عناصر الدرس
* شرح الترجمة (إسم الإشارة) ـ
* أسماء الإشارة واستعمال كل منهما
* مراتب المشار إليه ولفظ كل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
س: يقول ما هو الفرق بين علم الجنس وعلم الشخص والنكرة؟.
خذ مقدمة الشيخ الأمين واقرأها مرات عديدة إن شاء الله تفهم أحسن.
السؤال: هل اسم الجنس داخل في حد العلم الشخصي؟
الجواب: لا .. ليس داخلًا فيه لكن الحد يشمل النوعين:
الحد: اسْمٌ يُعَيِّنُ المُسَمَّى مُطْلَقًا عَلَمُهُ نقول: هذا يشمل النوعين.
مثلما نقول اللفظ: هو الصوت المعتمد أو الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية نقول مهملًا كان أو مستعملا حينئذٍ نقول: هذا اللفظ تحته قسمان: مهمل ومستعمل، نعرِّف العلم ثم نقول: تحته قسمان.
أليس قوله في المقدمة: مقاصد النحو: يشمل النحو والصرف؟ بلى، أو المقصود به هو النحو كما عرفتموه لنا؟ لا ليس ذلك، قلنا أن النحو له تعريفان: تعريف بمعنى أعم، يشمل الصرف الذي هو الخاص، والنحو الذي هو الخاص عند المتأخرين.
عِلْمٌ بأصول يعرف بها أحوال الكلم إفرادًا وتركيبًا، هذا يشمل النوعين، وإذا أردت على منهج المتأخرين بإخراج الصرف كونه عِلمًا خاصًا، تقول: علمٌ بأصول يُعرف بها أحوال أواخر الكلم إعرابًا وبناءً، -فرقٌ بينهما، وابن مالك أراد النوع الأول الذي يشمل الصرف والنحو.
تابع السؤال، إنما ذكره من باب التغليب؟
لا، ليس من باب التغليب.
س: ذكرتم أن من علامات النكرة أن تكون في جواب كيف وأيضًا من العلامات أن تكون منصوبة على الحال أليس هما شيء واحد وما هو اسم كتاب الشيخ الأمين؟
المقدمة المنطقية، هذه مطبوعة باسم المقدمة المنطقية قديمة هي التي معي والآن طبعت آداب البحث والمناظرة وكانت جزأين طبع جزء واحد ومع الطباعة الجديدة مكتبة أبو زيد، نفس الكلام.
كيف، نقول النكرة تقع في جواب كيف هذا لفظًا كيف زيدٌ؟ مريض.
وأما الحال: جاء زيداٌ راكبًا، نقول من ضابط الحال كيف مقدر، جاء زيد، كيف جاء زيد؟ تقول راكبًا.
حينئذٍ من ضوابط معرفة الحال وقوعها في جواب كيف، لكن هنا تكون ضمنًا أو استلزامًا، وأما كيف التي يُنطق بها فرق بين التي ينطق بها وبين التي تكون ضابطًا لغيرها.
بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.
أما بعد قال الناظم رحمه الله تعالى: اسم الإشارة:
أي هذا باب اسم الإشارة، هذا باب اسم الإشارة، واسم الإشارة هو الباب الثالث من المعارف.
وَمُضْمَرٌ أَعْرَفُهَا ثُمَّ العَلَم فذو إشارة
وهو المراد عند الناظم أنه أراد به اسم الإشارة الذي يكون ثالثًا في باب المعارف، إذ المعارف جنس قدر مشترك يصدق على العلم وعلى الضمير وعلى اسم الإشارة يجمعها قولهم:
ما وضع ليستعمل في معين.
(ما) اسم، وضع ليستعمل في معين، أخرج النكرة.
حينئذٍ المعارف كلها وضعت وضعًا أوليًا ووضعًا جزئيًا شخصيًا ليُستعمل هذا اللفظ إذا أطلق على المعنى الذي جعل له في لسان العرب.
ليُستَعْمَل: عندنا وضع وعندنا استعمال.
الوضع كما مر معنا مرارًا جعل اللفظ دليلًا على المعنى، يعني: جعل الوضع بإزاء معنى، وأما الاستعمال فهو: إطلاق اللفظ وإرادة المعنى.
[ ٢٣ / ١ ]
نقول: جاء زيدٌ، -أنا أطلقت اللفظ- جاء وزيد، ركَّبْتُ هذا مع تلك، وأردت المعنى، قصدت المعنى الذي جئت به من أجل هذا التركيب.
جاء زيدٌ: إطلاق اللفظ وإرادة المعنى، يعني: مع إرادة المعنى.
بقي شيء واحد وهو الحمل: وهو اعتقاد سامع مراد المتكلم من كلامه، هذه ثلاثة أشياء، وضع، وحمل، واستعمال.
الوضع سابق، والحمل لاحق، والاستعمال متوسط، هكذا قال الفتوحي في شرح الكوكب.
الوضع سابق: يعني أول، وضع اللفظ بإزاء المعنى، أول ما كانت المعاني، وجدت ثم وضعت لها الألفاظ، بحيث إذا أطلقت الألفاظ انصرفت إلى تلك المعاني الموضوعة لها.
ثم استعملها المستعمل: تكلم بها ونطق بها على وفق ذلك الوضع السابق، وسمعها السامع من المتكلم.
حينئذٍ الواضع وضع ألفاظًا بإزاء المعاني ثم أخذ المستعمل –المتكلم- هذه الألفاظ وأطلقها مرادًا بها المعاني التي وضعها الواضع لها دون تحريف، ثم لما سمع السامع تلك الكلمات حينئذٍ حملها على المراد الذي اعتقده المتكلم.
فالوضع سابق يعني: أولًا، والحمل لاحق، والاستعمال متوسط بين الوضع والحمل، هذه لابد من معرفتها تفيدك في فهم الحقائق الشرعية والحقائق اللفظية، وخاصة في باب المعتقد.
اسم الإشارة:
إذًا هذا لفظ وضع في لسان العرب، الإشارة هذا مصدر أشار يشير إشارةً والمراد بها الإشارة الحسية في الأصل التي تكون في عضو من الأعضاء فنقول هكذا: قم، اجلس الخ.
نقول هذه إشارة حسية تكون بعضو اللفظ هنا (انظر): خالف الأصل المطرد، الأصل المطرد: أن توضع الألفاظ بإزاء معاني، وهنا قد جعل شيئًا من المحسوسات في ضمن المعنى الذي دل عليه اللفظ.
فالإشارة قلنا: مصدر أشار يشير إشارةً وأما في اصطلاح النحاة، هي ما دل على مسمى وإشارة إليه.
الأصل في باب الإشارة والموصول والضمائر، الأصل لا نأتي بالتعاريف، لأننا نستغني عن الحد بالعد، لأنها ألفاظ كما ذكرنا مسموعة لا داعي لأن نحشر أنفسنا فيها.
حينئذٍ نقول الأصل أن نكتفي بالعد عن الحد، ولكن نريد أن نبين لهذا الحد أن الواضع قد وضع اللفظ بإزاء معنى وشيء حسي معه وهو الإشارة.
ما دل على مسمى (ما) اسم موصول بمعنى الذي، دل على مسمى، ما الذي نأخذه جنسًا هنا في الحد لفظ، أو جملة، أو كلام، أو كلم، أو كلمة، أو اسم، أو ماذا؟ اسم، لماذا؟ يحتاج إلى دليل، دائمًا تنظر إلى العلاقة بين المحدود والحد، ننظر إلى العلاقة بين المحدود والحد حينئذٍ تأخذ جنسًا باعتبار المحدود، إذا قلت كما هو الآن معنا: ما دل اسم الإشارة، اسم، نحن نبحث في أي شيء في أي جزئية في أي باب؟ في باب تقسيم الاسم باعتبار التنكير والمعرفة الباب لا زال (النكرة والمعرفة)، وهذه كلها فصول تحت ذلك الباب -باب النكرة والمعرفة-.
حينئذٍ نقول اسم الإشارة (ما) أي: اسم، لماذا؟ لأن المحدود اسم من الأسماء، ثم نحن نبحث عن مفردات أو تراكيب؟ مفردات، إذًا لا نأخذ أي لفظ يدل على التركيب، لا نقول لفظ لأنه موهم يشمل المفرد والمركب، لا نأخذ كلام لأنه مركب، لا نأخذ كلِم لأنه مركب، لا نأخذ كلمة لأنها تشمل الفعل والحرف، يدخل معنا الفعل والحرف، ونحن نريد خصوص الاسم الذي يقابل الفعل والحرف.
