عناصر الدرس
* تتمة استعمالات الموصول الإسمي المختص
* فائدة في جمع (الذين واللذون) ـ
* الموصول الإسمي المشترك
* الصلة وأحكامها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
وقفنا عند قول الناظم رحمه الله تعالى:
جَمْعُ الَّذِي الأُلَى الَّذِينَ مُطْلَقا وَبَعْضُهُمْ بِالوَاوِ رَفْعًا نَطَقَا
بِاللاَّتِ وَاللاَّءِ الَّتِي قَدْ جُمِعَا وَالَّلاءِ كَالَّذِينَ نَزْرًا وَقَعَا
إذًا ذكرنا فيما سبق أن الموصول قد يكون مفردًا وقد يكون مثنًى، وقد يكون جمعًا -مجموعًا- ثم كل منهما قد يكون مذكرًا وقد يكون مؤنثًا، القسمة حينئذٍ تكون ستة أقسام.
ذكر المفرد المذكر بقوله: الذي، والمفرد المؤنث بقوله: التي.
ثم بين المثنى لهما فقال:: (الَّذِي): يثنى بزيادة علامة التثنية مع حذف الياء، ومثلها (الَّتِي)، وحينئذٍ الذي والتي واللذان واللتان، ذكرنا أن (اللذان) -على الحكاية- فيه ثلاث لغات، يعني الاسم الموصول اللذان واللتان، فيهما ثلاث لغات.
الأولى: إبقاء النون كنون المثنى المتحركة بالكسر، وهذه فصحى.
ثانيًا: تشدد مع الكسر.
ثالثًا: تحذف.
وأما في المثنى (ذين تين) هذه ليست مثلها في اللغة الثالثة، يعني فيهما لغتان فحسب، اللغة الثالثة هذه ليست موجودة في اسم الإشارة وإنما هي في الاسم الموصول -تنبه لهذا- لئلا يظن أن القاعدة مطردة، وإنما الثلاث لغات هذه مذكورة ومحفوظة في الاسم الموصول، وأما اسم الإشارة المثنى ففيه لغتان فحسب، يعني لا تحذف لئلا يقع فيه لبس.
ثم شرع في بيان الجمع فقال::
جَمْعُ الَّذِي الأُلَى: المراد بالجمع هنا الجمع اللغوي؛ لأن الصواب أن (الأُلى) و(اللذين) اسما جمع وليسا بجمعين حقيقين، وإنما هما اسما جمع، واسم الجمع ما دل على أكثر من اثنين من غير نظر إلى مفرده.
والمراد بالجمع هنا: كل ما دل على أكثر من اثنين بقطع النظر عن كون له مفرد أو لا، سلم واحده في الجمع أو لا -مطلقًا- حينئذٍ يدخل فيه اسم الجنس الجمعي، واسم الجمع، ويدخل فيه جمع التصحيح المذكر والمؤنث.
جَمْعُ الَّذِي: أمران شيئان.
الأُلَى والَّذِينَ: بحرف العطف ولكن أسقطه من أجل ضيق النظم، وهو جائز عندهم في النظم إلا أنه مختلف فيه في النثر، وابن مالك يجوزه في النثر.
قال:: جاء زيدٌ عمرو خالد، بحذف حرف العطف، إذا عُلِم.
جَمْعُ الَّذِي: (جمعُ) مبتدأ، و(هو) مضاف والذي مضاف إليه.
والأُلَى: هذا خبر كلمة (جمع).
الأُلَى: قلنا:: مقصورًا وقد يمد ألاء، الأُلى يلزمه (أل)، فلا يشتبه حينئذٍ بـ (إلى) الجارة، -هذا أوَّل فيما إذا كانت لم تضبط الكلمات، لم تكن ثم مطابع، وحينئذٍ قد يشتبه، أما الآن فلا يشتبه-.
الأُلى: يلزمه ألف فلا يشتبه بـ (إلى) الجارة، ولهذا تكتب بغير واو، بخلاف (أولى) الإشارية التي سبق معنا، فتكتب بواو بعد الهمزة لعدم (أل) فيها فتشتبه بـ (إلى) الجارة.
جَمْعُ الَّذِي الأُلَى: قلنا: مقصورًا وقد يمد فيقال:: (ألاء)، وهذا اسم جمع وليس بجمع على الصحيح، ولا يكاد يكون فيه خلاف.
يقال: في جمع المذكر (الأُلى) مطلقًا عاقلًا كان أو غيره، هكذا أطلقه ابن عقيل و(الأُلى) كـ (العلى) والمشهور وقوعها بمعنى (الذين)، فيكون حينئذٍ للعقلاء المذكرين، خلافًا لما أطلقه الشارح هنا.
[ ٢٥ / ١ ]
قال: عاقلًا كان أو غيره والصواب التفصيل، أنه للعاقل بكثير، وأما استعماله في غير من يعقل هذا قليل جدًا، بل أطلق بعضهم أنه خاص بالعقلاء فهو في معنى (الذين)، يعني يستعمل استعمال الذين.
ولهذا قال: الأشموني والكثير: استعماله في جمع من يعقل، ويستعمل في غيره قليلًا، (الذي) هو (الأُلى).
إذًا (الأُلى) هذا يقال: في جمع المذكر مطلقًا سواء كان عاقلًا أو غيره، إلا أنه في العاقل هو الكثير، وفي غيره -غير العاقل- قليل.
وَتُبْلِي الأُلى يَسْتَلْئِمُونَ عَلَى الأُلى تَراهُنَّ يومَ الرَّوْعِ كالْحِدَإِ الْقُبْلِ
وهنا ذكره مع جمع التصحيح، جَمْعُ الَّذِي الأُلَى، والذين الَّذِينَ مُطْلَقا مطلقًا يعني و(الذين) بالياء مطلقًا يعني ملفوظًا بالياء مطلقًا رفعًا ونصبًا وجرًا، وهذا مراده بالإطلاق أنه يذكر اللفظ بالياء سواء كان في محل رفع أو في محل نصب أو في محل جر.
وأراد بالإطلاق هنا ما يقابل اللغة الأخرى، ولذلك قال: وَبَعْضُهُمْ بِالوَاوِ رَفْعًا نَطَقَا.
إذًا: فصل بين الرفع وبين الجر والنصب.
الَّذِينَ بالياء مطلقًا في جميع الأحوال، هذا يأتي مبنيًا على الفتح.
وَبَعْضُهُمْ: أي بعض العرب، ونُسب لهُذيل قيل أو عُقيل.
بِالوَاوِ رَفْعًا نَطَقَا: يعني لم ينطقه بالياء وإنما نطقه بالواو حالة كونه رافعًا، أو رَفْعًا يعني: في حال الرفع، إما أنَّ رَفْعًا هذا حال، وإما أنه منصوب بنزع الخافض، يحتمل هذا ويحتمل ذاك، لكن إذا قلنا: رَفْعًا حال –مصدر- الأصل أنه يؤول بمشتق فيقل: رافعًا.
وَبَعْضُهُمْ: مبتدأ، من العرب من يجري (الذين) مجرى جمع المذكر السالم نَطَقَا: الألف هذه للإطلاق، نَطَقَاَ: الجملة خبر، نَطَقَا: بالواو: الواو جار ومجرور متعلق بقوله: نَطَقَا.
رَفْعًا: هذا حال، نقول: حال من فاعل نطقا، نطقا حال كونه رافعًا الذين بالواو.
نَحْنُ اللَّذُونَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا يَومَ النُّخَيلِ غَارَةً مِلحَاحَا
نَحْنُ اللَّذُونَ: جاء به في حالة الرفع بالواو، وهل هو حينئذٍ معرب أو أنه مبني؟ على الخلاف الذي ذكرناه في (اللذين واللتين)، أنه لم يجرِ مجرى الجمع الصحيح حينئذٍ بقي على بنائه فيقال: فيه إنه في محل الرفع يأتي بصورة الواو، ويكون مبنيًا على الواو، وفي حالتي النصب والجر يأتي بالياء فيكون مبنيًا على الياء، هذا المشهور عند النحاة.
وهل هو حينئذٍ معرب أو مبني جيء به على صورة المعرب؟ الثاني –الظاهر-.
[ ٢٥ / ٢ ]
قولان للنحاة: قيل: مبني؛ إذ هذا الجمع ليس حقيقيًا، هو ليس بجمع حقيقي، لأن الذين جمع الذي، و(الذي) هذا ليس بعلم ولا صفة، ثم (الذين) قيل: هذا يطلق على العقلاء فحسب، هذا الأصل فيه، و(الذي) هو مفرده يطلق على العقلاء وغيرهم، قالوا: ولا يكون المفرد أعم من الجمع،- لا يكون الجمع أخص من المفرد-، حينئذٍ لا يكون جمعًا حقيقيًا له، فليس بجمع حقيقي، إذا كان كذلك حينئذٍ لا يعترض على كونه أشبه الحرف وهو مبني للشبه الافتقاري بكونه قد جمع بواو ونون أو ياء ونون؛ لأننا نقول: هذا الجمع ليس حقيقيًا، وإذا كان كذلك لا يعتبر ناقضًا لوجه الشبه، وإنما الذي يعتبر ناقضًا لوجه الشبه ويؤثر في كونه مؤثرًا، حينئذٍ نقول: هذا هو الجمع الحقيقي، وأما الجمع الذي ليس بحقيقي هذا لا تأثير له، بل يبقى وجه الشبه قويًا.
