلان".
والبيت من قصيدة طويلة لمجنون ليلى وهو قيس العامري ومطلعها:
بثمدين لاحت نار ليلى وصحبتي قوافل تسري قد سلكن النواحيا
فقال خبير القوم لمعة كوكب بدا في ظلام الليل فردًا يمانيا
فقلت لهم بل نار ليلى توقدت على نثز من حيها فأضاليا
ألا يا أبا ليلى لقيت من العدى كما لقيت روحي وذقت مذاقيا
ألا يا أبا ليلى أراك معلقًا دوين الثريا ثم تترك هاويا
أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها أللشرق أم للغرب كانت صلاتيا
أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا
نذرت إذا لا قيت ليلى بخفية . . . . . البيت
ويروى أيضًا:
نذرت إذا ما جئت ليلى بخفية
ومنها هذا البيت المشهور:
على أني راضٍ بأن أحمل الهوى وأخلص منه لا علي ولا ليا
[ ٧ / ١٨ ]
وهي قصيدة غرامية. وثمدين بصيغة المثنى: موضع، ورجلان، بفتح الراء: صفة مشبهة بمعنى ماشٍ.
قال صاحب "المصباح" ورجل رجلًا، من باب تعب: قوي على المشي، ويطلق الرجل، أي: بفتح الراء وضم الجيم، على الراجل، وهو خلاف الفارس، وجمه الراجل: رجل، كصاحب وصحب، ورجالة ورجال أيضًا. انتهى.
وفي "العباب": الرجل: خلاف الفارس، والجمع رجل، قال تعالى: (وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) [الإسراء: ٦٤] ورجالة ورجال، قال تعالى: (فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) [البقرة: ٢٣٩] ورجلة، قال أبو عمرو: وليس في كلامهم فعلة جاءت جمعًا غير رجلة، جمع راجل، وكمأة جمع كمءٍ، والرجلان أيضًا: الراجل، والجمع رجلي ورجال، مثل عجلان وعجلى وعجال. انتهى.
والحافي: غير المنتعل، وهو اسم فاعل من حفي زيد يحفي، من باب تعب، حفاء، مثل سلام: مشى بغير نعل ولا خف، فهو حاف، والجمع: حفاة، كقاض وقضاة، والحفاء، بالكسر والمد اسم منه، وحفي من كثرة المشي حتى رقت قدمه حفى فهو حفٍ، من باب تعب، كذا في "المصباح".
وإنما اشترط الزيارة بالخفية ليظهر لها ما يجده على حسب مراده، وليتمكن من الكلام معها بخلاف ما إذا جاءها وعندها أحد، فلا يتمكن من ذلك، وأراد بالخفية: الخلوة، وبها رواه السيد في الحالة المقتضية لتقيد الفعل بالشروط المختلفة من "شرح المفتاح" وقال: وقد صحف جماعة، رجلان، برجلاي، وبنوا عليه خرافات في إعراب البيت حتى قال قائلهم" رجلاي فاعل زيارة، وحافيًا حال من ضمير
[ ٧ / ١٩ ]
المتكلم في رجلاي، لأنه في معنى: زيارتي بيت الله حافيًا، وأنت خبير بأن نسبة زيارة بيت الله إلى الرجل ركيكة جدًا، وبأن الحافي إذا لم يكن راجلًا لم يكن له مشقة عظيمة، وقد ذكر هذا المصحف بمحضر جمع من أدباء الشام، فاتخذوه أضحوكة يتلهى بها. انتهى. وكتب في مناهيه: هذا التصحيف إنما وقع في أهل خراسان ومن يليهم دون عراق العرب والشام، والعاقل إذا تأمل ما قررناه من المعنى، لم يبق له شبهة في أنهم وقعوا في تصحيفهم في حيرة وركاكة في توجيه إعراب البيت، وكتب بعد هذا: تظهر لك هذه الركاكة إذا نظرت إلى لطافة قوله:
ولو قدرت على الإتيان زرتكم سحبًا على الوجه لا مشيًا على الرأس
وكتب بعد هذا: فلا شك أن مقصود الشاعر المشقة العظيمة. انتهى.
وترجمة مجنون ليلى تقدمت في الإنشاد السابع عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني بعد السبعمائة:
(٧٠٢) نجوت وهذا تحملين طليق
وصدره:
عدس ما لعباد عليك إمارة
على ان الحال يجوز تقدمها على عاملها بشرطه كما هنا، فإن جملة "تحملين" حال من ضمير طليق، وطليق: وصف من فعل متصرف، وهذا مذهب البصريين،
[ ٧ / ٢٠ ]
وأما الكوفيون، فيقولون: هذا اسم موصول، وجملة "تحملين" صلة، وحذف العائد، لكونه ضمير نصب، أي: والذي تحملينه طليق.
والبيت أول أبيات ثمانية ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري البصري، ذكره الجكحي في الطبقة السابعة من شعراء الإسلام، ولقب جده مفرغًا، لأنه راهن على شرب سقاء لبن، فشربه حتى فرغه، فسمي مفرغًا، وكان يزيد هجاءً، فهجا عباد بن زياد بن سمية، وهو والي خراسان، وشاع هجوه الكثير بين الناس، فظفر به، فسجنه، وأراد قتله، فشفع في هقومه عند معاوية، فشفعهم، وبعث بريدًا يقال له خمخام إلى البصرة، فأخرجه من الحبس قبل أن يشعر به عباد، فلما قدمت إليه بغلة، نفرت، فخاطبها بقوله:
عدس ما لعباد عليك إمارة . . . . . البيت
وعدس: فيه أقوال كثيرة، أشهرها: كونه كلمة زجر للبغل.
وعباد هذا: هو أخو عبيد الله بن زياد، الذي قاتل الحسين بن علي، ﵁، في كربلاء، والإمارة: الحكومة، وطليق: مطلق، وقد شرحنا هذه الأبيات، وذكرنا سبب هجوه إياه مع ترجمة يزيد، وبسطنا الكلام عليها في الشاهد الثامن والعشرين بعد الأربعمائة، وفي الشاهد الثالث بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث بعد السبعمائة:
(٧٠٣) رددت بمثل السيد نهد مقلص كميش إذا عطفاه ماء تحلبا
[ ٧ / ٢١ ]
على أن ابن مالك استدل به على جواز تقدم التمييز على عامله المتصرف كالحال، فإن "ماء" تمييز، وعامله "تحلب"، وحكم عليه المصنف بالسهو، وقد بينه. وابن مالك في هذا التجويز تابع لابن الشجري، فإنه جوز أن يكون التمييز منصوبًا ب "تحلب" مع كون عطفاه فاعلًا بفعل محذوف يفسره المذكور. وقد اورد هذا، البيت في المجلس الخامس من "أماليه" وقال: إن احتج محتج لمن أجاز "عرقًا تصبب" فالدافع له أن يقول: إن العامل في الماء هو الرافع للعطفين من حيث كان التقدير: إذا تحلب عطفاه ماء، فإن قيل: لم نجد اسمين معًا مرفوعًا ومنصوبًا عمل فيهما فعل مضمر! قيل: بلى، قال سيبويه في "باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره": من ذلك قول العرب: أما أنت منطلقًا انطلقت معك، أي: لأن كنت منطلقًا انطلقت معك، وهذا الذي ذكره من مجيء اسمين مرفوع ومنصوب مضمر، وإن لم يكثر، فإنه قد ورد، ولو زعم زاعم أن "عطفاه" رفع بالفعل المضر، وأن "ماء" منتصب بقوله: "تحلبًا" على قول من روى:
وما كان نفسًا بالفرق تطيب
لم يبعد قوله. انتهى كلامه باختصار.
والبيت من قصيدة لربيعة بن مقروم الضبي، عدتها خمسة وعشرون بيتًا وهي مسطورة في "المفضليات" ومطلعها:
تذكرت والذكرى تهيجك زينبا وأصبح باقي وصلها قد تقضبا
وحل بفلج فالأباتر أهلها وشطت فحلت عمرة فمثقبا
[ ٧ / ٢٢ ]
فإما تريني قد تركت لجاجي وأصبحت مبيض العذارين أشيبا
فيارب خصم قد كففت دفاعه وقومت منه درأه فتنكبا
ومولى على ضنك المقام نصرته إذا النكس أكبى زنده فتذبذبا
وأضياف ليل في شمال عرية قريت من الكوم السديف المرعبا
وواردة كأنها عصب القطا تثير عجابًا بالسنابك أصهبا
وزعمت بمثل السيد نهد مقلص البيت
قوله: تذكرت: خطاب لنفسه، وهاجه الشيء: أثاره، يتعدى لمفعول واحد وهنا قد تعدى إلى مفعولين في الظاهر، وليس بمذكور في كتب اللغة، وفاعل تهيجك: ضمير الذكرى، والكاف مفعول تهيج على حذف مضاف، أي: تهيج شوقك لزينب، أو من أجل زينب، فزينب منصوب بنزع الخافض، وتقضب، بالقاف والضاد المعجمة، أي: تقطع، ولم يكتب ابن الأنباري لشرح هذا البيت شيئًا.
وقوله: "وحل بفلج .. إلى آخره" فلج، بفتح الفاء وسكون اللام بعدها جيم: موضع، والأباتر: بضم الهمزة بعدها موحدة، وبعد الألف مثناة فوقية: موضع أيضًا، وشطت: بعدت، وحلت: نزلت، وعمرة، بفتح العين المهملة وسكون الميم: موضع أيضًا، ومثقب: بضم الميم بعدها ثاء مثلثة، وفتح القاف المشددة، موضع أيضًا.
وقوله: "فإما تريني .. إلى آخره" أصله: "إن ما" وإن شرطية، وما زائدة، واللجاجة: اللج والعناد، وقوله: "فيارب خصم" الفاء في جواب إن، و"يا" للتنبيه، ورب: للتثكير، والدفاع: المافعة، وقومت: عدلت، والدرء: المخالفة والمدافعة، وتدار أالقوم في الأمر: تدافعوا واختلفوا، وتنكب عن الشيء: عدل عنه.
وقوله: "ومولى على ضنك .. إلى آخره" قال ابن الأنباري في شرحه: قال الضبي: المولى هنا الولي، والضنك: الضيق، أي: نصرته على ضيق من الأمر
[ ٧ / ٢٣ ]
وشدة حتى دفعت عن الظلم، والنكس، بكسر النون: الردئ من الرجال، وأكبى زنده: لم يأت بنارٍ، يريد: أنه لم يكن عنده نصرة، فتذبذب: لم يثبت على شيء.
وقوله: وأضياف ليل، بالجر، معطوف على مجرور رب، كالبيت قبله. قال ابن الأنباري: يريد أنه: قرى ضيفانه في ليلة باردة، والسديف: شطب السنام، والمرعب: بالراء والعين المهملتين: المقطع، والكوم: جمع كوماء: وهي العظيمة السنام.
وقوله: "وواردة كأنها .. إلى آخره"، وهذا أيضًا، معطوف على مجرور رب، وغفل السيوطي، فجعل الواو العاطفة واو رب. قال ابن الأنباري: الواردة: قطع من الخيل، وعصب القطا: جماعاتها، الواحدة عصبة، شبه الخيل في سرعتها بالقطا في سرعته، وقال غير الضبي: العصب: جمع عصبة، وهي العشرة عددًا من كل شيء، وأصهب: يعني الغبار في لونه.
وقوله: "وزعت بمثل السيد .. إلى آخره" هذا جواب رب، قال ابن الأنباري: وزعت: كففت، وفي الحديث: "لابد للناس من وزعة" أي: كففة يكفونهم، والسيد: الذئب، والنهد: الضخم، والمراكل: جمع مركل كجعفر: موضع عقبي الفارس من جنبي الفرس، يصف انتفاخ ذلك الموضع، والمقلص، بكسر اللام المشددة: الطويل القوائم، وكميش، بفتح الكاف وكسر الميم: الجاد في عدوه، منكمش: مسرع، ويروي: جهير، بفتح الجيم: الشديد الجري، وعطفاه: جانباه، شبه فرسه بالذئب في سرعته وتحلب عرقه من شدة الجري، فقطر عرقه كالماء القاطر.
قال ابن الأنباري: ربيعة بن مقروم: ينتهي نسبه إلى ضبة بن أد، وكان ممن أصفق عليه كسرى، ثم عاش في الإسلام، وهو مسلم، وشهد القادسية. انتهى. وتقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع والستين بعد المائتين.
[ ٧ / ٢٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع بعد السبعمائة:
(٧٠٤) إذا المرء عينا قر بالعيش مثريًا ولم يعن بالإحسان كان مذمما
لما تقدم قبله، وقررت عينه: سكنت، فلم تطمح بالنظر إلى من فوقه، ومثريًا: حال من المرء، من أثرى الرجل: إذا كثر ماله، ويعن: من عني بالأمر، بالبناء للمفعول: إذا اهتم به، والمذمم: ضد الممدوح. والبيت لحسان بن ثابت الصحابي الأنصاري.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس بعد السبعمائة:
(٧٠٥) وما ارعويت وشيبًا رأسي اشتعلا
على أن تقدم التمييز على ضرورة، ولم يذكر ابن عصفور في كتاب "الضرائر" وإنما ذكر الفصل بين الأعداد والتمييز كقوله:
على أنني بعد ما قد مضى ثلاثون للهجر حولا كميلا
أي: ثلاثون حولا كميلًا للهجر.
وقال ابن الأنباري قفي "مسائل الخلاف" ذهب بعض الكوفيين إلى جواز تقدم التمييز على عامله إذا كان فعلًا متصرفًا، ووافقهم على ذلك المازني، والمبرد من البصريين، وذكر حجج الفريقين من الجواز والمنع، ورد دليل المجيز بأنه نادر، إنما جاء في الشعر.
[ ٧ / ٢٥ ]
والحزم: ضبط الأمر، والأخذ بالثقة، والارعواء: الرجوع عن فعل القبيح، واشتعال شيب الرأس: عبارة عن انتشار الشيب في الرأس.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس بعد السبعمائة":
(٧٠٦) أنفسًا تطيب بنيل المنى وداعي المنون ينادي جهارا
لما تقدم قبله، ونيل: مصدر نال الشيء: إذا أصابه، وظفر به، والمنى: جمع منية، بالضم: وهي ما يتمناه الإنسان، والمنون، بفتح الميم: الموت، مأخوذ من المن: وهو المقطع، وسمي الموت منونًا، لأنها تقطع المدد، وتنقص العدد. قال القراء: المنون مؤنثة، وتكون واحدة وجمعًا، وجملة: "وداعي المنون .. " إلى آخره: حالية، والاستفهام لإنكار التوبيخي، ومفعول ينادي: محذوف، والتقدير: يناديك، أو ينادي كل حيٍ، ومثل تقدم التمييز في البيتين قول أعشى همدان:
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها وما كان نفسًا بالفراق تطيب
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع بعد السبعمائة:
(٧٠٧) يا حبذا المال مبذولًا بلا سرفٍ
تمامه:
في أوجه البر إسرارًا وإعلانًا
على ان مبذولًا حال لا تمييز، قال ابن مالك في شرح "العمدة": وتنفرد "حبذا" من "نعم" بدخول "يا" عليها، وبكثرة وقوع تمييز أو حال قبل مخصوص "حبذا" وبعده، فوقوع التمييز قبل المخصوص كقول الشاعر:
[ ٧ / ٢٦ ]
ألا حبذا قوما سليم فإنهم وفوا إذا تواصلوا بالإعانة والنصر
ووقوعه بعد المخصوص كقوله:
حبذا الصبر شيمة لامرئ را م مباراة مولع بالمعاني
ووقوع الحال قبل المخصوص، كقول الراجز:
يا حبذا مرجوًا المثري السخي من يرجه فعيشه العيش الرخي
ووقوعها بعد المخصوص، كقول الشاعر:
يا حبذا المال مبذولًا بلا سرفٍ . . . . . البيت.
وقال ناظر الجيش في "شرح التسهيل": وقد يقع موقع التمييز حال كقولك: حبذا زيد قاصدًا ومقصودًا، ولا حبذا عمرو صادرًا ولا واردًا، ومنه قول الشاعر: يا حبذا المال مبذوللًا بلا سرفٍ . . . . .
والتزم بعض المتأخرين كون المنصوب بعده تمييزا، وليس ملتزمًا، لأن الحال قد أغنت عنه في النظم والنثر. انتهى.
والسرف بفتحيتين: اسم للإسراف، مصدر إسراف: إذا جاوز الاعتدال، والبر، بالكسر: الخير، والإسراء: مصدر أسر، أي: أخفى وكتم، والإعلان: مصدر أعلن، أي: أظهر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن بعد السبعمائة:
(٧٠٨) تزود مثل زاد أبيك فينا فنعم الزاد زاد أبيك زادا
[ ٧ / ٢٧ ]
على أن الصحيح: أن زادًا ليس بتمييز، بل أحد ما ذكره؛ وهذا التصحيح لابن يعيش. قال في "شرح المفصل": اختلف الأئمة في هذه المسألة فمنع سيبويه [ذلك وأنه لا يقال: "نعم الرجل رجلًا زيد"]، و[كذلك] السيرافي، وابن السراج وأجازه المبرد، وأبو على، واحتج [في ذلك] سيبويه بأن المقصود من المنصوب والمرفوع الدلالة على الجنس وأحدهما كافٍ على الآخر وأيضًا، فإن ذلك ربما أوهم بأن الفعل الواحد له فاعلان، وذلك إن رفعت اسم الجنس، فإنه فاعل، وإذا نصبت النكرة بع ذلك آذنت بأن الفعل فيه ضمير فاعل، لأن النكرة المنصوبة لا تأتي إلا كذلك، وحجة المبرد في الجواز الغلو في البيان والتأكيد، والأول أظهر، وأما بيت جرير وهو:
تزود مثل زاد أبيك فينا البيت
فإن المبرد أنشده شاهدًا على جواز ذلك، [فإنه رفع الزاد المعرف بالألف واللام بأنه فاعل نعم وزاد أبيك هو المخصوص بالمدح وزادًا تمييز وتفسير]، فالقول عليه أإنا لا نسلم أن زادا منصوب بنعم، وإنما هو مفعول به بتزويد، والتقدير: تزود زادًا مثل زاد أبيك فينا، فلما قدم صفته عليه نصبها على الحال، ويجوز أن يكون مصدرًا مؤكدًا محذوف الزوائد، والتقدير: تزود مثل زاد أبيك فينا تزودًا. ويجوز أن يكون تمييزًا لمثل، كما يقال: ما رأيت مثله رجلًا، وعلى تقدير أن يكون العامل فيه "نعم" فإن ذلك من ضرورة الشعر، لا يجعل قياسًا. وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الرابع والستين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
والبيت من قصيدة لجرير في مدح عمر بن عبد العزيز، تقدم أبيات منها في الإنشاد السادس عشر من أوائل هذا الكتاب.
[ ٧ / ٢٨ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع بعد السبعمائة:
(٧٠٩) نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت رد التحية نظقًا أو بإيماء
الفتاة: المرأة الشابة، وفتاة: حال مؤكدة، ونطقًا أصله: بنطق، بدليل قوله: أو بإيماء، فلما حذفت الباء نصب مجرورها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العاشر بعد السبعمائة:
(٧١٠) وقد أغتدي والطير في وكناته
تمامه:
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
على أن جملة: والطير في وكناته حالية من ضمير أغتدي بمعنى أذهب غدوة، والوكنات، بضم الواو والكاف، ويجوز فتحها وتسكن أيضًا؛ جمع وكنة بسكونها، من وكن الطائر يكن وكونًا إذا استقر في وكنته، وهي مقره ليلًا، وهي أيضًا عشه الذي يبيض فيه. وقوله: بمنجرد، أي: بفرس منجرد، وهو القصير الشعر، وهو من صفة الخيل الكريمة، والأوابد جمع آبدة: وهي الوحش، يريد ان هذا الفرس من سرعته يلحق الأوابد، فيصير لها بمنزلة القيد فلا ينجو منها شيء، والهيكل: الطويل الضخم، وقد بسطنا الكلام على هذا البيت في الإنشاد الثالث والخمسين بعد المائتين من هذا الكتاب، وفي الشاهد الخامس والثمانين بعد المائة من الرضي.
[ ٧ / ٢٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الحادي عشر بعد السبعمائة"
(٧١١) قدر أحلك ذا المجاز
هو قطعة من بيت وهو:
قدر أحلك ذا المجاز وقد أرى وأبي مالك ذو المجاز بدار
على أن "قدر" مبتدأ ومسوغه مقدر، تقديره: لا يغالب، وبعده بيت آخر وهو: إلا كداركم بذي بقر الحمى هيهات ذو بقر من المزدار ونسبهما أبو عبيد البكري في "معجم ما استعجم" إلى مؤرخ السلمي، وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، ومؤرخ، بضم الميم وفتح الهمزة وتشديد الراء المكسورة بعدها جيم، والسلمي: نسبة إلى سليم بالتصغير: قبيلة معروفة، والقدر: قضاء الله وحكمه، وأحلك: أنزلك، متعدي حل بالمكان: إذا نزل به، والهمزة للتصبير، أي: صيرك حالًا بذي المجاز، وهو بفتح الميم بعدها جيم وآخره زاي منقوطة، قال ياقوت الحموي في "المشترك وضعًا المختلف صقعًا": ذو المجاز: موضع بسوق عرفة من جهة كبكب عن يمين الإمام على فرسخٍ من عرفة، كانت تقوم فيه بالجاهلية سوق ثمانية أيام، والمجاز: موضع قريب من ينبع والقصيبة. انتهى.
وفي "العباب" للصاغاني: وقال الصمعي: ذو المجاز ماء في أصل كبكي خلف عرفة، وهو لهذيل. انتهى. ورواه ثعلب في "أماليه":
قدر أحلك ذا النخيل وقد أرى وأبي مالك ذو النخيل بدار
[ ٧ / ٣٠ ]
والنخيل: بضم النون وفتح الخاء المعجمة، قال ياقوت في "معجم البلدان" ذو النخيل: موضع قرب مكة بين مغمس وأثبرة، وهو يفرغ في صدر مكة، وذو النخيل أيضًا: موضع دوين حضر موت. وقوله: وأبي، الواو للقسم، والجملة المنفية وهي "مالك ذو المجاز بدار" جواب القسم، وأبي بتشديد الياء، قال المبرد: مفرد ردت لامه في الإضافة إلى الياء، فيكون أصله أبوي، قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، وأبدلت ضمة الموحدة كسرة؛ لئلا تعود الواو. وكلام المبرد، وإن كان موافقًا للقياس إلا أنه لم يقم عليه دليل قاطع، قال الزمخشري في "المفصل" وقد أجاز المبرد أبي وأخي وأنشد:
وأبي مالك ذو المجاز بدار
وصحة محمله على الجمع في قوله: "وفديننا بالأبينا" تدفع ذلك، يريد أن لفظ "أبي" جاء على لفظ الجمع، ولا قرينة تخلصه للأفراد، فحمل على لفظ الجمع، وسقط الاحتجاج به للأفراد، فيكون أصله "أبين" حذفت نونه للإضافة، إلى الياء، وأدغمت الياء في الياء. وقد عزا ثعلب في "أماليه العاشرة" إلى الفراء ما عزاه الزمخشري إلى المبرد، وهذا نصه: الفراء يقول: من أتم "الأب" فقال: هذا أبوك، فأضاف إلى نفسه، قال: هذا أبي، خفيف، قال: والقياس قول العرب هذا أبي فاعلم، وهو الاختيار وأنشد:
فلا وأبي لا آتيك حتى ينسى الواله الصب الحنينا
[ ٧ / ٣١ ]
وقال: أنشد الكسائي ب "رنبويه"- قرية من قرى الجبل- قبل أن يموت:
قدر أحلك ذا النخيل وقد أرى وأبي مالك ذو النخيل بدار
إلا كداركم بذي بقر الحمى هيهات ذو بقرٍ من المزدار انتهى نصه.
وقال الصاغاني: ذو بقر: واد بين أخيلة الحمى، حمى الربذة، قال القحيف العقيلي:
فيا عجبى مني ون طارق الكرى إذا منع العين الرقاد وسهدا
ومن عبرة فاضت شآبيب أن بدا بذي بقر آيات ربع تأبدا
أي: توحش. وقال تميم بن مقبل:
إني رأيتكما يومًا بمنزلة ما قامها الحي واحتلوا بذي بقر
قال ابن الكلبي: سمي ببقر ابن جنادة: احتفره. انتهى. والمزدار: مفتعل، من الزيارة، وهو مصدر ميمي، وأراد بالحمى: حمى الربذة، بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة، وهي قرية كانت في صدر الإسلام عامرة من جهة شرقي المدينة على طريق حاج العراق نحو ثلاثة أيام.
وقد بسطنا الكلام على هذا البيت بأكثر من هذا في الشاهد السابع عشر بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني عشر بعد السبعمائة:
(٧١٢) عندي اصطبار وشكوى عند قاتلتي فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا
[ ٧ / ٣٢ ]
الصبر: حبس النفس عن الجزع، والاصطبار أبلغ منه، وشكوى الإنسان غبره إخباره بسوء فعله، والفعل: شكوته شكاية، والشكوى: اسم مصدر، و"سمع" مفسر لعامل الجار والمجرور والمرفوع، أي: فهل سمع بأعجب من هذا امرؤ! يريد: أن اصطبار المظلوم وشكوى الظالم غريب يتعجب منه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث عشر بعد السبعمائة:
(٧١٣) سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا محياك أخفى ضوؤه كل شارق
سرينا: من السرى، وهو سير الليل، وأضاء: انتشر نوره، ويأتي متعديًا أيضًا، ويقال أيضًا: ضاء، بلا ألف، والمحيا: الوجه، لأنه يحيى عند رؤيته، والشارق: النجم، وكل مضيء، والمراد: ذو الشروق، كتامر ولابن، وبدا: ظهر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع اشر بعد السبعمائة:
(٧١٤) الذئب يطرقها في الدهر واحدة وكل يوم تراني مدية بيدي
على أم مدية مبتدأ، وبيدي: خبر، وصح الابتداء بالنكرة لوقوعها في أول جملة حالية، كقوله في البيت السابق: ونجم قد أضاء.