[ ٢٣ / ٢ ]
حينئذٍ نقول (ما): اسم حينئذٍ كل ما كان اسم إشارة فهو اسم من غير عكس، إذ العلاقة بين المحدود والجنس الذي يؤخذ في الحد العموم والخصوص المطلق، فكل اسم إشارة فهو اسم من غير عكس، لأن الاسم أعم، قد يكون علمًا، قد يكون ضميرًا، قد يكون موصولًا الخ.
إذًا (ما) نقول اسم دل على مسمى، فالاسم حينئذٍ دخل فيه النكرة والمعرفة، لأنه صار جنسًا بهذا الاعتبار لأننا نقسم الاسم باعتبار التنكير والتعريف، فصار لفظ (ما) جنسًا والجنس ما عمَّ اثنين فصاعدًا، والذي عمَّه هنا المعرفة والنكرة.
احتجنا إلى إخراج النكرة، فقال: ما دل على مسمى، خرجت النكرة، دل على مسمى: شمل ما دل على مسمى بقرينة وما دل على مسمى بلا قرينة، دخل العلم معنا، لأنه يدل على مسمى لكنه بلا قرينة، لأنه أطلق اللفظ فشمل المعاني كلها، لكن لما كان اسم الإشارة دالًا على مسمى بقيدٍ، -بقرينة- وهذه القرينة حسية، تدرك بالحس، هذا الأصل فيها، ولذلك استعمال اسم الإشارة في المعاني العقلية مجازًا، لأنها في أصل وضعها للشيء المحسوس.
ما دل على مسمى: شمل كل المعارف.
وإشارة إليه، يعني: مع إشارةٍ، ما دل على مسمى ودل على إشارة، إذًا اللفظ الذي يكون اسم إشارة نقول: هو ذو دلالة على شيئين إذًا وضع على أمرين:
فدلالته على المسمى هذه مأخوذة من اللفظ (هذا) (ذا)، داخل في مفهومه والمعنى الذي وضع له في لسان العرب شيء خارج عن مجرد اللفظ وهو الإشارة إليه.
فحينئذٍ إذا دل مسمى ولم يكن ثم إشارة إليه نقول هذا ليس باسم إشارة، بل لابد أن تكون الإشارة الحسية مأخوذة في مفهوم اسم الإشارة، ولذلك لا يكون دالً على مسمى إلا إذا أُشير مع اللفظ.
ولذلك إذا كنت جالسًا في مجلسٍ وثم أفراد وقلت: هذا زيدٌ، تريد أن تعرف به الموجودين، هذا زيدٌ ولم تشر، ما حصل التعريف، إذا دخل فقال: هذا زيدٌ وهذا عمروٌ وهذا خالدٌ ما حصل التعريف، لكن لو قال هذا زيد، وهذا عمرو، وهذا خالد بالإشارة حصل التعريف.
إذًا الإشارة الحسية داخلة في مفهوم اسم الإشارة، والأصل فيه كما قلنا أنه محصور بالعد فنستغني عنه بالعد عن الحد.
ما دل على مسمى وإشارة إليه: أي اسم تصحبه الإشارة الحسية، وهي التي بأحد الأعضاء، قد يكون باليد، قد يكون بالحاجب، ونحو ذلك، وهي ستة في الجملة أو أكثر من هذا، لكن في الجملة هي ستة؛ لأنه إما مذكر أو مؤنث، وكل منهما إما مفرد أو مثنى أو مجموع، إما مذكر أو مؤنث، وكل منهما المذكر إما أن يكون مفردًا، وإما أن يكون مثنى وإما أن يكون مجموعًا، هذه ثلاثة، والمؤنث إما أن يكون مفردًا وإما أن يكون مثنىً، وإما أن يكون مجموعًا، هذه ثلاث، المجموع ستة، هذا على جهة الإجمال، وإلا أوصلها بعضهم إلى سبعة عشر، وزادها بعضهم إلى ستة وثلاثين وما زاد.
قال ﵀:
بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أَشِرْ بِذِي وَذِهْ تِي تَا عَلَى الأُنْثَى اقْتَصِرْ
تِي تَا: كلمتان وليست واحدة.
[ ٢٣ / ٣ ]
بِذَا لِمُفْرَدٍ بـ (ذا) جار ومجرور متعلق بقوله: (أشر) بـ (ذا) نقول (ذا) قصد لفظه، ولذلك جُر بحرف الجر، وهو يجر ولو لم يُقصد لفظه، لأنه اسم لكن قُصد هنا به العلمية لأن بـ (ذا) نقول: لمفردٍ مذكرٍ أشر هذا إذا استعمل حينئذٍ يكون دالًا على معناه.
أشِرْ بِذَا، (ذا) مقصور يعني: بدون همز، هنا قدم الجار والمجرور على قوله: (أشر)، هل يفيد الحصرَ والقصر، بحيث لا يكون ما يدل من أسماء الإشارة على المفرد المذكر إلا (ذا) فهو خاص به، أم أن ثم ما هو من أسماء الإشارة لمفردٍ مذكر غير ما ذكره الناظم ﵀.
الجواب: أنه الثاني، يعني لا يفيد الحصر المطلق، يعني: الحقيقي.
قدَّم الجار والمجرور لا للحصر الحقيقي، وإنما للحصر الإضافي، أي بالنسبة إلى الصيغ المذكورة في المتن فالمعنى بـ (ذا) لا بغيره من الصيغ الآتية فلا ينافي أنه يشار إلى المفرد المذكور بغير (ذا) يعني: أفاد قصرًا وحصرًا إضافيًا، يعني: باعتبار المذكور بـ (ذا) لمفردٍ لا، بغيره من (تي وتا وذي وذه) يعني: التي ذكرها الناظم، يُحصر ويُقصر الحُكم بكونه يشار للمذكر المفرد بـ (ذا)، وينفرد عما ذكر معه من أسماء الإشارة، وهذا يسمى حصرًا إضافيًا باعتبار ما ذكره الناظم، لا باعتبار ما لم يذكره، وإلا هي أكثر مما ذكرت.
بِذَا لِمُفْرَدٍ: أشِرْ بِذَا لِمُفْرَدٍ: قال: (لمفردٍ) اللام هنا قيل بمعنى: إلى، ومقتضاه أن الإشارة لا تتعدى بـ (اللام) لأن أشار إلى كذا، فأشارت إليه، إذًا أشار تتعدى بـ (إلى) لا تتعدى بـ (اللام) هذا الظاهر، حينئذٍ اللام هنا بمعنى إلى.
أشِرْ بِذَا لِمُفْرَدٍ: وهذا المفرد هنا أطلقه الناظم رحمه الله تعالى، فيعود حينئذٍ المفرد الحقيقي والمفرد الحُكمي، المفرد الحقيقي: كـ (هذا زيد) هذا زيد، زيدٌ: مفرد حقيقي، وأما المفرد الحكمي فهو: ما كان لفظه مفردًا ومصدقه ومعناه قد يكون كاسم الجمع، هذا رهطٌ، هذا جمعٌ، هذا فريق، نقول (هذا) (ذا) اسم إشارة لمفرد، وفريق هذا في اللفظ مفرد، وهو اسم جمع يدل على ثلاثة فأكثر، إذًا من جهة المعنى ليس بمفرد، ولكن لما كان لفظه مفردًا حينئذٍ أعطي من حيث اللفظ حُكم المفرد، فصار مفردًا حقيقيًا أو حُكميًا؟ الثاني، إذًا: لمفردٍ: حقيقة أو حكمًا كالجمع والفريق.
فالمفرد الحقيقي نحو هذا زيد، والمفرد حكمًا نحو هذا الرهط، وهذا الجمع، وهذا الفريق، ومنه قول الله تعالى: «عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ» [البقرة:٦٨] أي بين المذكور من الفارض والبكر، وربما اسْتُعْمِل (ذا) في الإشارة إلى الجمع كما قال:
ولقَدْ سئمتُ مِن الحياةِ وطولِها وسُؤالِ هَذا النَّاس كَيفَ لبيدُ
إذًا المفرد المراد به المفرد الحقيقي أو المفرد الحكمي، وهو الذي يكون اللفظ فيه مفردًا ولكن معناه ليس مفردٍ كاسم الجمع ونحوه.