إذ هذا الجمع ليس حقيقيًا حتى يعارض شبه الحرف؛ لاختصاص الذين بالعقلاء، وعموم الذي للعاقل وغيره، ولأن الذي ليس علمًا ولا صفة، إذًا جُمع (الذي) (باللذين)، وفيه صورتان: إما أن يقال: (بالذين) مطلقًا رفعًا ونصبًا وجرًا، وهذا هو اللغة المشهورة وعليها القرآن، وإما أن يقال: في حالة الرفع بالواو (اللذون) جاء اللذون قاموا مثلًا، حينئذٍ يكون مبنيًا على الواو، وإذا جيء بالذين حينئذٍ يكون مبنيًا على الفتحة، وإنما بني على الواو لأنه أشبه جمع التصحيح، نُزِّلَ مُنَزَّلَتَه، حينئذٍ نقول: بني على الواو، كذلك في حالتي الجر والنصب.
جَمْعُ الَّذِي الأُلَى، والَّذِينَ: بالياء هذا الثاني، مطلقًا في جميع الأحوال بالياء -ملازمًا للياء-.
وَبَعْضُهُمْ: بعض العرب كهذيل أو عقيل، من يجري (الذين) مجرى جمع المذكر السالم، فينطقه بالواو حالة كونه رافعًا له، والظاهر من كلام المصنف أنه معرب.
إذًا: يقال: في جمع المذكر (الأُلى)، وقد يستعمل جمعًا لـ (التي) في جمع المؤنث.
ثم قال:
بِاللاَّتِ وَاللاَّءِ الَّتِي قَدْ جُمِعَا وَالَّلاءِ كَالَّذِينَ نَزْرًا وَقَعَا
هذا شروع في ذكر الجمع لـ (التي)، لما أنهى الجمع للفظ (الذي) وهو مفرد جمعه بـ (الأُلى) و(الذين)، كذلك شرع في بيان ما يجمع به لفظ (التي)، يعني ماذا يقال: في جمع الإناث؟
قال: بالَّلاتِ و(الَّلاءِ) بدون ياء وبإثبات الياء، وهنا الأصل أن يذكر الياء؛ لأن الياء هي أصل، بـ (اللاتي) بالياء، و(اللائي) بالياء، ثم قد يحذفان، فهذه أربع كلمات.
(بالَّلاتِ) و(الَّلاتِي) (بالياء)، و(اللائي) و(اللآئي) بالياء، أربع كلمات «وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ» [النساء:١٥] بالياء، «وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ» [الطلاق:٤] بالياء.
الَّتِي: هذا المبتدأ.
قَدْ جُمِعَا: الألف للإطلاق، (التي) قد جمع (باللاتي) و(اللائي)، هذا تركيب البيت، (التي) هذا مبتدأ جملة اسمية، قَدْ جُمِعَا الجملة خبر، باللاتي واللائي.
[ ٢٥ / ٣ ]
وَالَّلاءِ كالَّذِينَ نَزْرًا وَقَعَا: وَالَّلاءِ: هذا مبتدأ، وَقَعَا، كالَّذِينَ، الآن تقرر عندنا أن اللائي هذا يعبر به عن جمع التي فهو لجمع المؤنث، قد يستعمل هذا اللفظ في المذكر لكنه قليل، ولذلك قال: وَالَّلاءِ الذي سبق ذكره في أنه يعبر به عن جمع المؤنث، وَاللَّائِي وَقَعَا -الألف للإطلاق خبر- في لسان العرب.
كالَّذِينَ: هذا متعلق بـ (وَقَعَا).
نَزْرًا: أي قليلًا، فهو قليل إذا كان كذلك حينئذٍ لا يكون هو الفصيح، بل الفصيح أن يستعمل (الذين) (والأُلى) مرادًا به جمع الذكور، (واللاء) (واللاتي) بالياء وبحذفهما في جمع المؤنث مطلقًا.
وحينئذٍ استعمال (اللائي) في موضع (الذين)، نقول: هذا خلاف الأصل، وإن سمع في لسان العرب إلا أنه قليل، ولذلك عبر عنه بـ (نَزْرًا).
أي اللائي وقع جمعًا لـ (الذي) قليلًا كما وقع (اللاء) جمعًا لـ (التي)، ولذلك قرأ ابن مسعود (واللائي آلوا من نسائهم) يعني والذين آلوا من نسائهم، حينئذٍ قرأ باللائي بدلًا من الذين، والأصل الذين.
يقال: في جمع المذكر الأُلَى مطلقًا عاقلًا كان أو غيره، فصَّلنا فيه، فيقال: جاءني الأُلَى فعلوا، جاءني فعل ومفعول به، والأُلَى هذا فاعل، وجملة فعلوا هذه صلة الموصول.
الأُلَى هنا استُعْمِل في دلالته على جمع الذكور، مرادًا به الذكور الجمع، ما الدليل؟ فعلوا الواو؛ لأنه قد يُستعمل في الإناث، لكنه قليل، والأصل فيه استعماله في الذكور، الذي يميِّز هذا عن ذاك هو العائد، إن كان مذكرًا حينئذٍ (الأُلى) صار لجماعةِ الذكور، وإن كان مؤنثًا فحينئذٍ صار الأُلَى في جماعة الإناث.
جاءني الأُلى فعلوا، وقد يستعمل جمعًا للتي في جمع المؤنث، وقد اجتمع الأمران في البيت:
وتُبْلي الأُلى يُسْتَلْئِمون على الأُلى تَراهُنَّ: أُلى في الموضعين، قال: الأُلى يُسْتَلْئِمون: يعني الذين يستلئمون، فجاء بالواو دل على أن (الأُلَى) هنا استُعمِل في جمع الذكور.
على الأُلى تراهنَّ: تراهُنَّ: أتى بالنون، دل على أن المراد به جماعة الإناث، استُعمل في محل واحد، وأيهما أصل وأيهما فرع؟ الذكور أصل والإناث فرع.
إذًا (التي) يجمع على الأُلَى واللواتي بإثبات الياء وحذفها، واللوائي ممدودًا ومقصورًا و(اللاء) بالقصر، و(اللاءات) مبنيًا على الكسر .. وهذه كلها ليست بجموع وإنما هي أسماء جموع، ليست بجموع حقيقية.
و(الذين) فيما سبق ذكرنا أنه إذا كان بالياء يبن على الفتح، وأما على لغة من يجعله بالواو حينئذٍ يكون مبنيًا على الواو في حالة الرفع ويكون مبنيًا على الياء في حالتي النصب والجر.
ويقال: للمذكر العاقل في الجمع خاص (الذين) مطلقًا في الرفع والنصب والجر، جاءني الذين أكرموا زيدًا، ورأيت الذين أكرموه، ومررت بالذين أكرموه.
لزم حالة واحدة مع كونه مرفوعًا أو في محل رفع، وفي محل نصب، وفي محل جر، حينئذٍ نقول: هذا شأن المبني.
[ ٢٥ / ٤ ]
والأصل فيه أنه يستعمل للعاقل، وقد ينزل غير العاقل منزلة العاقل فيستعمل فيه (الذين) كذلك، يعني العاقل في نفسه، وقد يكون منزلًا منزلة العاقل، قال: تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ» [الأعراف:١٩٤] نزل الأصنام لما عبدوها منزلة من يعقل، ولذا أعاد الضمير عليها ضمير العقلاء في قوله بعد: «أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا» [الأعراف:١٩٥].
وبعض العرب يقول: (الذون)، هذه لغة طيء وهذيل وعقيل على الشك في الرفع، و(الذين) في النصب والجر.
نَحْنُ اللَّذُونَ صَبَّحُوا الصَّبَاحَا يَومَ النُّخَيلِ غَارَةً مِلْحَاحَا
نَحْنُ: هذا ضمير منفصل مبتدأ.
واللَّذُونَ: اسم موصول خبر المبتدأ مبني على الواو في محل رفع.
ويقال: في جمع المؤنث اللاَّتِ وَاللاَّءِ بحذف الياء فتقول: جاءني اللات فعلن، فعلن تعيد الضمير هنا بالإناث، واللاء فعلن، ويجوز إثبات الياء، بل العكس، إثبات الياء هو الأصل ويجوز حذفها فهي أربع لغات: اللاتي واللائي، وقد ورد اللاء بمعنى الذين:
فَمَا آباؤُنَا بِأَمَنَّ مِنْهُ عَلَيْنَا اللاَّءِ قَدْ مَهَدُوا الْحُجُورَا
الّلاِءِ يعني الذين، قد مهدوا الحجورا، وكما قرأ ابن مسعود فيما ذكرناه سابقًا.
وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ وَهكَذَا ذُو عِنْدَ طَيِّءٍ شُهِرْ
وَكَالَّتي أَيْضًا لَدَيْهِمْ ذَاتُ وَمَوْضِعَ اللاَّتِي أَتَى ذَوَاتُ
هذا شروع في الموصول المشترك، قلنا: الموصول على نوعين: موصول خاص، يعني ألفاظ خاصة تستعمل في مراداتها الخاصة التي وضعت لها في لسان العرب، المفرد للمفرد والمثنى للمثنى، والجمع للجمع، ولا يعبر عن المفرد بالجمع ولا عن الجمع بالمفرد، ولا عن المثنى بالمفرد ولا بالجمع، كل منهما يلزم حالته التي وضع لها في لسان العرب.
وكذلك المؤنث والمذكر، وهذه قلنا: ثمانية على المشهور تزيد أو تنقص.
والنوع الثاني مشتركة: بمعنى أن اللفظ واحد ينطق به مرة واحدة (من)، ولكن من جهة المعنى قد يستعمل في المذكر المفرد وقد يستعمل في المذكر المثنى، وقد يستعمل في المذكر الجمع، أو المؤنث في الجميع مفردًا أو مثنًى أو جمعًا، اللفظ واحد، هذا يعبر عنه بأنه موصول مشترك، ليس خاصًا بواحدة، فتقول: جاءني من قام، ومن قامت، ومن قاما، ومن قاموا، ومن قمن .. اللفظ واحد وحينئذٍ تنظر إلى العائد هو الذي يفسر هل هذا مفرد أو مثنى أو جمع.
وهذه ستة ألفاظ: ﴿من، وما، وأل، وذو -عند طيء خاصة- وأل، وأي﴾ .. ستة.
وأما ذَاتُ وذَوَاتُ هذه فرع ذَوَ، تابعة لها.
إذًا: وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ.
من الموصولات الاسمية ما يستعمل للواحد والمثنى والجمع مذكرًا ومؤنثًا بلفظ واحد، وهو ألفاظ ستة: (من، وما، وأل، وذو، وذا، وأي)، هذه ستة.
سيشرحها الناظم واحدة تلو الأخرى.
وَمَنْ: هذه الأول، مَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ: تساوي الذي ذكر، المراد بالمساواة هنا: أي تساوي كلًا مما ذكر سابقًا، أي تستعمل فيما يستعمل فيه كل ما ذكر.
تُسَاوِي مَا ذُكِرْ، ما الذي ذكر؟
مَوْصُولُ الاسْمَاءِ الَّذِي الأَُنْثى الَّتي ..
جَمْعُ الَّذِي الأُلَى الَّذِينَ مُطْلَقا الخ
[ ٢٥ / ٥ ]
هذه الألفاظ المذكورة الآن: مَنْ وَمَا وَأَلْ، تُسَاوِي الذي ذُكر سابقًا من الموصولات، في كونه يستعمل في جميع ما مضى، مساويةً لها مطلقًا بلا تفصيل، فيستعمل اللفظ الواحد مرادًا به كل ما ذكر –السابق- المفرد والمثنى والجمع، لا تفصيل بينها، لا نقول: هذا للمفرد المذكر، والتي للمفردة المؤنثة، والأُلى .. وكذا إلى آخره، هذه كلها التفصيلات لا تأتي هنا، وإنما هو لفظ واحد يعبر به عن الجميع.
أولها: مَنْ، قال::
وَمَنْ: ومن هذه الأصل فيها أنها تكون للعاقل، تستعمل في العاقل بكثرة، وفي غيره بقلة، يعني قد تستعمل في غير العاقل لكنه قليل، وبعضهم يعبر أيضًا كما ذكرنا سابقًا: عاقل بدلًا منه يقول: عالم «وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ» [الرعد:٤٣].
إذًا: الأصل في (من) أنها تستعمل للعاقل، أو إن شئت قل للعالم، وقد تخرج عنه لغيره، لكن لا تخرج عنه لغيره إلا لقرينة، إلا لسبب، إلا لموجب، إلا لمعنى بلاغي، لا بد من هذا.
وذكر ابن هشام أنها تخرج عن العاقل إلى غيره في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أن يقترن غير العاقل مع من يعقل في عمومٍ فُصِّل بـ (من) الجارة «فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ» [النور:٤٥] «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ» [النور:٤٥] هذا عموم، دابة تطلق على من يعقل ومن لا يعقل، ثم جاء التفصيل -تفصيل هذا العموم- بـ (من) الجارة .. فمنهم، ومنهم، ومنهم.
قال:: «مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ» [النور:٤٥] هذا قطعًا أنه غير عاقل، «وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ» [النور:٤٥] هذا فيه عاقل وفيه غير عاقل، أليس كذلك؟
إذًا هذا استعملت (من) هنا في غير العاقل لوجود قرينة، هذه القرينة ما هي؟ جمع بينهما -بين العاقل وغير العاقل- في لفظ واحد، ثم جاء هذا العموم مفصلًا في مثل هذا التراكيب، يعبر بـ (من)، إذا صار اختلاط بين العاقل وغير العاقل يعبر بـ (من).
إذًا: أن يقترن غير العاقل مع من يعقل، في عموم فُصِّل بـ (من) الجارة، نحو قوله تعالى: «فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ» [النور:٤٥] هذا فصل ماذا؟ «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ» [النور:٤٥] هذا العموم.
الموضع الثاني: أن ينزل منزلته، بمعنى أنه يشبه غير العاقل بالعاقل، إذا شبه به حينئذٍ أخذ حكمه، فاستعمل فيه اللفظ على جهة المجاز، وذكرنا الآية السابقة التي هي «مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ» [الأحقاف:٥] المراد بها الأصنام.
الموضع الثالث: الذي يستعمل (من) وهي للعاقل في غيره: أن يجتمع مع العاقل فيما وقعت عليه (من) نحو: «كَمَنْ لا يَخْلُقُ» [النحل:١٧] لشموله للآدميين والملائكة والأصنام، «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ» [الحج:١٨] اجتمع معهما وهذا التفريق بينه وبين السابق فيه تدقيق.
[ ٢٥ / ٦ ]
هذا (من)، إذًا الأصل في (من) أنها تستعمل للعاقل، وقد تخرج عنه في ثلاث مسائل، وقد يزاد عليها عند البيانيين، فحينئذٍ إذا استعملت مرادًا بها المفرد والمثنى والجمع الذي يميز هذا عن ذاك هو المرجع –العائد- إذا قلت: جاء من قام، يعني جاء الذي قام، جاء من قامت (هي)، جاء من قاما، هذا بالتثنية، يعني مذكر، جاء من قامتا (بالتأنيث)، جاء من قاموا، من قمن .. نقول: هذه كلها فسرت (من) بالضمير الذي يرجع إليه وعرفنا أن المراد بها إما مذكر وإما مؤنث، إما مفرد وإما مثنىً، وإما جمعًا.
وَ(مَا) أيضًا الأصل فيها أنها تستعمل لغير العاقل عكس (من)، وقد تستعمل في العاقل قليلًا، وذكر ابن هشام ثلاثة مواضع لها:
الأول: أن يختلط له مع العقل، أن يحصل اختلاط العاقل وغير العاقل، حينئذٍ له أن يعبر بـ (ما)، انظر في المواضع السابقة اختلط العاقل بغير عاقل وقد يعبر بـ (من).
إذًا المسألة ترجع إلى القرينة وإلى ما أراده المتكلم، قد يغلب هذا الشيء على شيء آخر، وهذه كلها قد لا يقال فيها بأن لها ضوابط معينة مطردة لا يخرج عنها، وإنما السياق، وهذا الذي يحكم هذه المسائل.
أن يختلط العاقل مع غير العاقل نحو قوله تعالى: «يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ» [الجمعة:١] فإن (ما) يتناول ما فيهما من إنس وملك وجن وحيوان وجماد، بدليل «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» [الإسراء:٤٤].
والموضع الثاني: أن يكون أمره مبهمًا على المتكلم، كقولك -وقد رأيت شبحًا من بعيد-: انظر (ما) ظهر لي، عبرت بـ (ما) عن شيء مبهم، إذا أبهم عليك الشيء ولا تدري هل هو عاقل أو غير عاقل تأتي بـ (ما)، هذا هو الأصل فيه، -الأصل في الأشياء غير عاقلة- ثم إذا تبين لك حينئذٍ تحكم عليها بالعاقل.
والموضع الثالث: أن يكون المراد صفات من يعقل، كقوله تعالى: «فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ» [النساء:٣] (ما) هذا عاقل –مرأة- هنا عبر بـ (ما) والأصل فيها أنها لغير العاقل، هل معنى ذلك أن المرأة ليست عاقلة؟ لا، إنما المراد الصفات التي وقعت عليها (ما)، لأن الأمر هنا تعلق بالنكاح «فَانكِحُوا» والنكاح إنما ينظر فيه إلى الصفات، ولذلك جيء بـ (ما).
إذًا الأصل في (ما) أنها للعاقل، وقد تخرج عنه لقرينة ومعنىً يقتضيه السياق، فحينئذٍ لا بأس بذلك.