والبيت ثاني بيت أوردهما أبو تمام في أول الأضياف من "الحماسة" والذي قبله:
تركت ضأني تود الذئب راعيها وأنها لا تراني آخر الأبد
[ ٧ / ٣٣ ]
قال ابن جني في "إعراب الحماسة": قوله: "مدية بيدي" جملة منصوبة الموضع على الحال، أي تراني جاعلًا سكينًا، ويجوز مدية بالنصب على بدل الاستمال من الياء، أي: ترى مدينة بيدي، والباء على الأول مرفوع الموضع، لأنها خبر مدية، وهي متعلقة بمحذوف، وفي الثاني لك أن تجعلها صفة لمدية، فيتعلق أيضًا بمحذوف انتهى. وأراد بالتعليق الربط.
وقال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: وأما من نصب "مدية" فهي مفعول لمحذوف، أي: حاملًا أو آخذًا، أو بدلًا من الياء، وهو ضعيف. انتهى. وكان وجه الضعف أن بدل الاشتمال لابد له من ضمير يعود على المبدل منه، ولا ضمير متصل بمدية يعود على المتكلم، وفيه أن "مدية" وإن لم يتصل بها ضمير، فقد اتصل بصفتها الضمير، وهو كاف.
وقوله: تركت ضأني. الترك: يتعدى إلى مفعولين، أصلهما المبتدأ والخبر، لتضمنه معنى الجعل، وضأني: المفعول الأول، وجملة "تود" المفعول الثاني، والضأن: ذوات الصوف من الغم، الواحدة: ضائنة، قال ابن الأنباري: الضأن مؤنثة، والراعي: حارس الغنم، وسائر المواشي.
قال ابن جني: راعيها: مفعول ثان، ويؤنسك أن ل "وددت" مفعولين، وقوع "أن" بعدها كوقوعها بعد علمت، وهذا لعمري ليس بقاطع، لقولك: ظننت الحديث، وطننت أنك فاعل، لكن في وقوع "أن" بعدها تأنيسًا بتعديها إلى مفعولين، لأنها مما يقع بعد المتعدى إليهما.
وقوله أيضًا هنا "راعيها" معرفة يكاد يوحشك من كونه حالًا، ولا يبعد عندي فيه الحال، وذلك أنه لا يومئ بهذا إلى راع معين، وأنت أيضًا تجد معناه راعيًا [لها]، فلما كان المعنى معنى النكرة [لم يبل فيه بلفظ المعرفة. انتهى.
[ ٧ / ٣٤ ]
"وآخر الأبد" نصب على الظروف يعني إلى آخر الدهر وإنما كانت ضأنه تتمنى أن يكون الذئب راعيًا لها]، وأنها لا ترى صاحبها أبدًا، لأنه شر من الذئب عليها.
والبيت الثاني: اشتئناف بياني كالعلة للمواددة، وقوله: "الذئب يطرقها" الطروق: الإتيان ليلًا، قال الأزهري: الدهر عند العرب يطلق على الزمان، وعلى الفصل من فصول السنة، وأقل من ذلك، ويقع على مدة الدنيا كلها: وسمعت غير واحد من العرب يقول: أقمنا على ماء كذا دهرًا، وهذا المرعى يكفينا دهرًا، وعلمنا دهرًا.
وقوله واحدة. قال الخطيب التبريزي: منصوب على الظروف، أي: مرة واحدة، ويجوز أن يكون صفة لمصدر منصوب، أي: طرقة واحدة، "وكل يوم" ظرف لقوله: تراني، والمدية، بالضم: السكين. قال ابن جني: وأما المدية عندي، فمن لفظ المدى [ومعناه]، والتفاؤهما أنها يقال لها: السكين، وهي فعيل من السكون، وذلك لأنها في غالب الأمر إنما تراد للذبح، وإذا ذبحت الذبيحة سكنت، وبلغ مداها. انتهى. ولم يصرح أحد من شراح "الحماسة" باسم قائل هذين البيتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس عشر بعد السبعمائة:
(٧١٥) عرضنا فلمسنا فسلم كارها علينا وتبريح من الوجد خانقه
[ ٧ / ٣٥ ]
على أن ابن مالك مثل لمثل ما تقدم قبله، ونظر المصنف فيه بأن النكرة موصوفة بالظرف، والبيت من أبيات ثمانية، لعبد الله بن الدمينة، أوردها أبو تمام في باب النسيب من "الحماسة" وهي:
ولما لحقنا بالحمول ودونها خميص الحشاتوهي القميص عواتقه
قليل قذى العينين تعلم أنه هو الموت إن لم تصر، عنا بوائقه
عرضنا فسلمنا فسلم كارهًا . . . . . البيت
فسايرته مقدار ميل وليتني بكرهي له مادام حيًا أرافقه
ولما رأت أن لا وصال وأنه مدى الصرم ممدود عليه سرادقه
رمتني بطرف لو كميًا رمت به لبل نجيعًا نحره وبنائقه
ولمح بعينيها كأن وميضه وميض الحيا تهدى لنجد شقائقه
ورحنا وكل نفسه قد تصعدت إلى النحر حتى ضمها متضائقه
قال التبريزي: يعني بخميص الحشا: قيم المرأة التي شبب بها، والعاتق: موضع نجاد السيف من الكتف، وصفه بقلة اللحم، لأن ذلك مما يمدح به الرجل، يريد أن القميص لا يقع من عاتقه على وطئ، لأن عظامه غير مكسوة باللحم، وأراد بالحمول: الظعائن وأثقالها.
وقوله: "قليل قذى العينين" يصفه بحدة النظر، وأنه ليس بعينيه غمص، فهو أحد لنظره، وإنما يريد مراعاته أهله لشدة الغيرة، فنحن نخاف من صولته، وإن لم تصرف عنا واثقه، واستعمل "تصرى" في معنى تصرف، والبوائق: الدواهي.
وقوله: "عرضنا إلى آخره" يقول: سلمنا عليه وهو كاره لقربه منا ولقربنا منه، إذ كان بغار على نسائه، وانتصب "كارهًا" على الحال، وتبريح: تشديد، وبرح: شدة، وانتصب "مقدار ميل" على الظروف، وأرافقه: خبر ليت.
[ ٧ / ٣٦ ]
وقوله: "وكرهي له" نصب على الحال، والعامل فيه "أرافقه".
وقوله: "أن لا وصال .. إلى آخره"، "أن" مخففة من الثقيلة، ولا: نافية للجنس، وخبره محذوف، أي: بيننا، والجملة: خبر "أن" المخففة، واسمها: ضمير شأن، وكذلك ضمير "أنه" واللمح [النظر] ويستعمل في البرق والبصر، والطرف: النظر هنا، وكأن الرمي بالطرف كان إنكارًا منها، واللمح بالعين: مواعدة بجميل بعد تعذر المطلوب، والومض والوميض: اللمع [وأومضت فلانة بعينيها؛ إذا برقت]، والشقيقة: الرقة؛ إذا استطارت في عرض السحاب وتكشفت أيضًا، كأنه جعلها قاتلة في رميها، محيية بلمحها. انتهى كلام التبريزي.
وقال ابن جني: قوله عرضنا فسلمنا البيت هذا النحو من تسمية الثواب باسم العمل، نحو قوله تعالى: (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) [الشورى: ٤٠] وقوله التغلبي:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فكذلك قوله: فسلمنا فسلم، أي: فسلمنا فرد السلام، والأول في العرف والاستعمال مسلم، والثاني راد، ولو كان في الحقيقة منه السلام، فإن العرف بما ذكرنا جرى. انتهى.
وترجمة ابن الدمينة تقدمت في الإنشاد التاسع والعشرين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس عشر بعد السبعمائة:
(٧١٦) فأقبلت زحفًا على الركبتين فثوب نسيت وثوب أجر
[ ٧ / ٣٧ ]
هذا البيت من قصيدة لامرئ القيس، وقيل: لربيعة بن جعشم النمري، وقد ذكرنا ما يتعلق به في الشاهد الثامن والخمسين من شواهد الرضي، ورواه ابن الأنباري في شرح "المفضليات" كذا:
فلما دنوت تسديتها فثوبا نسيت وثوبا أجر
وقال: تسديته: إذا تخطيت إليه، وقيل: علوته. انتهى. وكذا رواه السكري في شرح ديوان امرئ القيس بنصب "ثوب" على أنه مفعول مقدم، قال: وقال الأصمعي: تسديتها: علوتها وركبتها، ويقال: تسدى فلان فلاناُ: إذا أخذه من فوقه، أي: ذهبت بفؤادي فنسيت ثوبي كما قال:
ومثلك بيضاء العوارض طفلة لعوب تنسيني إذا قمت سربالي
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع عشر بعد السبعمائة:
(٧١٧) وكنت كذي رجلين رجلٍ صحيحيةٍ ورجل رمى فيها الزمان فشلت
على أن قوله رجل في الموضعين بالجر بدل من رجلين، بدل مفصل من مجمل.
والبيت من قصيدة جيدة لكثير عزة أوردناها من رواية أبي على القالي في الإنشاد السابع والعشرين بعد الستمائة.
[ ٧ / ٣٨ ]
والبيت من شواهد سيبويه استشهد به كذلك، قال الأعلم في شرح شواهده: الشاهد فيه حمل رجل صحيحة وما بعهدها على قوله رجلين لدلًا منهما، وتبيينًا لهما، ولو رفعت على القطع لجاز: وصف كلفه بمن يحب، وحرصه على الإقامة عندها، فتمنى أن يكون أشل الرجل حتى لا يبرح عنها. انتهى. ومفعول رمى: محذوف، تقديره: الداء والشل مثلًا، وشلت بالبناء للفاعل، والفاء عطفت جملة "شلت" على جملة "رمت"، وشلت اليد تشل شللًا وشلًا، بالإدغام، من باب تعب: إذا فسدت عروقها، فبطل حركاتها، وقال ابن خلف في شرح شواهد سيبويه يروى: جل صحيحة، على البدل، ويروى بالرفع، وتقديره: هما رجل صحيحة ورجل شلاء، وإن شئت قدرت إحداهما: رجل صحيحة، والأخرى رجل شلاء، فيكون الكلام جملتين، وفي التقدير الأول جملة واحدة، وإن شئت كان التقدير: منهما رجل صحيحة، زمنها رجل ، فيكون كل واحدة منهما مبتدأ محذوف الخبر، ويكون الكلام أيضًا جملتين، هذا تقديره. ولا يخفى أن تقليل الحذف ما أمكن هو الجيد. ثم قال ابن خلف: والفاء في قوله: فشلت: جواب، والجملة في معنى الشرط. هذا كلامه، وهو خلاف ما ذكرناه. وأما تشبيهه نفسه بذي رجلين الموصوفتين، ففيه لأصحاب المعاني قولان؛ قيل أراد: أنها عاهدته وواثقته أن لا تحول عليه، فثبت هو على عهده ولم تثيت هى، وقيل: إنما تمنى أن تضيع قلوصه، فيجد سبيلًا إلى بقائه عندما، فيكون من يقائه عندها كذي رجلٍ صحيحة، ومن ذهاب قلوصه الحاملة له، وانقطاعه عن سفره كذي رجل شلاء، وكلا المعنيين صحيح، أما المعنى الأول، فكقول النجاشي:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رماهخا ضائب الحدثان
فأما التي صحت فأزد شنودة وأما التي شلت فأزد عمان
[ ٧ / ٣٩ ]
ويدل عليه قول كثير عزة:
وكنا سلكنا في صعود من الهوى فلما توافينا ثبت وزنت
وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا فلما تولينا شددت وحلت
وأما الذين قالوا: إنه داخل في التمني، فإنما قالوا ذلك، لأن قبله:
فليت قلوصي عند عزة قيدت بحبل ضعيف عز منها فضلت
وغودر في الحي المقيمين رحلها وكان لها باغ سواي فبلت
والقول الأول للأعلم، والثاني لابن سيده.
وقال عبد الدائم: معنى البيت أنه بين خوف ورجاء، وقرب وتناء، وكثير عزة اخذ هذا المعنى من النجاشي، أورده ابن رشيق في "العمدة" في الاهتدام من أقسام السرقة الشعرية، قال: والاهتدام نحو قول النجاشي:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ورجل رمت فيها يد الحدثان
فأخذ كثير القسم الأول، واهتدم باقي البيت، فجاء بالمعنى في غير اللفظ.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن عشر بعد السبعمائة:
(٧١٨) لعوب تنسيني إذا قمت سربالي
صدره:
ومثلك بيضاء العوارض طفلة
والبيت من قصيدة لامرئ القيس تقدم بعض منها في الإنشاد الثالث والستين بعد المائة، وبعض آخر في الإنشاد الخامس بعد المائتين، وتقدم مطلعها في التاسع والسبعين
[ ٧ / ٤٠ ]
بعد المائتين، وبعض في الإنشاد السابع والثمانين بعد المائتين، وبعض آخر في الإنشاد الثالث والستين بعد الثلاثمائة، وأبيات أخر في الإنشاد الثاني عشر بعد الأربعمائة ويأتي بعضها، إن شاء الله تعالى، في الباب الخامس.
وقوله: ومثلك: رب مقدرة بعد الواو، والعوارض: الأضراس من الأسنان، وطفلة ولعوب، بالجر: صفتان لمجرور رب، والطفلة، بفتح الطاء: الناعمة، وبكسرها: الصغيرة، ولعوب: ضحوك، يقول: تذهب بفؤادي، ومثله قول كثير:
وما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وروى أبو عبيدة تناساني بمعنى نسيني. كما قال الآخر:
تخاطأت النبل أحشاءه وأخر دهرا فلم يعجل
يريد: أخطأت النبل: والسربال: القميص، كذا في شرح السكري، وكأن السيوطي لم بعلق نظره بهذا الصراع، فلم يورده في الشواهد، وقال ابن الملا في شرحه: لم أقف على صدر هذا المصراع، ولا على اسم قائله.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع عشر بعد السبعمائة:
(٧١٩) إذا لم تجد من دون عدنان والدًا ودون معد فلتزعك العواذل
[ ٧ / ٤١ ]
على أن دون معطوف على موضع من دون. والبيت من قصيدة للبيد بن ربيعة العامري، وتقدم أبيات من أولها في الإنشاد الرابع بعد المائتين. وقبل هذا البيت: فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل
يقول: إن لم تصقك نفسك عن هذه الأخبار، بل كذبتك، فنتسب، أي: قل ابن فلان ابن فلان، فإنك لا ترى أحدًا بقى، لعلك تهديك هذه القرون، وترشدك، وقوله: فإن لم تجد إلى آخره تزعك: تكفك، وهو بفتح الراء المعجمة، قال الطوسي في شرح ديوان لبيد: وزعه يزعه، بالفتح ويزعه، بالكسر، وزعًا ووزوعًا: إذا كففته. انتهى. يقول: لم يبق لك أب حتى إلى عدنان، فكف عن الطمع في الحياة ومعنى البيتين: إن غاية الإنسان الموت، فينبغي له أن يتغظ بأن ينسب نفسه إلى عدنان، فإن لم يجد من بينه وبينه من الآباء باقيًا، فليعلم أنه يصير إلى مصيرهم، فينبغي له أن ينزع عمًا هو عليه، والعواذل هنا: حوادث الدهر وزواجره، وإسناد العذل إليها مجاز، وقد تكلمنا فيه بأبسط مما هنا في الشاهد الثالث والعشرين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد العشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٠) خليلي هل طب فإني وأنتما وإن لم تبوحا بالهوى دنفان
خليلي: منادى مضاف، والطب: علاج الجسم والنفس والرفق، وهو مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير هل عندكما طب، والدنف، بفتح الدال وكسر النون: المريض الدائم المرض، ودنفان: خبر "أنتما" وخبر "إني" محذوف والتقدير: فإني دنف، وباح بسره يبوح بوحًا: إذا أظهره، والهوى: العشق.
[ ٧ / ٤٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢١) ومن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب
على أن قوله: لغريب: خبر إن، وخبر "قيار" محذوف، والتقدير: فإني لغريب بها وقيار كذلك، وقد بسطنا الكلام على هذا، في الشاهد الرابع والخمسين بعد السبعمائة من شواهد الرضي، وهو أول أبيات أربعة أوردها المبرد في "الكامل" لضابئ بن الحارث البرمجي، قالها وهو محبوس بالمدينة في زمن عثمان ابن عفان، رضيي الله تعالى عنه، وبعده:
وما عاجلات الطير تدني من الفتي نجاحًا ولا عن ريثهن يخيب
ورب أمور لا تضيرك ضيرة وللقلب من مخشاتهن وجيب
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه على نائبات الدهر حين تنوب
وزارد ابن قتيبة بعدها بيتاُ في ترجمته من كتاب الشعراء وهو:
وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ويخطي الفتى في حدسه ويصيب
وزاد بعده بيتأ أبو تمام في مختار أشعار القبائل، وهو:
ولست بمستبق خليلًا ولا أخًا إذا لم تعد الشيء وهو يريب
[ ٧ / ٤٣ ]
وقال الدماميني قبل البيت الشاهد:
دعاك الهوى والشوق لما ترنمت هتوف الضحى بين الغصون طروب
يجاوبها ورق الحمام لصوتها فكل لكل مسعد ومجيب
وقوله: ومن يك أمسى إلى آخره. رحله: اسم أمسى، وبالمدينة: خبرها، وجملة أمسى: خبر يك، والرحل: المنزل وما يحتاج إليه المسافر من الأثاث. وقوله: فإني وقيار .. إلى آخره. هذا في الحقيقة ليس بجواب اسم الشرط، وإنما هو علته، وقامت مقامه، والأصل: فلست مثله، لأنني فيها غريب. وقال ابن خلف: يقول من كان بالمدينة بيته ومنزله، فلست من أهلها ولا لي بها منزل. انتهى.
وفيه انه ليس في هذا التقدير ولا في علته ضمير اسم الشرط الرابط بينهما وما قدرناه متكفل به، ثم قال: وزعم الخيل: أن قيارًا اسم فرس له غبراء، ويقال: قيار اسم جملة، وقيل: اسم رجل، وقوله: وما عاجلات الطير إلى آخره: يريد الطير التي تقدم الطيران، وإذا خرج الإنسان من منزله، فإراد أن يزجر الطير، فما مر به في أول ما يبصر، فهو عاجلات الطير وإن أبطأت عنه، وانتظرها، فقد راثت، أي: أبطأت، والأول عندهم محمود، والثاني مذموم. يقول: النجح ليس بأن يعجل الطائر الطيران كما يقول الذين يزجرون الطير، ولا الخيبة في إبطائها، وهذا رد لمذهب الأعراب.
وقوله: ورب أمور .. إلى آخره. الضير: الضر والمخشاة، بفتح الميم مصدر ميمي بمعنى الخشية، والوجيب: الاضطراب. وقوله: إذا لم تعد الشيء إلى آخره. يقول: إن لم تتعد الشيء المريب وتتجاوزه لأجل الصديق.
وضابئ؛ بالضاد المعجمة وبعد الموحدة همزة تكتب بصورة الباء، وهو ضبابئ
[ ٧ / ٤٤ ]
ابن الحارث التميمي البرمجي، بضم الموحدة وسكون الراء وضم الجيم، نسبة إلى البراجم، وهم ست بطون من أولاد حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، لقبوا بالبراجم، لأن رجلًا منهم اسمه حارثة بن عامر، قال لهم: تعالوا نجتمع مثل براجم يدي هذه، ففعلوا؛ فسموا البراجم، وهي عقد الأصابع، وفي كل أصبع ثلاث براجم، وضابئ أدرك النبي، ﷺ، وكان يقتنص الوحش، فاستعار من بعض نبي جرول بن نهشل كلبًا اسمه قرحان، بضم القاف، وقيل: من بني عبد الله بن هوذة وكان يصيد به البقر والظباء والضباع، فطال مكثه عنده، فطلبوه، فامتنع، فركبوا يطلبون كلبهم، فقال لامرأته: اخلطي لهم في قدرك من لحوم البقر والظباء والضباع، فإن عافوا بعضًا وأكلوا بعضًا تركوا الكلب لك، وإن هم لم يعرفوا، فلا كلب لك، فلما أطعمهم أكلوا، ثم أخذوا كلبهم، فغضب ضبابئ، ورمى أمهم بالكلب في أبيات نقلناها في الشاهد التاسع والأربعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي، فلما بلغهم الشعر، وأنه رمى أمهم بالكلب، استعدوا عليه عثمان بن عفان، ﵁، وكان يحبس على الهجاء، فأرسل إليه ونشده الشعر وقال له: ما أعرف في العرب أفحش ولا ألأم منك؛ فإني ما رأيت أحدًا رمى أحدًا بكلب غيرك، وإني لأظنك [لو كنت] في زمن النبي، ﷺ، لنزل فيك وحي! فحسبه، فقال في الحبس هذه الأبيات، فلما سمعها، أخرجه من الحبس، فأخذ سكينًا [فجعلها] في أسفل نعله ليفتك بعثمان، فأعلم بذلك، فضربه، ورده إلى الحبس إلى أن مات فيه، وفي ذلك قال من أبيات أوردناها في الشاهد التاسع والأربعين بعد السبعمائة، من شواهد الرضي:
هممت ولم أفعل وكدت وليتي تركت على عثمان تبكي حلائله
[ ٧ / ٤٥ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني زوالعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٢) هويت سناء مستطابًا مجددًا فلم تخل من تمهيد مجد وسوددا
على أن سوددا معطوف على موضع مجد، لأن "تمهيد" مصدر مضاف لمفعوله، وفاعله محذوف، والتقدير: من تمهيدك مجدًا وسوددًا، وهويت بكسر الواو بمعنى أحببت، وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها، والمجد: الرفعة، والسودد: السيادة، والثناء: الذكر الجميل، وكونه مجددًا يدل على أنه مولع باكتساب المحامد.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والعشرون بعد السبعمائه:
(٧٢٣) قد كنت داينت بها حسانا مخافة الإفلاس والليانا
على أن يكون "الليان" مفعولً معه، وأن يكون معطوفًا على "مخافة" على حذف مضاف، أي: ومخافة الليان، وهذان الوجهان عزاهما ابن خلف لأبي الحجاج الأعلم الشنتمري قال: وقال أبو الحجاج: ويجوز أيضًا في الليان النصب من وجهين، أحدهما: أن ينصب على المفعول معه، أي: مخافة الإفلاس مع الليان، والآخر: أن يريد: ومخافة الليان، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن بري: يقوي هذا القول عندي قول زهير:
القائد الخيل منكوبًا دوابرها قد أحكمت حكمات القد والأبقا
[ ٧ / ٤٦ ]
أراد: وحكمات الأبق ومثل ذلك قول الأعشى:
لا يسمع المرء فيها ما يؤنسه بالليل إلا نئيم البوم والضوعا
أي: ونئي الضوع، ومثله ما أنشده أبو علي لعمر ابن أبي ربيعة:
كأن أحور من غزلان ذي بقر أهدى لها شبه العينين والجيدا
قال: وزعم أبو محمد الأسود أن أبا على صحفه، وإنما هو: سنة العينين، بكسر السين المهملة بعدها نون، وذكر أن البيت ليزيد بن الحكم الثقفي، وذكر على بن حمزة أنه لعمر، والرواية كما قال الأسود لا غير. هذا آخر كلام ابن خلف. وفي عزو كون الليان مفعولًا معه عند الأعلم سهو، وصوابه المفعول له، وهذه عبارته في شرح شواهد سيبويه: ويجوز أن يكون الليان مفعولًا له على المعنى: والليان، فلما أسقط الجار نصبه بالفعل، ويجوز أن يكون نصبه على تقدير: ومخافة الليان، فلما أسقط الجار نصبه بالفعل، ويجوز أن يكون نصبه على التقدير: ومخافة الليان، وأقام الليان مقمامها في الإعراب. انتهى.
وفي البيت تخريجات أخر أحدهما لسيبويه أورده في "باب من المصادر يجري مجرى الفعل" من الكتاب قال فيه: ومن قال: هذا ضارب زيد وعمرًا قال: عجبت له من ضرب زيد [وعمرًا].
قال الراجز:
قد كنت داينت بها حسانا مخافة الإفلاس والليانا
يحسن بيع الأصل والقيانا
[ ٧ / ٤٧ ]
قال ابن خلف: هذا الرجز لزياد العنبري كذا قال أبو علي، ونسب في "الفرخ" لرؤبة، والشاهد نصب الليانا بإضمار فعل، ولم يعطفه على الإفلاس، كأنه قال: وأخاف الليان، وكذلك قوله: يحسن بيع الأصل والقيانا. والقيان: منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: ويبيع القيان. انتهى.