[ ٢٣ / ٤ ]
بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ: عاقلٍ أو غيره، يعني: يشمل العاقل ويشمل غير العاقل، وبعضهم يعبر هنا بالعالِم وغير العالِم لأنه جاء استعماله في حق الله ﷿: «ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ» [الأنعام:١٠٢] (ذا)، هذا جاء استعماله في حق الرب جل وعلا، حينئذٍ نقول مُذَكَّرٍ: يراد به العالم وغير العالم، والتذكير هنا باعتبار اللفظ، «ذَلِكُمُ اللَّهُ» [الأنعام:٩٥] يعني قد يقال بأنه نقول مذكر هل يوصف الرب جل وعلا بالتذكير أو التأنيث؟ الجواب: لا قطعًا، لأن الصفات التوقيفية حينئذٍ يكون مرده على السمع والتأنيث أنثى لأنه نقص، وأما اللفظ فحينئذٍ إذا قيل مذكر باعتبار اللفظ وأن العرب -إذا قلنا أن الواضع هو الله ﷿ أعاد إلى هذه الأسماء ما هو من خصائص المذكر- حينئذٍ يكون الاعتبار هنا اللفظ فحسب. لذا قيل «ذَلِكُمُ اللَّهُ» [الأنعام:٩٥] (ذا)، هذا للمفرد المذكر، هل نقول مذكر؟ نعم اللفظ للمذكر، ولا بأس بهذا.
بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أشِرْ: الناظم اقتصر على لفظ (ذا) وهو أشهرها، وأما ما زاده البعض (ذا) و(ذاء) و(ذائه) و(ذاؤه) و(؟؟؟) نقول هذه كلها ثبت استعمالها للمفرد المذكر لكنها ليست في قوة (ذا) الذي اشتهر على لسان العرب وجاء القرآن بها، ولذلك لم يرد لفظ من هذه الألفاظ الأربعة في القرآن، وإنما جاء للمفرد المذكر (ذا) وأما هذه الألفاظ الأربعة التي ذكرها النحاة لم يرد بها لفظ واحد في القرآن فدل على أن (ذا) هو الأفصح منها، ولذلك قد يقال بأن الناظم لم يعتبرها لقلة الاستعمال فالحاصل يكون على أصله من حيث الاستعمال لا من حيث الورود، وأما من حيث الورود فهذا لا إشكال أنه ثابت.
بِذَا قلنا هذا مقصود، يعني احترازًا من (ذاء) و(ذائه) و(ذاؤه) و(؟؟؟) هذه خمسة (ذا) هذه الألف عند البصريين جزء الكلمة؛ لأن أصل وضع الكلمة الاسم كم حرف؟ ثلاثة أحرف، حينئذٍ لو حكمنا بالزيادة كما هو مذهب الكوفيين على الألف هذه، صار عندنا اسم ظاهر قائم بنفسه من حرف واحد، وهذا لا نظير له، إذًا بـ (ذا) نقول: هذه الألف هل هي زائدة أم أصلية؟ فيه مذهبان:
مذهب البصريين: أنها أصلية، ومذهب الكوفيين: أنها زائدة، مردود مذهب الكوفيين، بأنه لا يوجد عندنا اسم ظاهر، أما المضمر موجود، قمت: على حرف واحد، قمنا: على حرفين، أما اسم ظاهر وهو على حرف واحد هذا لا نظير له، والقاعدة عند النحاة: (أن حمل القليل على الشائع الكثير هذا من المرجِّحات) إذا التبس أمر هل يحتمل أو لا؟ حينئذٍ نقول الكثير الذي شاع في لسان العرب هو الذي يكون مُحكم، والذي معنا المشْتَبِه نرده إلى ذلك المحكم هذه قاعدة عندهم.
[ ٢٣ / ٥ ]
إذًا ألف (ذا) نقول هي أصلية وهذا هو الصواب وهو مذهب البصريين، ثم اختلف البصريون هل هي منقلبة عن واو أو عن ياء؟ لماذا لا نقول هي أصلية؟ لأنه لا يوجد كلمة من ثلاثة أحرف فيها ألف وهي أصلية، لابد وأنها منقلة عن واو أو ياء، لا يوجد باستقراء حكم عام عند الصرفيين أن الكلمة إذا كانت مؤلفة من ثلاثة أحرف، نقول هذه الألف قطعًا ليست أصلية، ولا نحكم عليها بأنها زائدة وإنما هي منقلبة عن أصلٍ وهذا الأصل لا يخلوا من حرفين، إما واو وإما ياء، قال، قال: هذا مؤلف من ثلاثة أحرف، مباشرة تحكم أن الألف هذه ليست أصلية بل هي منقلبة عن واو أو ياء، القول ويقول، نقول: هذا الفعل المضارع والمصدر يدل على أن هذه الألف منقلبة عن واو، إذًا قال: أصله: قول، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها فَقُلِبت الواو ألفًا.
دعا: اللام هذه، دعا، ثلاثة أحرف، مباشرة نحكم أن هذه اللام الأخيرة –الألف- ليست أصلًا لأنه لا يوجد عندنا كلمة ثلاثة أحرف وتكون الألف فيها زائدة، لابد أن تكون أصلية، ومعنى أصلية: أنها منقلبة عن ثلاثة أحرف ولا تكون أصلية بمعنى أنها لا تكون أصلية بذاتها، تعبيران صحيحان.
حينئذٍ دعا من الدعوة، دعا أصله دَعَوَ، وقيل مما هو واوي، ويائي، أثبته ابن مالك رحمه الله تعالى في منظومته (الواوي واليائي)، (دعا، دعَوَ، دعَيَ)، زاد فيه الوجهين، حينئذٍ دعا، دعوَ، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا صار (دعا) ومثله: باع، أصل بَيَعَ، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت الياء ألفًا.
إذًا (ذا) نقول هذه الألف ليست أصلًا، فقيل هي منقلبة عن واو، وقيل منقلة عن ياء.
وألف (ذا) منقلبة عن ياء أو واو عند البصريين فاتفقوا على أنها منقلبة عن أصلٍ واختلفوا في هذا الأصل فقيل عن ياء بتصغيره على (ذَيَّ)، (ذيّ) تصغير (ذا) هذا دل على أن (ذا) الألف هذه منقلبة عن ياء، لأن (ذيّ) الياء هذه مشددة، أليس كذلك؟ (ذيّ) ياء التصغير وياء أخرى، ياء التصغير، والياء الثانية المُدغم فيها، والياء الأولى هذه من أين جاءت؟ نقول: التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، التصغير والجمع والتثنية كلها ترد الأشياء إلى أصولها، فإذا كان عندنا حرف منقلبًا عن حرف آخر ثنِّه أو اجمعه أو صغره حينئذٍ يرجع الأصل، لما قلنا (ذيّ) راحت الألف أين ذهبت؟ رجعت إلى أصلها وهي الياء الأولى المدغمة في الياء الثانية، فدل على أن أصل هذه الألف ياء.
وقيل عن ياء لتصغيره على (ذيّ) ولإمالتها، والإمالة إنما تكون للياء، هذا الأصل، فالعين واللام المحذوفان ياءان، أصلها (ذَيَيَ) على وزن (فَعَلَ)، والله أعلم، وهو ثلاثي الوضع في الأصل وقيل عن واو من باب طويت.
وعند الكوفيين هي زائدة بسقوطها في التثنية (ذان) أين الألف؟ (ذان) الألف هذه ألف التثنية والنون هذه نون التثنية، صارت الكلمة على حرفٍ واحد (ذا) ذهبت الألف الأولى للتخلص من التقاء الساكنين، هذا نرده عليهم.
وعند الكوفيين هي زائدة لسقوطها في التثنية ورد بأنه ليس في الأسماء الظاهرة القائمة بنفسها ما هو على حرف واحد وأما حذفها في التثنية في التقاء الساكنين وقد عوض منها تشديد النون كما سيأتي في محله.
[ ٢٣ / ٦ ]
إذًا بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أشِرْ: نقول هذا خاص بالمفرد المذكر، قال الشارح: يُشار إلى المفرد المذكر بـ (ذا) ومذهب البصريين أن الألف من نفس الكلمة، أي: أصلية، فهو ثلاثي الأصل لا ثنائي، وذهب الكوفيون إلى أنها زائدة، ومذهب البصريين أرجح من مذهب الكوفيين.