[ ٢٥ / ٧ ]
وأما إذا لم يكن كذلك فحينئذٍ يعبر باللفظ الواحد عن المفرد المذكر المؤنث، وعن المثنى المذكر والمؤنث، وعن الجمع المذكر والمؤنث، فيقال: أعجبني ما ركب، يعني الذي ركب، وما ركبت –دابة- وما ركبا، وما ركبتا، وما ركبوا، وما ركبن .. إلى آخره، حينئذٍ نقول: هذه ألفاظ هي متحدة في اللفظ، لكنها من حيث المعنى مفترقة، ولذلك في عود الضمير على (من) -وهي في اللفظ واحد- قد يجوز أن يراعى فيه المعنى وقد يراعى فيه اللفظ، إلا أن اعتبار اللفظ أكثر من اعتبار المعنى -هذا في القرآن- عود الضمير على (من) فقد يراد بها غير لفظها، أما لفظها فهو مفرد مذكر، قد تصدق على المفرد المذكر، حينئذٍ لا إشكال، عود الضمير على المعنى أو على اللفظ واحد، لو قال: جاءني من قام -وهو عاد الضمير على اللفظ وعلى المعنى- لا يصح هنا التغاير، لماذا؟ لأن اللفظ مفرد مذكر (من)، والمعنى الذي صدقت عليه (من) مفرد مذكر، أما إذا اختلفا حينئذٍ إما أن يعيد الضمير على اللفظ، وإما أن يعيد الضمير على المعنى. وكلامها جائز
«وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ» [الأنعام:٢٥]، «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ» [يونس:٤٢] جاء في القرآن هذا وذاك.
«مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ» [الأنعام:٢٥] أعاده إلى اللفظ، «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ» [يونس:٤٢] أعاده إلى المعنى؛ هذا جائز وهذا جائز، إلا أن اعتبار اللفظ أكثر، هكذا عند البيانيين.
وَأَلْ: (أل) هذه تستعمل للعاقل وغير العاقل، (أل) وما بعدها كلها تستعمل للعاقل وغير العاقل، وإنما يستثنى (من) و(ما) فحسب، (من) للعاقل والأصل فيها وقد تخرج عنه، و(ما) لغير العاقل وهذا هو الأصل فيها.
وأما «أل)، وذو، وذا، وأي) فهذه كلها تستعمل للعاقل وغير العاقل.
وهذه (أل) -كما سبق- (أل) موصولة، وهي اسم على الصحيح، والجمهور على هذا، وأنها من خصائص الاسم، وهي داخلة في قوله: و(أل) بالجَرِّ وَالْتَّنْوِينِ وَالنِّدَا وَأَلْ، (أل) هذه قلنا: تشمل المُعَرِّفَة والزائدة والموصولة، والموصولة هي التي وصلنا إليها الآن، حينئذٍ (أل) هذه هل هي اسم أو حرف؟ فيها قولان:
القول الصحيح: أنها اسم، بدليل عود الضمير إليها، والضمير لا يعود إلا على الأسماء (قد أفلح المتقي ربه) رجع الضمير إلى (أل)، فدل على أنه اسم.
الجمهور: أن (أل) الموصولية تكون اسمًا موصولًا بمعنى الذي وفروعه، وقيل: موصول حرفي، وقيل: حرف تعريف، كلاهما حرف إلا أن بعضهم يرى أنها حرف تعريف وبعضهم يرى أنها موصولٌ حرفي، ورُدَّ بعود الضمير عليها بقوله: (قد أفلح المتقي ربه)، وبأنها لا توؤل بمصدر، من قال بأنها حرف مصدري هي لا تؤول بمصدر؛ لأن الحرف المصدري ضابطه: كل حرف أول مع ما بعده بمصدر كما عرفنا، وهذه لا توؤل بمصدر -الضارب ماذا تقول؟ ليس فيه تأويل- وبأنها لا توؤل بمصدر، والثاني بدخولها على الفعل، يعني الدليل الثاني: بدخولها على الفعل.
[ ٢٥ / ٨ ]
هل دخلت على الفعل؟ نعم، دخولها على الفعل يدل على أنها في الأصل لا تدخل إلا على الأفعال، هذا هو الأصل فيها كما بيناه، أن (أل) الموصولية الأصل فيها أنها لا توصل إلا بجملة فعلية، ولكن لما كان ظاهرها موافقًا لظاهر (أل) التعريف وتلك حرف وهذه اسم، حينئذٍ قبح أن تدخل على غير الاسم، فلما قبح دخولها على غير الاسم روعي لها الحقَّان، حق الموصولية وأنه لا يليها إلا فعل، وحق موافقة (أل) التعريف التي تدخل على الاسم، فدخلت على ما هو في اللفظ اسم، وفي المعنى فعل، وهو الصفة الصريحة كما سيأتي.
إذًا: نقول الجمهور أنها تكون اسمًا موصولًا بمعنى (الذي) وفروعه، يعني جاء الضارب زيدًا، جاءت الضاربة زيدًا، جاء الضاربان، جاء الضاربتان، جاء الضاربون .. كل هذه نقول: (أل) موصولية ودخلت على صفة صريحة، وهذه جاءت بمعنى (الذي) وفروع (الذي).
ومحل الخلاف حيث لا عهد، أي: في الخارج وإلا فهي حرف تعريف اتفاقًا، جاء محسن فأكرمت المحسن، محسن: اسم فاعل، هو صفة صريحة، جاء محسن فأكرمت المحسن، هل (أل) هنا حرف تعريف أم أنها موصولية؟ محل وفاق أن هذه مواضع ليست محل الخلاف، إنما (أل) تكون موصولة حيث لا عهد، أما إذا كان ثم عهد فحينئذٍ صارت حرف تعريف محل وفاق، فمثل هذا المثال جاء محسن فأكرمت المحسن، نقول: هذه (أل) حرف تعريف وليست موصولية، وإن تلاها اسم فاعل، لماذا؟ لوجود العهد الذي طرأ عليها، ولذلك قالوا: محل الخلاف حيث لا عهد، يعني في الخارج وإلا فهي حرف تعريف اتفاقًا، نحو: جاء محسن فأكرمت المحسن قاله: الرضي-الرضي شرح الكافي، وهو من أجود شروح الكافية-.
إذًا الألف واللام نقول: هذه اسم موصول على الصحيح، وأيضًا نقول: هي للعاقل ولغير العاقل، وأيضًا نقول: من قال بأنها حرف موصولي قول فاسد –باطل-؛ لأنها لا تؤول مع ما بعدها بمصدر، من قال: إنها حرف تعريف مطلقًا قلنا:: الضمير قد عاد إليها، ولا يعود إلا على أسماء.
وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِر، ْ وَهكَذَا: هكذا مثل ذا الماضي، وهو مساواة من، وما، وأل لما ذكر في كونها بلفظ واحد تستعمل في المفرد والمثنى، والجمع المذكر والمؤنث ذُو لكن عِنْدَ طَيِّءٍ خاصة ليس مطلقًا عِنْدَ طَيِّءٍ خاصة شُهِرَ.
وَهكَذَا ذُو عِنْدَ طَيِّءٍ شُهِرْ: ذو مبتدأ قصد لفظه.
شُهِرْ: يعني شهر بهذا الذي ذكر، شُهِرْ هذه الجملة خبر.
عِنْدَ طَيِّءٍ: متعلق به.
وَهكَذَا: هذا حال من الضمير في شهر.
إذًا التقدير: وذو شهر عند طيء حال كونه هاء، مثل (من)، (وما)، (وأل)، في كونه يستعمل بلفظ واحد ذو مرادًا به المذكر المفرد والمؤنث المفرد، والمثنى بنوعيه، والجمع بنوعيه المذكر والمؤنث.
نقول: جاء ذو قام، وجاء ذو قامت، جاء ذو قاما، وجاء ذو قمن، وجاء ذو قاموا .. إلى آخره.
مثل (من)، (وما)، واللفظ واحد وهو مبني عندهم على السكون وليس على الواو.
وَهكَذَا ذُو عِنْدَ طَيِّءٍ شُهِرْ: ولغة طَيِّءٍ خاصة استعمال ذو موصولة، ولذلك احترز عنها ابن مالك هناك في باب الأسماء الستة.
قال:: منْ ذَاكَ ذُو إنْ صُحْبَةً أَبَانَا.
[ ٢٥ / ٩ ]
قلنا::احترازًا عن ذو الطائية؛ فإنها موصولية، والغالب الأشهر عندهم أنها مبنية على السكون وقد تعرب، وإذا أعربت صارت ملحقة بالأسماء الستة، مثلها، الحكم واحد.
فَحَسْبيَ مِنْ ذُو عِنْدَهُمْ مَا كَفانِيَا: (من) حرف جر، و(ذو) جاء بالواو، فلو كانت معرفة لجاءت بالياء، لقيل: من (ذي)، فدل على أن (ذو) عند (طَيِّءٍ) مبنية على السكون، وليست مبنية على الضم، وتستعمل للعاقل ولغيره، وأشهر لغاتٍ فيها أنها تكون بلفظ واحد.