وفيه رد على الأعلم، فإنه جعله من باب العطف على الموضع، قال: الشاهد فيه نصب الليان، والقيان حملًا على مخعنى الأول، والتقدير: داينت بها من أجل أن خفت الإفلاس، والليان، ويحسن أن يبيع الأصل والقيان، ثم قال ابن خلف: ويجوز أن ينصب الليان على المفعول له، ويكون معطوفًا على مخافة. انتهى. وفيه أن فاعل الليان غير فاعل المخافة، فلا يصح أن يكون مفعولًا له، وقد تنبه له المصنف فرده، ولو جعله مفعولًا له بتقدير اللام المحذوفة كما قال الأعلم، لصح ما قاله، وخرجه أبو علي في كتاب "الإيضاح" على باب العطف على الموضع. قال ابن بري في شرح أبياته: المخافة: مصدر مضاف للمفعول محذوف الفاعل، والليان: معطوف على موضع المفعول، أي: لأن خفت الإفلاس والليان، ثم جوز أن يكون معطوفًا على مخافة بتقدير المضاف، وأن يكون مفعولًا معه. قال أبو حيان في "تذكرته": الليان: معطوف على موضع الإفلاس، لأن موضعه نصب، لهذا ذهب الفارسي، والفراس، والكوفيون، وأكثر نحاة البصرة. وسيبويه يضمر، كأنه قال: وخفت الليان، وفي قوله: قد كنت داينت رد على من زعم أن "كان" لا يخبر عنها بالماضي، قال ابن خلف: ومعنى داينت: بعت بدين، يقال منه: داينت الرجل أداينه مداينة: إذا بعته بنسيئة، يعني أنه باع حسان بنسيئة، لأنه ثقة في نفسه. وقوله: مخافة الإفلاس، أي: مخافة الإفلاس من أداينه من الناس من غير حسان، يزعم أن حسان لا يخشى منه أن يقول: أفلست، لأنه موسر وماله ظاهر، يقال أفلس الرجل: إذا صار ذا فلوس بعد الدراهم، وفلس: صار عديمًا، والليان: المطل والمدافعة من
[ ٧ / ٤٨ ]
الغريم بالحق الذي عليه، يريد أن حسان لا يدافع، ولا يماطل عدمًا، يقال: الليان بفتح اللام وكسرها والكسر أقيس، إذ ليس في المصادر فعلان، بفتح الفاء، إلا "الليان" و"الشنآن" فيمن سكن النون، وهما نادران، وقيل: الليان: الذي يلوي بالحق، يريد أنه من صفة الفاعل، وقوله: يحسن بيع الأصل، أي: هو بصير بأصول الأمتعة، عارف بها، لا يطمع في غلطه وخديعته، والقيان: جمع قينة، وهي الأمة مغنية كانت أم غير مغنية، سميت بذلك، لأنها تصلح في شأن أهلها، ويتزين بها، يعني أنه: بصير ببيع الأمتعة والرقيق. انتهى.
وأنشد بعده:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا إذا كان جائيا
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثالث والثلاثين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والعشرين بعد السبعمائة:
(٧٢٤) ما الحازم الشهم مقدامًا ولا بطلٍ إن لم يكن للهوى بالحق غلابا
على أنه عطف بطل بالجر على مقدام المنصوب على توهم أنه مجرور بالباء الزائدة بعد ما النافية كالبيت السابق، فإن "سابقًا" عطف بالجر على "مدرك" المنصوب على توهم زيادة الباء على مدرك الواقع بعد النفي وهو ليس، والحازم من الحزم، وهو ضبط الأمور، والشهم، بالشين المعجمة: الجلد الذكي الفؤاد، والمقدام: الجريء الذي يقدم على الشيء المخوف منه من غير أن يهابه، والبطل الشجاع، وفي معنى هذا البيت قول ابن الوردي في لاميته:
ليس من يقطع طرقًا بطلًا إنما من يتقي الله البطل
[ ٧ / ٤٩ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٥) وما كنت ذا نيرب فيهم ولا منمش فيهم منمل
(على أنه عطف) منمش بالجر على ذا نيرب المنصوب وهو خبر كنت على توهم زيادة الباء في خبرها المنفي، فإنها تزداد فيه بقلة، كقول الشنفرى:
إذا مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذا أجشع القزل أعجل
وهذا البيت الشاهد أورده ابن الأعرابي في "نوادره" غير معزو إلى قائله مع بيت بعده، وهو:
ولكنني رائب صدعهم رفوء لما بينهم مسمل
وقال: أنمش بينهم، ونمش، ورفأ ما بينهم يرفأ، رفءًا: إذا أصلح. انتهى.
وقوله: وما كنت، بضم التاء، والنيرب، بفتح النون وسكون المثناة التحتية. قال المصنف: هي النميمة، ووزن نيرب فيعل، قال الصاغاني في "العباب": قال الليث: النيرب: النميمة، ورجل نيرب، وذو نيرب، أي: ذو نميمة، وقد نيرب: وهو خلط القول، كما تنيرب الريح التراب على الأرض فتفسحه، وأنشد غير الليث:
ولست بذي نيرب في الصديق ومناع خير وسبابها
[ ٧ / ٥٠ ]
الهاء راجعة إلى العشيرة، قال: والنيرب: الرجل الجليد. انتهى: والمنمش اسم فاعل من أنمش، وفسره المصنف بقوله: المفسد ذات البين، ولم أر هذا التفسير لا في "تهذيب الأزهري" ولا في "العباب" للصاغاني ولا في "القاموس" وإنما فيها، النمش: بفتح النون وسكون الميم: النميمة، والفعل نمش ينمش كنصر ينصر، قال الأزهري، وتبعه الصاغاني: النمش بالفتح: النميمة والسرار، والنمش أيضًا: الكذب، قال أبو الهيثم في قوله:
يا من لقوم رأيهم خلف مدن
إن يسمعوا عوراء أصغوا في أذن
ونمشوا بكلم غير حسن
أراد: خلطوا حديثًا حسنًا بقبيح. انتهى. ويثبت أنمش بهذا الشعر، وهذا مما فاتهم.
ومنمل: اسم فاعل من أنمل، قال الأزهري: قال شمر، وأبو عبيد: نمل الرجل كسمع، وأنمل: إذا نم. انتهى. وفي "القاموس": النمال: النمام، والنميلة كسفينة: النميمة، ورجل نمل ونامل، وقد نمل كنصر وعلم وأنمل. انتهى. وليس في "العباب" إلا نمل، بفتح النون وكسر الميم. قال: ورجل نمل، أي: نمام عن أبي عمرو، وقال الليث: النمل: الرجل الذي لا ينظر إلى شيء إلا عمله، وقال الفراء: ورجل نمل، أي: حاذق. انتهى. ومنمل في البيت صفة كالذي قبله، وظاهره أنه مجرور، فيخالف البيت الذي بعده، فإن قافيته مرفوعة، فيكون فيه من عيوب القافية الإقوام، وهو: التخالف بالجر والرفع، وهذا ليس بلازم، ولنا أن نرفع منملًا على أنه صفة مقطوعة، لأن النكرة قد وصفت بغيره.
[ ٧ / ٥١ ]
وقوله: وبكني رائب صدعهم. الرائب: اسم فاعل من الرأب، بعد الراء همزة ساكنة. قال صاحب"العباب" ورأبت الإناء رأبًا: شعبته وأصلحته، ويقال في الدعاء: اللهم ارأب بينهم، أي: أصلح، ورجل مرأب، بكسر الميم، ورءآب كفعال بالتشديد: إذا كان يرأب صدوع الأقداح، ويصلح بين الناس. انتهى. والصدع، بفتح الصاد وسكون الدال: الشق والثلمة، ورفوء، بفتح الراء ضم الفاء، وقد فسره ابن الأعرابي، وهو وصف من رفأت الثوب أرفؤه رفءًا: إذا أصلحت ما وهى منه، وربما لم يهمز، يقال: من اغتاب خرق، ومن استغفر رفا، كذا في "العباب" ومسمل: اسم فاعل من أسمل، قال الأزهري: قال أبو عبيد عن أبي زيد: أسملت بين القوم إسمالًا: إذا أصلحت بينهم، وقال غيره: سملت بينهم أسمل سملًا، بغير ألف مثله. انتهى. وهو من باب نصر، ولم أر أسمل باللأف إلا في "تهذيب الأزهري" وفي "العباب" سملت بين القو سملًا: إذا أصلحت بينهم، والسامل: الساعي في صلاح معاشه، وسملت الحوض سملًا: إذا نقيته من الحمأة والطين. انتهى. وقوله: لما بينهم، أي: لفساد ما بينهم، وهو متعلق برفوء، ومسمل يطلبه أيضًا في المعنى، ويقدر مثله، ويقال لمثل هذا: التجاذب فإن كلا من التقدم والمتأخر يطلبه على أن يكون معموله، كقوله تعالى: (لا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ) [يوسف: ٩٢].
وأنشد بعده:
فأبلوني بليتكم لعلي أصالحكم وأستدرج نويا
وقد استوفينا الكلام عليه في الإنشاد التاسع والستين بعد الستمائة.
[ ٧ / ٥٢ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٦) فلسنا بالجبال ولا الحدايدا
صدره:
معاوي إننا بشر فأسجح
على أنه عطف الحديد، بالنصب، على خبر ليس المجرور بالياء الزائدة على توهم أنه منصوب، وأول من استشهد به كذا سيبويه، وقد رد عليه المبرد بأن القافية مجرورة، وتبعه جماعة، منهم: الإمام أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري في كتاب "التصحيف" قال: ومما غلط فيه النحويون من الشعر، ورووه موافقًا لما أوردوه، روي عن سيبويه عندما احتج به في نسق السم المنصوب على المخفوض من قول الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا
وغلط على الشعر، فإن هذه القصيدة مشهورة ومخفوضة كلها، وأولها:
معاوي إننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديد
أكلتم أرضنا فجرد تموها فهل من قائم أو من حصيد
فهبنا أمة هلكت ضياعًا يزيد يسوسها وأبو يزيد
أتطمع في الخلود إذا هلكنا وليس لنا ولا لك من خلود
ذروا خون الخلافة واستقيموا وتأمير الأراذل والعبيد
وأعطونا السوية لا تزركم جنود مردفات بالجنود
[ ٧ / ٥٣ ]
وقال التدميري في "شرح أبيات الجمل" بعد ذكر الأبيات: وقد بان هذه الأبيات أن الصواب رواية: ولا الحديد، بالجر، ولكن سيبويه رواه بالنصب. فتبعه الزجاج، انتهى. وأجاب عنه ابن الأبناري في كتاب "الإنصاف" وتبعه الزمخشري بأن هذا البيت روي مع أبيات منصوبة، ومع أبيات مجرورة، فمن رواه بالجر. روى منه هذه الأبيات المتقدمة، ومن رواه بالنصب روى معه:
أديرها بني حرب علينا ولا ترموا بها الغرض البعيدا
يقول: ضموا الخلافة والولاية إليكم، ولا ترموا بنا أقصى المرامي، أي: لا تطرحوا النظر في أمرنا وتتركونا مع الولاة الذين يجورون علينا، وهذا الشعر لعبد الله ابن الزبير الأسدي، والأول لعقبيه بن هبيرة الأسدي، قالوا: وليس ينكر أن يكون بيت من شعرين معًا، لأن الشعراء قد يستعير بعضهم من كلام بعض، وربما أخذ البيت بعينه، كقول الفرزدق:
ترى الناس إن سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا
فإن هذا البيت لجميل العذري انتحله الفرزدق، وأورد ابن خلف نظير هذا في شرح شواهد سيبويه ما يزيد على ماشة بيت، ومثل ما نحن فيه قول الأخفش بن شهاب اليشكري:
[ ٧ / ٥٤ ]
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضرب
والقصيدة مرفوعة القوافي، وأخذه قيس بن الخطيم، وجعله في قصيدة مجرورة القوافي، وقد نبهنا عليه في الشاهد الخامس بعد الخمسمائة من شواهد الرضي.
قوله معاوي إننا بشر إلى آخر. هو منادى مرخم معاوية، وأسجح: أمر من الجاحة، بالجيم بعدها حاء مهملة، وهي السهولة والرفق، ولما دفع هذه الأبيات في ورقة لمعاوية، قال له: ما جرأك علي؟ قال: نصحتك إذا غشوك، وصدقتك إذ كذبوك. فقال: ما أظنك إلا صادقًا، فقضى حوائجه. وقوله: فجردتموها، أي: قشرتموها، كما يجرد اللحم عن العظم، وأراد بالقائم والحصيد: القرى التي خربت، فمنها قائم قد بقيت حيطانها، ومنها حصيد زال أثرها، وهل: استفهام صوري بمعنى النفي، ومن زائدة، وقائم: مبتدأ مخصص بالنفي، والخبر محذوف، أي: موجود، والخون: مصدر بمعنى الخيانة، والتأمير: نصب الأمير، والسوية: المساواة والنصفة.
وعقيبة بن هبيرة، كلا الاسمين بالتصغير وهو شاعر جاهلي إسلامي مخضرم ولم يذكره اين حجر في قسم المخضرمين.
وعبد الله بن الزبير، بفتح الزاي وكسر الموحدة، شاعر كوفي المنشأ والمنزل، ومن شعراء الدولة الأموية، ومن شيعتهم والمتعصب لهم، مات في عصر عبد الملك ابن مروان، وقد بسطنا الكلام على هذا الشاهد، وترجمة الشاعرين في الشاهد الرابع والعشرين بعد المائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والعشرون بعد السبعمائة:
[ ٧ / ٥٥ ]
(٧٢٧) مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها
على أنه عطف "ناعبًا" بالجر على خبر ليس المنصوب على توهم أنه مجرور بالباء الزائدة، وأنشده سيبويه في موضعين من كتابه بروايتين الأول أنشده: "ولا ناعبًا" بالنصب للعطف على مصلحين، واستشهد به على نصب عشيرة بمصلحين، لأن النون فيه بمنزلة التنوين قس واحده، وكلاهما يمنع من الإضافة، وتوجب نصب ما بعده، والثاني: يجر ناعب على توهم الباء في خبر ليس، ولم يجز المبرد إلا نصب "ناعب" قال: لأن حرف الجر لا يضمر، وقد بين سيبويه ضعفه، وبعده مع أخذه لذلك عن العرب سماعًا، فلا معنى للرد عليه. والبيت من قصيدة عدتها تسعة وعشرين بيتًا للأخوص اليربوعي، وهذه الأبيات منها:
وليس بيربوع إلى العقل حاجة سوى دنس يسود منها ثيابها
فكيف بنوكي مالك إن غفرتم لهم هذه أم كيف بعد خطابها
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة البيت
فإن أنتم لم تقتلوا بأخيكم فكونوا بغايا بالأكف عيابها
سيخبر ما أحدثتم في أخيكم رفاق من الآفاق شتى إيابها
قال الأسود، أبو محمد الحسن الأعرابي الغندجاني، في "فرحة الأديب":
قال الأخوص هذا الشعر لقتال كان بين بني يربوع، وبين بني درام، فأراد بقوله:
[ ٧ / ٥٦ ]
"مشائيم" بني درام بن مالك، لا بني يربوع، وكان من قصة هذا الشعر، أن ناسًا من يثربوع وبني دارم اجتمعوا على القرعاء، فقتل بينهم رجل من بني غدانة، يكنى أبا بدر/ فقالت بنو يربوع: والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا، فقالت بنو دارم: إنا لا نعرف قاتله، فأقيموا قسامة نعطكم حقكم، فقالت بنو غدانة: نحن نفعل، فأخرجوا خمسين، فحلفوا كلهم إلا رجلًا: إن الذي قتل أبا بدر عبيد بن زرعة، فقال الباقي من الخمسين: أليس تدفعون إلينا [عبيدًا] إذا كملت الخمسين؟ قالوا: لا، ولكنا نديه، لأنا لا ندري من قتله، فقال الباقي عند ذلك وهو أبو بيض الغداني: والله لا أكلمهم أبدًا، ولا يفارقنا عبيد حتى نقتله، فقام ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة، وشيبان بن حنظلة بن بشر بن عمرو، فكفلا بعبيد، فدفعته بنو غدانة إليهما، فلما جهنم الليل، قال ضرار وشيبان لعبيد: انطلق حيث شئت، وغدت بنو غدانة على بني درام، فقالوا لهم: إن صاحبكم قد هرب، ولكن هذه الجية، فاقبلوها من إخوتكم، ولا تطلبوا غير ذلك، فتكونوا كجادع أنفه، ولو علمنا مكان صاحبكم، قصدنا إليه، فلما سمعهم الأخوص يذكرون الدية، قال: دعوني أتكلم، قالوا: تكلم يا أبا خولة، فقال هذه الأبيات من قصيدته. انتهى.
وقوله: وليس بيربوع إلى العقل إلخ يقول: إن العقل لا ينفعهم، بل يضرهم ويكسبهم عارًا، ونوكى، بالفتح: جمع أنوك، كأحمق وحمقى، وزنًا ومعنى، أي: كيف العشرة معهم، ويروى بدل خطابها: سبابها، بالكسر، مصدر سابه، أي: شاتمه، ومشائيم: جمع مشؤوم كمنصور. قال الأعلم: نسبهم إلى الشؤم، وقلة الصلاح والخير، فيقول: لا يصلحون أمر العشيرة إذا فسد بينهم، ولا يأتمرون
[ ٧ / ٥٧ ]
بخير، فغرابهم لا ينعب إلا بالتشتت والفراق، وهذا مثل للتطير منهم، زنعب الغراب: إذا صاح، وهم يتشاءمون بصوت الغراب، وإنما ذكر هذا على طريق المثل، وإن لم يكن غراب.
وقوله: فكونوا بغايا. إلخ : جمع بغي، وصف من بغت المرأة بغاء، بالكسر والمد: إذا زنت، والعياب، بكسر العين المهملة جمع عيبة بفتحها: وهو ما يجعل فيه الثياب، وإذا كانت عيابها في أكف الناس كان أمرها مشهورًا.
وقوله: سيخبر ما أحدثهم إلى آخره: المآب: المرجع إذا رجعت الرفاق تفرقت في كل وجه، وانتشر منهم قبح صنيعكم، ونقله من سمعه إلى من لم يسمعه.
والأخوص، بالخاء المعجمة، يقال: رجل أخوص بين الخوص، أي: غائر العينين، وقد خوص، بالكسر، وأما الأحوص، بالحاء المهملة، فليس هذا، وكثير ما يصحف به، والخوص: ضيق في مؤخر العين. قال الآمدي في "المؤتلف والمختلف": الأخوص بالخاء معجمة: اسمه زيد بن عمرو بن قيس بن عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، شاعر فارس له في كتاب بني يربوع أشعار جياد مما تنخلته من قبائلهم. انتهى. وهو شاعر إسلامي معاصر للفرزدق، وسحيم بن وثثيل، وقد بسطنا الكلام على هذا الشاهد، وترجمة قائله في الشاهد الثامن والسبعين بعد المائتين من شواهد الرضي.
وأنشد بعده:
ولبس عباءة وتقر عيني
تمامه:
أحب إلي من لبس الشفوف
[ ٧ / ٥٨ ]
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني والعشرين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٨) غير أنا لم تأتنا بيقين فنرجي ونكثر التأميلا
على أن الفا للاستئناف، ونرجي مبني على مبتدأ محذوف، أي: فنحن نرجي. قال سيبويه: في باب الفاء من "الكتاب" في بيان أوجه "ما تأتينا فتحدثتا": وإن شئت، رفعت على وجه آخر، كأنك قلت: فأنت نحدثنا، ومثل ذلك قول بعض الحارثيين:
غير أنا لم تأتنا بيقين البيت
كأنه قال: فنحن نرجي، فهذا في موضع مبني على المبتدأ. انتهى. وقد تكلمنا عليه بأكثر مما هنا في الشاهد الخامس والستين بعد الستمائة من شواهد الرضي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والعشرون بعد السبعمائة:
(٧٢٩) ولقد تركت صبية مرحومة لم تدر ما جزع عليك فتجزع
وروى:
"ولقد تركت صغيرة مرحومة "
على أن معناه: لم تجزع لكونها لم تعرف الجزع لصغرها، وهذا هو الذي يتادر إليه الذهن، وذهب ابن جني في "إعراب أبيات الحماسة" إلى خلاف هذا،
[ ٧ / ٥٩ ]
فإثبت لها الجزع مع كونها لم تعرفه، ومنشؤه أنه لم يجعل الفاء للسببية المحضة، كما جعل المصنف، بل جوز أن تكون عاطفة وزائدة واستئنافية، قال: هذا البيت طريف غريب الحديث، وذلك أنه ليس بجواب، لأنه مرفوع، ولو كان منصوبًا جوابًا، لكان أوفق معنى، وأسلب طريقًا، ولا قبله أيضًا فعل مرفوع، فيعطف عليه، ولهذا كان غريبًا، غير أن هذا وجهه عندي أن يكون قوله: "فتجزع" صفة لقوله: "مرحومة أو صغيرة"، ويكون معطوفًا على جملة قوله: "لم تدر ما جزع عليك"، لأن هذه الجملة صفة لقوله: "صغيرة أو مرحومة"، فكأنه قال: لقد تركت صغيرة جاهلة بالجزع، فجازعة مع ذلك، فلما وقع "تجزع" موقع الاسم، ارتفع، فجرى مجرى قولك: مررت برجل من أهل العلم، ويقرئ الناس فتعطف "يقرئ" على من أهل العلم، حتى كأنك قلت: عالم مقرئ. وإن شئت جعلت الفاء زائدة، كأنك قلت: لم تدر ما جزع عليك جازعة، أي: تركت صبية جازعة وإن لم تعرف الجزع، أي: صورتها صورة الجازعة، وقد يجوز أن يكون قوله: فتجزع مستأنفًا، أي: فهي تجزع، أي: مع انها لا تعرف الجزع جازعة، أي: حالها حال الفاقدة الجدازعة. هذا كلامه باختصار.
والبيت من أبيات أوردها أبو تمام في باب المراثي من "الحماسة" لمويلك المزموم، يرثي زوجته أم العلاء وهي:
امرر على الجدث الذي حلت به أم العلاء فنادها لو تسمع
أنى حللت وكنت جد فروقة بلدًا يمر به الشجاع فيفزع
صلى عليك الله من مقبورة إذ لا يلائمك المكان البلقع
فلقد تركت صغيرة مرحومة البيت
[ ٧ / ٦٠ ]
فقدت شمائل من لزامك حلوة فتبيت تسهر ليلها وتفجع
فإذا سمعت أنينها في ليلها طفقت عليك جفون عيني تدمع
وزاد الأعلم النتمري في "حماسته" بعد هذا ستة أبيات. والجدث، بفتح الجيم: القبر، وروي: "فحيها" بدل "فنادها" يقول: امرر على القبر الذي دفنت فيه، وسلم عليها إن كانت تسمع، وهذا توجع وتلهف، والفروقة: الشديدة الخوف يطلق على المذكر والمؤنث، والصلاة من الله: الرحمة، والملائمة: الموافقة، والبلقع: الخالي، ومن مقبورة: تمييز.
وقوله: "لم تدر ما جزع إلى آخره " اختار الإمام المرزوقي الفاء للاستئناف وقال: أراد أنها من صغرها لا تعرف المصيبة، ولا الجزع لها، فهي على حالها تجزع، لأن ما تأتيه من البكاء والضجر وترك النوم والقرار فعا الجازعين. وقوله: "فقدت شمائل" جمع شمال، بالكسر: الطبيعة، يقول: كانت قد اعتادت منك أخلاقًا جميلة فقدتها، فبقيت لا تنام ولا تنيم، بل تفج وتوجع، فإذا سمعت بكائها، بكيت، والشؤون: جمع شأن: وهو مجرى الجمع من الرأس إلى العين.
ومويلك: مصغر مالك، والمزموم: من زممت الناقة: إذا وضعت عليها الزمام، وهو شاعر إسلامي.
وقد شرحنا هذا بأكثر مما هنا في الشاهد الرابع والستين بعد الستمائة من شواهد الرضي.
[ ٧ / ٦١ ]
وأنشد بعده:
وإن شفائي عبرة مهراقة وهل عند رسم دارس من معول
على أن جملة الاستفهام معطوفة على جملة الخبر، قال المصنف، بعد أسطر: وكون هذا من عطف الإنشاء على الخبر فيه ما فيه، وبينه سابقًا في بحث "هل" قال هناك: يراد بالاستفهام هنا النفي، لذلك صح العطف فيه، إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر، وتقدم الكلام على هذا البيت في الإنشاد الثامن والستين بعد الخمسمائة.
وأنشد لعده، وهو الإنشاد الثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٠) تناغي غزالًا عند باب ابن عامر وكحل مآقيك الحسان بإثمد
على أن بعضهم استدل به على عطف الإنشاء على الخبر، قال المصنف في آخر هذا البحث: وأما "وكحل مآقيك إلى آخره" فيتوقف على النظر فيما قبله من الأبيات، وقد يكون معطوفًا على أمر مقدر يدل عليه المعنى، أي: افعل كذا، وكحل. وأقول: لا يمكن هذا التفحص والتنفير إلا بعد سوق الأبيات التي قبله، وهو من قصيدة لحسان بن ثابت الصحابي الخزرجي، أجاب بها قصيدة قيس بن الخطيم الجاهلي الأوسي التي مطلعها:
تروح من الحسناء أم أنت مغتدي وكيف انطلاق عاشق لم يزود
[ ٧ / ٦٢ ]
ومطلع قصيدة حسان:
لعمر أبيك الخير ياشعت مانبا على لساني في الخطوب ولا يدي
ثم افتخر بأبيات هو أهل لها؛ إلى أن مدح النعمان بن المنذر اللخمي، ثم خاطب قيس بن الخطيم بقوله:
فلا تعجلن يا قيس واربع فإنما قصارك أن تلقى بكل مهند
حسام وارماح بأيدي أعزة متى ترهم يا ابن الخطيم تبلد
نيوث لدي الأشبال تحمي عرينها مداعيس بالخطي في كل مشهد
فقد ذاقت الأوس القتال وطردت وأنت لدى الكنات كل مطرد
تناغي لدى الأبواب حورًا نواعما وكحل مآقيك الحسان بإثمد
نفتكم عن العلياء أم لئيمة وزند متى تقدح به النار يصلد
وهذا آخر القصيدة.
وابن الخطيم، بالخاء المعجمة، شاعر فارس، ولما قدم مكة دعاه النبي، ﷺ، إلى الإسلام، وتلا عليه القرآن، فقال: إني لأسمع كلامًا عجبًا، فدعني انظر في أمري هذه السنة، ثم أعود إليك، فمات قبل الحول.