بِذِي وَذِهْ تِي تَا عَلَى الأُنْثَى اقْتَصِرْ
هذا ما يختص بالأنثى، أي أنثى مثنى أو جمع أو مفرد؟، مفرد -هو ما نص على هذا-! نص على المفرد المذكر، بمقابله اكتفاءً بما ذكره أولًا علمنا أن الثاني المراد به أول الأحوال وما هي أول الأحوال؟ الإفراد هذا أولًا، ثم يأتي بعده المثنى ولذلك قال: و(ذان تان)، ثم يأتي بعده الجمع. إذًا بـ (بِذِي وَذِهْ تِي تَا) على الأنثى المفردة المؤنثة، وهذا لا إشكال فيه.
اقْتَصِرْ: بمعنى إذا أردت أن تشير إلى أنثى فاقتصر على ما ذكر من الألفاظ الأربعة، فأشر بها إليها دون غيرها، بـ (ذي) هذا بقلب ألف (ذا) ياء هكذا قيل، أصل (ذي) (ذا).
ذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ هي الأصل، فلما أريد أن يشار إلى المفرد المؤنثة قيل (ذي) بقلب الألف ياء، إذًا هي منقلبة عن ألف (ذا).
و(ذه) بقلب ياء (ذي) هاء، و(تي) بقلب الذال تاءً، والألف ياءً، وهكذا.
بِذِي وَذِهْ تِي تَا عَلَى الأُنْثَى: أيضًا المفردة حقيقة أو حكمًا اقْتَصِرْ فأشر بها إليها دون غيرها، هل قوله اقتصر على الأنثى بـ (ذي) يفيد أن هذه الألفاظ الأربعة لا يوجد غيرها؟ الجواب: لا، وإنما المراد به أن هذه مما يذكر ويشار به إلى المفردة المؤنثة وأن هذا هو المشهور الفصيح، وما عداه وإن سُمِع في لسان العرب إلا أنه ليس مثله، إذ الكلمات قد تكون من باب فصيح وأفصح، وهذا لا شك فيه، حينئذٍ الأفصح الذي جاء في القرآن، ثم ما جاء في السنة، ثم ما اشتهر على ألسنة العرب وهكذا.
بِذِي وَذِهْ تِي تَا أوصلها بعضهم إلى عشرة، قال الشارح:
ويشار إلى المؤنثة بـ (ذي) وهي عشرة ألفاظ، المفردة المؤنثة حقيقة أو حكمًا، حقيقة كأن تقول (هذه) هندٌ (ذي) هند، كما تقول (ذا) زيدٌ، هذا زيد، هذي هندٌ، وأما الحكم كالفرقة والجماعة هذه فرقةٌ، هذه جماعةٌ، كالجمع السابق، هذا من حيث اللفظ هو مفرد، ومن حيث المعنى هو: متعدد، حينئذٍ يراعى اللفظ دون المعنى، يشار إلى المؤنثة ب (ذي) و(ذه) بسكون الهاء و(تي وتا) وهذه التي ذكرها الناظم، وزاد عليها و(ذِهِ) بكسر الهاء باختلاسٍ وبإشباع، يعني يقال: (ذهْ) بإسكان الهاء وبكسرها باختلاس، يعني: دون أن تشبع تبقي الكسر كما هي، (ذِهِ)، ثم تشبعها كأنها ياء، (ذهِ)، يعني كأنها عبارة عن كسرتين، و(تهْ) بإسكان الهاء، و(تهِ) بكسرها باختلاسٍ يعني: دون إشباع، وبإشباع (تهِ) كأنها ياء، هذه تسعة.
و(ذاتُ) هذه أغربها وأضعفها، بالبناء على الضم، واسم الإشارة (ذا) والتاء للتأنيث، (ذاتُ) لأنها تأتي بمعنى صاحب، هذا الأصل، كونها تستعمل اسم إشارة هذا فيه غرابة، ولذلك قيل (ذا) هو اسم الإشارة والتاء هذه للتأنيث.
إذًا هذه عشرة ألفاظ ذكر الناظم منها أشهرها وهو قوله:
بِذِي وَذِهْ تِي تَا عَلَى الأُنْثَى اقْتَصِرْ
[ ٢٣ / ٧ ]
يعني: اقتصر على ما ذُكر ولا تتعداه في الإشارة إليها بها، فإنه وإن كان محفوظًا إلا أنه دون ما ذكر لك من الألفاظ المسموعة على لسان العرب.
وَذَانِ تَانِ لِلمُثَنَّى المُرْتَفِعْ وَفِي سِوَاهُ ذَيْنِ تَيْنِ اذْكُرْ تُطِعْ
إشارة إلى ما يشار إلى المثنى لأننا قلنا المشار إليه إما مفردًا وإما جمعًا وإما مثنى، انتهينا من المفرد وعرفنا أن المفرد قد يكون مذكرًا وقد يكون مؤنثًا يشار للمفرد المذكر بـ (ذا) على المشهور، ويشار للمفردة المؤنثة بأربعة ألفاظ بـ (ذي وذه تي تا) هذه أربعة ألفاظ.
وذَانِ تَانِ (ذان) تثنية (ذا)، هذا الأصل فيها، تثنية (ذا) بحذف الألف الأولى لسكونها وسكون ألف التثنية، (ذا) هذا الأصل فيها، ثم جيء بالألف والنون، الألف والنون، الألف هذه علامة التثنية، والنون هذه هي نون المثنى، لما جيء بها زيادة على (ذا) التقى عندنا ساكنان الألفان، -الألف الأصلية من أصل الكلمة، وألف التثنية- التقى ساكنان، لا يمكن تحريك الأول، إذًا لابد من الحذف، أي الألفين هي أولى بالحذف-الأصلية-الزائدة- أي الألفين؟ الأصلية ما الدليل؟ ما التعليل؟؟؟؟ تقول: (ذا) الألف هذه حرف مبنى، مثل: (زهْ) من زيد، حرف مبنى، وألف التثنية، هذه حرف معنى، يعني: كلمة مستقلة مثل: إلى ولم، فحينئذٍ إذا دار الأمر بين حذف حرف المبنى أو حرف المعنى فلا شك أن حرف المبنى أولى بالحذف لماذا؟ لأن حرف المبنى يمكن الاستلال به بعلمك بأصل الكلمة، تعلم (ذان) أن أصلها (ذا) والألف موجودة، لو ما رأيتها أونطقت بها تعرف أن أصلها (ذا) إذًا لابد من الألف، لكن لو حُذفت ألف التثنية ما الذي يدل عليها؟ هي جيء بها لمعنى هذا المعنى لا يوجد إلا بوجودها فلو حذفت حينئذٍ لا يدل الموجود على المعنى الذي جاءت من أجله ألف التثنية، فلذلك كان المرجَّح أن ألف التثنية هي التي تبقى، وأما ألف (ذا) هي التي تحذف للتخلص من التقاء الساكنين.
[ ٢٣ / ٨ ]
وذَانِ بكسر النون لأنه إما أنه معرب وهو مستثنى، لأنه ليس على صورة المثنى حقيقة وإن رفع أو نصب، رفع بالألف كالمثنى أو نصب وجر بالياء كالمثنى، حينئذٍ لما كانت صورته ليست على صورة المثنى مع بقاء الكلمة كما هي (زيد) (زيدان) لما لم تبقَ الكلمة تحافظ على جوهرها كما هي من حركاتها وحروفها وسكناتها قيل هذا جاء على صورة مثنى، ليس مثنىً حقيقةً، حينئذٍ كونه جاء على صورة المثنى، هل يعتبر معارضًا لأصل الشبه الذي وجد في أسماء الإشارة التي ألحقتها بحرف البناء أم لا؟ هذا سبق الإشارة إليه، وهو أن الكثير يرى أن (ذان) و(تان) و(ذين) و(تين) هذه مثناة وهي معربة، لماذا هي مثناة؟ لوجود الألف والنون، والياء والنون، ولماذا هي معربة مع كون اسم الإشارة أشبه حرفًا غير موجود؟ فالشبه المعنوي قد وجد في أسماء الإشارة وهي مبنية، ذا: مبني، وتي: مبني، (ذان) نقول هذا معرب لماذا؟ قالوا: لأن شرط الشبه الذي يكون ملحِقًا بالكلمة بالحرف في الحكم وهو البناء يجب أن لا يعارضه معارض، وهذا المعارض، وهو أن يكون بالاسم ما هو من خصائص الأسماء، وهذا الشبه حينئذٍ يقال فيه أنه شبه ضعيف، وأما إذا خلا مما هو من خصائص الأسماء قالوا هذا شبه قوي، لِشَبَهٍ مِنَ الْحُرُوفِ مُدْنِي، احترازًا من الشبه الضعيف ومثله (ذان) (تان).