والمشهور إفرادها وتذكيرها وَبِئْرِي ذُو حَفَرْتُ وَذُو طَوَيْتُ، يعني الذي حفرته والذي طويته، وقد تؤنث وتثنى وتجمع، ونازع في ذلك ابن مالك رحمه الله تعالى، وسمع من كلامهم لا وذُو فِي السَّمَاءِ عَرْشُهُ، لا والذي في السماء عرشه، فدل على أن (ذو) هذه موصولة عندهم، فتقول: جاءني ذو قام، وذو قامت، وذو قاما، وذو قامتا، وذو قاموا، وذو قمن، ولذلك: فَحَسْبيَ مِنْ ذُو عِنْدَهُمْ مَا كَفانِيَا.
وَكَالَّتي أيْضًا لَدَيْهِمْ ذَاتُ: هذا استثناء، كَالَّتي لَدَيْهِمْ ذَاتُ.
كَالَّتي: هذا خبر مقدم، ذَاتُ: هذا مبتدأ مؤخر، يعني وذَاتُ لَدَيْهِمْ -لدى طَيِّءٍ - على جهة الخصوص دون غيرهم.
أيْضًا: آض يئيض أيضًا -رجوعًا لما سبق من استثناء بعض الأحكام بلغة طيء- كَالَّتي، يعني تستعمل للمفردة المؤنثة، يعني طَيِّءٍ يقولون: جاءت التي قامت، ويقولون كذلك: جاءت ذات قامت (ذات قامت) بدلًا من الَّتي.
وَكَالَّتي أيْضًا لَدَيْهِمْ –عند طَيِّءٍ - ذَاتُ، ذاتُ مثلها، وَمَوْضِعَ اللاتِي أتَى ذَوَاتُ: يعني تجمع (ذات) على (ذوات)، فيقال: في جمع الإناث (ذوات)، ويقال: في المفردة المؤنثة (ذاتُ) بالبناء على الضم.
(ذات) قيل أصلها (ذو)، قلبت الواو ألفًا فقيل: (ذا) وألحق بها تاء التأنيث، وقيل: بل هي صيغة مستقلة وفيها لغات، البناء على الضم (ذاتُ)، إعراب (ذات) (وذوات) بمعنى صاحبة أوصاحبات، يعني ومع التنوين لعدم الإضافة، وإعراب (ذات) إعراب جمع المؤنث السالم، يعني إما تكون مضمومة ضمة بنا (ذاتُ)، وإما أنها كصاحبة تعرب بحركات مع التنوين، أو أنها تُعرب جمع المؤنث السالم، يعني ترفع بالضمة وتنصب وتجر بالكسرة.
وَكَالَّتي أَيْضًا لَدَيْهِمْ ذَاتُ وَمَوْضِعَ اللاَّتِي أَتَى ذَوَاتُ
قال هنا: وأما (ذات) فالفصيح فيها للمفردة أن تكون مبنية على الضم رفعًا ونصبًا وجرًا مثل: (ذواتُ)، لكن هذ في الجمع.
ومنهم من يُعرِبها إعراب مسلمات فيرفعها بالضمة وينصبها ويجرها بالكسرة، حكي: باِلفَضْلِ ذُو فَضّلكُمُ اللهُ بِهِ، وَالكَرَامَةِ ذَاتُ أَكْرَمَكُمْ اللهُ بَهْ، باِلفَضْلِ ذُو فَضّلكُمُ اللهُ بِهِ: يعني بالبفضل (الذي) -أتى بـ (ذو) في مقابلة (الذي) - باِلفَضْلِ ذُو فَضّلكُمُ اللهُ بِهِ، وَالكَرَامَةِ ذَاتُ أَكْرَمَكُمْ اللهُ بَهْ، وحكي إعرابها كجمع المؤنث السالم، وحكي تثنية (ذو) (وذات) وجمعهما فيقال: في الرفع (ذوا)، و(ذواتا)، و(ذووا)، و(ذوات)، وفي النصب والجر (ذوي)، و(ذواتَي) و(ذَوِي) بكسر الياء مع الياء.
[ ٢٥ / ١٠ ]
إذًا عند طَيِّءٍ يستعملون (ذو) موضع (الذي) للمفرد المذكَّر، ويستعملون (ذات) بالبناء على الضم المشهور عندهم موضع (التي) للمفردة المؤنثة، وَمَوْضِعَ اللاتِي الذي هو جمع المؤنث السالم يستعملون بدلها (ذواتُ) بالضم كذلك.
ثم قال: ﵀:
وَمِثْلُ مَاذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ أَوْ مَنْ إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلاَمِ
هذا العنوان الخامس ﴿من، وما، وأل، وذو﴾، أربعة، هذا الخامس وهو (ذا) الإشارية.
ذَا: بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أشِرْ هذا الأصل فيها، الأصل في (ذا) أنها اسم إشارة لمفرد، كما سبق معنا: بِذَا لِمُفْرَدٍ مُذَكَّرٍ أشِرْ، أصل (ذا) الموصولة هي المشار بها جردت من معنى الإشارة، جرد هذا اللفظ من معنى الإشارة، واستعمل اسمًا بالشرطين اللذين ذكرهما الناظم، وهما أنه لا بد من أن تقع بعد (ما) أو (من) الاستفهاميتين، تسبقها (من) أو (ما)، (ما) متفق عليه، و(من) على الصحيح، ثم يشترط الشرط الثاني: ألا تكون ملغاة، فإن ألغيت حينئذٍ رجعت إلى أصلها.
وَمِثْلُ مَا: الموصولة فيما تقدم، في كونها تكون بلفظ واحد للمفرد المذكر والمفردة المؤنثة والمثنى بنوعيه والجمع بنوعيه، لفظ واحد يطلق ويستعمل فيما ذكرناه سابقًا.
وَمِثْلُ مَاذَا: أين المبتدأ وأين الخبر؟ (ذا) مثل (ما) -هذا الأصل- (ذا) قصد لفظه، (مِثْلُ مَا) نقول هذا خبر مقدم.
وَمِثْلُ مَاذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ: (بعد) في موضع الحال من (ذا)، حالة كونه بعد مَا اسْتِفْهَامِ يعني: من إطلاق الدال على المدلول ما استفهام مضاف ومضاف إليه.
حينئذٍ يشترط في (ذا) التي تكون موصولية أن تقع بعد (ما) الاستفهامية فيقال: ماذا صنعت، وقعت بعد (ما)، صنعتَ هذا ليس مفردًا حتى يقال: بأن (ذا) اسم إشارة، وهذا محل وفاق عند البصريين.
أو بعد (من) -على الأصح- أو (من) يعني: أو بعد (من) الاستفهامية على الأصح، فتقول: من ذا عندك، من الذي عندك؟ ماذا صنعت؟ ما الذي صنعته؟
حينئذٍ استعملت (ذا) موضع (ما) ما الذي صنعت؟ ما الذي صنعتما؟ ما الذي صنعتم؟ ما الذي صنعتن؟ كلها استعملت باختلاف المراجع والمرجع واحد وهو ذا.
إذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلاَمِ، إذَا لَمْ تُلْغَ (ذا) في الكلام، إذًا (ذا) تستعمل موصولة بشرطين اللذين ذكرهما المصنف، وهو أن تكون بعد (ما) الاستفهامية، أما (من) فهذه محل نزاع.
قال: أبو حيان: ولا خلاف في جعلها موصولة بعد (ما)، وأما بعد (من) فخالف قوم؛ لأن من تخص من يعقل، فليس فيها إبهام كما في (ما)، يعني (ما) هذه مبهمة؛ لأنها في الأصل لغير العاقل ففيها إبهام، وأما (من) فالأصل أنها للعاقل فليس فيها إبهام.
وإنما صارت بالرد للاستفهام في غاية الإبهام فأخرجت (ذا) من التخصيص إلى الإبهام وجذبتها إلى معناها ولا كذلك من لتخصيصها.
يعني استطاعت (ذا) أن تخرج (ما) لكونها مبهمة أخرجتها عن دلالتها للاستفهام إلى دلالتها على الموصولية، وليس كذلك الشأن في (من) الاستفهامية، لم تستطع (ذا) أن تجذبها إلى معنى الموصولية، لكن الجمهور على أن (من) مثل (ما) الاستفهامية، حينئذٍ إذا وقعت بعدها (ذا) فهي اسم موصول.
[ ٢٥ / ١١ ]
إذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلاَمِ نقول: إذًا بشرطين أن تكون بعد استفهام بـ (ما) أو (من) نحو «يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ» [البقرة:٢١٥] ما الذي ينفقونه؟ (ما) استفهامية كما هي، و(ذا) اسم موصول بمعنى (الذي)، (ويُنفِقُونَ) هذه جملة الصلة التقدير ما الذي ينفقونه؟
ومثلها قَدْ قُلْتُهَا ليُقالَ: مَنْ ذَا قالهَا
الشرط الثاني: أن تكون غير ملغاة، والمراد بالإلغاء أن تركب مع (ما) فتصير اسمًا واحدًا، إذا أضيف اسم إلى اسم، يعني نسب اسم إلى اسم إذا قصدا بجعل الإضافة أنهما اسمًا واحدًا في مثل هذا التركيب حينئذٍ صارت ملغاة، والشرط في كونها موصولة -الكلام في (ذا) - في كونها موصولة أن يقصد بـ (ما) أو (من) أنها استفهامية على أصلها، و(ذا) بمعنى (الذي) أو (التي)، فإن قصد تركيب اللفظين ليجعلا اسمًا واحدًا صارت ملغية، ماذا عندك؟ (ماذا) كلها اسم استفهام وليست مركبة من (ما) و(ذا) لا، صارت كلها اسم استفهام، إذا قدرت أنها كلها اسم استفهام صارت ملغاة، فحينئذٍ صارت (ماذا) مثل زيد، مركبة (ماذا) من أربعة أحرف، وزيد من ثلاثة أحرف، فحينئذٍ تكون المبتدأ وجملة صنعت خبر، وإذا لم يكن كذلك بأن جعلت (ما) مستقلة وهي استفهامية و(ذا) نويت بها أنها موصولية، حينئذٍ صح التركيب لكونها غير ملغاة ووقوعها بعد الاستفهام.