وقوله: يا شعت مرخم شعثاء، وقوله: واربع: أمر من ربع الرجل يربع على نفسه، من باب"نفع": إذا وقف وترفق بها، وقصارك، بضم القاف: غايتك، وتلقى: بالبناء للمفعول، والمهند: السيف المطبوع في الهند، وحسام، بالجر، صفة لمهند، ومعناه: الشديد القطع، وتبلد أصله: تتبلد، أي: تتحير وتتردد، والليث: الأسد، وأشد ما يكون جريئًا إذا كان في غابه عند أولاده، والأشبال:
[ ٧ / ٦٣ ]
جمع شبل، بالكسر، وهو ولد الأسد، والعرين، بفتح العين المهملة: غابة الأسد، ومداعيس: صفة لأعزة، جمع مدعاس، مبالغة داعس من الدعس: وهو الطعن بالأرماح، والخطي: الرمح، نسبة إلى الخط، بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الطاء، وهو موضع باليمامة، وهو خط هجر، تنسب إليه الرماح، لأنها تحمل من بلاد الهند، فتقوم فيه، والمشهد: مكان الحرب، لأن الأبطال تشهده، أي: تحضره.
وقوله: وطردت: بالبناء للمفعول: مبالغة في طردته، وجملة "وأنت لدى الكنات": حال من ضمير طردت، أو من الأوس، والكنات: جمع كنة، بالضم وتشديد النون، وهي السقيفة أمام البيت. وقوله: "تناغي" الجملة خبر ثان لأنت، أو حال من الضمير المستقر في لدي، والمناغاة: محادثة النساء، والصغار باللين والرفق، وحورًا، أي: نساء حورًا، جمع حوراء بالمد: التي بياض عينها شديد وسوادها شديد، ونواعم: جمع ناعمة، والمشهور "تناغي غزالًا عند باب ابن عامر". يريد محبوبة له تشبه الغزال حسنًا، فظهر مما قدمناه: أن هذا البيت ليس له تعلق إلا بالبيت المتقدم عليه، وليس فيه أمر أو نهي لا لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، ولو كان فيه ذلك، لكان قوله: "وكحل" معطوفًا عليه، فلما انتفى ما يصلح أن يكون معطوفًا عليه، تعين أن يكون معطوفًا على جملة "تناغي" فثبت الاستدلال على جواز عطف الإنشاء على الخبر، هذا ولا يخفى أن كلام حسان في معرض الاستهزاء بقيس، والاستخفاف، فإنه حيث جعله كالنساء في ملازماتهن البيوت، ومحادثة بعضهن بعضًا، فيجوز بهذه القرينة أن يكون المعطوزف عليه محذوفًا، والتقدير: تناغي لدى الأبواب حورًا نواعمًا، فكن من النساء الحور، وكحل مآفيك. وروى السكري أيضًا كالرواية السابقة: "فغن لدى الأبواب حورًا نواعمًا". وعىل هذه الرواية لا يبقى نزاع، وغن: فعل أمر من غنى يغني تغنية: إذا ترنم
[ ٧ / ٦٤ ]
بالغناء، ويكون "حور" منصوبًا بنزع الخافض، أي: فغن لهن. أو متعد بنفسه لتضمنه معنى: أطربته إطرابًا، أي: أطربهن يترنمك، وقوله: مآقيك: سكن الياء للضرورة، وهو جمع مأقي، بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر القاف، لغة في الموق: وهو طرف العين الذي يلي الأنف، والمراد به هنا: العين، من باب ذكر الجزء وإرادة الكل، والإثمد: الكحل الأسود، وقيل: هو الكحل الأصفهاني.
وقوله: نفتكم عن العلياء، أي: عن المنزلة الرفيعة، والنفي: الطرد، والزند: العود الذي يقدح به النار وهو الأعلى، والزندة السفلي فيها ثقب، وإذا اجتمعا قيل لها: الزندان، وتقدح: بالبناء للمفعول، والقدح: استخراج النار بالزندين، وإذا أخرج نارًا قيل: ورى الزند، وإذا لم يخرج قيل: صلد الزند يصلد، بالكسر صلودًا، ويقال: زند وارٍ ووري: إذا كان سريع الوري، كثير النار، ومنه قولهم: فلان واري الزناد، يريدون بذلك أنه تجيح واضح الأمر.
وترجمة حسان تقدمت في الإنشاد التاسع والتسعين.
وأنشد بعده:
وقائلة خولان فانكح فتاتهم وأكرومة الحيين خلو كما هيا
على أن الصفار استدل به على جواز عطف الإنشاء على الخبر، فإن "انكح" جملة إنشائية معطوفة على جملة: "هذه خولان" وأجاب عنه المصنف بأن الفاء لمجرد السببية، لا للعطف والسببية معًا، وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السبعين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣١) عاضها الله غلامًا بعدما شابت الأصداغ والضرس نقد
[ ٧ / ٦٥ ]
على أن ابن جني منع عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية، وأول هذا البيت يجعل الضرس فاعلًا بفعل يفسره ما بعده، وأنه نقل في "سر الصناعة" أن هذا جائز في الواو فقط، وهذا نص كلامه في بحث الفاء من "سر الصناعة" قال: وأما مذهب مبرمان في أنها للعطف- أي: في نحو: خرجت فإذا زيد- فسقوطه أظهر، وذلك أن جملة "خرجت" فعلية، وجملة "فإذا زيد" اسمية، زيد مبتدأ، وإذا خبره، وحكم المعطوف أن يكون وفق المعطوف عليه، لأن العطف نزير التثنية، فإن قيل: ألست تجيز: قام زيد وأخوك محمد؟ فالجواب: أنه قد يجوز مع الواو لقوتها وتصرفها ما لا يجوز مع الفاء من الاتساع. ألا ترى أنك لو قلت: قام محمد، فعمرو جالس، وأنت تعطف على حد ما تعطف بالواو، لم يكن للفاء هنا مدخل، لأن الثاني ليس متعلقًا بالأول، وحكم الفاء إذا كانت عاطفة أن لا تتجرد من معنى الاتباع والتعليق بالأول، وهذا جواب أبي علي، وهو الصواب، وهذا آخر كلامه. وظهر منه أن مذهبه الجواز بالواو فقط تبعًا لأبي علي، وليس مذهبه المنع كما نقله المصنف، وقال: "عاضها الله غلامًا البيت" عطف جملة من مبتدأ وخبر على أخرى من فعل وفاعل. انتهى.
وقال أبو علي في "الحجة": قولهم "عوض" [ف] التضعيف فيه ليس للنقل، ولو كان للنقل من عاض لتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، لأن عاض يتعدى إلى مفعولين يدل عىل ذلك ما أنشده الأصمعي:
عاضها الله غلامًا البيت
[وتقول: عوضت زيدًا مالًا]، فعوض وعاض لغتان كما أن ميز وماز لغتان، كل واحد منهما بمعنى الآخر انتهى. والنقد، بفتح النون
[ ٧ / ٦٦ ]
والقاف: تآكل في الأسنان، وتقسر في الحافر والقرن، وفعله من باب فرح، يقال: نقدت أسنانه وضرسه. ففعله ووصفه "نقد" بكسر القاف، وروي في البيت "نقد" بكيسر القاف وفتحها، فالمكسور يحوز أن يكون ماضيًا ووصفًا، والضرس مذكور، قال الجوهري: (الضرس: السن، وهو مذكر ما دام [له] هذا الاسم؛ لأن الأسنان كلها إناث إلا الأضراس والأنياب. والمفتوح: نقله الجوهري) وهو مصدر على تقدير ذي، وأورد البيت ابن السكيت في "إصلاح المنطق" شاهدًا للنقد، قال شارح أبياته يوسف بن السيرافي: أي: عوض الله هذه المرأة من مات من أولادها غلامًا، ولدته بعدما أسنت وشاب رأسها، وتكسرت أسنانها، فمحبتها له أشد محبة، لأنها قد يئست أن تلد غيره، فشفقتها عليه عظيمة. انتهى.
فقول الدماميني ومن تبعه-: المراد: أن هذه المرأة عوضها الله غلامًا تزوجته بعد ما وصلت في الكبر إلى هذه الحالة انتهى- كلام من لم يصل إلى العنقود! و"ما" في "بعد ما" مصدرية، والأصداغ جمع صدغ، بالضم، ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن، ويطلق على الشعر الذي يتدلى على هذا الموضع مجازًا. وهو المراد هنا. وهذا البيت لم أقف على قائله، ولا على تتمته والله أعلم.
وأنشد بعده:
هون عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والثلاثين بعد المائتين.
[ ٧ / ٦٧ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٢) جفوني ولم أجف الأخلاء إنني لغير جميل من خليلي مهمل
الجفاء: خلاف البر، والأخلاء، جمع خليل: وهو الصديق، ومهمل: اسم فاعل من أهمله، أي: تركه: خبر "إن" واللام متعلقة به، ومن متعلقة بمحذوف صفة لجميل.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٣) هي النفس تحمل ما حملت
الذي مثل به صاحب "الكشاف" إنما هو:
هي النفس ما حملتها تتحمل
تمامه:
وللدهر أيام تجور وتعدل
وبعده:
ولا عار أن زالت عن المرء نعمة ولكن عارًا أن يزول التحمل
وعاقبة الصبر الجميل جميلة وأفضل أخلاق الرجال التفضل
وهذه الأبيات من قصيدة لعلي بن الجهم البغدادي، ولم يعرف شارح شواهد التفسير خضر الموصلي قائله، ولا هذه الأبيات، واعترض على صاحب
[ ٧ / ٦٨ ]
"الكشاف" بأن البيت ليس مثل الآية؛ لصحة قولنا: الحياة الدنيا، دون: النفس النفس ما حملتها تتحمل، والنفس الثانية خبر عن الأولى لا حقيقة لها، فلابد من اعتبار ما يرجع الضمير إليه، وأجيب بأن الاستشهاد لمجرد البيان، وهي ضمير القصة، والجملة مفسرة لها نحو: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد). والمصراع الأول وقع في نتفة للملك الفاضل قابوس بن وشمكير وهي:
أصرح بالشكوى ولا أتأول إذا أنت لم تجمل فلم أتجمل
أفي كل يوم من هواك تحامل علي ومني كل يوم تحمل
وإني لما حملتنيه لصابر وإن كان من أدناه يذبل يذبل
ولا أدعي أني صبور وإنما هي النفس ما حملتها تتحمل
ولم يعرف هذا المصراع شراح "المغني" وإنما قال ابن الملا الحلبي:
هي النفس تحمل ما حملت
الظاهر أنه نصف بيت من التقارب، ولم أقف على تتمة تقتضي أنه مصراع أول أو ثان، ولا على قائله. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٤) أسكران كان ابن المراغة إذ هجا تميمًا بجو الشام أم متساكر
[ ٧ / ٦٩ ]
على أنه روي برفع سكران، وابن المراغة، فقال ابن السيرافي، وتبعه ابن خلف في شرح شواهد سيبويه، سكران: خبر مقدم، وابن المراغة: مبتدأ مؤخر، والجملة خبر "كان" الثانية، وهذا غلط منه، لأن الجملة التي هي خبر ضمير الشأن لا تتقدم هي ولا شيء منها عليه، وإنما "كان" على هذه الرواية زائدة، وأورده سيبويه في كتابه للإخبار عن النكرة بالمعرفة على قبح في ضرورة الشعر برواية رفع "سكران"، ونصب "ابن المراغة"، وقال: هذا إنشاد بعضهم، وأكثرهم ينصب "السكران"، ويرفع الآخر على قطع وابتداء. انتهى.
وقوله: وأكثرهم ينصب "السكران"، أي: ويرفع "ابن المراغة" على أنه اسم كان، ويكون مقدمًا ما لا قبح فيه، وقوله: ويرفع الآخر، يريد به متساكرًا، ويكون رفعه على القطع بجعله خبقر مبتدأ محذوف، أي: أم هو متساكر، فتكون "أم" منقطعة".
وقال ابن جني في "الخصائص": قد حذف خبر كان في قوله:
أسكران كان ابن المراغة البيت
ألا ترى أن تقديره: أكان سكران ابن المراغة، فلما حذف الفعل الرافع فسر بالثاني، وابن المراغة المذكور خبر كان الظاهرة، وخبر كان المضمرة محذوف معها، لأن كان الثانية دلت على الأولى، وكذلك الخبر المذكور دل على الخبر المحذوف. انتهى. وقد بسطنا الكلام على هذا البيت في الشاهد الثاني والأربعين بعد السبعمائة من شواهد الرضي.
[ ٧ / ٧٠ ]
والبيت ن قصيدة للفرزدق هجا بها جريرًا وهو ابن المراغة، وكان الفرزدق لقب أمه بالمراغة، ونسبها إلى أنها راعية حمير، والمراغة: الأتان التي لا تمتنع من الفحول، وقال الجوهري: لقبها به الأخطل، أي: يتمرغ عليها الرجال، لأن المراغة موضع التمرغ: وهو التمعك، وإذا: ظرف متعلق بكان، وأراد بتميم هنا: بني درام بن مالك بن حنظلة، وهم رهط الفرزدق، وجرير من رهط كليب بن يربوع بن حنظلة، فلم يعتد الفرزدق برهط جرير في تميم احتقارًا لهم، وأراد بجو الشام: داخلها. وروى أبو علي وابن جني: ببطن الشام، وهو بمعناه، وترجمة الفرزدق تقدمت في الإنشاد الثاني من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٥) ربه فتية دعوت إلى ما يورث المجد دائبًا فأجابوا
رب فيه لإنشاء التكثير، والضمير المتصل به مبهم يفسره فتية، وهذا مما جاء فيه التمييز جمعًا، والمميز مفردًا، وهو جمع فى، وجملة "دعوت" صفة لفتية، والرابط محذوف تقديره: دعوتهم، ويورث: يكسب، والمجد: الشرف والمنزلة العالية، ودائبًا: أراد به دائمًا. والبيت لم أقف على تتمته، ولا على قائله والله أعلم.
وأنشد بعده:
فلا تلمه أن ينام البائسا
صدره:
قد أصبحت بقرقرى كوانسا
[ ٧ / ٧١ ]
وهذا وصف الإبل، والمصراع الثاني في وصف الراعي، وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث والتسعين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٦) ولو أن مجدًا أخلد الدهر واحدًا من الناس أبقىا مجده الدهر مطمعا
قال ابن عصفور في "الضرورة": ومنه تقدم الضمير على الظاهر لفظًا ورتبة، نحو قول حسان:
فلو أن مجداُ يخلد اليوم
ألا ترى أنه قدم الضمير على "مطعم" لفظًا ورتبة، لأنه متصل بالفاعل، ومطعم: مفعول، ورتبة الفاعل أن تكون قبل المفعول. انتهى.
وقال السهيلي في "الروض الأنف": وذكر ابن هشام قول حسان في مطعم بن عدي، ويذكر جواره للنبي، ﷺ، وذلك حين رجع (من الطائف) وقيامه في أمر الصحيفة، وفيه:
فلو كان حمد مخلد الدهر واحدًا البيت
وهذا عند النحويين من أقبح الضرورة، لأنه قدم الفاعل وهو مضاف إلى ضمير المفعول، فصار في الضرورة مثل قوله:
[ ٧ / ٧٢ ]
جزى ربه عني عدي بن حاتم البيت
غير أنه في البيت أشبه قليلًا لتقدم ذكر مطعم، فكأنه قال: أبقى مجد هذا المذكور المتقدم ذكره مطعمًا، فوضع [الظاهر موضع] المضمر كما لو قلت: إن زيدًا ضربت جاريته [زيدًا، أي: ضربت جاريته] إياه، ولا بأس بمثل هذا، ولا سيما إذا قصدت التعظيم والتفخيم لذكر الممدوح [كما قال الشاعر]:
وما لي أن أكون أعيب يحيى ويحيى طاهر الأثواب بر
ويجوز نصبه عندي على البدل من قوله: وبكي عظيم المشعرين، ويكون المفعول من قوله: أبقى مجده محذوفًا كأنه قال: أبقاه مجده [أبدًا]، والمفعول لا قبح في حذفه إذا دل عليه الكلام كما في هذا البيت. انتهى كلامه.
وفيه أن مجده إذا نصب، وجعل بدلًا من "عظيم المشعرين" بدل اشتمال لم يكن "أبقى" محتاجًا إلى مفعول، وإنما يحتاج إلى فاعل، فيكون ضمير المجد المخلد.
والبيت من أبيات ثمانية لحسان بن ثابت، رثى بها مطعم بن عدي، والدجبير ابن مطعم الصحابي ومات مطعم ولم يسلم، وهو بوزن اسم فاعل، من الإطعام. قال بان حبيب جامع ديوان حسان: لما توفي أبو طالب، استدت قريش على النبي، ﵌، وآذوه، فبعث، صلى الله عليه وآله، ابن أريقط، أخا بني عدي بن الديل بن بكر إلى الأخنس بن شريق الثقفي ليجيره من قريش،
[ ٧ / ٧٣ ]
فقال لرسوله حين جاءه: إن حليف قريش لا يجير عىل صميمها، وكان حليف بني زهرة، فرجع إلى رسول الله، ﷺ، فخبره، قال: فانطلق إلى سهيل بن عمرو، من بني عامر بن لؤي، فانطلق إلى سهيل، فذكر ذلك له، فقال سهيل: إن بني عامر لا تجير على بني كعب بن لؤي، فرجع إلى رسول الله، ﷺ، فخبره، فقال: انطلق إلى مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، فقال: إن محمدًا أرسلني إليك لتجيره من قريش حتى يطوف بالكعبة. قال: أفعل، قد أجرته، فليأت، فلا بأس عليه، فجاء، ﵌، فخرج مطعم في بنيه ومن أطاعه من قومه حتى طاف بالكعبة، فأتاه أبو سفيان بن حرب، فقال: أمجير أم مانع؟ قال: بل مجير، قال: فإذن لا يخفر جوارك، فقعد معه أبو سفيان حتى فرغ رسول الله ﷺ، ثم إن مطعمًا هلك. فقال حسان يرثيه، ويذكر وفاءه:
أعيني ألا ابكي سيد واسفحي بدمع فإن أنزفته فاسكبي الدما
وبكي عظيم المشعرين وربها على الناس معروف له ما تكلما
فلو كان مجد يخلد اليوم واحدًا من الناس أبقى مجده الدهر مطعما
أجرت رسول الله منهم فأصبحوا عبادك ما لبى ملب وأحرما
فلو سئلت عنه معد بأسرها وقحطان أو باقي بقية جرهما
لقالوا هو الموفي بخفرة جاره وذمته يومًا إذا ما تذمما
فما تطلع الشمس المنيرة فوقهم على مثله منهم أعز وأكرما
إباء إذا يأبى وألين شيمة وأنوم عن جار إذا الليل أظلما
وقوله: إذا ما تذمما. يقال: تذممه، أي: أعطاه ذمته، ومطعم: أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، وبني عبد المطلب.
[ ٧ / ٧٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٧) كسا حلمه ذا الحلم أثواب سؤدد ورقى نداه ذا الندى في ذرى المجد
في كل مصراع رجع الضمير إلى متأخر لفظًا ورتبة، وكان القياس أن يقول: كسا الحلم صاحبه أثواب السيادة، ورقى الندى صاحبه ذرى المجد، وكسا: يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: ذا الحلم، وثانيهما: أثواب، ورقى: بالتشديد يتعدى إلى مفعول واحد، يقال: رقيت في السلم وغيره من باب فرح، والندى: الإحسان، والذرى: جمع ذروة، وذروة كل شيء أعلاه، والمجد: الشرف.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٨) وكائن بالأباطح من صديق يراني لو أصبت هو المصابا
على أن "هو" لو كان ضمير فصل كان قياسه أن يقال: "أنا" فقيل: ليس بضمير فصب، وإنما هو توكيد للفاعل في "يراني" وقيل: بل هو ضمير فصل .. إلى آخر ما ذكره. هذا تخريج أبي علي في كتاب "إيضاح الشعر" قال: موضع "هو" رفع لكونه توكيدًا للضمير الذي في يراني، لأن "هو" للغائب، والمفعول الأول في يراني للمتلكم، والفصل إنما يكون الأول في المعني، كقوله سبحانه: (إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا) [الكهف: ٣٩] ألا ترى أن "أنا" هو المفعول الأول المعبر عنه ب "ني" والنعى: يراني هو المصابا، أي: يراني للصداقة المصاب لغلظ مصيبتي عليه للصداقة، وليس كالعدو أو الأجنبي الذي لا يهمه ذلك.
[ ٧ / ٧٥ ]
ويجوز أن يكون التقدير في "يرى" يرى مصابي أي: مصيبتي، وما نزل بي المصاب، كقولك: أنت أنت ومصيبتي المصيبة، أي: ما عداه جلل وهين، فيكون "هو" فصلًا بين المضاف المقدر وبين الظاهر. انتهى. وقد بسطنا الكلام على هذا في الشاهد الرابع بعد الأربعمائة من شواهد الرضي.
والبيت من قصيدة لجرير مدح بها الحجاج بن يوسف الثقفي وهذا مطلعها:
سئمت من المواصلة العاتابا وأمسى الشيب قدورث الشبابا
إلى أن قال:
لقد نام الخلي وطال ليلي بحبك ما أبيت له انتحابا
أرى الهجران يحدث كل يوم لقلبي حين أهجركم عتابا
وكائن بالأباطح من صديق . . . . . البيت
ومسرور بأوبتنا إليه وآخر لا يحب لنا إيابا
دعا الحجاج مثل دعاء نوح فاسمع ذا المعارج فاستجابا
ولو لم يرض ربك لم ينزل مع النصر الملائكة الغضابا
إذا سعر الخليفة نار حرب رأى الحجاج أثقبها شهابا
قوله: وكائن بالأباطح إلى آخره. "كائن" بكسر الهمزة وسكون النون، لغة في "كأين" بفتحها وتشديد المثناة المكسورة، بمعنى "كم" الخبرية لإنشاء التكثير، والأباطح: جمع أبطح: وهو كل مسيل فيه دقاق الحصا، وقال ابن دريد: الأبطح والبطحاء: الرمل المنبسط على وجه الأرض، وقال أبو زيد: الأبطح: أثر المثيل ضيقًا كان أو واسعًا، والأبطح: يضاف إلى مكة وإلى منى،
[ ٧ / ٧٦ ]
لأن المسافة بينه وبينهما واحدة، وربما كان إلى "منى" أقرب وهو المحصب، وهو خيف بني كنانة، كذا قال ياقوت في "معجم البلدان".
وكائن: مبتدأ، ومن صديق: تمييز كائن، وبالأباطح: كان في الأصل مؤخرًا عن صديق: صفة له، فلما تقدم عليه، صار حالًا منه، وجملة "يراني إلى آخره": خبر المبتدأ، والياء: مفعول أول، والمصاب: مفعول ثان، وجملة "لو أصبت" بالبناء للمفعول: معترضة، ولو: للشرط، ويراني: دليل جواب، وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والثلاثون بعد السبعمائة:
(٧٣٩) لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
على انه قد أقيم الظاهر موضع الضمير الرابط، والأصل: لا أرى الموت يسبقه شيء. وأما قوله: نغص الموت، ففيه أيضًا إقامة الظاهر مقام الضمير، لكن لا للربط، ويجوز مثله إذا كان في جملة مستأنفة، وبسطنا الكلام فيه في الشاهد الستين من شواهد الرضي. والبيت من قصيدة لعدي بن زيد، وتقدمت ترجمته في الإنشاد الواحد والسبعين بعد المائتين. وهذا مطلع القصيدة:
طال ليلي أراقب التنويرا أرقب الليل بالصباح بصيرا
شط وصل الذي تريدين مني وصغير الأمور يجني الكبيرا
إن للدهر صولة فاحذرنها لا تبيتن قد أمنت الدهورا
[ ٧ / ٧٧ ]
قد يبان الفتى صحيحًا فيردى ولقد بات آمنا مسرورا
لا أرى الموت يسبق الموت شيء البيت
للمنايا مع الغدو رواح كل يوم ترى لهن عقيرا
كم ترى اليوم من صحيح تمشى وغدا حشو ريطة مقبورا
أين أين الفرار مما سيأتي لا أرى طائرًا نجا أن يطيرا
فامش قصدًا إذا مشيت وأبصر إن للقصد منهجا وجسورا
إن في القصد لابن آدم خبرًا وسبيلًا على الضعيف يسيرا
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٠) وأما الصبر عنها صبرا
أوله:
ألا ليست شعري هل إلى أم جعفر سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا
على أن جملة "لا صبر لي" خبر قوله: "فأما الصبر"، والرابط العموم الذي في "لا" النافي للجنس، قال بعض شراح أبيات "الإيضاح": وذهب ابن جني إلى أن الصبر الثاني هو الأول، ولو كان كذلك، لوجب إضماره، لتقدم ذكره، ولبطل عمل "لا" لا تعمل إلا في النكرة الشائعة. انتهى. ويجوز أن يكون الأصل، فلا نصبر صبرًا، فحذف الفعل، ونصب المصدر به.
والبيت مطلع قصيدة لابن ميادة.