و(ذَانِ): إذًا نقول (ذان) هذا مثنى، مثنى (ذا) والألف الأصلية محذوفة وهل هو معرب أو مبني؟ قولان: قيل معرب بالألف، كـ (زيدان)، وقيل مبني على الألف، ولكل وجهته. (ذان) للمثنى المذكر، و(تان) للمثنى المؤنث، الأول للمذكر، والثاني للمؤنث.
المُرْتَفِعْ: يعني المرفوع، إذا جاء في محل رفع إن كان مبنيًا حينئذٍ صار مبنيًا على الألف، وإذا كان معربًا حينئذٍ صار مرفوعًا بـ (الألف).
المُرْتَفِعْ يعني: إذا جاء في موضع رفع كالابتداء والفاعلية، حينئذٍ صارت هذه الألف علامة للرفع، أو صارت هذه الألف بناءً للكلمة، يعني يكون مبنيًا على الألف كما هو الشأن في يا (زيدان).
وَفِي سِوَاهُ ذَيْنِ تَيْنِ اذْكُرْ تُطِعْ:
فِي سِوَاهُ يعني: سوى المرتفع، وهو المنتصب والمنخفض، يعني في حالة النصب وفي حالة الجر لا تأتي بـ (ذان) بألف، وإنما تأتي ببدل الألف ياء، فتقول: (ذين وتين)، من هنا استدل من قال بأنها معربة، لأنها لو كانت مبنية للزمت حالة واحدة، (ذان) رفعًا ونصبًا وخفضًا، لكن لما جاءت في حالة الرفع بالألف وفي حالتي النصب والجر بالياء، حينئذٍ ما الفرق بينها وبين الزيدين والزيدان؟ لا فرق، وقيل أنها معربة.
وَفِي سِوَاهُ: يعني في حالة إرادة سوى المرتفع وهو المنتصب والمنخفض تأتي بـ (ذين) بدل الألف بالياء للمذكر، و(تين) بدل الألف بالياء للمؤنث.
اذْكُرْ: ما ذكرته لك تطع النحاة -تكملة لما ذكره-.
يشار إلى المثنى المذكر في حالة الرفع بـ (ذان) وفي حالة النصب والجر بـ (ذين) وإلى المؤنثتين بـ (تان) في الرفع، و(تين) في النصب والجر. ثم قال:
وبـ (أُلى) أشر لجمع المطلقا والمد أولى:
[ ٢٣ / ٩ ]
هذا ما يتعلق بالجمع، بـ (أُلى) أشر لجمع، أشر بـ (أُلى) لجمع، وعرفنا أن الجمع ما دل على اثنين فأكثر هذا هو الأصل من حيث ماذا؟ من حيث المعنى اللغوي، لكلمة جمع، لكن المراد هنا ليس الجمع اللغوي، وإنما الجمع الاصطلاحي، يعني: جمع المذكر، أو جمع المؤنث، لأنه قال: مطلقًا، يعني: سواء كان مذكرًا أو مؤنثًا، وسواءً كان عاقلًا أم غير عاقلٍ.
وبـ (أُلى) ذكره مقصورًا، يعني: قصر دون مد، وهو لغة تميم، ثم قال:
والمد (أُلائي) (هؤلاء) هذا مد (لأُلى) (أُلى) بالقصر بدون همزة و(أُلائي) هذا بالمد.
القصر لغة بني تميم، والمد لغة الحجاز، وهو أولى، المَدُّ أوْلَى، المد فيه أولى من القصر، لأنه لغة الحجاز وبه جاء التنزيل: «هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ» [آل عمران:١١٩] «هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ»، فُصِل بين هاء التنبيه واسم الإشارة وهو جائز كما سيأتي.
(أُوْلاءِ) قال: «تُحِبُّونَهُمْ» [آل عمران:١١٩] إذًا بُني على الكسر إذا مُد قيل (أُلاء) الألف هذه ساكنة، جيء بالهمزة الأصل أنه مبني وَالأَصْلُ فِي الْمَبْنِيِّ أنْ يُسَكَّنَا، إذًا التقى ساكنان، حينئذٍ نحرك الثاني الذي هو الهمزة بالكسر على أصله للتخلص من التقاء الساكنين قيل: هؤلاء، أُلاء، نقول: مبني على الكسر على حسب موضعه إما مبتدأ أو غير ذلك.
إذًا وبـ (أُلى) أشر، أشِرْ بـ: (أُلى) -بلفظ (أُلى) - مقصورًا لجمعٍ مطلقًا مذكرًا أو مؤنثًا فهو مشترك، -لفظ مشترك-، والقصر فيه لغة تميم، والمد لغة الحجاز وهو أولى من القصر وحينئذٍ يبنى على الكسر لالتقاء الساكنين ورجحناه وقلنا أولى، لمجيء القرآن به، فإذا جاء شيء في القرآن صار أعلى أعلى أعلى الفصيح، ولو مرة واحدة لا يشترط أنه يأتي في البقرة وآل عمران والنساء الخ حتى نقول هذا مطرد، ولو مرة واحدة كلمة واحدة جاءت نقول هذا أفصح الفصيح.
وإذا كان ثم اصطلاح للنحاة لا يخالف هذا أن نقول هذا شاذ أو هذا زائد أو نحو ذلك ليس فيه تعارض؛ لأن هذا مجرد اصطلاح لمِاَ قعده النحاة فحسب، يحكمون على هذا اللفظ كونه شاذًا أو لكون هذا اللفظ غير شاذ، هذا نادر، هذا قليل، هذا ضعيف، هذا له أصل، هذا مهجور، أصله مهجور، كل هذه المصطلحات عند النحاة قد يجيء بعضها في القرآن، أما الشاذ واستعمالًا، هذا محل وفاق –إجماع-، إجماع لا يوجد في القرآن البتة، الذي هو يسمى في الأصل المهجور، الذي لم يأتِ إلا لفظ واحد عن العرب، وما كان لسائر المنقول عنهم مخالفٌ لهم، كما ذكرنا في المثال السابق، فإنه أهلٌ لأن يُكرم، هذا أصل مهجور لا يأتي به القرآن البتة، بل لا يتكلم به إنسان شم رائحة الفصاحة، لأن الأصل المطرد، هو: فإنه أهل لأن يكرم، هذا هو.
إذًا كونه أولى -المد أولى- لماذا؟ لأنه جاء في القرآن وأما القصر فهو لغة بني تميم لم يرد في القرآن.
قال الشارح: يشار إلى الجمع مذكرًا كان أو مؤنثًا بـ (أُلى) ولهذا قال المصنف:
أشِرْ لِجَمْعٍ مُطْلَقَا: والإطلاق هنا مراده به مؤنث أو مذكر، يعني ليس رفعًا ونصبًا وجرًا كما قد يأتي في بعض المحال، يشار إلى جمعٍ مذكرًا كان أو مؤنثًا بـ (أُلى) ولهذا قال المصنف:
[ ٢٣ / ١٠ ]
أشِرْ لِجَمْعٍ مُطْلَقَا: ومقتضى هذا أنه يشار بها إلى العقلاء وغيرهم، وهو كذلك، ولكن الأكثر استعمالها في العاقل، ومن ورودها في غير العاقل، قوله:
ذَمُّ المنازِل بعدَ منزلةِ اللِّوا والعَيش بعدَ أولئك الأَيَّام
أولئك الأيام: يشار إليه: أيام، وهي عاقلة أو لا؟ غير عاقلة، وفيه لغتان: المد وهي: لغة أهل الحجاز، وهي الواردة في القرآن العزيز، والقصر وهي: لغة بني تميم، إذًا فيه لغتان، لكنه لم يشر إلى أن لغة الحجازيين هي أولى، لأن القرآن قد جاء بها.
بِالْكَاف حَرْفًا دُونَ لاَمٍ أَوْ مَعَهْ وَلَدَى البُعْدِ انْطِقَا
وَاللاَّمُ إِنْ قَدَّمْتَ هَا مُمتَنِعهْ
هذا متعلق بما بعده.
وَلَدَى البُعْدِ: عرفنا ما سبق بـ (ذا) لمفردٍ مذكرً أشر: هذا هل هو في القريب أو البعيد أو المتوسط؟ أطلقه الناظم حينئذٍ يحمل على القريب، بـ (ذا) قريب منك، ليس البعيد ولا المتوسط، بـ (ذي وذه تي تا) هذا القريب أو لا؟ القريب.