إذًا المراد بإلغائها هذا المشهور عند النحاة: أن تركب مع (ما) أو (من) فتصير اسمًا واحدًا مستفهمًا به، من ذا عندك؟ من الذي عندك؟ هذا صارت موصولية، ماذا عندك؟ (ماذا) كلها مبتدأ، وعندك خبر، أما ماذا صنعت؟ (ما) اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و(ذا) اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع خبر (ما) مبتدأ و(ذا) خبر، إذًا منفصلتان، و(صنعت) هذه صلة الموصول، وأما إذا ركبتها كلها صارت (ماذا) مبتدأ، و(صنعت) خبر.
إذًا المراد بالإلغاء هنا أن تركب مع (ما) -يعني (ذا) - أو (من) فتصير اسمًا واحدًا مستفهمًا به، أو (ما) اسمًا واحدًا موصولًا، هذا وجه ذكره البعض لكنه منكر عند الكثير، قلنا: التركيب إذا قصدت أنهما اسمًا واحدًا ماذا تقصد بهما؟ استفهام، هذا المشهور، بعضهم يرى أنه من باب الإلغاء أن تجعل (ما) و(ذا) كلمة واحدة لكن مرادًا بها الموصولية كأن (ماذا) صارت اسمًا موصولًا، لكن هذا منكر عند الكثير لكن يقال: في باب الإلغاء، أو نكرة موصوفة كذلك فيه كلام، فصور التركيب ثلاثة: تركب (ما) مع (ذا) وتصير اسمًا واحدًا مستفهمًا به.
تركب (ما) مع (ذا) وتصير اسمًا موصولًا كلها اسم موصول.
تركب (ما) مع (ذا) وتصير نكرة موصوفة بـ (ذا) كلاهما مركب.
هذا التركيب ثلاثة أنواع، ويقال: له الإلغاء الحكمي ليس الإلغاء الحقيقي، والإلغاء الحقيقي جعل (ذا) زائدة و(ما) استفهامية، ماذا عندك؟ إذا أردت إلغاءها حقيقة، حينئذٍ لا تجعل لها معنى، وإذا لم تجعل لها معنى حينئذٍ تحكم عليها بأنها زائدة، فـ (ما) اسم استفهام مبتدأ و(ذا) اسم زائد إذًا لا محل له من الإعراب، و(عندك) يكون هو الخبر، هذا هو الإلغاء الحقيقي، أن تجعل (ذا) زائدة و(ما) تكون مبتدأ وما بعد (ذا) يكون خبرًا، هذا هو الإلغاء الحقيقي.
[ ٢٥ / ١٢ ]
والإلغاء الحقيقي: جعل (ذا) زائدة و(ما) استفهامية على رأي الناظم تبعًا للكوفيين المجوزين زيادة الأسماء وقالوا: وذلك المجموع المجعول اسمًا واحدًا مستفهمًا به مخصوص بجواز عمل ما قبله فيه نحو: أقول ماذا؟ صح أن يكون في محل نصب للقول الملفوظ به -هذا قول-، وأجاز الكوفيون وقوع (ذا) موصولة، وإن لم يتقدم عليها استفهام (ذا)، كل أسماء الإشارة عند الكوفيين يجوز جعلها أسماء موصولة كلها بلا استثناء، ولا يشترطون أن يتقدم عليها استفهام لا (ما) ولا (من). أجاز الكوفيون وقوع (ذا) موصولة، وإن لم يتقدم عليها استفهام كقوله: نَجَوْتِ وهذا تحملينَ طَليقُ، يعني والذي تحملين طليق، استدلوا بهذا البيت على أن (هذا) اسم موصول بمعنى (الذي)، هل تقدمه شيء؟ نَجَوْتِ وهذا تحملينَ طَليقُ، وهذا تحملين يعني: والذي تحملينه، فدل على أن هذا اسم موصول ولم يتقدمها استفهام، إذًا لا يشترط تقدم الاستفهام كما هو مذهب البصريين.
وأجيب بأن تحملين: حالًا أو خبرًا، وطليق: خبر ثاني، بل أجاب ابن هشام أحسن من هذا: وهذا مبتدأ وطليق خبر، وتحملين هذا يكون حال.
إذًا: طليق هذا هو خبر المبتدأ، وعند الكوفيين أن أسماء الإشارة كلها يجوز أن تستعمل موصولات، وخرجوا عليه «وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ» [طه:١٧] وأجيب بأن يَمِينِكَ حال من الإشارة، وخرجوا عليه أيضًا «هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ» [آل عمران:٦٦] أي: الذين حاججتم.
على كل الصواب أنه لا يستثنى من أسماء الإشارة إلا (ذا) فحسب، هي التي تأتي اسمًا موصولًا؛ لأن الأصل أن كل معنى ينفرد عن الآخر، باب أسماء الإشارة منفصل كليًا عن باب الموصولات، فإذا استعمل أحدهما في الآخر حينئذٍ يكون هذا استثناء ولا يكون للباب كله، وإذا جوز الباب كله حينئذٍ اتحدا، صار ما الفرق بين هذا وذاك؟ وما الفرق بين أن يضع العرب الذي والتي، ثم يستعمل اسم الإشارة في موضعين؟ نقول: هذا مخالف للأصول التي ينطلق منها النحاة.
إذًا: وَمِثْلُ مَا: الموصولة في ما تقدم (ذا).
بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ أوْ مَنْ: أو بعد (من) الاستفهامية على الصحيح، هذا الشرط الأول.
إذَا لَمْ تُلْغَ: وقلنا: الإلغاء نوعان: إلغاء حكمي وهو تركبها في ثلاث صور، وإلغاء حقيقي، والإلغاء الحقيقي أن تجعل (ذا) زائدة غير مركبة، والإلغاء الحكمي هذا أن تجعل مركبة إما استفهامًا وإما موصولًا وإما نكرة موصوفة.
ويظهر أثر الإلغاءين -هكذا قال: الصبان، يعني ما الفرق بين الإلغاء الحكمي والحقيقي؟ ما الأثر؟ هو ليس فيه أثر إلا في الكتابة فحسب، وعلى القديم- يظهر أثر الإلغاءين في نحو: سألته عن ماذا؟ فتثبت الألف مع الجار على تقدير الإلغاء الحكمي، وتحذف معه على تقدير الحقيقي. يظهر أثر الإلغاءين في نحو: سألته عن ماذا؟ ماذا -الألف هذه- إذا كان إلغاءً حكميًا حينئذٍ تثبت الألف -تكتبها- وإذا كان حقيقيًا تحذف.
وَمِثْلُ مَاذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ أَوْ مَنْ إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلاَمِ
[ ٢٥ / ١٣ ]
قال: واحترز بقوله: إذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلاَمِ: من أن تجعل (ما) مع (ذا) أو من مع (ذا) كلمة واحدة للاستفهام، نحو ماذا عندك؟ أي: أي شيء عندك؟ وكذلك من ذا عندك؟ فـ: ماذا مبتدأ كلها، وعندك خبره، وكذلك من ذا مبتدأ، وعندك خبره، فـ (ذا) في هذين الموضعين ملغاة لأنها جزء كلمة؛ لأن المجموع استفهام، ولم يفسره بالجزء بالإلغاء الحقيقي، وإنما فسره بالإلغاء المشهور عند النحاة أن تركب فتجعل اسمًا واحدًا، وإذا جعلت اسمًا واحدًا حينئذٍ تكون استفهامية ولا تكون موصولية إلا على من جوز وإلا الكثير على المنع.
ثم قال: ﵀:
وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ عَلَى ضَمِيرٍ لاَئِقٍ مُشْتَمِلَهْ
وَكُلُّهَا: كل الموصولات، وهو لم يذكر الحرفية وإنما ذكر الاسمية حينئذٍ لا نحشر الحرفية؛ لأنه قيد الباب من أوله قال: مَوْصُولُ الاسْمَاءِ.
وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ: وإن كان الحكم عامًا في الموصولات الحرفية والاسمية؛ لأن الموصولات الحرفية يلزم أن يكون بعدها صلة، فلذلك قلنا: أنْ توصل بالفعل المضارع وبالفعل الماضي، وقلنا: أنَّ توصل بالجملة الاسمية ونحو ذلك .. فدل على أنه لا بد من كلمة تليها أو جملة، حينئذٍ تؤول مع ما بعدها بمصدر، وإلا كيف يأتي المصدر؟ هذا ممتنع، حينئذٍ لا بد من صلة، فالصلة واجبة في الموصول الحرفي وفي الموصول الاسمي، وإنما يفترقان في العائد فيشترط في الموصول الاسمي: أن تكون الجملة مشتملة عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ كما ذكره المصنف بخلاف الموصول الحرفي فلا يشترط.