[ ٧ / ٧٨ ]
وأم جحدر هي بنت حسان المرية، كان يشبب بها ابن ميادة، فحلف أبوها ليخرجنها من عشيرته، ولا يزوجها بنجد، فقدم عليه رجل بالشام، فزوجه إياها، فاشتد ذلك على ابن ميادة، فلما خرج بها زوجها نحو بلاده قال هذه القصيدة، وتقدمت ترجمة ابن ميادة في الإنشاد الثامن والستين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤١) وإنسان عيني يحسر الماء تارة فيبدو وتارات يجم فيغرق
على أن جملة "يحسر الماء" من الفعل والفاعل خبر على قوله: "وإنسان عيني". ليس فيها ضمير يربطها بالمبتدأ، وصح هذا لما في الجملة المعطوفة بالفاء من ضمير المبتدأ، فإن فاعل "يبدو" ضمير إنسان، وتقدم من المصنف في الباب الثاني في "الجمل التي لها محل" أن الفاء نزلت الجملتين منزلة جملة واحدة، فاكتفي في الرابط بضمير إحدى الجملتين، فالخبر مجموع الجملتين، كجملتي الشرط والجزاء إذا وقعتا خبرًا. نحو: "زيد إن تقم يكرمك" وبه خرج، فقيل: هو على تقدير أداة الشرط، وقدره شارح ديوان ذي الرمة ابن حبيب "إذا"، وقدره غيره "إن"، وهو الصحيح، لأنها أم الباب، فلما حذفت، ارتفع الفعل والجملة الشرطية
[ ٧ / ٧٩ ]
إذا وقعت خبرًا، لم يشترط بكون الرابط في الشرط، بل في أيهما من الشرط والجزاء وجد كفى، وحسر: بمهملات، يجيء لازمًا ومتعديًا لواحد، تقول: حسرت كمي عن ذراعي أحسره، بالضم، وأحسره، بالكسر، حسرًا: كشفت وحسر حسورًا: انكشف، ويحسر في البيت لاوم، ولا يجوز أن يكون متعديًا، لأن إنسان العين لا يكشف ماء الدمع، وإنما هو مكشوف عنه بجريانه. قال ابن جني في "إعراب الحماسة": فالعائد على الإنسان إنما هو من يبدو، لا من يحسر، ويكفيك من هذا أن العطف نظير التثنية، وحسبك بها اتصالًا وامتزاجًا. انتهى. والرابط عند الكوفيين "أل"، فإنه عوض عن المضاف إليه، والأصل يحسر ماؤه، ويبدو: يظفر، ويجم، بكسر الجيم: يكثر، يقال: جم الشيء جمًا من باب ضرب، أي: كثر، فهو جم بوزن المصدر، وغرق الشيء في الماء غرقًا، فهو غرق من باب: تعب، وجاء غارق أيضًا، وفاعل يجم: ضمير الماء، وفاعل يغرق: ضمير الإنسان، ويجم: معطوف على يحسر، ويغرق معطوف على يجم، وجملتا "يجم فيغرق" خبر عن الإنسان أيضًا، والجملة الأولى خاليه عن ضميره، وإنما جاز للفاء كما في يحسر الماء، فيبدو، وأشار بتارة وتارات إلى أن انكشاف إنسان عينه من الدمع قليل نادر، وأن كثرة الدمع أغلبي.
والبيت من قصيدة لذي الرمة، عدتها سبعة وخمسون بيتًا كلها غزل ونسيب، ومطلعها:
أدارًا بحزوى هجت للعين عبرة فماء الهوى يرفض أو يترقرق
وقد شرحناه في الشاهد الثالث عشر بعد المائة من شواهد الرضي، والبيت الشاهد ألم به أبو حية النميري فقال:
[ ٧ / ٨٠ ]
نظرت كأني من وراء زجاجة إلى الدار من ماء الصبابة أنظر
فعيناي طورًا تغرقان من البكا فإغشى وطورًا يحسران فأبصر
وليس الذي يهمي من العين ماؤها ولكنه نفس تذوب فتقطر
وأخذ معنى البيت الثالث ابن دريد، فقال:
قلب تقطع فاستحال نجيعا فجرى فصار مع الدموع دموعا
وقال أيضًا:
لا تحسبي دمعي تحدر إنما نفسي جرت في دمعي المتحدر
وقبل البيت الشاهد:
قد احتملت مي فهاتيك دارها بها السحم تردي والحمام المطوق
أربت عليها كل هوجاء رأدة زجول بجولان الحصى حين تسحق
لعمرك إني يوم جرعاء مالك لذو عبرة كل يفيض ويخنق
وإنسان عيني البيت.
قوله: "قد احتملت مي الخ" استشهد به الفارسي في أواخر "الإيضاح" على أنه أدخل الكاف في آخر "هاتيك" كما أدخل "ها" التنبيه في أولها، ولا يقال "تي" بغير "ها"، ولا كاف، إنما يقال: هاتي، أوتيك، كما يقال: تلك، ولا يقال: ذيك، والسحم: جمع أسحم: وهو الآسود يعني الغراب، ويردي: يحجل، واحمام المطوق: القماري، وأربت: أقامت، والهوجاء: الريح المنحرفة الشديدة، ورأدة: تذهب وتجيء، وزجول: ذات زجل، وهو الصوت الشديد.
وقوله: لذو عبرة كل يفيض، ويروى "كلا" منصوبًا على الحال من ضمير تفيض، أي: تفيض جميعًا لا يتماسك منها شيء، جعل كلا نكرة، ومن رفعها
[ ٧ / ٨١ ]
بالابتداء، دعلها معرفة، كما قال تعالى: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِين) [النمل: ٨٧] أي: كلهم. قال السيوطي: قد وارد ذو الرمة على قوله: "وإنسان عيني البيت" محمد بن عبد الله بن المولى، شاعر المهدي، أدرك الدولتين، فقال من قصيدة:
وإنسان عيني في دوائر لجة من الدمع يبدو تارة ثم يغرق
وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
وأنشد بعده:
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عارًا عليك ورب قتل عار
وتقدم شرحه في الإنشاد الواحد والثلاثين من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٢) وما شيء حميت بمستاح
صدره:
أبحت حمى تهامة بعد نجد
على أن جملة "حميت" صفة لشيء والرابط محذوف، أي: حميته. قال أبو علي في "الحجة" عند قوله تعالى: (وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) [البقرة: ٤٨]: فمن ذهب إلى أن "فيه" محذوفة من قوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا) [البقرة: ٤٨] جعل "فيه" محذوفة بعد قوله: يقبل، ومن ذهب إلى أنه حذف الجار، وأوصل الفعل إلىة المفعول، ثم حذف الراجع من الصفة، كما يحذف من الصلة؛ كان مذهبه في قوله: "لا يقبل" أيضًا مثله، وحذف الهاء من الصفة يحسن كما يحسن حذفها من الصلة. ألا ترى أن الفعل لا يتسلط بحذف
[ ٧ / ٨٢ ]
المفعول منه على الموصوف، كما لا يتسلط بذلك على الموصول، فمما حذف منه الراجح [من الصفة] إلى الموصوف قوله:
وما شيء حميت بمستباح
انتهى
وقد استشهد به سيبويه في موضعين من كتابه لهذا، قال الأعلم: استشهد به لجواز حذف الهاء من الفعل إذا كان في موضع النعت، لأنه مع المنعوت كالصلة مع الموصول، والحذف في الصلة حسن [بالغ]، فضارعها النعت، فحسن الحذف فيه.
خاطب عبد الملك بن مروان، فقال: ملكت العرب، وأبحت حماها بعد مخالفتها لك، وما حميت لا يصل إليه من خالفك لقوة سلطانك، وتهانة: ما سفل من بلاد العرب، ونجد: ما ارتفع، وكنى بهما عن جميع بلاد العرب. انتهى.
وقال ابن خلف: و"ما" حرف نفي، وشيء: مرفوع بالابتداء، وحميت: صفته، وبمستباح: خبر المبتدأ، وقد يجوز أن تجعل "ما" حجازية عاملة إلا أن قائل هذا الضشعر جرير وهو تميمي، فحمله عن اللغة التيمية أولى، ولا يجوز أن تنصب شيئًا بحميت، لأنه لو فعل ذلك، لوجب أن يقول: وما شيئًا حميت مستباحًا، ويكون مستباحًا نعتًا لشيء، والنعت لا يكون فيه الباء الزائدة، وكان ينقلب معنى
[ ٧ / ٨٣ ]
المدح، لأنه كان يصير التقدير: وما جميت شيئًا مستباحًا، أي: حميت شيئًا محميًا، وليس فيه مدح. وقوله: أبحث حمى تهامة، أي: قتلت أميرها ومن كان يمنع منها، يعنى عبد الله بن الزبير، وقوله: "بعد نجد" يريد أن بعد أن استبحت نجدًا بقتلك أميرها، يعني: مصعب بن الزبير، وما شيء تحميه أنت يمكن أحد أن يستبيحه، يخاطب عبد الملك بن مروان. قال المبرد: يقال: حميت المكان، أي: منعت منه، وأحميته، أي: جعلته حمى لا يقرب. انتهى.
والبيت من قصيدة لجرير مدح بها عبد الملك، تقدم ابيات منها في الإنشاد الحادي عشر من أول الكتاب. ولم يصب العيني في قوله: يمدح بالبيت يزيد بن مروان.
قال ابن الأنباري في "أماليه": حدثنا أبي قال: ثنا أبو محمد عبد الله بن رسم، قال: قال يعقوب بن السكيت: حدثني عمارة بن عقيل، عن بعض أشياخهم، ن جرؤير قال: أوفدني الحجاج إلى عبد الملك بن مروان، عاشر عشرة، فدخلت عليه، وعنده الأخطل، فأنشدته:
أتصحو أم فؤادك غير صاح عشية هم صحبك بالرواح
فقال: لا بل فؤادك، وأورد القصيدة بتمامها، فقال: من كان مادحنا فليمدحنا هكذا، وأمر لي بمثابة ناقة، وثمانية من الأرقاء، وجام فضة. انتهى.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٣) ويومًا شهدناه سليمًا وعامرًا
تمامه:
قليلًا سوى الطعن النهال نوافله
[ ٧ / ٨٤ ]
على أن الأصل: شهدنا فيه فحذف "في" وكذا استشهد به سيبويه قال الأعلم: الشاهد فيه نصب ضمير اليوم بالفعل تشبيهًا بالمفعول به اتساعًا ومجازًا، والمعنى: شهدنا فيه، وسليم وعامر: قبيلتان من قيس عيلان، والنوافل هنا: الغنائم، يقول لهم: لم تغنم فيه إلا النفوس لما أوليناهم من كثرة الطعن. والنهال: الروية بالدم، وأصل النهل: أول الشرب، والعلل: الشرب بعد الشرب، والطعن هنا جمع طعنة. انتهى.
وقال ابن خلف: الشاهد فيه أنه جعل ضمير اليوم كضمير المفعول به على سعة الكلام، ولم يضمر كما تضمر الظروف، وأصله أن يقول: ويوم شهدنا فيه سليمًا وعامرًا. قال أبو الحسن: الناهل: الذي قد روى، يعني: أن الرمح قد روي من الدم، قال: والناهل أيضًا: العطشان، والنهل أول الشرب، والنوافل: الغنائم وما يصيبه الجيشز يقول: هذا الذي شهدناه سليمًا وعامرًا قليلة نوافله إلا الطعن، والطعن ليس من النوافل، وهذا كقول الآخر:
ليس بيني وبين قيس عتاب غير طعن الكلى وضرب الرقاب
المعنى: أن هذا اليوم لا غنائم فيه، بل فيه طعن، وهم يصفون الرماح بالنهال، بعنون أنها عطاش إلى شرب الدم، وهذا على طريق المثل يريد: أن أصحابها حراص على الطعن والقتل. انتهى.
واستشهد به صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب) [هود: ٦٥] على أن المراد: مكذوب فيه، فاتسع في الظروف بحذف الحرف وأجراه مجرى المفعول به كما في "شهدناه" أي: شهدنا فيه. قوله: ويومًا شهدناه، أي: شهدنا فيه يومًا منصوبا بفعل محذوف تقديره: واذكر يومًا، وروي بالجر على أن
[ ٧ / ٨٥ ]
الواو واو رب، وروي بالفرع على الخبرية لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك، وشهد: لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، وهنا متعد إلى اثنين، لأن الأول فيه معنى الظروف، ومن شأنه تعدي الفعل اللازم إليه، وشهده شهودًا، أي: حضره، والمشهد: محضر الناس، وسليمًا: هو المفعول الذي يتعدى إليه شهد، وقليلًا: صفة ليوم، ونوافله: فاعله، وسوى: استثناء منقطع، ونهال: جمع نهل، كجبال: جمع جبل، يقول: واذكر يومًا شهدنا فيه هاتين القبيلتين قليلًا عطاياه سوى الطعن النهال، على التهكم، لأن الطعن ليس من النافل، أي: لا غنائم فيه، بل فيه الطعن، وهذا البيت من أبيات سيبويه الخمسين التي جهل قائلوها. والله عز شأنه أعلم به.
وأنشد بعده:
فيارب ليلى انت في كل موطن وأنت الذي في رحمة الله أطمع
وتقدم في الإنشاد "الثاني" والأربعون بعد الثلاثمائة".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٤) وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني
تمامه:
وأشتملت بيي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس حتى تركتني لهم غرضًا أرمى وأنت سليم
فلو أن قولًا يكلم الجسم قد بدا بجسمي من قول الوشاة كلوم
وهذه الأبيات الثلاثصة أوردها أبو تمام في باب النسيب من "الحماسة" لامرأة أجابت به قول ابن الدمية:
وظانت التي كلفتني دلج السرى وجون القطا بالجهلتين جثوم
[ ٧ / ٨٦ ]
وأنت التي قطعت قلبي حزازة وقرفت قرح القلب وهو كليم
وأنت الذي أحتفظت قومي فكلهم بعيد الرضا داني الصدود كظيم
قال الأصفهاني في "الأغاني": اسم هذه المرأة أميمة. كان ابن الدمينة يعشقها، وهام بها مدة، فلما زصلته، تجنى عليها، وجعل ينقطع عنها، ثم زارها يومًا، فتعاتبها طويلًا، ثم أقبلت عليه، وقالت
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني الأبيات
وجوابها لابن الدمينة، ثم تزوجها، ولم تزل عنده إلى أن قتل.
قال الخطيب التبريزي: قوله: جون القطا، جمع جوني، وجثوم: جمع جاثم، رجثم الطائر: إذا ألصق صدره بالأرض، ويستعمل في السبع وغيره، والجهلة: ما استقبلك من الوادي، وقرفت: قشرت ولم يكن قد برأ، وكطم غيظه: إذا جرعه، وكظم البعير جرته: إذا ابتلعها، والكطم: مخرج النفس، ويقال للمحزون: كطيم. انتهى.
وقال الإمام أبو الفضل أمين الدين الطبرسي في شرحه: الدبلج: السير بعض الليل، يقال: سار دلجة، أي: ساعة من الليل، ولذلك أضاف الدلج إلى السرى وهو سير الليل، فجرى مجرى إضافة البعض إلى الكل، والحزازة: وجع في القلب، وأحفظت: أغضبت. انتهى.
[ ٧ / ٨٧ ]
وقال ابن الملا الحلبي في شرحه:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني
هو من الطويل، ولم أقف له على تنمة، ولا قائل. انتهى.
وابن الدمينة شاعر إسلامي، تقدمت ترجمته في الإنشاد التاسع والعشرين بعد المائتين.
وأنشد بعده وهو الإنشاد الخامس والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٥) نصف لانهار الماء غامره ورفيقه بالغيب لا يدري
على أن جملة "الماء غامره" حال من النهار ولا رابط من ضمير، ولا واو يربطها به، فيجب أن تقدر الواو، أي: والماء غامرة، أو ضمير ذي الحال، أي: الماء غامره فيه، وهذا على رواية رفع النهار على أنه فاعل نصف، قال صاحب "المصباح" نصف الثاني أي: بلغ نصف نفسه، وهو من باب قتل، ويقال أيضًا: أنصف بالألف وتنصف، وانتصف النهار: بلغت الشمس وسط السماء وهو وقت الزوال. وروي بنصب النهار، فتكون الجملة حالًا من ضمير الغائص المستر في نصف، وهو فعل متعد مفعوله النهار، قال صاحب "المصباح": ونصفت الشيء نصفًا من باب قتل: بلغت نصفه، وعلى هذه الرواية في الجملة ضمير ذي الحال وهو الهاء، وبه استشهد المحقق الرضي، وقال: إن ضمير صاحب الحال إذا كان في آخر الجملة الحالية، فلا شك في ضعفه وقتله، وقد أثبت هاتين الروايتين العسكري في كتاب "التصحيف" قال فيه: قال الرياشي: الذي
[ ٧ / ٨٨ ]
يروي: نصف النهار الماء الغامرة. يريد معنى الواو، أي: انتصف النهار والماء غامرة وهو تحت الماء يعني الغواص، وشريكه بالغيب، أي: بحيث يغيب عنه ولا يدري ما حاله، وإنما يغوص بحبل معه طرفه، وطرفه الآخر مع صاحبه. قال الرياشي: الحال إذا لم يرجع إلى الأول منها شيء، فهو قبيح في العربية، قال: وإذا صيرته ظرفًا، فهو جيد في العربية، قال المازني: الجيد نصب النهار على الظرف. انتهى. وكون نصب النهار على الظرف تجوز في الكلام، والصواب على المفعولية. والعجب من ابن الشجري في "أماليه" فإنه جعل الجملة من النهار المرفوع، وقال: الرابط الضمير، وهذا لا يصح، فإن الضمير ليس للنهار، وأعجب منه قول ابن السيد في شرح أبيات "أدبي الكاتب" في جعله الجملة حالًا، وصاحب الحال غير مذكور في هذا البيت، بل هو في بيت قبل هذا بأبيات قال: وجملة "الماء غامره" حال، وكذلك الجملة التي بعدها، وكان ينبغي أن يقول: والماء غامره؛ فيأتي بواو الحال، ولكنه امتفى بالضمير، ولو لم يكن في الجملتين عائد على صاحب الحال، لم يجز حذف الواو، وأما صاحب هاتين الحالين، فليس بمذكور في البيت، ولكنه مذكور في البيت الذي قبله وهو:
كجمانة البحري جاء بها غواصها من لجة البحر
انتهى.
وأغرب من هذين الولين صنيع ابن جني في "سر الصناعة" فإنه حكم على هذه الجملة بأنه لا رابط لها، ثم نقض كلامه، فجعل الضمير رابطًا للحال بصاحبها المحذوف، وقد نقلنا كلامه، وكلام ابن الشجري وغير ذلك في الشاهد الثاني بعد المائتين من شواهد الرضي.
[ ٧ / ٨٩ ]
والبيت من قصيدة للأعشى ميمون البكري، مدح بها قيس بن معدي كرب الكندي، وقد أجاد في التغزل بمحبوبته في أولها إلى أن شبهها بالدرة، ثم وصف تلك الدرة كيف استخرجت من البحر فقال:
كجمانة البخري جاء بها غواصها من لجة البحر
ثم وصف الغواصين بأبيات إلى قوله:
نصف النهار الماء عامرة البيت
والجمانة، بضم الجيم: حبة تعمل من فضة كالدرة. ومن أبيات المديح:
أنت الرئيس إذا هم نزلوا وتواجهوا كالأسد والنمر
ولأنت أشجع من أسامة إذ يقع الصراخ ولح في الذعر
ولأنت أجود بالعطاء من الر يان لما ضن بالقطر
ولأنت أبين حين تنطق من لقمان لما عي بالأمر
لو كنت من شيء سوى بشر كنت المنور ليلة البدر
وقيس بن معدي كرب مات في الجاهلية، وهذه القصيدة نقلتها من ديوان العشى، وقد رواها له أبو عبيدة، وابن دريد وغيرهما، وأما الأصمعي، فقد أثبتها للمسيب بن علس الخماعي، وهو خال الأعشى ميمون، وهو جاهلي لم يدرك الإسلام، وقد أوردت ترجمته في الإنشاد التاسع والثلاثين، وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
[ ٧ / ٩٠ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٦) لقد كان في حول ثواء ثويته تقضى لبانات ويسام سائم
على ان ثواء بالجر بدل من حول، وهو بدل الاشتمال، لأن الثواء في الحول، فالفعل مشتمل عليهما، أي: دال على كل واحد منهما، كما قال ﷾: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) [البقرة: ٢١٧] فجر "قتالًا" على البدل من الشهر الحرام، لأن القتال فيه، والسؤال مشتمل عليهما معًا، والتقدير: يسألونك عن قتال في الشهر، وكذلك التقدير في البيت: لقد كان في ثواء حول ثويته/ وقول المصنف: وزعم ابن سيده أنه يجوز كون الهاء الخ. هذا كله كلام ابن السيد البطليموسي تلميذ ابن سيده قال في "شرح أبيات الجمل": جملة ثويته صفة لثواء، ويجب أن يكون في هذه الجملة ضميران، أحدهما: يعود للثواء الموضوف، وثانيهما للحول المبدل منه، فالهاء في ثويته للثواء، والعائد على الحول مقدر كأنه قال: ثويته فيه.
وقد قال بعض من شرح "أبيات الجمل" من مشايخ عصرنا وهو ابن سيده: الهاء في ثويته يجوز أن تعود على الثواء، ويجوز أن تعود على الحول، وذلك خطأ، لأنه إذا أعاد هاء "ثويته" على الحول بقى الموصوف بلا رابط، وإذا جعلها عائدة على ثواء بقي المبدل منه بلا رابط، فلابد من تقدير ضمير آخر كما قلنا. انتهى.
[ ٧ / ٩١ ]
وقد تبع ابن سيده ابن هشام اللخمي في "شرح أبيات الجمل" أيضًا قال: الهاء في "ثويته" قيل: عائدة على الثواء، وقيل: عائدة على الحول، وهو الأقوى، وهو مفعوله على السعة، لأن الأصل ثويت فيه، فاتسع بحذف الحرف، وإنما قلنا: إنه الأقوى، لأن بدل البعض وبدل الاشتمال لابد فيهما من ضمير يعود على البدل منه. انتهى. وفيه ذهول عن جملة الصفة، ثم قال اللخمي: ومن روى "ثواء" بالنصب لم يكن في البيت شاهد، وانتصب الثواء على أنه مصدر، أو مفعول من أجله، ويجوز ثواء بالرفع على أن يكون اسم كان، وهو ضعيف، حكى ذلك بعضهم، وكان الاستاذ ابن الأخضر لا يجيز أن يكون "ثواء" في البيت بدل اشتمال، قال: وإنما هو بدل بعض من كل، وهو على حذف مضاف تقديره: في حول زمن ثواء. قال الأستاذ ابن أبي العافية: هذا فاسد إعرابًا ومعنى، أما الإعراب، فلأن الزمن أعم من الحول، فكأنه أبدل الأكثر من الأقل، وإنما يبدل الأقل من الأكثر، وأما المعنى، فلإنه يخاطب نفسه ويوبخها على أن بقى مع محبوبته حولًا، ولم يقنع، ولو أراد بعض الحول لما كان به أن يوبخها، فإذا بطل هذا، صح الاشتمال، والمعنى: أنك تأنست بهريرة حولًا، وقضيت اللبانة فيه من وصلها، فدعها لما يعنيك من الذب عن حسبك، ومعاتبة معاندك، والفخر بقومك، وأشار إلى ها بقوله:
فدعها لما يعنيك واعمد لغيرها بشعرك وارغم أنف من أنت راغم
انتهى كلامه.
وأنشده سيبويه برفع "يسأم" قال في "الكتاب": وسألت الأخفش عن قول الأعشى:
[ ٧ / ٩٢ ]
"لقد كان في حول البيت" فرفعه، وقال: لا أعرف فيه غيره، لأن أول الكلام خبر وهو واجب، كأنه قال: ففي حول تقتضي لبانات ويسأم سائم. هذا معناه. قال أبو الحسن: النحوين يقولون: تقضي لبانات ويسأم سائم، نصبوا "يسأم" لأن تقضي اسم. انتهى.
قال الأعلم: الشاهد فيه رفع يسأم، لأنه خبر واجب معطوف على تقتضى، واسم كان مضمر [فيها] والتقدير: لقد كان الأمر تقضى لبانات في الحول الذي ثويت فيه، ويسأم من أقام به لطوله، يخاطب به نفسه، والثواء: الإقامة، وهو بدل من الحول، ويجوز نصبه على تقدير ثويته ثواء. ويروى "تقضي لبانات ويسأم سائم" بالنصب على إضمار أن، والعطف على تقضي. انتهى.
قال اغلإمام العسكري في كتاب "التصحيف" قال أبو العباس محمد بن يزيد: النحويون ينشدون "تقضي لبانات ويسأم سائم" برفع يسأم، لأنه عطف على فعل وهو تقضى، فلايكون إلا رفعًا، ومن قال: "تقضي لبانات" قال: "ويسأم سائم" بالنصب، لأن "تقضي" اسم، فلم يجز أن يعطف عليه فعل، فأضمر "أن" ليجري المصدر على المصدر، فصار تقضي لبانات، وأن يسأم سائم، أي: وما سئمه سائم. انتهى.
وقال أبو جعفر النحاس في "شرح شواهد سيبويه" قوله: ثواء بالجر بدل اشتمال من حول، أي: في ثواء حول، ويجوز ان يروى ثواء بالنصب، أي: ثويته ثواء، واسم كان كالأول ضمير الشأن، ويجوز أن يكون اسمها تقضي على رواية المصدر، و"في حول" خبرها، ويجوز على هذه الرواية نصب ثواء، ويروى
[ ٧ / ٩٣ ]
ثواء بالفرع وبرفع تقضي لجعله بدلًا من ثواء، وفي حول أيضأ الخبر، ويجوز أن يرفع يسأم في هذا كله بقطعه عن الأول. انتهى.