وذَانِ تَانِ، وفي سواه (ذين تين) نقول هذا للقريب، وبـ (أُلى) أشر لجمع مطلقًا !!
إذًا كل ما ذكره الناظم قبل قوله:
وَلَدَى البُعْدِ: يفهم من قوله: وَلَدَى البُعْدِ أن ما تقدم يستعمل في القريب فحسب؛ لأن الناظم يرى -ابن مالك ﵀- مخالفًا لجماهير أهل اللغة: أن المشار إليه له مرتبتان: قُربى وبُعدى فحسب.
والجمهور يرون أن المشار إليه له ثلاث مراتب: قُربَى ووُسطىَ وبُعدَى، هو حذف الوسطى، قال: لا، لا يوجد، وإنما هما ثنتان فقط، قُرْبَى وبُعْدَى، كلما ذكره قبل قوله: وَلَدَى البُعْدِ: فهو للقريب وكل ما ذكره بعد قوله: ولدا البعد: فهو للبعيد.
وَلَدَى البُعْدِ: إذًا كأنه قال: وما تقدم هو فيما إذا كان المشار إليه قريبًا. (وَلَدَى البُعْدِ) وهي المرتبة الثانية من مرتبتي المشار إليه على رأي الناظم انطقا.
وَلَدَى البُعْدِ: يعني ولدى الإشارة إلى ذي البعد زمانًا أو مكانًا أو ما نُزِّلَ مُنَزَّلَتَه لتعظيم أو تحقير، وهذه تذكر في كتب البلاغة، لذلك جاء: «ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ» [البقرة:٢] ذلك: أتى باللام والكاف، وهذا للبعيد، وهو ليس بعيد، لكن جيء بهذه الصيغة للدلالة على التعظيم، حينئذٍ هذا معنىً بلاغي لا ندرسه هنا.
وَلَدَى البُعْدِ: يعني ولد الإشارة إلى ذي البعد زمانًا أو مكانًا أو ما نُزِّلَ مُنَزَّلَتَه، لتعظيمٍ أو تحقير انطقا، انطقًا: الألف هذه ممتنع عن نون، التوكيد الخفيفة.
انْطِقَا: بالكاف حرفًا إذا أردت البعيد وَلَدَى البُعْدِ: انطقًا بالكاف حرفًا، يعني: ماذا تقول؟ كَ كِ، هو يقول هكذا، كَ كِ.
وَلَدَى البُعْدِ انْطِقَا، انطقًا: بِالْكَاف حَرْفًا أي مع اسم الإشارة لابد من التقدير، انطقًا مع اسم الإشارة بالكاف، أما الكاف لوحدها لا تكون اسم إشارة.
وَلَدَى البُعْدِ انْطِقَا: يعني مع اسم الإشارة، بالكاف: يعني: بمسمى الكاف حَرْفًا يعني: حالة كونه حرفًا، لمجرد الخطاب، حكم على أن هذه الكاف المتصلة باسم الإشارة أنها حرف وهذا محل وفاق -أنها حرف محل وفاق لا خلاف فيه-.
[ ٢٣ / ١١ ]
لماذا نبه الناظم عليه؟ نقول: نبه عليه لئلا يتوهم أنه ضمير، ليس ببعيد، كما قيل في غلام، قال: (ذاك)، الكاف هذا ضمير، نبه عليه لئلا يتوهم أنه ضمير كما هو في نحو (غلامك)، ولحق الكاف للدلالة على الخطاب، لحق الكاف اسم الإشارة يعني للدلالة على الخطاب، وعلى حال المخاطب من كونه مذكرًا، أو مؤنثًا مفردًا أو مثنىً أو مجموعا، يعني: خطاب هذا يدل (ذاك ذاك) (ذاكما ذاكم) كما سيأتي، وقلنا هي حرف لأنها لو كانت اسمًا لكان اسم الإشارة مضافًا واللازم باطل، لو قلنا: (ذاك) الكاف هذه اسم حينئذٍ (ذا) مضاف، (والكاف) مضاف إليه وهذا باطل، لماذا هو باطل؟ لأن اسم الإشارة لا يقبل التنكير بحال.
إذًا وَلَدَى البُعْدِ: المرتبة البعيد البعيد التي تلي القريب عند الناظم: انطقًا بـ (الكاف) -بمسمى الكاف- حال كونه حرفًا لمجرد الخطاب، أي انطق بـ (الكاف) محكومًا عليه بالحرفية، وهذا محل وفاق.
دُونَ لاَمٍ أَوْ مَعَهْ: يعني: انطق بـ (الكاف) حرفًا مع اللام أو دون اللام، فماذا تقول؟ تقول: (ذاك، وذلك) ذاك اسم إشارة اتصل به الكاف وهو حرف، فقلت (ذاك)، (ذلك) باللام أو معه. دُونَ لاَمٍ أَوْ مَعَهْ فيلتحق هذا الكاف باسم الإشارة.
دون لام: وهي لغة تميم، دون لام (ذاك) أو معه يعني: مع اللام، وهي لغة أهل الحجاز، إذا قيل: تميم مباشرة يقابله أهل الحجاز.
دُونَ لاَمٍ أَوْ مَعَهْ: فقل: (ذاك) أو (ذلك) واختار بن الحاجب أن (ذاك) ونحوه للمتوسط، إذًا هذا مبني -كلام الناظم- في التسوية بين الكاف واللام، أنهما في مرتبة واحدة خلافًا للجمهور.
الجمهور يقولون: ما كان مجردًا عن اللام والكاف للمرتبة القربى، وذو الكاف فقط، للوسطى، وذو اللام للبعدى، وهنا سوى بين الثنتين بالكاف دون لام أو معه، إذًا (ذاك وذلك) في مرتبة واحدة، والجمهور على أن ذاك للوسطى، وذلك للبعدى.
لا خلاف أن المجرد من اللام والكاف للقريب، اتفقوا عليه، (ذا) نقول هذا للقريب، ثم اختلف فقيل ما فيه الكاف وحدها أو مع اللام كلاهما للبعيد، -الذي ذكره الناظم- ما كان بالكاف وحدها أو باللام معها، أنه للبعيد، لأن المرتبة عنده ثنتان فحسب، قُرْبَى، وبُعْدَىَ، ثم اختلف فقيل: ما فيه الكاف وحدها الذي أشار إليها بقوله: دون لام، أو مع اللام -أو معه- كلاهما للبعيد وهذا اختيار الناظم رحمه الله تعالى وليس للإشارة سوى مرتبتين، صححه ابن مالك واحتج له بماذا؟ احتج له بأن المشارَ شبيه بالمنادى، لأن المشار إليه هذا أشبه ما يكون بشيء محسوس، بل هو محسوس والمنادى كذلك يكون شيئًا محسوسًا، فهو أشبه ما يكون بالمنادى.
[ ٢٣ / ١٢ ]
قال: والنحويون مجمعون على أن المنادى ليس له إلا مرتبتان، وإذا كان اسم الإشارة شبيهًا بالمنادى والمنادى بالإجماع ليس له إلا مرتبتان حينئذٍ المشبه به ينتقل حكمه إلى المشبه -هذا الأصل-، أما قلنا قاعدة العرب (أن الشيء إذا أشبه شيئًا أخذ حكمه)؟ حينئذٍ أشبه اسمُ الإشارة المنادى، والمنادى بالإجماع -والإجماع هذا فيه نظر- بالإجماع أن له مرتبتين، إذًا اسم الإشارة له مرتبتان، فلحِق بنظيره، هذا أولًا، وبأن الفراء نقل أن بني تميم ليس من لغتهم استعمال اللام مع الكاف (ذلك) ليس عندهم استعمال اللام مع الكاف، عند من هذا؟ عند بني تميم. هذه مقدمة. والحجازيون ليس من لغتهم استعمال الكاف بلا (لام) عكس بني تميم، بنو تميم ليس من لغتهم استعمال الكاف مع اللام، ما يجمعون بين الكاف واللام، عندهم (ذاك) وليس عندهم (ذلك) يستعملون (ذاك) ولا يستعملون (ذلك) يعني: لا يجمعون بين اللام والكاف، عكسهم الحجازيون، الحجازيون ليس من لغتهم استعمال الكاف بلا (لام) يعني: في اللزوم، الحجازيون لا يستعملون الكاف إلا مع اللام (ذلك)، هذه اللفظة ليست موجودة عند بني تميم -قضية مركبة- فلزم من هذا أن اسم الإشارة على اللغتين ليس له إلا مرتبتان لأنه إذا كانت (ذاك) للقربى فحسب، حينئذٍ بماذا يشير بنو تميم للبعيد؟ ليس عندهم (ذلك)، وكذلك الحجازيون ليس عندهم إلا (ذلك) ماذا يقولون في (ذاك) لزم من هذا -من تركيب اللغتين- ألا يكون للمشار إليه إلا مرتبتان فحسب، ولزم على القول بأن المراتب ثلاثة أن التميميين لا يشيرون إلى البعيد، لأنه ليس عندهم (ذلك) عندهم (ذاك) فقط كيف يشيرون إلى البعيد؟ ليس هناك لغة مولدة، والحجازيون لا يشيرون إلى المتوسط، هذا دليل.