وَكُلُّهَا: يعني ما سبق من الموصولات.
يَلْزَمُ: اللزوم يطلق بمعنى الوجوب، إذًا يَلْزَمُ لا بد منه، يَلْزَمُ بَعْدَهُ لا قبله، حينئذٍ بين محل هذه الصلة.
بَعْدَهُ: يعني بعد الموصول.
صِلَهْ: هذه الصلة يتم معناه بها، وتعِّرفه على القول بأن جملة الصلة هي المعرِّفة للاسم الموصول، حينئذٍ الاسم الموصول قلنا: مبهم، جاء الذي، جاء الذين، جاء اللذان .. مبهم، ما الذي يتمم معناه؟ هو جزء معنى؛ لأنه يدل على عاقل أو يدل على غير عاقل، أو يدل على جمع أو على تثنية، هذا فيه معنى، لكن ما الذي يتمم معناه؟ هو الصلة، ولذلك هي متممة للمعنى، وهي معرِّفة عند كثير من النحاة، بمعنى: أن الموصول يُعدُّ من المعارف كالضمير والعلم واسم الإشارة.
ما السبب في كونه مَعْرِفة؟ الموصول عند كثير من النحاة.
إذًا: صِلَةٌ يتم معناه بها، وتُعرِّفه، هذه الصلة قد تكون ملفوظًا بها وقد تكون منوية –مقدرة-، ملفوظًا بها نحو: جاء الذي قام أبوه، -نطقت بها-، وقد تكون مقدِّرة منوية نحو: نحن الأُلَى فاجمع جموعك، قلنا: (الأُلى) هذا يستعمل في ماذا؟ جَمْعُ الَّذِي الأُلَى هنا قال: نحن الأُلى فاجمع، إذًا فاجمع هذه ليست الصلة؛ لأنه فصلها بالفاء، فاجمع جموعك، إذًا: نحن الأُلى عُرفوا بالشجاعة، بالسياق والمقام، فدل على أن جمل الصلة هنا منوية.
[ ٢٥ / ١٤ ]
وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ: يعني أن تكون بعده، مفهومه: أنه لا يجوز تقديم الصلة ولا جزء منها على الموصول، يعني لا يجوز أن تتقدم الصلة على الموصول، جاء الذي قام أبوه، جاء قام أبوه الذي، لا يصح، جاء قام الذي أبوه، لا يصح، تقديم جزء على الموصول لا يجوز، تقديم الصلة كلها على الموصول لا يجوز، تقديم المعمول ولو كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا على الموصول لا يصح مطلقًا، ولذلك أطلقه الناظم قال: وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ: يعني بعد الموصول، صِلَهْ كلها كلًا وجزءًا، تكون بعد الموصول ولا يتقدم جزء منها على الموصول، أما تقديم بعضها على بعض لا على الموصول فهذا جائز، فهو داخل في قوله: يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ.
إذًا قوله: وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ، قلنا: بعده مفهومه أنه لا يجوز تقديم الصلة ولا جزء منها على الموصول، ولو كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، وأما تقديم بعض أجزاء الصلة على بعض فجائز، يعني لا على الموصول وإنما تقديم بعضها على بعض: جاء الذي قائم أبوه، جاء الذي أبوه قائم .. أبوه: مبتدأ وقائم: خبر، لو قلت: جاء الذي أبوه قائم، قائم أبوه، قدمت أو أخرت هذا جائز؛ لأنه تقديم لبعض أجزاء الصلة على بعضها دون الموصول، وهذا جائز.
قال في التسهيل: وقد يلي معمول الصلة الموصول إن لم يكن حرفًا أو (أل)، وعلله بأن امتزاج الحرف بصلته أشد من امتزاج الاسم بصلته، فتقديم معمولها كإيقاع كلمة بين جزئي مصدر، وكذا اشتد امتزاج (أل)، يعني لا يتقدم على (أل) الاسمية، -المعمول-: جاء الضارب زيدًا، الزيدًا ضارب، ما يصح؛ لأن (أل) ممتزجة مع مدخولها ليس كامتزاج الذي أبوه قائم؛ لأنها في الصورة صورة حرف، حينئذٍ لها أحقية في أن يكون اللفظ كجزء من مدخوله، ولذلك إذا أوقع معمول الصلة بين (أل) وصلتها قال: كأنك أوقعت اللفظ بين جزئي الزاي والياء من زيد، وهذا ممتنع.
وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ: إذًا بعده لا قبله، نفهم من هذا أن من شرط الصلة أن تكون تالية للموصول، ولا يجوز أن تتقدم البتة لا هي ولا معمولها، وأما أن تتناوب هي فيما بينها بالتقديم والتأخير فهذا جائز، إلا إذا كان حرفًا، أو (أل)، (أل) هذا ممتنع، فلا يتقدم معمولها على صلتها لا عليها، حينئذٍ نقول: جاء الضارب زيدًا، هل يصح أن نقول: جاء زيدًا الضارب؟ لا، الدليل؟ وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ، إذًا لا بد أن يكون بعدهُ - بعد (أل) -.
جوزنا تقديم الصلة على المعمول والمعمول على الصلة لا على الموصول، جاء الذي قائم أبوه، جائز أو لا؟ جائز، هل هذا الحكم ينطبق على جاء الضارب زيدًا؟ الضارب (أل) هذه موصولية، والضارب صلتها، وزيدًا معمول الصلة، هل يتقدم معمول الصلة على ضارب لا على (أل)؟ ما يمكن هذا، فلا يقال: الزيدًا ضارب، هذا ممتنع، حينئذٍ هذا يستثنى، لما ذكره من علة.
[ ٢٥ / ١٥ ]
عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ مُشْتَمِلَهْ: يعني هذه الجملة جملة الصلة يشترط فيها شروط سيأتي بعضها، أن تكون مشتملة على ضمير، هذا الضمير يسمى العائد، يعود من الجملة إلى الموصول، ويشترط فيه أن يكون مطابقًا، ولذلك قال: عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ بالموصول أي: مطابق له، فإن كان مفردًا مذكرًا -يعني الموصول (الذي) - وجب أن يكون الضمير العائد إليه مفردًا مذكرًا، وإذا كان الموصول أو مفردة مؤنثة، وجب أن يكون الضمير مؤنثًا مفردًا، وإذا كان مثنى وجب أن يكون مثنى، وهكذا ..
عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ: بالموصول أي: مطابق له.
مُشْتَمِلَهْ: يعني هذه الصلة مشتملة على ضمير لائق بالموصول أي: مطابق له.
لا بد في جملة الصلة من ضمير يعود إلى الموصول يربطها به كجملة الخبر، جملة الخبر لا يصح أن تكون جملة إلا إذا اشتملت على رابط قد يكون ضميرًا وقد يكون غيره، لكن هنا يشترط فيه الضمير واختلف في الاسم الظاهر، هل يكون خلفًا له، والصواب أنه يعتبر شاذًا.
سُعَادُ الَّتِي أَضْنَاك حُبُّ سُعَادَا، حبها الأصل، سُعَادُ الَّتِي أَضْنَاك حُبُّ سُعَادَا: حبها نقول: أتى بالاسم الظاهر بدلًا عن الضمير وهذا يعتبر شاذًا، وإن أدخله ابن مالك رحمه الله تعالى في حد الموصول كما ذكرناه اليوم.
إذًا لا بد في جملة الصلة من ضمير يعود إلى الموصول يربطها به، وحكم الضمير المطابقة للموصول في الإفراد والتذكير والحضور وفروعها: عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ مُشْتَمِلَهْ.
ثم قال: ﵀:
وَجُمْلَةٌ: أراد أن يفسر هذه الصلة، قلنا: الصلة هذه شيء يكون تابعًا ومتممًا لمعنى الموصول، ويشترط فيه أن يكون مشتملًا على ضمير، ما هي هذه الصلة؟
قال:
وَجُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ بِهِ: إذًا هذه الجملة لا تخرج عن شيئين في الجملة: إما أن تكون جملة وهذه جملة اسمية أو جملة فعلية، إما هذا وإما ذاك.
أوْ شِبْهُهَا: وهذا يشمل ثلاثة أشياء: إما أن يكون ظرفًا، وقيده ابن هشام في التوضيح بالظرف المكاني، وإما أن يكون جارًا ومجرورًا وكلاهما يشترط فيهما أن يكونا تامين، وإما أن يكون –الثالث- صفة صريحة، وهو صلة (أل) كما سيأتي النص فيه.
إذًا، وَجُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ: واشترطه فيما سبق: وَكُلُّهَا يَلْزَمُ بَعْدَهُ صِلَهْ، هذا أمران في الجملة: إما جملة على الإطلاق، وإما أن يكون شبه الجملة، وشبه الجملة هذه يدخل تحته ثلاثة أشياء: الظرف المكاني، والجار والمجرور التامان، والصفة الصريحة.