وهذا البيت من قصيدة للأعشى ميمون عاتب بها يزيد بن مسهر الشيباني، وتهدده لسبب وقه بينهما. ذكرته في الشاهد التاسع والثلاثين بعد الستمائة من شواهد الرضي، وهذا مطلع القصيدة:
هريدة ودعها وإن لام لائم غداة غد أم أنت للبين واجم
لقد كان في حول صواء ثويته البيت
قال المبرد في "الكامل" هريرو منصوب بفعل مضمر يفسره ودعها، ويجوز رفعه، والأول أحسن، وهريرة، بالتصغير، قينة، وقيل: أمة سوداء، كان العشى ينسب بها، وقيل: إن الأعشى سئل عنها، فقال: لا أعرفها، وإنما هو ألقي في روعي، وغداة: ظرف متعلق ب"ودع"، ويجوز أن يتعلق ب"لام"، و"أم" منقطعة بمعنى بل، والبين: الفراق، والواجم، بالجيم: الشديد الحزن حتى لا يطيق على الكلام، واللبانة بضم اللام: الحاجة، ثم بعد أن وضفها بأبيات، قال:
يزيد يغض الطرف دوني كأنما زوى بين عينيه على المحاجم
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلا وأنفك راغم
أبا ثابت لا تعلقنك رماحنا أبا ثابت واقعد وعرضك سالم
[ ٧ / ٩٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٧) فمن تكن الحضارة أعجبته فأي رجال بادية ترانا
على أن الرابط محذوف، قدره الزمخشري بقوله: فلسنا على صفته، وهو أول أبيات خمسة للقطامي، مذكورة في ديوانه، وأوردها المبرد في "الكامل"، وأبو تمام في "الحماسة" بفضل فيها عيش أهل البادية على عيش أهل الحاضرة. وفي ديوانه:
"من تكن الحضارة" بدون واو أو فاء، على الخرم، بالخاء المعجمة والراء المهملة. قال جامع ديوانه، أبو سعيد السكري: الحضارة: الحضر، يقال: هو من أهل الحضارة، أي: من أهل الحضر. انتهى. والحضارة، بكسر الحاء وفتحها، معناها الإقامة في الحضر، أي: القرية والمدينة، خلاف البداوة وهي الإقامة في البدية والتعيش فيها.
قال المبرد في "الكامل": قوله الحضارة، يريد الأمصار، وتقول العرب: فلان حاضر، وفلان باد، انتهى. وقوله: فأي رجال، أي: اسم استفهام يدل على الكمال، منصوب بترى. قال الطبرسي: وأي هذه تضاف إلى النكرة، تقول: مررت برجل أي برجل: إذا جعلته صفة، وأي رجل أخول: إذا جعلته خبرًا، ويراد به المدح والتفخيم، كأنك قلت: نهاية في الرجولية أخوك، يقول: من أعجبه رجال الحضر، فإي أناس بدو نحن، والمعنى: ترانا سادة البدو. انتهى.
وفي ديوانه:
فأي أناس بادية ترانا وبعده:
[ ٧ / ٩٥ ]
ومن رط الجحاش فإن فينا قنا سلبا وأفراسًا حسانا
وكن إذا أغرن على جنابِ وأعوزهن كوز حيث كانا
أغرن من الضباب على حلال وضبة إنه من حان حانا
وأحيانًا على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
سلب: بفتح السين وكسر اللام، قال السكري: سلبًا: طوالًا، يقال: عود سلب، وفرس سلب، وقوله: وكن إذا أغرن، أي: الأفراس، وأراد أصحابها، وأغرن من الإغارة على العدو، وأعوزهن: أحوجهن، قال السكري: جناب بن دهبل بن عبد الله، وينتهي نسبه إلى وبرة بن تغلب، وكوز بن مؤلة، وينتهي نسبه إلى دودان بن أسد، والصباب، بالسكر: اسم معاوية بن كلاب بن ربيعة، وحلال، بالكسر: أصرام يناوح بعضها بعضًا، يريد أبياتًا يقابل بعضها بعضًا، ويقال: حي حلالك، أي: كثير، وضبة بن أد بن طابخة. انتهى.
وقال التبريزي: إنهم ىعتيادهم الغارة لا يصبرون عنها حتى إذا أعوهم الأباعد، عطفوا على الأقارب، وقوله: "إنه من حان حانا" كأنه التفت إلى إنسان، فقال له: إنه من أهلك بغزو، فقد أهلك، وقوله: "وأحيانًا على بكر"، أي: وأغرن أحيانًا على بكر، وبكر أخو تغلب لأنهما أبناء زائل، والقطامي: صاحب الشعر، تغلبي. وروى المبرد البيت الثالث كذا:
وكن إذذ أغرن على قبيل فإعوزهن كوز حيث كانا
ويقال: حي حلالك: إذا كانوا متجاورين مقيمين. انتهى.
وترجمة القطامي تقدمت في الإنشاد الثامن والخمسين بعد المائتين.
[ ٧ / ٩٦ ]
وأنشد بعده:
ولو أنما أسعى لأدنى معيشة البيت
تقدم الكلام عليه في الإنشاد الثاني عشر بعد الأربعمائة. وقد أورده سيبويه في أوائل كتابه قال: وإنما قلت: ضربت وضربني قومك، فلم تجعل في الأول الهاء والميم، لأن الفعل قد يكون بغير مفعول، ولا يكون الفعل بغير فاعل، وقال امرؤ القيس:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة البيت
فإنما رفع، لأنه لم يجعل القليل مطلوبًا، وإنما كان المطلوب عنده الملك، وجعل القليل كافيًا، ولو لم يرد ذلك ونصب، فسد المعنى. انتهى كلامه.
قال ابن خلف: الشاهد فيه إعمال "كفاني" ولم يجز أن يعمل قوله: "لم أطلب" في "قليل" فينصبه، لأنه لو فعل هذا فسد معنى البيت، وذلك أن "لو" لانتفاء ما تضمنه معنى البيت الذيهو جوابها لأجل انتفاء معنى الكلام الذي هو بعدها، وعلة امتناع كون جوابها هو أن ما بعدها لم يقع، ألا ترى أنك تقول: لو جشتني لم أكرمك، ولصار معنى الكلام، لو وقع مجيئك، امتنعت كرامتي لك، فيكون المجيء سببًا لامتناع الإكرام، وأنه متى جاء لم يكرمه، واعلم أن شرط إعمال الفعلين أن يكون لهما معمول واحد يصح أن يعمل فيه كل منهما، كقولك: "ضربني وضربت زيدًا" يجوز أن يعمل في زيد: ضربت، فينصبه، ويجوز أن
[ ٧ / ٩٧ ]
يعمل فيه ضربني، فيرفعه، فإن كان لكل واحد منهما معمول غير معمول الآخر، لم يكن من هذا الباب، وكان من عطف الجملة على لجملة كقولك: ضربني زيد، وضربت عمرًا، فعلى هذا ينبغي أن لا يكون بيت امرئ القيس من هذا الباب، لأن كفاني يطلب القليل، و"أطلب" يطلب الكثير، فاختلفا، فلم يكن من هذا الباب. ألا ترى أنك لو أعملت الفعل الأول، لوجب الإضمار في الثاني؛ كقولك: "أكرمني وأكرمته زيد" لابد من الهاء، وأنت في قولك: "كفاني ولم أطلب قليل" لا يصح أن تقول: ولم أطلبه، لأن الهاء لم يتقدم لها ذكر، ولا بعدها ما يفسرها، وغنما معمول "أطلب" شيء غير القليل، وهو الكثير، فعلمت من هذا أن بيت امرئ القيس ليس من هذا الباب. وقال علي بت عيسى الربعي في شرح "الإيضاح" في هذا البيت المعنى: كفاني قليل من المال، ولم تجئ الهاء كما جيءي بها في أكرمني وأكرمته زيد لما أعمل لأن في "أكرمني وأكرمته زيد" كان "زيد" فاعلًا مفعولًا، وفي هذا البيت ليس المفعول الفاعل، لأن الكافي المال، والمطلوب الملك، فصار كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك، إلى هنا كلام ابن خلف. وكذا في "تذكرة أبي حيان" وابن الأنباري في كتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٨) فأتت به حوش الفؤاد مبطنًا
تمامه:
سهدًا إذا ما نام ليل الهوجل
[ ٧ / ٩٨ ]
على أن إضافة حوش إلى الفؤاد لفظية لا تفيد تعريفيًا؛ بديل أنه حال من الهاء.
والبيت من قصيدة لأبي كبير الهذلي، وتقدم أبيات من أولها في الإنشاد الحادي عشر بعد المائة. ونشرح، إن شاء الله تعالى، الأبيات التي قبل هذا البيت وبعده في الباب الثامن. وقوله: فأتت به، أي: فولدته. قال السكري في شرحه: الهوجل: الوخم الثقيل، فأتت به يعني: أمه، حوش الجنان، يعني وحشي الجنان، ومبطنًا: خميص البطن، سهدًا: يعني يقوظًا لا ينام. انتهى.
وضمر البطن محمود في الذكور، وفي "العباب" للصاغاني: رجل حوش الفؤاد، أي: حديث الفؤاد، وأنشد البيت، والسهد، بضمتين: القليل النوم، قال المبرد في "الكامل": قال آخر يصف ابنه:
أعرف منه قلة النعاس
أي: الذكاء والحركة وكان عبد الملك يقول لمؤدب ولده: علمهم العوم، وخذهم بقلة النوم، وكذلك قال أبو كبير الهذلي:
فأتت به حوش الجنان مبطنًا . . . . . البيت
[ ٧ / ٩٩ ]
وقال الآخر:
فجاءت به حوش الفؤاد مسهدًا وأفضل أولاد الرجال المسهد
وقال رسول الله، ﷺ: "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي".
انتهى. وإسناد نام إلى ليل: مجاز، وحقيقته: إذا ما نام الهوجل في الليل.
وترجمة أبي كبير تقدمت هناك.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والأربعون بعد السبعمائة:
(٧٤٩) يارب غابطنا لو كان يطلبكم لاقى مباعدة منكم وحرمانا
على أن إضافة "غابط" إلى الضمير للتخفيف لا تفيده تعريفًا بدليل دخول "رب" عليه، وهي مختصة بالنكرة، وقد أورده سيبويه في كتابه. لذلك قال أبن خلف: الشاهد فيه أن "غابطنا" نكرة لدخول "رب" عليها، ورب لا تدخل إلا على نكرة، وأن هذه الإضافة لم تعرفه، يريد: "غابط لنا"، والغابط: أن يتمنى لنفسه مثل ما لغيره، من غير أن يريد زوالها عنه، يقول: رب رجل يطن أنا نظفر منكم بما رغبناه، وأنكم تبذلون لنا من فضلكم مات املناه، فيغبطنا على ذلك، ولو طلب وصلكم كما نطلب، لم يظفر منكم بشيء مما كان يرغب. قال اللخمي
[ ٧ / ١٠٠ ]
في "شرح أبيات الجمل": رب تتعلق بفعل محذوف دل عليه "لاقى" عند أبي علي، وهو الصحيح، لأن ما تعمل فيه رب لابد له من صفة، والجملة في موضع خفض على الصفة لغابط، وعند غيره تتعلق ب"لاقى" وهي وما بعدها في موضع نصب، ومنكم: متعلق ب"لاقى"، والبيت لجرير من قصيدة هجابها الأخطل، وقبله:
إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا
يارب غابطنا البيت.
وترجمة جرير تقدمت في الإنشاد الحادي عشر.
وانشد بعده، وهو الإنشاد الخمسون بعد السبعمائة:
(٧٥٠) إنارة العقل مكسوف بطوع هوى وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
على أن المضاف اكتسب التذكير من المضاف إليه بدليل الإخبار عنه بقوله: مكسوف، ولم يقل: مكسوفة، قال أبو حيان في "شرح التسهيل": لكنه قليل، وليس كتأنيث المذكر لتأنيث المضاف إليه. وأنشد هذا البيت مع أبيات أخرى، ثم قال: وجعل المصنف من هذا القبيل قوله تعالى: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين) [الشعراء: ٤] ولم يقل خاضعات، لأن بالإضافة سرى إليها التذكير من المضاف إليه، وهو الضمير. انتهى. قال العيني: إن قائله من المولدين، وهو معنى مليح، وفيه موعظة كبيرة.
[ ٧ / ١٠١ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والخمسون بعد السبعمائة:
(٧٥١) طول الليالي أسرعت في نقضي نقضن كلي ونقضن بعضي
على أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه، ولهذا قال: أسرعت ولم يقل: أسرع، قا أبو حاتم في كتاب "المعمرين": وعاش الأغلب العجلي دهرًا طويلًا، وقال:
إن الليالي أسرعت في نقضي أخذن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وحنين عرضي أقعدنني من بعد طول نهض
انتهى.
وقال الأصفهاني في "الأغاني": هذا الرجز للأغلب العجلي، وهو الغلب بن جثم أحد المعمرين، عمر في الجاهلية عمرًا طويلًا، وأدرك الإسلام، فأسلم، وحسن إسلامه، وهاجر، وتوجه إلى الكوفة مع سعد بن أبي وقاص، فاستشهد في وقعة نهاوند، ويقال: إنه أول من رجز الأراجيز، فجعله قصائد، ثم تبعه الناس. انتهى.
وأورد سيبويه هذا البيت في كتابه، قال ابن خلف: الشاهد في هأنه قال: أسرعت، فأنت ضمير أسرعت، ويجب ان سكون مذكرًا، لأنه عائد على طول، وهو مذكر، وإنما أنثه، لأنه أضافه إلى الليالي، وليبس الطول شيئًا غيرها،
[ ٧ / ١٠٢ ]
فاكتسب منها التأنيث، وكذا القول في رواية "مر الليالي"، وأما الرواية: "إن الليالي"، وأرى الليالي"، فلا شاهد فيها.
والأغلب في اللغة: العهظيم الرقبة، والعجلي: نسبة إلى عجل: قبيلة من ربيعة وهو عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
قال الآمدي: من يقال له الغلب: منهم الأغلب العجلي الراجز وهو الأغلب ابن عمرو بن عبيدة بن حارثة بن دلف بن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لجيم [ابن الصعب بن علي بن بكر بن وائل] وهو أرجز الرجاز وأرصنهم كلامًا، وأوضحهم معني، ومنهم الأغلب الكلي، واسمه بشر بن حزرم، ومنهم الأغلب بن نباته الأزدي، ثم الدوسي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد السبعمائة:
(٧٥٢) وما حب الديار شغفن قلبي
تمامه:
ولكن حب من سكن الديارا
وقبله:
أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
[ ٧ / ١٠٣ ]
وهما لقيس العامري الشهير بمجنون ليلى، والكلام كالكلام فيما قبله، وترجمة مجنون ليلى تقدمت في الإنشاء السابع عشر من أوائل الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والخمسون بعد السبعمائة:
(٧٥٣) وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم
على أن "صدر" اكتسب التأنيث من القناة بالإضافة، ولذلك أنث الفعل المسند إليه وهو "شرقت" وأورده سيبويه في كتابه، قال ابن خلف: الشاهد فيه أنه أنث "شرقت"، والفعل "للصدر"، لأنه مضاف إلى القناة، وهو بعضها، فالخبر عنه كالخبر عما أضيف إليه، لأن المعنى في شرقت القناة، وشرق صدر القناة واحد: لأن الضاف يكتسب من المضاف إليه عشرة أشياء، وهي: التعريف، والتنكير، والاستفهام، والشرط، والتأنيث، والتذكر، والبناء، ومعنى الظرف من الزمان والمكان، ومعنى المصدر، وقال المبرد في هذا: مجاظه الضرورات عند النحويين، وليس عندي كذلك، بل هو جائز في غير الشعر، وإن منه قراءة الحسن: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) [يوسف: ١٠] قال: وصدر القناة من القناة، وذكر قول الله ﷿: (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين) [الشعراء: ٤]
[ ٧ / ١٠٤ ]
[الشعراء/٤]، ويجوز أن يقحم الصدر، ويعتمد على القناة. قال شيخنا أبو محمد عبد الله بن بري: صواب إنشاد البيت "وتشرق" بالنصب عطفًا على "تهره" في بيت قبله، وهو:
لئن كنت في جبٍ ثمانين قامة ورقيت أسباب السماء بسلم
ليستد رجنك القول حتى تهره وتلعم أني لست عنك بمحرم
وتشرق بالقول البيت
يخاطب الأعشى بهذا الشعر عمير بن عبد الله لبن المنذر. من بني ثعلبة يقول: أنت لا تعتصم من هجائي بشيء، ولا يمكنك دفعه، فلئن جعلت في قرار الأرض، أو أصدعت إلى السماء، ليلحقنك من هجائي ما لا تطيقه، والجب: البئر القديمة، ووصفها بأن طولها ثمانون قامة، وأسباب السماء: المواضع التي يتوصل إليها منها، أراد: ورقيت إلى أسباب السماء، فحذف حرف الجر، ولم يرد لئن كنت في جب في حال، ورقيت أسباب السماء في حال أخرى، ولم يمكنه أن يقول: أو رقيت لآجل الشعر، والاستدراج: إيقاع الإنسان في بلية ما كان ثيشعر بها، وتهره: تكرهه، والقول الذي قد أذاعه: هو الذي نشره، وحدث به من يحمله إلى الآفاق، يعني: ما نشره من سب الأعشى وشتمه، والمحرم: الذي قد دخل في الشهر الحرام، والداخل في البلد الحرام، وهو المحرم بالحج، وهو الذي له حرمة وذمام، يقول: لست أمتنع من هجائك في حال من الأحوال، كما يمتنع الذي يدخل في الشهر الحرام، والبد الحرام من أن يقاتل أحدًا، أو يؤذيه.
ومعنى تشرق: ينقطع كلامك في حقك، يرد: أنه ينقطع كلامك حتى
[ ٧ / ١٠٥ ]
لا تقدر على أن تتكلم لما تسمعه من هجائي لك، كما شرقت صدر القناة، يريد: أن الدم إذا وقع على صدر القناة، وكثر عليها، لم يتجاوز الصدر إلى غيره لأنه يجمد عليه، فأراد أن كلامه يقف في حلقه، ولا يمكنه إخراجه كما يقف الدم على صدر القناة، فلا يذهب، وقال سليمان بن يوسف بن عيسى النحوي: يخاطب بالبيت يزيد بن مسهر الشيباني، وكانت بينهما مباينة ومهاجاة. إلى هنا كلام ابن خلف، وهذا كلام المبرد في "الكامل" عند قوله جرير:
إذا بعض السنين تعرقتنا كفى الأيتام فقد أبي اليتيم
قال قوله: "إذا بعض السنين تعرقتنا" يفسر على وجهين، أحدهما: أن يكون ذهب إلى أن بعض السنين، لأنه سنة وسنون، كما قال الأعشى:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته . . . . . البيت
لأن صدر القناة قناة، ومن كلام بعض العرب: ذهبت بعض أصابعه، لأن بعض الأصابع أصبع، فهذا قول، والأجود: أن يكون الخبر في المعنى عن المضاف إليه، وأقحم المضاف توكيدًا، لأنه غير خارج من المعنى، وفيكتاب الله ﷿ (فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِين) [الشعراء: ٤] إنما المعنى: فظلوا لها خاضعين، والخضوع بين في الأعناق، فأخبر عنهم، فأقحم الأعناق توكيدًا، وكان أبو زيد الأنصاري يقول: أعناقهم: جماعتهم، ويقول: أتاني عنق من الناس، والأول قول عامة النحويين. انتهى.
وأورده الفراء في "تفسيره" عند قراءة الحسن: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ [يوسف: ١٠] وقال: العرب إذا أضافت المذكر إلى المؤنث وهو فعل له، أو هو
[ ٧ / ١٠٦ ]
بعض له، قالوا فيه بالتأنيث والتذكير، وأنشد أبياتًا وقال: وإنما جاز هذا كله، لأن الثاني يكفي عن الأول، ألا ترى أنه لو قال: تلتقطه السيارة، لجاز، ولا يجوز: ضربتني غلام جاريتك، لأنك لو ألقيت الغلام، لم تدخل الجارية على معناه.
وكذلك قال في سورة لقمان عند قوله تعالى: (يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ) [لقمان: ١٦] برفع مثقال لو قرئ به، قال: وجاز تانيث "تك" زالمثقال ذكر، لأنه مضاف إلى الحبة، والمعنى للحبة، فذهب التأنيث إليها كما قال:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته . . . . . البيت
وأنشد صاحب "الكشاف" عند قوله تعالى: (وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) [آل عمران: ١٠٣] بإرجاع ضمير "منها" إلى "شفا" وهو مذكر لإضافته إلى مؤنث.
وشرق يشرق من باب "فرح" بمعنى غص، يقال: شرق بالماء وبريقه: إذا لم يطق بلعه، وغص باللقمة، يريد: وتشرق بكلامك بسبب القول الذي قلته في، وهجوتي به، فاستعمال الشرق في الموضعين استعارة عن عدم القدرة على الكلام في الأول، وعن جمود الدم على صدر القناة من غير تجاوزت عنه في الثاني، و"ما" في "كما" مصدرية، والمعنى: تشرق بسبب القول الذي أفشيته للناس من هجائي كشرق صدر القناة بالدم، ولا تشربه، والمراد: أنه إذا هجاه لا يبرح عنه هجوه
[ ٧ / ١٠٧ ]
كالشرق لا يرتقي ولا ينحدر إلى يموت صاحبه فيه. وقوله: لست عنك بمحرم، أي: لست أمتنع من هجائك كما يمتنع الذي يدخل في الشهر الحرام، أو البلد الحرام، وروي: "عنك بمفحم" بفتح الحاء المهملة، وهو الذي لا يقدر على التكلم من شدة غيطه، حتى يصير وجهه كالفحم أسود. هذا أصله، ثم صار بمعنى الذي لا يجيد القول، من باب استعمال المقيد في المطلق. وهو الكأس يهرها، بالضم، عن المبرد وبالكسر عمن سواه هرًا وهريرًا: إذا كرهها، والهر، بالكسر الاسم، وفي المثل: "لا يعرف هرًا من بر" أي: لا يعرف من يكرهه ممن يبره.
والأبيات من قصيدة للأعشى ميمون البكري، وترجمة الأعشى تقدمت في الإنشاد التاسع عشر بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والخمسون بعد السبعمائة:
(٧٥٤) تجنب صديقًا مثل ما واحذر الذي يكون كعمرو بين عرب وأعجم
فإن صديق السوء يردي، وشاهدي:
كما شرقت صدر القناة من الدم
قال المصنف: مراده ب "ما" الكتابة عن الرجل الناقص كنقص ما الموصولة، قال الدماميني: ليس المراد الكناية، وإنما المراد تبيه الصديق المأمور بتجنبه بما
[ ٧ / ١٠٨ ]
الموصولة بالاتصاف بالنقص، والحذر من الشخص الذي يكون شهيبًا بعمرو في التزيد، وأخذ ما ليس له. انتهى. والأولى أن يقول: بما الناقصة كالموصولة والموصوفة. قال الصفدي في شرح "لامية العجم": ويحتمل أن يكون أراد أن يكون أراد بالذي تراه كعمرو الذي في قول الشاعر:
المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار
والأول أليق وأنسب. وقوله: فإن صديق السوء يزري، أي: يحقر صاحبه كما أن المذكر لما صاحب المؤنث في قوله: "كما شرقت صدر القناة"، صار مؤنثًا، فانحط عن رتبته، فصار حقيرًا.
وابن حزم هو على بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد الفارسي، أبو محمد القرطبي، ثم اللبلي، بفتح اللام وسكون الموحدة ثم لام، الفقيه الظاهري، صاحب التصانيف، ولد بقرطبة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، نشأ في نعمة ورياسة، وكان أبوه من الوزراء، وولي هو وزارة بعض الخلفاء من بني أمية بالأندلس، ثم ترك، واشتغل في صباه بالأدب والمنطق والعربية، وقال الشعر وترسل، ثم أقبل على العلم، فقرأ "الموطأ" وغيره، ثم تحول شافعيًا، فمضى على ذلك وقت، ثم انتقل إلى مذهب الظاهر، وتعصب له، وصنف فيه، ورد على مخالفيه، وكان واسع الحفظ جدًا، إلا أنه لثقته بحافظته كان يهجم في القول في التعديل والتجريح، فيقع له أوهام شنيعة، ثم تعصب عليه فقهاء المالكية بأمراء تلك الديار، فمنعوه وآذوه، وطردوه، وحرقوا كتبه علانية، وكان مما يزيد في بغض الناس له تعصبه لبني أمية ماضيهم وباقيهم، واعتقاده لصحة إمامتهم حيث نسب إلى النصب. كذا في "لسان الميزان" لابن حجر.
وأنشد بعده:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان
على أن "بعض" اكتسب الظرفية من إضافته إلى اسم مؤقت، وتقدم شرح هذا الشعر في الإنشاد الثامن والسبعين بعد الستمائة.
وأنشد بعده:
أي يوم سررتني بوصال لم ترعني ثلاثة بصدود
[ ٧ / ١٠٩ ]
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد السادس عشر بعد المائة.