[ ٢٣ / ١٣ ]
أيضًا بأن القرآن لم يرد فيه المجرد من اللام دون الكاف، لا وجود له في القرآن، -لم يوجد اسم إشارة مجرد من اللام دون الكاف- فلو كان له مرتبة أخرى لكان القرآن غير جامع، هذا ليس بلازم، قد يوجد شيء في اللغة ولا يوجد في القرآن، كل ما جاء في القرآن فهو في لسان العرب، وكل ما جاء في اللغة حينئذٍ ينظر فيه: إن كان شائعًا مطردًا حينئذٍ إذا وجد في القرآن لا إشكال فيه، وإذا وجد في لسان العرب ما هو مطرد ولم يوجد في القرآن، عدم وجوده في القرآن لا نستدل به على إبطاله في لسان العرب، قضية عكسية، ولذلك الشيخ الأمين ﵀ قال: لو ثبت المجاز في لغة العرب لا يلزم أن يثبت في القرآن لأنه ليس كل ما جاء في لغة العرب لابد أن يأتي في القرآن، هذه قضية نعكسها، نقول: إن وجد في القرآن ما هو شائع في لسان العرب توافقا، وهذا هو الأصل فيه -أن القرآن نزل بلسان العرب- قُرْآنًا عَرَبِيًّا «بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ» [الشعراء:١٩٥]، فمن ادعى أن هذا القرآن اشتمل على شيءٍ مطردٍ في لسان العرب لا يحتاج أن يقيم دليل، الذي ينفي هو الذي يقيم دليل، لماذا؟ لأن القرآن نزل بلسان العرب، فإذا كان الشيء شائعًا في لسان العرب -مطردًا في لغة العرب- ووجد في القرآن حكم الله ﷿ بأن القرآن هذا نزل بما شاع وانتشر في لسان العرب حينئذٍ لا نحتاج إلى دليل هذا هو الأصل، من قال هذا شائع في لسان العرب وكثير ومطرد ولا يوجد في القرآن آتي بالدليل، خاصة مع من أثبته، حينئذٍ القضية تكون عكسية.
إذًا هنا قال: لم يرد فيه المجرد من اللام دون الكاف فلو كان له مرتبة أخرى لكان القرآن غير جامع -هذا دليل ضعيف لا يستدل به، قد يوجد في القرآن ما هو شائع في لسان العرب وقد يوجد في لسان العرب وهو شائع وليس في القرآن هذا لا بأس به، قد يكون في لسان العرب ما هو شائع ومطرد ولم يكن له مثال واحد في القرآن- لكان القرآن غير جامع لوجوه الإشارة فإنه لو كانت المراتب ثلاث لم يكتفى بالتثنية والجمع بلفظين، وأكثر النحاة على أن الإشارة على ثلاث مراتب وهذا محل وفاق. ورجح الصبان ما ذهب إليه الناظم وكذلك السيوطي في عقود الجمان وغيرها.
إذًا بِالْكَاف حَرْفًا دُونَ لاَمٍ أوْ مَعَهْ، دُونَ لاَمٍ: هذا عند الناظم مساويًا لقوله أوْ مَعَهْ، لأن المرتبة واحدة، وعند الجمهور دُونَ لاَمٍ هي القربى، أوْ مَعَهْ هي الوسطى، واللامُ إِنْ قَدَّمْتَ هَا مُمتَنِعهْ، واللام ممتنعة، متى؟ إِنْ قَدَّمْتَ هَا مُمتَنِعهْ يعني: ها التنبيه إن تقدمت اللام فهي ممتنعة.
واللامُ هذا مبتدأ.
وقوله: مُمتَنِعهْ هذا خبر.
إِنْ قَدَّمْتَ هَا: إن: حرف شرط.
قدمت: فعل الشرط، والتاء فاعل، وها قصد لفظه وهو مفعول به، والجواب محذوف، فهي ممتنعة، دل عليه الخبر، وتمتنع أيضًا مع التثنية والجمع إذا ما مُدَّ.
قال الشارح: وأشار بقوله:
[ ٢٣ / ١٤ ]
وَلَدَى البُعْدِ انْطِقَا بِالْكَاف .. الخ البيت: إلى أن المشار إليه له رتبتان: القُرب والبُعد، فجميع ما تقدم يشار به إلى القريب يعني: ما تقدم هذا اللفظ وَلَدَى البُعْدِ يشار به عند الناظم إلى القريب، فإذا أُريد الإشارة إلى البعيد أُتي بالكاف وحدها فتقول: (ذاك) أو الكاف واللام نحو ذلك، وهذه الكاف حرف خطاب، فلا موضع لها من الإعراب وهذا لا خلاف فيه، حرف يبين أحوال المخاطب، من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، لأنك تقول (ذاك) يخُاطَب واحد وهو مفرد (ذلكما) (ذلكم) (ذلكن) (ذاكَ) (ذاكِ) (ذاكما) (ذاكم) (ذاكنَّ)، ذا والكاف، ثم تلحق به باعتبار المشار إليه إن كان مؤنثًا قلت (ذاكِ) وإذا كان مذكر قلت (ذاكَ) وإذا كان مثنى (ذاكما، ذاكن، ذاكم) الخ، فإن تقدم حرف التنبيه الذي هو هاء على اسم الإشارة أتيت بالكاف وحدها، ولا تأتي باللام، ولذلك قال:
واللامُ إِنْ قَدَّمْتَ هَا مُمتَنِعهْ: أما مع الكاف فغير ممتنعة، فتقول: (هذَاكَ).
رَأَيْتُ بَنِي غَبْرَاءَ لاَيُنْكِرُونَنِي وَلاَ أَهْلُ هذَاكَ الطِّرَافِ الْمُمَدَّدِ
تصحب هاء التنبيه المجرد من الكاف كثيرًا، قاعدة: تصحب ها التنبيه المجرد من الكاف كثيرًا: نحو هذا وهذي، والمقترن بالكاف دون اللام قليلًا، تقول (هذاك) ولا تدخل مع اللام بحال، إذًا تأتي ها التنبيه مع المجرد من الكاف، وهل تأتي مع المتصل باللام؟ الجواب: لا، والمقترن بالكاف دون اللام أقل من المجرد.
إذًا مراتب ثلاثة:
أولًا: تصحب ها التنبيه المجرد من الكاف كثيرًا (هذا)، ليس فيه كاف ولا لام، هذا هو الكثير و(هذي) نقول هذا كثير.
ثم يليه على قلة هاء التنبيه مع الكاف، (هذاك) لكنه أقل من الأول.
الثالث: هل تدخل اللام مع اسم الإشارة الذي تقدمت عليها التنبيه، الجواب: لا.
ولذلك قال ولا تدخل مع اللام بحالٍ فلا يقال: (هذالك) وعلله ابن مالك بأن العرب كرهت كثرة الزوائد.
فائدة: تفصل ها التنبيه من اسم الإشارة بـ (أنا وأخواتها) من ضمائر الرفع المنفصلة كثيرًا (ها أنذا، هذا) فصلت بينها واسم الإشارة بـ (أنا) «هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ» [آل عمران:١١٩]، (ها أنذا، هذا) وها نحن أُوْلاءِ قال تعالى: «هَاأَنْتُمْ أُوْلاءِ» [آل عمران:١١٩]، وبغير الضمائر المذكورة قليلًا، فقلتُ: لهم هذا لها ها وذاليا فوصل بالواو، ولا يجوز الإتيان بالكاف واللام فلا تقول (هذالك) وظاهر كلام المصنف أنه ليس للمشار إليه إلا رتبتان: قُربى وبُعدى كما قررنا.