والجملة المراد بها: القول المركب؛ لأنها أعم من الكلام؛ إذ لا يشترط فيها الإفادة بخلاف الكلام.
كل كلام جملة، ما العلاقة بينهما؟ العموم والخصوص المطلق، كل كلام جملة ولا عكس ..، فيصدق على كل كلام وجد فيه التركيب الإسنادي والإفادة أنه جملة، وتنفرد الجملة بالتركيب الإسنادي ولا يشترط فيها الإفادة فهي أعم، إن قام زيد نقول: هذا جملة وكلام، إذًا ينفرد الأعم -الجملة- بفرد لا يصدق عليه أنه كلام، وأما الكلام فلا ينفرد عن الجملة بشيء البتة.
[ ٢٥ / ١٦ ]
وكذلك بين الكلِم والجملة عموم وخصوص وجهي أو مطلق؟ هل يشترط فيهما الإفادة؟ لا يشترط فيهما الإفادة، المركب الإسنادي في الكلم سواء أفاد أم لا، والجملة كذلك مركب إسنادي أفاد أم لا، إذًا اجتمعا ما الفرق بينهما؟ أن الكلم يشترط فيه العدد ثلاثة فصاعدًا، وأما الجملة فلا يشترط، إذًا: أيهما أعم؟ الجملة أعم؛ لأنها تصدق على الكلم وزيادة، وإذا كان كذلك هذا الشأن العام، تصدق على الكلم إن قام زيد قمت، وهذا كلم وجملة، وقام زيد هذا جملة وليس بكلم، إذًا صدق على فرد لا يصدق عليه الأعم.
وَجُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ: يعني الذي وصل به إما أن يكون جملة وإما أن يكون شبه جملة، ويشترط في الجار والمجرور أن يكونا تامين، والمراد بالتام ما يفهم عند ذكره متعلقه العام، وكذا الخاص؛ لأن متعلق الجار والمجرور إما أن يكون عامًا، والمراد به الكون والاستقرار والثبوت، وهذا واجب الحذف كما سيأتي في باب الخبر:
وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ اوْ بِحَرْفِ جَرّ نَاوِينَ مَعْنَى كَائِنٍ أَوِ اسْتَقَرّ
كَائِن: هذا نقول: خبر، وهو متعلق الجار والمجرور، سواء وقع خبرًا أو وقع جملة للصلة، فحينئذٍ يكون عامًا، فيجب حذفه، وأما إذا كان خاصًا يعني لا يصح أن يقال: زيد كائن في الدار، زيد ثابت مستقر في الدار، لا يصح أن يصرح بهذا الخبر، بل يجب حذفه، وهذا يكون محل وفاق، وأما إذا كان المتعلق خاصًا كالسفر والنوم ونحو ذلك من الأحداث المتعينة، فحينئذٍ إن دلت قرينة عليه جاز حذفه وإلا فلا يجوز، زيد سيسافر اليوم وعمرو غدًا، اليوم: هذا ظرف متعلق بـ: سيسافر، فحينئذٍ نقول: هذا متعلق خاص، وعمرو غدًا: يعني: وعمرو سيسافر غدًا، غدًا هذا متعلق بمحذوف، عمرو مبتدأ وغدًا هذا متعلق بمحذوف خبر، ما نوعه؟ خاص، هل يجوز حذفه؟ نقول: للقرينة الموجودة في الجملة السابقة دليل على هذا المحذوف، فحينئذٍ يجوز حذفه؛ لكن زيد اليوم وعمرو غدًا، هكذا ابتداء؟ لا ندري ما المراد بقوله: زيد اليوم وعمرو غدًا.
لكن إذا قال: زيد سينكح اليوم وعمرو غدًا، نعرف أن المراد به النكاح أو السفر.
حينئذٍ القاعدة في مثل هذا أن يقال: الجار والمجرور والظرف إذا كان تامين ينظر فيهما إلى المتعلق؛ لأنه كما سيأتي في محله لا بد من متعلق يتعلق بهما.
إن كان كونًا أو استقرارًا عامًا، أو ثبوتًا ونحو ذلك وجب حذفه باتفاق النحاة، وأما إن كان خاصًا كالسفر والحدث ونحو ذلك فحينئذٍ ينظر فيه، إن دلت قرينة عليه جاز حذفه، وإلا وجب ذكره، لا يجوز حذفه البتة، كما ذكرنا: زيد اليوم وعمرو غدًا، نقول: اليوم هذا منصوب بعامل محذوف ما هو؟ هذا لا يمكن تعيينه بمثل هذا التركيب، وعمرو غدًا مثله؛ حينئذٍ لا بد من ذكرهما.
إذا وقع الظرف والجار والمجرور صلة للموصول، جاء الذي عندك، وجاء الذي في الدار، حينئذٍ نقول: كل من: عندك وفي الدار متعلقان بمحذوف واجب الحذف، وواجب أن يكون فعلًا في مثل هذا الموضع كما سيأتي في محله.
فحينئذٍ يكون التقدير: جاء الذي استقر عندك، وجاء الذي استقر في الدار.
[ ٢٥ / ١٧ ]
إن لم يُفِد حينئذٍ لا يسمى جارًا ومجرورًا تامًا، لو قال: جاء الذي اليوم، جاء الذي بك، هذا لا يُفهم منه، لكن إذا قيل: جاء الذي عندك فَهِمْت من هذا اللفظ (عندك) المتعلق المحذوف العام وهو كائن أو استقر، وأما جاء الذي بك لا يفهم، واثق بك، أو عدو لك .. إلى آخره، نقول: هذا لا يُفهم، حينئذٍ لا يصح أن يقع جارًا ومجرورًا لفظ من: الظرف أو الجار والمجرور ولا يكون تامًا، والفرق بين التام والناقص هو ما ذكرناه.
إذًا المراد بالتام: ما يفهم عند ذكره متعلقه العام، وكذا الخاص إذا دلت عليه قرينة، وإذا لم تدل عليه قرينة وجب ذكره ولا يجوز حذفه.
والناقص: ما لا يفهم عند ذكره متعلقه الخاص، لعدم القرينة عليه، والرابط هنا في التام موجود لكونهما متعلقين بفعل مسند إلى ضمير موصول تقديره الذي استقر عندك.
حينئذٍ يرد السؤال -قول ابن مالك: عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ مُشْتَمِلَهْ، وقلنا: جُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا، يعني يشمل الظرف والجار والمجرور-حينئذٍ إذا قيل: جاء الذي عندك، عندك قلنا: هذه صلة الموصول، ابن مالك يقول: عَلَى ضَمِيرٍ لائِقٍ، أين الضمير؟ الضمير المستتر (الرابط) الضمير المستتر في المتعلق؛ لأن المتعلق هنا يتعين أن يكون جملة ولا يجوز أن يقدر اسم فاعل، حينئذٍ تقول: جاء الذي استقر عندك. (استقر) هذا فعل ماضي والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره هو، يعود على الذي، إذًا صار هو الرابط.
إذًا: الذي أُسند إليه المتعلق -الضمير المستتر وهو الفاعل- هو الرابط بين جملة الصلة والموصول، تقديره الذي استقر عندك والذي استقر في الدار، فمن هنا أشبها الجملة؛ لأنهما يعطيان معناهما، أشبها الجملة لماذا؟ ابن مالك عبر قال: أوْ شِبْهُهَا: يعني شبه الجملة، من أين جاء الشبه؟ نقول: في اللفظ هو اسم (عندك) لكن في المعنى مع اعتبار التقديم هو جملة فعلية، فأشبه الجملة في اللفظ فحسب، وأما في المعنى فلا، حيث أعطي معنى الجملة الفعلية.
وَجُمْلَةٌ أوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ بِهِ: يعني الموصول.
كَمَنْ عِنْدِي الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ: كَمَنْ عِنْدِي: يعني الذي عندي، ابْنُهُ: الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ، مثَّل للنوعين العام والخاص، كَمَنْ عِنْدِي، نقول: هذا عام أو خاص، موصول عام أو خاص الذي عندي: كَمَنْ عِنْدِي، هذا مشترك أو خاص؟ مشترك (من) قلنا: وَمَنْ وَمَا وَأَلْ تُسَاوِي مَا ذُكِرْ، فهي من قبيل المشترك.
الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ: (الذي) هذا خاص، كَمَنْ عِنْدِي (عندي) ظرف تام متعلق بمحذوف (كمن استقر عندي)، هذا مثال لشبه الجملة، وهو قدم وأخر، ذكر الجملة أولًا ثم ذكر شبه الجملة، ثم مثَّل للثاني على حد قوله تعالى: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ» [آل عمران:١٠٦] حينئذٍ بدأ بالمتأخر، وهو نوع من أنواع البلاغة.
كَمَنْ عِنْدِي: هذا ظرف تام.
الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ: هذا جملة (ابْنُهُ) مبتدأ، وكُفِلْ الجملة خبر، والجملة من المبتدأ والخبر لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، وهذه الجملة يشترط فيها ثلاثة شروط تأتينا إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد !!!
[ ٢٥ / ١٨ ]