وأنشد بعده:
ستعلم ليلى أي دين تداينت وأي غريم في التقاضي غريمها
وتقدم في الإنشاد السادس والخمسين بعد الستمائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والخمسون بعد السبعمائة:
(٧٥٥) عليك بأرباب الصدور فمن غدا مضافًا لأرباب الصدور تصدرا
الأبيات الثلاثة. قال الدماميني: وقوله: "مغريًا" يرجع إلى قوله: "عليك بأرباب"، وقوله: "محذرًا" ناظر إلى قوله: "وإياك أن ترضى" فإن قلت: قوله: "يبين قولي مغريًا ومحذرًا". لا يصح أن يكون خبرًا عن المبتدأين المعطوف
[ ٧ / ١١٠ ]
أحدهما على الآخر من قوله: "فرفع أبو من، ثم خفض مزمل"، ولا خبرًا عن أحدهما، أما الأول، فلعدم المطابقة، إذ لم يقل يبينان، وأما الثاني، فلاشتمال الجملة على قيد لا يصح تعلقه بكل منها، وذلك لأن رفع "أبو من" لا يبين قوله "مغريًا ومحذرًا". وإنما يبين وقله: مغريًا فقط، وخفض "مزمل" أيضًا لا يبين في الحالتين وإنما يبين في حالة التحذير، فكيف السبيل إلى تصحيح الكلام؟ قلت: السبيل إليه أن يجعل قوله "مغريًا" قيدًا للمحذوف لا للمذكور، ويجعل "يبين قولي" بلا قيد، خبرًا عن أحدهما، وخبر الآخر محذوفًا، والتقدير، على أن يكون الحذف من الثاني مثلًا: فرفع "أبومن" "يبين قولي"، وخفض "مزمل" كذلك، هما يبينان قولي: "مغريًا ومحذرًا". واعلم ان الفاء وثم إذا وقع بعدهما ضمير، فإن كان ذلك الضمير فيما هو من مقام الخبر عن المعطوف بهما مع المعطوف، ففي مطابقته لهما خلاف. قال بعضهم: يجب حذف الخبر من أحدهما نحو: زيد فعمرو قائم، وزيد ثم عمرو قاشم، ولا يجوز المطابقة، فلا يقال في شيء من الصورتين: قاما مثلا، لأن تفاوتهما فيالترتيب يمنع اشتراكهما في الإضمار، وأجاز الباقون مطابقة الضمير هذا هو الحق نحو: زيد ثم عمرو قاما، إذ الاشتراك في الضمير لا يدل على انتقاء الترتيب حتى يناقض الفاء وثم، وهذه الأبيات لأمين الدين المحلي.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والخمسون بعد السبعمائة:
(٧٥٦) كأن أبانًا في عرانين وبله كبير أناس في بجاد مزمل
على أن "مزملًا" حقه الرفع، لأنه صفة "كبير"، لكنه خفض بمجاورة المخفوض، وقد صرح المصنف في بعض تعليقاته أنه خفض لمجاورة "بجاد"،
[ ٧ / ١١١ ]
وكذا قال أبو حيان في "تذكرته" وقال المحقق الرضي: لمجاورته "أناسًا" تقديرًا لا ل"بجاد"، لتأخره عن "مزمل" في الرتبة، فإن قوله "في بجاد" متعلق ب"مزمل" ولم يجعل أبو علي خفضه على المجاورة، بل جعله صفة ل"بجاد" قال: أراد: في بجاد مزمل فيه، ثم حذف حرف الجر، فارتفع الضمير واستر في اسم المفعول.
والبيت من معلقة امرئ القيس، والرواية:
كأن ثبيرًا في عرانين وبله
وثبير: جبل بمكة، والعرانين، الأوائل، والأصل في هذا قولهم للأنف: عرنين استعير لأوائل المطر، لأن الأنوف تتقدم الوجوه، والوبل: مصدر وبلت اسماء تبل وبلًا: إذا أتت بالوابل، وهو ما عظم من القطر. وضمير "وبله" راجع للسحاب في بيت قبله، والبجاد بكسر الموحدة بعدها جيم: وهو كساء مخطط من أكسية الأعراب من وبر الإبل وصوف الغم، والمزمل: الملتف.
قال الزوزني: يقول: كأن ثبيرًا في أوائل مطر هذا السحاب سيد أناس ملتف بكساء مخطط شبه تغطيه بالغثاء بتغطي هذا الرجل بالكساء. انتهى.
قال الخطيب التبريذي نقلًا عن أبي نصر إن امرأ القيس شبه الجبل وقد غطاه المال والغثاء الذي أحاط به إلا رأسه بشيخ في كساء مخطط، وذلك أن رأس الجبل يضرب إلى السوداء، والماء حوله أبيض. انتهى. وقال الدينوري: شبه ثبيرًا برجل مزمل بالثياب، لأن المطر لما سمح سره. وروى المبرد في "الكامل" تبعًا للأصمعي: كأن أبانا في أفانين ودقه إلى آخره ..
قال: أبان جبل، وهما أبانان: أبان الأسود، وأبان الأبيض، وقوله: في أفانين ودقه. يريد ضروبًا، والودق: المطر، فصار له كاللباس على الشيخ المتزمل، وقال آخرون: إنما أراد ما كساه المطر من خضرة النبت، وكلاهما حسن، وذكر
[ ٧ / ١١٢ ]
الودق لأن تلك الخضرة من عمله. انتهى. وقد بسطنا الكلام على هذا البيت بأكثر من هذا في الشاهد الخمسين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع من أول الكتاب.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والخمسون بعد السبعمائة:
(٧٥٧) وقالت متى يبخل عليك ويعتلل يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب
على أن نائب الفاعل ل"يعتلل" ضمير المصدر المستر فيه. قال الدمياميني: لا حاجة إلى هذا الذي ذكر أنه لابد منه عنده، فإن الضمير النائب عن الفاعل راجع إلى المصدر المعهود، أي: الاعتلال، وهذا على رواية يبخل ويعتلل ويكشف بالبناء للمفعول، وأما على رواية هذه الأفعال بنون التكلم، فلا، لأنها تكون مبينة للمعلوم، وهي رواية أبي سعيد السكري في شرح ديوان امرئ القيس، والأولى رواية الأعلم الشتمري في شرح الأشعار الستة، والبيت لامرئ القيس من قصيدة اختلف في قائلها فمن رواها لامرئ القيس كان مطلعها عنده:
خليلي مرا بي على أم جندب لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
ومن رواها لعلقمة بن عبدة التميمي كان مطلعها عنده:
ذهبت من الهجران في غير مذهب ولم يك حقًا كل هذا التجنب
ومن رواها له لم يرو البيت الشاهد له. قال السكري في شرح ديوان امرئ
[ ٧ / ١١٣ ]
القيس قال هشام بن الكلبي: أخذ أبو عمرو الشيباني هذا الحديث عن المفضل زعموا أن امرأ القيس بن حجر تزوج امرأة من طي، وكان مفكرًا، فلما كان ليلة ابتنى بها، أبغضته، فجعلت تقول: أصبح ليلي يا خير الفتيان أصبحت! فينظر فيرى الليل كهيئته فلم تزل بذلك حتى أصبح، فزعموا أن عقلمة بن عبدة التميمي ثم أحد ربثيعة بن مالك نزل به، وكان من فحول أهل الجاهلية، وكان صديقًا له، فقال: أحدهما: أينا أشعر؟ فقال هذا: أنا، وقال الآخر: أنا، فتلاحيا حتى قال امرؤ القيس: انعت ناقتك وفرسك، وانعت ناقتي وفرسي. قال: فافعل، والحكم بيني وبينك هذه المرأة من ورائك. يعني: امرأته الطائية، فقال امرؤ القيس
خليلي مرا بي على أم جندب . . . . . البيت. ومنها:
ألم ترياني كلما جئت طارقًا وجدت بها طيبًا وإن تطيب
فإن تنأ عنها حقبة لم تلاقها فإنك مهما أحدثت بالمجرب
وقالت متى يبخل عليك ويعتلل يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب
قال السكري: تنأى: تبعد، نأيته ونأيت عنه، والبعد: النأي، وحقبة: زمنًا. يقول: فإن تنأ عنها حقبة فيما تستقبل، فإنك ستراها على المجرب، أي: التجربة، وقوله: وقال: "متى يبخل .. البيت" قال السكري أي: هذا فيما كانت قالت لنا نكشف غرامك، أي: نعطم ما تريد، تدرب، أي: تتعود وتصير ذا دربة، والغرام: من قولك فلان مغرم بفلان، أي: معنى بحبه، وقال:
فكلنا مغرم يهذي بصاحبه
انتهى.
وقال صاحب "الأغاني": أم جندب هي زوجة امرئ القيس، تزوجها حين هرب من المنذر بن ماء السماء، فأتى جبلي طي، وكان مفركًا فبينا هو معها ليلة إذ
[ ٧ / ١١٤ ]
قالت له: يا خير الفتيان قد أصبحت! فلم يقم، فكررت عليه، فقام فوجد الفجر لم يطلع، فقال لها: ما حملك على ما صنعت؟ وألح عليها، فقالت: حملني أنك ثقيل الصدر، خفيف العجر، سريع الإراقة، بطيء الإفاقة، فعرف صدق قولها، فسكت، فلما أصبح، أتى علقة بن عبدة إليه وهو في خيمته، وأم جندب وراء فنازع امرؤ القيس الشعر، فقال له: قد حكمت بيني وبينك امرأتك، فقالت لهما: قولًا شعرًا على روي واحد، فلما قال القصيدتين، عرضاهما عليها، فغلبت علقمة، فقال لها زوجها: بأي شيء غلبته علي؟ قالت: قلت:
فللسوط ألهوب وللساق درة وللزجر منه وقع أخرج منهب
فجهدت فرسك بسوطك، ومريته بساقك، وزجرته وابتعثته بجهدك، وقال علقمة:
فولى على آثارهن بحاصب وغيبة شؤبوب من الشد ملهب
فأدركهن ثانيًا من عنانه يمر كمر الرائح المتحلب
فلم يضرب فرسه، ولم يره بساق، ولم يبتعثه بزجر، فغضب من قولها، فطلقها، وخلف عليها علقمة، فسمى علقمة الفحل. انتهى كلام الأغاني باختصار.
وعلقمة بن عبدة: شاعر جاهلي كامرئ القيس، وأورده ابن حجر في قسم
[ ٧ / ١١٥ ]
المخضرمين الذين أدركوا زمن النبي، ﷺ، ولم يروه والله تعالى أعلم. وترجمة امرئ القيس تقدمت في الإنشاد الرابع.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والخمسون بعد السبعمائة:
(٧٥٨) أهم بأمر الحزم لو أستطيعه وقد حيل بين العير والنزوان
على أن هذا البيت يؤيد التأويل في الآية، قال الدماميني: يعني أن التأويل في هذا البيت متعين، إذ لا سبيل إلى أن يقال فيه بأن فتحة "بين" فتحة بناء، لأنه مضاف إلى معرب كما قال، فيجب التأويل يدعى أن النائب عن الفاعل ضمير مصدر مقرب معهود، والمعنى: وقد حيل الحول بين العير والنزوان. انتهى.
وقوله: أهم بأمر الحزم مراده قتل زوجته كما يأتي قريبًا، و"لو" هنا للتمني، والعير، بفتح العين المهملة: الحمار، اهليًا كان أم وحشيًا، والنزوان، بفتح النون والزاي المنقوطة بعدها واو: مصدر نزا الحمار ينزو على أنثاه: إذا وثب عليها للجماع، والمصراع الأخير مدون، وقد أورده الزمخشري في أمثاله المسمى ب "المستقصى" فقال:
حيل بين العير والنزوان
يضرب في منع الرجل مراده. وأول من قاله: صخر بن عمرو بن الشريد، وهو أخو الخنساء، وذلك أنه طعنه ربيعة الأسدي، فأدخل حلقة من حلقات الدرع في جوفه، فمرض زمانًا حتى ملته زوجته، فمر بها رجل، وكانت ذات خلق وأوراك، فقال لها: [كيف مريضكم؟ فقالت: لا حي فيرجى، ولا ميت
[ ٧ / ١١٦ ]
فينعى، ثم قال لها:] ع=هل يباع الكفل؟ قالت: نعم، عما قليل، وذلك بمسمع من صخر، فقال [لها]: أما والله لئن قدرت لأقدمنك قبلي، فقال لها: ماوليني السيف أنظر إليه هل تقله يدي، فناوله، فإذا هو لا يقله، فقال:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي وملت سليمى موضعي ومكاني
فإي امرئ ساوى بأم حليلة فلا عاش إلا في شقى وهوان
أهم بأمر الحزم .. البيت.
وما كنت أخشى أن أكون جنازة عليك ومن يغتر بالحدثان
فللموت خير من حياة كأنها معرس يعسوب برأس سنان
انتهى.
وهذا اليوم الذي طعن فيه صخر يقال له: "يوم ذات الأثل" أورده أبو عبيدة في أيام العرب، ونقله عنه ابن عبد ربه في أيام العرب من "العقد الفيد" قال الصاغاني: كل شيء ثقل على قوم واغتموا به، فهو جنازة، وأنشد هذا البيت، والعرس: موضع التعريس؛ وهو نزول القوم في السفر آخر الليل، يقعون فيه وقعة الاستراحة، ثم يرتحلون، واليعسوب: أمير النحل، وسيد كل قوم.
وقال المبرد في أواخر "الكامل": وكان سبب قتل صخر بن عمرو بن الشريد أنه جمع جمعًا، واغار على بني أسد خزيمة، فنذروا به، فالتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا، فارفض أصحابه عنه، وطعن بطعنة في جنه، فاستقل بها، فلما صار إلى أهله تعالج منها فنتأ من الجرح مثل اليد، فأضناه، ذلك حولًا، فسمع سائلًا يسأل امرأته وهو يقول: كيف صخر اليوم؟ فقالت: لا ميت فينعى،
[ ٧ / ١١٧ ]
ولا صحيح فيرجى، فعلم أنها قد برمت به، ورأى تحرق أمه عليها، فقال: أرى أم صخر ما تمل عيادتي .. الأبيات السابقة.
ثم عزل على قطع ذلك الموضع، فلما قطعه يئس من نفسه فبكاها، وقال:
أيا جارتا إن الخطوب قريب من الناس كل المخطئين تصيب
أيا جارتا إنا غريبان ههنا وكل غريب للغريب نسيب
انتهى. وقال ابن قتيبة في كتاب "الشعراء" طال مرضه ٨ من تلك الطعنة وعاده قومه، فكانوا إذا سألوا امرأته عنه: [قالت لا هو حي فيرجى ولا ميت فينسى] وضخر يسمع كلامها، ويشق جوابها عليه، وإذا سألوا أمه، قالت: أصبح صالحًا بنعمة الله تعالى، فلما أفاق [من علته] بعض الإفاقة، عمد إلى إمرأته، فعلقها بعمود الفسطاط حتى ماتت، وقيل: بل قال: ناولوني سيفي أنظر كيف قوتي، فناولوه، فلم يطق السيف، ففي ذلك يقول:
أهم بأمر الحزم .. البيت، وأول الشعر:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي . . . . . البيت.
وآخره:
لعمري لقد نبهت من كان راقدًا وأسمعت من كانت له أذنان
ثم نكس بعد ذلك فمات، فكانت أخته الخنساء تريثه، ولم تزل تبكيه حتى عميت. انتهى.
[ ٧ / ١١٨ ]
وقال الأخفسش جامع ديوان الخنساء الصحابية: إن صخربن عمرو بن الشريد خرج ذات يوم يتصيد، فبينا هو كذلك إذ أغارت بنو عبس على قومه، فساقوا النعم، وعاثوا، فلما رجع من صيده، رأى محله قومه بلاقع لا أحد بها، فركب فرسه، واستخرج رمحه من الرمل وكان مدفونًا، ثم أتبع القوم، فالتفت عبسي، فأبصره مقبلًا نحوهم، فقال: هذا رجل من بني سليم قد أتاكم وقد أحب الله أن لا يدع منهم أحدًا إلا أظفركم به، فليرجع إليه رجل منكم، فليقتله، فشد عليه رجل منهم، فطعنه صخر، فقتله، ثم حمل عليه آخر فقتله صخر، ثم حمل رهط منهم، فاستطرد لهم وجعل ينفرد فارس فيقتله حتى قتل منهم نفرًا، فلما رأى ذلك أسراء بني سليم حل بعضهم بعضًا، ثم ثاروا إليهم، فقاتلوهم، وكانت ابنة عمه سليمى على ظهر زنجي من عبيد بني عبس، وكان مولاه قد جعل له أفضل جارية من بني سليم إذا هم ظفروا بهم لشدته وبأسه وإبلائه- أي: إظهار جودة العمل في الحرب- فاختار سليمى، فأخذها وربطها بظهره، فجعل يقاتل وهي على ظهره، فخاف صخر أن يطعنه، فتصل الطعنة إلى الجارية، فعمد إلى عمامته، فربطها دون السنان ليمتنع من الإغراق في جوفه، فينال سليمى، ثم طعن الزنجي، فقتله فرأسته بنو سليم يومئذ عليهم، وقالوا له: اختر أي بنات عمك، فاختار سليمى، فتزوجها، فكانت من أحب الناس إليه، وأكرمهم عليه، ثم إن صخرًا خرج في غزاة، فقاتل قتالًا شديدًا، وأصابته جراحة عظيمة، فمرض منها، فطال مرضه، وعاده قومه فأتاه يومًا عائد، فقال لسليمى: كيف أصبح صخر؟ فقالت: أصبح لا حيًا يرجى، ولا ميتًا ينسى، فسمع ذلك صخر، فشق عليه، وقال في نفسه: هذه ابنة عمي وأحب الناس إلي، وكلاهما عندي حسن، تقزل هذا تضجرًا بي وغرضًا منى، وتمنيًا لفراقي! أما والله لئن عافاني الله لأقضين ما في نفسي عليها، ثم قال: أنت القائلة لعائدي كذا وكذا؟ قالت غير
[ ٧ / ١١٩ ]
معتذرة عن ذلك: نعم، قال: أما والله لقد نذرت نذرًا فيك، وإني لأرجو أن أفي به إن عافاني الله تعالى، قالت: وما نذرك، خير أم شر؟ قال: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، قالت: والله إن قولي فيك للحق عندي، وما كذبت عليك، فأحفظته. ثم أتاه عائد آخر، فقال: كيف أصبح صخر اليوم؟ قالت أمه: أصبح اليوم بحمد الله ونعمته صالحًا، ما كان منذ اشتكى خيرًا منه اليوم، وإنا لنرجو له العافية. ففي ذلك يقول صخر:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي الأبيات، وآخرها كذا:
فللموت خير من حياة كأنها عقاب تعلى في شباة سنان
وأنه أفاق من طعنته فعمد إلى سليمى، فعلقها بعمود الفسطاط، فلم تزل كذلك حتى خرجت، فدفنها، ثم نكس من طعنته، فمات، ثم ساق رواية أبي عبيدة. وقد أطنب العباسي في قصته عند شرح قول الخنساء في مرثية لها من "معاهد التنصيص":
وإن صخرًا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
وصخر مات في الجاهلية، لم يدرك الإسلام. والخنساء أدركته وأسلمت، واجتمعت بالنبي، ﷺ، وكان يلاطفها، ويقول لها: أنشدينا يا خناس، وتقدمت ترجمتها في الإنشاد الرابع والعشرين بعد المائة:
تتمة: قال ياقوت الحموي في كتاب "معجم الأدباء" في ترجة الحسن بن عبد الله أبي أحمد العسكري: إن الصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عباد الوزير، كان يتمنى لقاء أبي أحمد العسكري، ويكاتبه على ممر الأوقات، ويستميل قلبه،
[ ٧ / ١٢٠ ]
فيعتل عليه بالشيخوخة، فلما يئس منه الصاحب، احتال في جذب السلطان إلى ذلك الصوب، وكتب إليه حين قرب من عسكر مكرم كتابًا يتضمن علومًا نظمًا ونثرًا، ومما ضمنه من المنظوم قوله:
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم ضعفنا ولم نقدر على الوخدان
أتيناكم من بعد أرض نزوركم على منزل بكر لنا وعوان
نسائلكم هل من قرى لنزيلكم بملء جفون لا بملء دفان
فلما قرأ أبو أحمد الكتاب، أقعد تلميذًا له، فأملى عليه الجواب عن النثر نثرًا، وعن النظم نظمًا، وبعث به إليه في الحال وكان في آخر جواب أبيانته التي ذكرها على الحال:
وقد حيل بين العير والنزوان
وهو تضمين، إلا أن الصاحب استحسنه، ووقع منه موقعًا عظيمًا، وقال: لو عرفت أن هذا المصراع يقع في هذه القافية لم أتعرض لها، وكنت قد ذهلت عنه وذهب علي. ثم إن أبا أحمد قصده وقت حلوله بعسكر مكرم بلده، ومعه أعيان أصحابه وتلامذته في ساعة لا يمكن الوصول إليه إلا لمثله، وأقبل عليه بالكلية بعد ان أقعده في أرفع موضع من مجلسه، فتفاوضا في مسائل، فزادت منزلته عنده، وأخذ أبو أحمد بالحظ الأوفر منه، وادر على المتصلين به إرادًا كانوا يأخذونه إلى أن توفي، وبعد وفاته أيضًا، وأبيات العسكري هي:
أروم نهوضًا ثم يثني عزيمتي تعوذ أعضائي من الرجفان
فضمنت بيت ابن الشريد كأنما تعمد تشبيهي به وعناني
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه .. البيت.
قال ثم نهض، وقال: لابد من الحمل على النفس، فإن الصاحب لا يقنعه هذا، فركب بغلة وقصده، فلم يتمكن من الوصول إلى الصاحب لا ستيلاء الحشم، فصعد تلعة، ورفع صوته بقول أبي تمام:
[ ٧ / ١٢١ ]
ما لي أرى القبة الفيحاء مقفلة دوني وقد طالما استفتحت مقفلها
كأنها جنة الفردوس معرضة .. وليس لي عمل زاك فأدخلها
قال: فناداه الصاحب: ادخلها يا أبا أحمد، فلك السابقة الأولى، فتبارد إليه أصحابه، فحملوه حتى جلس بين يديه، فسشأله عن مسألة، فقال: الخبير صادفت، فقال الصاحب: يأ أبا أحمد تغرب في كل شيء حتى في المثل السائر؟ فقال: تفاءلت عن السقوط بحضرة مولانا، وإنما كلام العرب "على الخبير سقطت" ولما نعى إلى الصاحب، أنشد فيه:
قالوا مضى الشيخ أبو أحمد وقد رثوه بضروب الندب
فقلت ما من فقد شيخ مضى لكنه فقد فنون الأدب
وكانت وفاته سنة تسع وثمانين وثلاثمائة.
وأنشد بعده:
إذ ما مثلهم بشر
أصله:
فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر
وهو للفرزدق، وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الثامن عشر بعد المائة.
وأنشد بعده:
والشر بالشر عند الله مثلان
[ ٧ / ١٢٢ ]
صدره:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
وتقدم في الإنشاد الموفي ثمانين.
وأنشد بعده:
لم يمنع الشرب منها غيير ان نطقت حمامة في غضون ذات أوقال
وتقدم في الإنشاد التاسع والخمسين بعد المائتين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والخمسون بعد السبعمائة:
(٧٥٩) على حين عاتيت المشيب على الصبا فقلت ألما تصح والشيب وازع
على أن "حينًا" بني على الفتحة جوازًا، لكونه أضيف إلى مبني، وهذا قلما خلا كتاب نحو عنه، وهو من قصيدة للنابغة الذبياني. وقبله:
فأسبل مني عبرة فرددتها على النحو منها مستهل ودامع
وفاعل أسبل: ضمير "ذو حسى" في بيت من مطلع القصيدة، وذو حسى: بضم الحاء والسين المهملتين وبألف مقصورة: بلد في بلاد بني مرة، وعبرة: مفعول أسبل، يقال: أسبل الرجل الماء، أي: صبه، والعبرة، بالفتح: الدمعة، وإنما
[ ٧ / ١٢٣ ]
ردها خوف الفضيحة، فغنه يبكي على دار الحبيب الدارسة، وهو شيخ، وعلى النحر: متعلق بأسبل، ويجوز أن يتعلق ب "رددتها" على وجه. والنحر: موضع القلادة من الصدر، زوالدمعة تجرى على الخدود، ثم تسيل منها على النحر، ومستهل: سائل، ودامع: قاطر، وجملة: "منها مستهل ودامع" صفة لعبرة، أي: بعضها كذا، وبعضها كذا، ولم يصب الدمامينى في قوله: أسل: هطل، وحذف تاء التأنيث للفصل. انتهى. وظن أن عبرة هي الفاعل، وإنما هي مفعوله.
وقوله: "على حين عاتبت" إلخ. على: بمعنى "في" متعلق بأسبل، وعاتبه على كذا، أي: لامه مع تسخط، و"على" الثانية متعلقة بعاتبت، والصبا، بالكسر، والقصر: اسم الصورة، وهي الميل إلى هوى النفس، والمشيب: الشيب، وقوله: فقلت، أي: للشيب، والعطف على جملة "عاتبت"، وجملة "ألما تصح" محكية بالقول، والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، ولما جازمة اخت لم، وفيها توقع، فيكون صحوه متوقعًا، وصحا يصحو: زال سكره، وجملة: "والشيب وازع" حال من فاعل تصحو، ووازع، بالزاي المعجمة: الزاجر، والكاف، قال صاحب "المصباح": وزعته عن الأمر أزعه وزعًا، من باب وهب، كمنعته عنه، وحبسته، وروى أبو عبيدة: "ألما أصح" بصيغة المتكلم وحده، وهي الموجودة في نسخ هذا الكتاب، وقد تقدم شرح من هذه القصيدة في الإنشاد الثامن والعشرين بعد الستمائة، وقد شرحنا هذه من أولها إلى آخرها، لكون غالب أبياتها شواهد، في شرح الشاهد الخامس والخمسين بعد المائة من شواهد الرضي.