والجمهور على أن له ثلاث مراتب قُربى ووسطى وبُعدى، قربى ولها المجرد من الكاف واللام، ووسطى ولها ذو الكاف (ذاك)، وبُعدى ولها ذو الكاف واللام، فيشار إلى من في القربى بما ليس فيه كاف ولا لام مجرد كـ (ذا) و(ذي) وإلى من في الوسطى بما فيه كاف وحدها نحو (ذاك) وإلى من في البعدى بما فيه كاف ولام نحو (ذلك).
المثنى لا تدخل عليه اللام، وكذلك الجمع على لغة المد وتصح على لغة القصر وهي لغة تميم.
لا تدخل اللام على الكاف مع جميع أسماء الإشارة بل المفرد مطلقًا نحو (ذلك وتلك) ومع (أُلى) مقصورًا نحو (أولاك) و(أولا لك) وأما المثنى مطلقًا و(أُلآء) الممدود لا تدخل معه اللام.
[ ٢٣ / ١٥ ]
وَبِـ (هُنَاَ) أَوْ (هَاْهُنَاْ) أشر إلى دان المكان وبه الكاف صلا في البعد أو بـ (ثم) كف أو (هَن) أو بـ (هنالك) انطقًا أو (هِن).
(هَن) في الأول و(هِن) في الثاني قدمت أو أخرت لا بأس وبـ (هنا) أو للتخيير هاهُنَا أشِرْ إِلى، هنا قال أشر إلى، بـ (ذا) لمفرد مذكرٍ أشر، قلنا اللام هناك بمعنى إلى، لأن أشر يتعدى إلى مدخوله بـ (إلى) لا باللام، وهنا عداه بـ (إلى) دليل على أن ذاك التأويل في محله، وَبِـ (هُنَاَ) أَوْ (هَاْهُنَاْ) أشر إلى داني المكان، يعني: إلى قريب مكان، يعني يُشار إلى المكان باسم الإشارة، ثم هذا المكان قد يكون قريبًا وقد يكون بعيدًا، بـ (هُنَاَ) أو (هاهُنَا) تشر به إلى المكان القريب، يُشار للمكان القريب بـ (هُنَاَ) وهو لازم للظرفية، يعني هنا هذا لازم للظرفية، فلا يقع فاعل ولا مفعولًا ولا مبتدأ مثل (عند)، و(عند) فيها النقص يستمرُ لكنها بمن فقط تُجَرُّ.
هذه ملازمة للظرفية ولا تجر إلا بـ (من) و(إلى) نحو تعال من هنا إلى هنا، (هنا) هذا يشار به إلى المكان القريب وهو ظرف ملازم للظرفية، ولا يدخل عليه من حروف الجر إلا (من) و(إلى) هذا مثال شامل للنوعين، تعال من هنا إلى هنا، حينئذٍ هذا إشارة إلى مكان قريب، وَبِـ (هُنَاَ) أَوْ (هَاْهُنَاْ): هنا قدم الجار والمجرور بقوله بـ (هُنَاَ) على قوله أشِرْ لا للحصر، يعني حصر الإشارة إلى المكان في هذه الألفاظ وإنما هو من حيث كونه ظرفًا للفعل، فإنه من هذه الحيثية لا يُشار إليه إلا بها فلا ينافي صلاحية أسماء الإشارة المتقدمة لكل مشار إليه ولو كان مكانًا وقع غير ظرفٍ، يعني: لا يشترط في الإشارة إلى المكان أن يكون بهذه الألفاظ بحسب بل قد يشار إليه بما سبق، وإنما كانت هذه مخصصة في هذا الموضع لأنها أليق، لأنها هي الأصل وما عداها لا مانع من أن تستعمل في مثل هذه المعاني.
وَبِـ (هُنَاَ) أَوْ (هَاْهُنَاْ) هنا هذه بدون (ها) تنبيه، يعني مجردة من ها التنبيه، ولذلك يوقف عليها بـ (هنه) يعني تحذف الألف تصير هاء السكت، (هنه).
وَبِـ (هُنَاَ) أَوْ (هَاْهُنَاْ) المسبوقة بالهاء أشِرْ إلِى دَانِى الْمكَانِ، يعني المكان القريب «إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ» [المائدة:٢٤] إنا هاهنا، هذا إشارة إلى مكان قريب، قاعدون.
وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ فِي البُعْدِ: إذًا ذكر اثنين للقريب، وليس عنده إلا مرتبتان: قُربى وبُعدى هنا وهاهنا للقريب، وبه يعني، بـ (هنا) أو (هاهنا) الْكَافَ صِلاَ، يعني: الكاف المتقدمة، بـ (الْكَافَ) حرفًا صِلاَ، يعني: صلًا فِي البُعْدِ أوْ، تقول: (هناك) أو (هاهناك)، يعني مع هاء التنبيه ودون هاء التنبيه (هنا) هذه مجردة عن الهاء، تقول: (هناك) وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ، (هنالك) (هاهنا) (هاهناك)، حينئذٍ تأتي بالكاف، وَبِهِ الْكَافَ صِلاَ: يعني تلحقه لواحق (ذا) تقول: (هناك) و(هاهناك) فيه ثقل.
[ ٢٣ / ١٦ ]
فِي البُعْدِ أوْ بِثَمَّ فُهْ يعني إذا لم تأتِ بـ: هاهنا أو هنا موصولة بالكاف تأتي بـ (ثم) ثم هذه للمكان البعيد، ليست للمكان القريب، بفتح الثاء والميم مشددة، وليست هي ثُم، ثُم هذه حرف عطف، تفيد التراخي، وأما ثَمَّ بالفتح وتشديد الميم فهي ظرف، أو بـ (ثمه) بـ (ثم) في الوقف يقال: (ثمه) هاء السكت، (ثم) فه: أي انطق، أو قل (هن) أو بزيادة اللام مع الكاف بـ (هنالك) انطقًا هذا على لغة أهل الحجاز، أو (هِنَّ) (هَنَّ) تأتي بهذه الألفاظ كلها مشارًا بها إلى المكان البعيد، أما المكان القريب فليس له إلا لفظان عند المصنف في هذا التركيب في البيت.
وَبِـ (هُنَاَ) أَوْ (هَاْهُنَاْ) هذا للقريب، وَبِهِ الْكَافَ المتقدمة صِلاَ فِي البُعْدِ تقول: (هناك) أو (هاهناك) أو بـ (ثم) فه، يعني انطق بـ (ثم) وهذا للمكان البعيد، أو (هَن) أو بـ (بهُنَالِكَ) انْطِقَنْ ً أو (هِن) إذًا تلحقه لواحق (ذا) تتصل بهذه الألفاظ لواحق (ذا) وهو الكاف وحدها في التوسط أو البعد على القولين والكاف مع اللام في البعد، وتدخل ها التنبيه في هنا بكثرة وهناك بقلة ولا تدخل في هنالك، وقد يقال في (هنّ) المشددة (هنَّت) هذه مشددة ساكنة التاء، وقد يشار بـ (هنا) و(هنالك) و(هن) المشددة للزمان كما يشار به إلى للمكان، كقوله: «هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ» [الأحزاب:١١] يدل على ذلك قوله: «إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ» [الأحزاب:١٠] وقوله: «هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ» [يونس:٣٠] (هنالك) نقول: هذا استعمل في الزمان، الأصل فيه أنه يستعمل للمكان، وجاء في هاتين الآيتين مستعملًا به في الزمان.
وَبِـ (هُنَاَ) أَوْ (هَاْهُنَاْ) أَشِرْ إِلَى دَانِ المَكَانِ وَبِهْ الكَافَ صِلاَ
قال المصنف الشارح: يشار إلى المكان القريب بِـ (هُنَاَ) ويتقدمها ها التنبيه، إذًا قوله: أو للتخيير وَبِـ (هُنَا) أَوْ (هَاْهُنَاْ) للتخير يعني سواء جردتها عن هاء التنبيه، أو أوصلتها بها، ويتقدمها هاء التنبيه فيقال: هاهنا، ويشار إلى البعيد على رأي المصنف بـ (هناك وهنالك وهِنَّ وهَنَّ) يعني بفتح الهاء وكسرها مع تشديد النون وبـ (ثمه) «وأزلفنا ثَمَّ الآخَرِينَ» [الشعراء:٦٤] هنا اسم إشارة، و(هِنَّت) وعلى مذهب غيره هناك للمتوسط وما بعده للبعيد والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم !!!
[ ٢٣ / ١٧ ]