[ ٧ / ١٢٤ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الستون بعد السبعمائة:
(٧٦٠) لأجتذبن منهن قلبي تحلمًا على حين يستصبين كل حليم
على أن "حينًا" اكتسب البناء من إضافته لمبني على ما بينه المصنف، واللام في جواب قسم مقدر تقديره: والله لأجتذبن، واتصال اللام والنون بالمضارع بدلان على القسم، ومنهن، أي: من هواهن، وتحلماُ أي بتحلم، أي: استخلص من هواهن باستعمال الحلم، والتأني، فإن كل امرئ لا يوصل إليه إلا باستعمال العقل والتأني. وقوله: "على حين يستصبين" أي: في زمان كمال حسنهن الذي يصبي العاقل والوقور إليهن، أي: يميله. ورواه أبو حيان في شرح "التسهيل":
لأجتذبن منهن قلبي تخلصًا
فيكون تخلصًا مفعولًا لأجله.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد والستون بعد السبعمائة:
(٧٦١) إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني نسيم الصبا من حيث يطلع الفجر
هو من قصيدة لأبي صخر الهذلي وهي من أرق النسيب أوردناها، وشرحناها في الإنشاد الرابع والسبعين في بحث "أما" المخففة. وقد أورد المبرد هذا البيت في
[ ٧ / ١٢٥ ]
أواخر "الكامل" وأورد بالمناسبة أصول الرياح وفروعها قال: النبكاء تهب بين الريحين، لأن الرياح أربع، وما بين كل ريحين نكباء، فهي ثمان في المعنى، فما بين مطلع سهيل إلى مطلع الفجر "جنوب"، وإنما يأتي الجنوب من قبل اليمن، وإذا هبت من تلقاء الفجر "جنوب"، وإنما يأتي الجنوب من قبل اليمن، وإذا هبت من تلقاء الفجر، فهي "الصبا"، والعرب تسميها القبول، وأنشد هذا البيت، وإذا أتت من قبل الشام، فهي "شمال"، وهي تقابل "الجنوب"، وإذا جاءت من دبر البيت الحرام، فهي "الدبور"، وهي تهب بشدة، والعرب تسميها محوة عن أبي زيد، لأنها تمحو السحاب، وهي معرفة لاتنصرف. ولهذه الرياح أسماء كثيرة وأحكام في العربية، لأن بعضهم بجعلها نعوتًا، وبعضهم يجعلها أسماء، وكذلك مصادرها تحتاج إلى الشرح والتفسير، ونحن ذاكروا ذلك في غير هذا الباب إن شاء الله تعالى، وأورده أو علي الفارسي عن أبي زيد من أواخر سورة البقرة عند قراءتهم الريح والرياح بالإفراد والجمع، واستقصى الكلام على أساميها ونعوتها وأنواعها وفروعها.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثاني والستون بعد السبعمائة:
(٧٦٢) ألم تعلمي يا عمرك الله أنني كريم على حين الكرم قليل
وأني لا أخزى إذا قيل مملق سخي وأخزى أن يقال بخيل
على أن "حينًا" بني على الفتح، كما في البيت الذي قبله لإضافته إلى الفعل
[ ٧ / ١٢٦ ]
المضارع، ولإضافة هذا إلى الجملة الاسمية. وهما من قصيدة أوردها القالي في "أماليه" قال: أنشدنا أبو بكر ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عبيد لشاعر قديم:
وعاذلة هبت بليل تلومني ولم يغتمزني قبل ذاك عذول
تقول اتئد لايدعك الناس مملقًا وتزرى بمن يا ابن الكرام تعول
فقلت أبت نفس على كريمة وطارق ليل غير ذاك يقول
ألم تعلمي يا عمرك الله . . . . . . البيتين
فلا تبتغي العين الغوية وانظري إلى عنصر الأحساب أين يؤول
ولا تذهبن عيناك في كل شرمخ له قصب جوف العظام أسيل
عسى ان تمنى عرسه أنني لها به حين يشتد الومان بديل
إذا كنت في القوم الطوال فضلتهم بعارفة حتى يقال طويل
فلا خير في حسن الجسوم وطولها إذا لم يزن حسن الحسوم عقول
وكائن رأينا من فروع طويلة نموت إذا لم تحيهن أصول
فإن لم يكن جسمي طويلًا فإنني لها بالفعال الصالحات وصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقه فحلو وأما وجهه فجميل
[قال أبو علي]: الشرمخ: الطويل، وكذلك الشوقب. قال أبو بكر بن الأنباري: العارفة: النفس الصابرة، هذا ما أورده القالي. والمناسب هنا أن تكون العارفة بمعنى المعروف وإسداء الجميل، وكذا رواها الحصري في "زهر الآداب" عن أحمد بن عبيد أنها لشاعر قديم. وأوردها أبو القاسم عبد الرحمن ابن إسحاق الزجاجي في كتاب "الأخبار والفوائد والأشعار" قال: أنشدنا الأخفش،
[ ٧ / ١٢٧ ]
قال: أنشدنا محمد بن الحسن الأحول لمبشر بن هذيل الفزاري:
وعاذلة هبت تلوم إلى آخر الأبيات.
وقال بعدها: المملق: الفقير، واشتقاقه من الملقة، وهي الصخرة الملساء، وقوله: "ألم تعلمي يا عمرك الله" بكسر الكاف، ضمير العاذلة، ويا: للنداء، والمنادى محذوف، وعمرك الله: منصوبان بفعل محذوف تقديره: سألت الله تعميرك، فعمر: أصله تعمير، فحذف الزوائد.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثالث والستون بعد السبعمائة:
(٧٦٣) أتاني أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي تستك منها المسامع
مقالة أن قد قلت سوف أناله وذلك من تلقائ مثلك رائع
قال المصنف: ويحكى أن ابن الأخضر سئل بحضرة ابن الأبرش عن وجه النصب- كذا في النسخ، وصوابه عن الفتح- وقد نقل أبو حيان في "شرح التسهيل" المسألة مبسوطة قال: ومن غريب الحكايات في هذه المسألة أن بعض تلاميذ شيخنا الأستاذ أبي جعفر بن الزبير ممكن كان يكتب إلى بعض أصحابه كتابًا يكلفه أن يسألني فيه توجيه ما رأى في طرة على كتاب "المفصل" وهو أنه قال فيها: سأل
[ ٧ / ١٢٨ ]
طالب ابن الأخضر بحضرة ابن الأبرش عن فتح "مقالة" في قول النابغة" "أن قد قلت سوف أناله" فأجابه:
ولا تصضحب الأردى فتردى مع الردي
فقال له يا أستاذ: ما فهمت كلامي، فقال له ابن الأبرش: قد أجابك، فسألني فأمليت عليه كلامًا كثيرًا في التعريف بابن الأخضر، وابن الأبرش، وتوجيه ما سأل عنه. وملخص ما سأل عنه أن هذا البيت قبله:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي تستكك منها المسامع
والبيت الذي بعده:
مقالة إن قد قلت سوف أناله وذلك من تلقاء مثلك رائع
وذلك أن قوله: "أنك لمتني" في موضوع الفاعل ب"أتاني"، ومقالة، ضبط بالرفع والفتح، فإنه مبني عليه، لإضافته إلأى مبني، فهذا معنى قول ابن الأخضر:
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
أي: لولا لإضافة "مقالة" إلى ما بني، لما صحب الأردى، وهو المبني، وردي معه، أي: بني. هذا آخر كلام أبي حيان.
وابن الأخضر: هو أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن مهدي بن عمران التنوخي الإشبيلي، كان مقدمًا في اللغة، والعربية، والأدب، موصوفًا بالذكاء والإتقان، أخذ عن الأعلم، وأخذ عنه جماعة. مات في رجب سنة أربع عشرة وخمسمائة.
وابن الأبرش: هو أبو القاسم، خلف بن يوسف الأندلسي الشنتريني، كان إمامًا في اللغة والعربية، استظهر "كتاب سيبويه" و"أدب الكاتب" و"المقتضب"
[ ٧ / ١٢٩ ]
و"الكامل" يروي عن أبي الربيع الضرير، وأبي علي الغساني، وابن البادش، وعاصم بن أيوب، وروى عنه أبو الوليد بن خيرة القرطبي، وكان من أهل الزهد والانقطاع إلى الله تعالى، ودعي إلى القضاء، فأنف منه وأبى. مات بغرناطة في ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وخمسامائة. ومن شعره:
لو لم يكن لي آباء أسود بهم ولم يثبت رجال العرب لي شرفا
ولم أنل من مليك العصر منزلة لكان في سيبويه الفخر لي وكفى
نقلت ترجمتها من "تحفة الأريب في نحاة مغني اللبيب" للسيوطي.
وأنشد الأخفش المجاشعي في كتاب "المعاياة" هذين البيتين إلا أول البيت الثاني فإنه رواه كذا:
ملامة أن قد قلت سوف أناله
وقال: نصب ملامة، على "أنك لمتني"، فجاء به من بعد ما تم الاسم، وهو من الصلة، وهذا رديء. انتهى. بريد أن ملامة مفعول مطلق عامله لمتني. وقوله: "أبيت اللعن" جملة دعائية معترضة بين الفعل وفاعله. قال ابن الأنباري في "شرح المفضليات": قوله: أبيت اللعن أبيت من الأخلاق المذمومة ما تلعن عليه، وكانت هذه تحية لخم وجذام، وكانت منازلهم الحيرة وما يليها، وتحية ملوك غسان: يا خير الفتيات، وكانت منازلهم الشام، وروي:
وأخبرت خير الناس أنك لمتني
وخير: منادي، وقوله: أنك لمتني في تأويل مصدر مرفوع فاعل أتاني، واللوم هنا بمعنى التهديد، لأنه فسر اللوم بقوله: سوف أناله، أي: أصل إليه، وأتمكن منه، وذلك، أي: وذلك القول المتضمن للتهديد. من تلقاء، أي: من جهة سلطان مثلك. رائع، أي: مفزع مقلق، من: راعني الشيء روعًا من باب قال: أفزعني. وقوله: وتلك التي: وتلك الملامة التي صدرت منك. تستك: تستد، فلا تسمع.
[ ٧ / ١٣٠ ]
والبتان من قصيدة للنابغة الذبياني، وهي من القصائد "الاىعتذاريات" اعتذر بها إلى النعمان بن المنذر ليتنصل عما وشي به عنه، وغالبا أبياتها شواهد، ولهذا شرحنا لها تماما في الشاهد الخامس والخمسين بعد المائة من شواهد الرضي. وترجمة النابغة تقدمت في الإنشاد الثالث والعشرين.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الرابع والستون بعد السبعمائة:
(٧٦٤) ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
هو آخر معلقة طرفة بن العبد، وقبله:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
ويأتيك بالأنباء من لم تبع له بتاتًا ولم تضرب له وقت موعد
لعمرك ما الأيام إلا معارة فما فما اسطعت من معروفها فتزود
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن بفتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
وتقدمت ترجمة طرفة في الإنشاد الرابع والستين بعد المائة.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الخامس والستون بعد السبعمائة:
(٧٦٥) قد جعل النعاس يغرنديني أطرده عني ويسرنديني
[ ٧ / ١٣١ ]
على أنه شذ تعدي "افعلني" وأحسن من دقق النظر فيه الرضي في شرح "الشافية" قال: الأصل: يغرندي علي، ويسرندي علي، أي: يغلب ويتسلط. انتهى. فيكون افعلني فيها لازمًا، لكنه من باب الحذف والإيصال.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السادس والستون بعد السبعمائة:
(٧٦٦) إن البغاث بأرضنا يستنسر
قال القالي في "أماليه": قال الأصمعي: هو مثل يضرب للرجل يكون ضعيفًا، ثم يقوي، وسمعت هذا المثل من أبي المياس، وفسره لي، فقال: يعود الضعيف بأرضنا قويًا. ثم سألت عن أصل هذا المثل أبا بكر بن دريد، فقال: البغاث: ضعاف الطير، والنسر أقوى منها، فيقول: إن الضعيف يصير كالنسر في قوته.
وهذا المصراع لم أقف على تتمته ولا على قائله، كما لم أقف على قائل البيت الذي قبله، وقد ذكرتهما بأبسط من هذا في الشاهد السابع عشر، والثامن عشر من شضواهد "شرح الشافية".
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السابع والستون بعد السبعمائة:
(٧٦٧) وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها إلى الضيف يجرح في عراقيبها نصلي
على أن الشاعر ضمن "يجرح" بما ذكره المصنف. قال الطيبي: أي بعث
[ ٧ / ١٣٢ ]
بالجرح في عراقثيبها نصلي، جعل لازمًا، ثم عدي كما يعدى اللازم مبالغة.
والبيت من قصيدة لذي الرمة، وقبله:
أعذل عوجي من لسانك عن عذلي فما كل من يهوى رشادي على شكلي
فما لام يومًا من أخ وهو صادق إخاي ولا اعتلت على ضيفها إبلي
إذا كان فيها الرسل لم تأت دونه فصالي ولو كانت عجافًا ولا أهلي
وإن يعتذر بالمحل. . . . . . . . . . . . البيت.
والهمزة في "أعذل" للنداء، مرخم عاذلة، قال الأصمعي في شرح ديوانه: قوله: عوجي من لسانك، أي: كفي، وعوجي حقيقتها: اعطفي، و"من" في: من أخ، زائدة، وأخ: فاعل لام، والإخاء: الأخوة، ولفظ "اعتلت" أطاق على الإبل، والمعنى: عل ىأصحابها، يقول: لم أبخل فاعتذر إلى الضيف، والرسل بالكسر: اللبن.
وقوله: وإن تعتذر بالمحل قال الأصمعي: اعتذارها للضيف أن لا يرى فيها محلًا من شدة الجدب والزمان، فإذا كانت كذلك، عقرتها. وترجمة ذي الرمة تقدمت في الإنشاد الرابع والخمسين.
وأنشد بعده:
تجاوزت أحراسًا إليها ومعثرًا على حارصًا لو يشرون مقتلي
وتقدم الكلام عليه في الإنشاد الواحد والعشرين بعد الأربعمائة.
وأنشد بعده:
بينا تعانقه الكماه وروعه يومًا أتيح له جريء سلفح
وتقدم شرحه أيضًا في الإنشاد الواحد بعد الستمائة.
[ ٧ / ١٣٣ ]
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الثامن والستون بعد السبعمائة:
(٧٦٨) فأول راض سنة من يسيرها
صدره:
فلا تجز عن من سنة أنت سرتها
على أن أبا علي زعم أن سار متعد بنفسه، فالتضعيف في سيرته ليس للتعدية، قال المصنف: وفيه نظر لأن "سرته" قليل، و"سيرته" كثير. أقول: مثل هذا إنما يقبل ما ينقل علماء اللغة عن العرب، وأما كون أحد المترادفين قليل الاستعمال، فلا يضر في الترادف، ومثله موجود كثير، قال الصاغاني في "العباب": وسارت الدابة، وسارها صاحبها يتعدى ولا يتعدى، وانشد هذا البيت وهو من قصيدة لخالد بن زهير الهذلي مطلعها:
لا يبعدن الله حلمك إذ غزا فسافر والأحلام جم عثورها
قال أبو سعيد السكري: يقول أبي ذؤيب: قد سافر حلمك عنك، فلا أبعده الله.
وكنت إمامًا للعشيرة تنتهي إليك إذا ضاقت بأمر صدورها
يقول: كنت إمامًا للعشيرة قبل أن أن يذهب عقلك.
لعلك إما أم عمرو تبدلت سواك خليلًا شاتمي تستخيرها
الاستخارة: الاستنطاق، يقول: لعلك إن أم عمرو تبدلت خليلًا، تشتمني أنت لتستميلها بشتمك إياي، وتستخيرها: تدعوها إلى شتمي طمعًا أن ترجع إليك.
فلا تجز عن من سنة قد أرتها وأول راض سنة من يسيرها
هكذا في نسخي من "أشعار الهذليين" وفي نسخة قديمة صحيحة ليس في الصحة فوقها نسخة، وهي بخط أبي بكر القالي، وعليها خط أحمد بن فارس صاحب "مجمل اللغة".
[ ٧ / ١٣٤ ]
قال السكري: أسرتها سيرتها في الناس ورضيت بهذه الخيانة، فارجع إلى نفسك باللوم، يقول: جعلتها سائرة في الناس. انتهى. ويسيرها مضبوط بضمة فكسرة، وكذا نقل صاحب "الأغاني" هذه الرواية. وهذه القصيدة جواب لقصيدة أبي ذؤيب الهذلي ومطلعها:
أخالد ما راعيت من ذي قرابة فتحفظني بالغيب أو بعض ماتبدي
دعاك إليها مقلتاها وجيدها فملت كما مال المحب على عمد
فكنت كرقراق السحاب إذاجرت لقوم وقد بات المطي، بهم تخدي
فآليت لا أنفك أحذ وقصيدة تكون وإياها بها مثلًا بعدي
والسبب في هذا أن أبا ذؤيب كان يعشق امرأة اسمها أم عمرو، وكان رسوله إليها خالد، والمشهر أنه ابن أخت أبي ذؤيب، بغدر خالد، صرمها، فأرسلت ترضاه، فلم يفعل، فأرسل هذه القصيدة إلى خالد. وكان أبو ذؤيب فعل كذلك برجل يقال به: مالك، وكان رسوله إلى امرأة كان يعشقها، فغدر به أبو ذؤيب، واختص بالمرأة، فاحتج عليه خالد بأنك أول من سن هذه الطريقة، فينبغي أن تكون أرضى الناس بها. وقد ذكرنا هذه الحكاية بأبسط مما هنا في الشاهد الثامن والأربعين بعد الثلاثمائة [من شواهد الرضي]. وأبو ذؤيب تقدمت ترجمته في الإنشاد الخامس. وخالد شاعر إسلامي، وأبو ذؤيب مخضرم.
[ ٧ / ١٣٥ ]
وأنشد بعده:
كما عسل الطريق الثعلب
وتقدم شرحه في الإنشاد الثالث.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد التاسع والستون بعد السبعمائة:
(٧٦٩) ويرغب أن يبني المعالي خالد ويرغب أن يرضى صنيع الألائم
قال الحلبي: سكن "يبني" المنصوب بأن للضرورة وحسنها مشاكله، والمعلي: جمع معلاة بالفتح: وهو كسب الشرف، والصنيع: فعل القبيح، تقول: صنع به صنيعًا، أي: فعل به قبيحًا، والصنع بالضم: مصدر صنع إليه معروفًا، وبالفتح والسكون مصدر صنع الشيء: عمله، ويقال بالضم أيضًا، والألأمم: جمع الألأم، من قولك: لؤم الرجل فهو لئيم، أي: دنيء الأصل، شحيح النفس. هذا كله كلامه.
وأنشد بعده، وهو الإنشاد السبعون بعد السبعمائة:
(٧٧٠) وما زرت ليلى أن تكون حبيبة إلي ولا دين بها أنا طالبه
قالت سيبويه بعد إنشاده: كأنه قال: لأن. وكذا قدره الأخفش المجاشعي
[ ٧ / ١٣٦ ]
في كتاب "المعاياة" وفي جميع الروايات: "سلمى"، و"ليلى" من تصحيف الكتاب، لأن المراد به هنا أحد جيلي طيء. يقول: لم أقدم لزيارة سكان هذا الجبل، ولا لمطالبة دين لي عند بعض سكانه، بل قدمت لأجل هذا الممدوح. ولما لم يقف الأعلم على الأبيات وقصتها لم يفهم معناه، قال: الشاهد فيه حمل دين على معنى لأن تكون. يقول: لم أزر سلمى لمحبة فيها، ولا لدين أطلبها به، وإنما زرتها لغير ذلك. هذا ظافر لفظه، وقيل: المعنى: بأنه كف زيارتها لغير محبة، ولا لدين تطالبني به، ولكن خشية الرقباء، ولفظ البيت لا يؤدي هذا التفسير هذا كلامه. ويتضح معناه بما رأيته في شرح ديوان الفرزدق، ونقله ابن بري في "أماليه" على " الصحاح" على مادة: حنطب، قال الفرزدق: أقبلت من المدينة حتى نزلت بامرأة من الغوث بن طيء فقالت: ألا أدلك على رجل، لا يليق شيئًا، ويعطي كل سائل فقلت: بلي؛ فدلتني عل ىلمطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي، وكانت امه بنت الحكم بن العاصي، وكان مروان خاله، بعثه على صدقات طي، لما كان عامل، معاوية على المدينة، فأتيته، فانتسبت له، قال: ههنا، وضرب على فسطاط، وأعطاني عشرين أو ثلاثين بكرة، فأعطيت الطائية منها بكرة، وقلت:
تقول ابنة الغوثي مالك هاهنا وأنت تميمي مع الشرق جانبه
تؤذنني قبل الرواح وقد دنا من البين لا دان ولا متقاربه
أي: ليس هو دان ولا قريب.
فقلت لها الحاجات تطرحن بالفى وهم تعناني معنى ركائبه
وما رزت سلمى أن تكون حبيبة إلى ولا دين بها أنا طالبه
[ ٧ / ١٣٧ ]
سلمى هنا: أحد جبلي طيء. إلى أن قال بعد أبيات:
ولكن أتينا خندفينا كأنه هلال غيوم زال عنه سحائبه
وأنشد بعده، وهو الإنشاد الواحد السبعون بعد السبعمائة:
(٧٧١) وأن يعرين إن كسي الجوتري فتنبو العين عن كرم عجاف
على أن كسي بفتح الكاف وكسر السين فعل لازم أي: صرن ذات كسوة، وفي "الاقموس": وكسي كرضي لبسها، أي: لبس الكسوة، وهو الثوب كاكتسي وكساه ألبسه، ورجل كاس: ذو كسوة. انتهى. فعلم من هذا أن مفعوله الثاني محذوف، أي: كساه قميصًا ونحوه. وقال ابن بري في أماليه على "صحاح الجوهري": يقال: كسي يكسى ضد عري يعرى، قال سعيد ابن مسحوج الشيباني
لقد زاد الحياة إلي حبا بناتي أنهن من الضعاف
مخافة أن يرين البؤس بعدي وأن يشربن رنفًا بعد صاف
وأن يعرين إن كسي الجواري فتنبؤ العين عن كرم عجاف
انتهى.
وفي "تهذيب الأزهر": ويقال: كسي فلان يكسي فهة كاس: إذا اكتسى، ومنه قوله:
يكسى ولا يغرث مملوكها إذا تهرت عبدها الهاريه
[ ٧ / ١٣٨ ]
وقال الحطيئة:
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
أي: المكتسي. انتهى. فظهر مما نقلناه أن ما ذكره الكوفيون أمر لغوي كسائر الأفعال يختلف معانيها بختلاف حركاتها. قال المبرد في "الكامل": ومن طريف أخبار الخوارج قول فطري بن الفجاءة المازني لأبي خالد القناني، وكان من قعد الخوارج:
أبا خالد انفر فلست بخالد وما جعل الرحمن عذرًا لقاعد
أتزعم أن الخارجي على الهدى وأنت مقيم بين لص وجاحد
فكتب إليه أبو خالد:
لقد زاد الحياة إلإلى حبًا
الأبيات الثلاثة التي تقدمت عن ابن بري، وبعدها:
ولولا ذاك قد سومت مهري وفي الرحمن للضعفاء كاف
وكتب الإمام قطلو لغا في هامش "الكامل": وأنشد أبو عبد الله محمد بن المعلى الأزدي في كتاب "الترقيص" من تأليفه، أنشدنا أبو عبد الله محمد بن المعلى الأزدي في كتاب "الترقيص" من تأليفه، أنشدنا أبو رياش لمحمد بن عبد الله الأزدي:
لقد زاد الحياة إلى حبًا
وزاد بعد:
وأن يعرين
وان يضطرهن الدهر بعدي إلى غمر غليظ القلب جاف
[ ٧ / ١٣٩ ]
وأنشده اليسرافي لسعيد بن مسجوح الشيباني تلومه الخروج مع أبي بلال مرداس ابن أدية. انتهى.
وكذا نقل ابن بري في مادة "كرم" عن ابن السيرافي، وانه قال أيضًا: وذكر أنه لرجل من تيم اللات بن ثعلبة كان يلوم في نصرة أبي بلال مرداس بن أدية وأنه منعته الشفقة على بناته، ففي قائل البيت الشااهد خلاف، والله أعلم. والبؤس الشدة وخلاف النعيم، والزنق بفتح الراء وسكون النون: الماء الكدر، والغمر، بضم المعجمة: الأحمق الجاهل، والجافي: الغليظ الطبع، والجواري: جمع جارية وهي البنت التي تجري وتلعب. يقول: أخاف أن يعرين بناتي، ويكتسبن بنات الناس، ولفظ وقت أو حين محذوف تقديره: وأن يعرين وقت أن كسي الجواري، وتنبو: تتجافى وتتباعد، والكرم: الأصالة والنسب الشريف، والعجاف، بكسر العين جمع أعجف: وهو الهزيل، ووصف الكرم بالجمع للمبالغة. وضبط الدماميني بفتح الكاف وكسر الراء لم يذكره أحد من تكلم على هذا الشعر من العلماء المتقدمين، وأراد بالعين: أعين الناس، يعني: فلا يرغب احد في نكاحهن لشدة فقرهن وإن كن أصيلات نسيبات.
وانشد بعده: وهو الإنشاد الثاني والسبعون بعد السبعمائة:
(٧٧٢) وأركب في الروع خيفانة كسا وجهها يعف منتشر
هو من قصيدة لامرئ القيس، تقدم شرح بعض منها في الإنشاد الثالث والعشرين بعد الثلاثمائة. قال الأصمعي في شرح ديوانه: قال أبو عبيدة: الخيفانة: الطويلة القوائم، القليلة النحض، المخطفة البطن، ولا يكاد يقال للذكر خيفان،
[ ٧ / ١٤٠ ]
وقال الأصمعي الخيفانة وجمعها خيفان: الجراد إذا سلخ من لونه الأول الأسود والأصفر، وصار إلى الحمرة، فشبه فرسه بالجرادة، وأراد بالسعف: ناصيتها، شبهها بسعف النخلة، وقال: هذا خطأ، لأن الشعر إذا غطى العين لم يكن كريمًا، ومثله قول ابن مقبل:
والعين تكشف عنها ضافي الشعر
خطأ أيضًا وقال بعضهم: يعجبني أن تكون ناصية الفرس كانها جعثنة، يقول: قصيرة تجتمعة ليست بمسترخية ولا جعدة، والجعثنة: أصل العرفجة وغيرها، يقال: ما بقي في الأرض إلا جعثين: يعني أصول الشجر، ويقال إن المهر لمجعثن، أي: مجتع الخلق. انتهى كلامه. وكذا عابه المرزباني في كتاب "التوشيح" قال بعد أن أنشد البيت: شبه ناصيتها بسعف النخلة، وإذا غطى الشعر العين لم يكن كريمًا. وقوله: وأركب في الروع: هو الفزع والخوف، وأراد به الحرب.
* * *
[ ٧ / ١٤١ ]