عناصر الدرس
* تتمة للحالة الثالثة لهمزة (إن) جوازالوجهين
* أحكام لام الإبتداءومدخولاتها.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
عرفنا أنه شرع في بيان المواضع الثلاث أو الأحوال الثلاث لـ (إنَّ) من حيث وجوب الفتح ووجوب الكسر وجواز الأمرين.
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ
قلنا: لا بد من التأويل هنا إما في الأول، وإما في الثاني، افتح وجوبًا، وحينئذٍ اكسر وجوبًا أو جوازًا.
افْتَحْ: نقول: هذا عام المراد به الإباحة، فيشمل الواجب والجائز.
وقوله: اكْسِرِ: وحينئذٍ يكون للواجب فتشمل الأحوال الثلاثة، وهذا أولى من أن يجعل البيت خاصًا بما وجب في الحالتين: الفتح والكسر.
وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ
لِسَدِّ: أي لأجل، فكأنه تعليم متعلق بـ (افتح)، وحينئذٍ جعل الناظم الضابط هنا في باب فتح همزة (إنَّ) وجوبًا إذا سد مسد (أن) ومدخوليها المصدر، فكل موضع صح أن يحل المصدر محل (إنَّ) ومعموليها حينئذٍ قلنا: هذه بالفتح؛ لأن الأصل أن نقول: هذه هل هي (إنَّ) أو (أن)؟ يشتبه، فإذا جاز أن يحل المصدر محل (إنَّ) ومدخوليها ومعموليها وصح تسليط العامل من جهة الصناعة الإعرابية عليها -على المحل- حينئذٍ وجب فتح همزة (أن)، وهذا يكون في تسع مواضع، بالاستقراء، قد يزيد بعضها لكنه قليل، لكن المشهور هو تسع مواضع:
الأول: أن يكون فاعلًا.
الثاني: أن يكون نائب فاعل.
الثالث: أن يكون مفعولًا به لغير قول محكي.
ورابعًا: أن يكون في موضع جر بحرف الجر.
والخامس: أن يكون في موضع مبتدئ مؤخر.
والسادس: أن يكون في موضع خبر مبتدئ.
والسابع: أن يكون في موضع المضاف إليه.
والثامن: أن يقع معطوفًا على شيء من ذلك، إذا عطف على (أن) مفتوحة بـ (إنَّ) نقول: هنا يفتح؛ لأن الأصل اتحاد المعطوف والمعطوف عليه، وحينئذٍ إذا عطف (إنَّ) على (أن) نقول: الأصل فيه أن يكون الثاني الذي بعد حرف العطف أن يكون بالفتح من باب عطف المفرد على المفرد.
والتاسع والأخير: أن تكون مبدلة من شيء من ذلك، أيضًا البدل يكون حكمه حكم المبدل منه.
فهذه مواضع تسعة يكون فيها وجوب فتح همزة (إنَّ) وحينئذٍ تكون بـ (أن)، ويؤول (أن) وما دخلت عليه بمصدر.
وعبر الناظم بمصدر لماذا؟ لأنه قد تحل (أن) موضع المفرد ويجب كسر همزة (إنَّ). ظننت زيدًا إنه قائم، ظننت: فعل وفاعل. وزيدًا: مفعول به. وإنه قائم نقول: الجملة هذه حلت محل المفعول الثاني، والأصل في المفعول الثاني أن يكون مفردًا، إذًا: حلت محل المفرد. قالوا: هنا يمتنع فتح همزة (إنَّ) فلا يقال: أنه فاضل، ظننت زيدًا أنه فاضل، لماذا؟ قالوا: لأنه إذا فتحت همزة (إنَّ) صار أنه فاضل أُولت بمصدر، والمصدر لا يقع خبرًا عن اسم العين. ظننت زيدًا قيامًا هذا قلنا: لا يقع إلا على التأويل، والأصل عدم التأويل، ولذلك امتنع ما ذكرناه.
[ ٣٨ / ١ ]
إذًا: أن تكون في موضع فاعل، كقوله تعالى: «أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا» [العنكبوت:٥١] يَكْفِي: هذا فعل مضارع فاعله غير مذكور، وصح أن نجعل - «أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا» أننا هذا الأصل- صح جعل (أَنَّ) ومعموليها فاعلًا تسلط عليه العامل، والصناعة الإعرابية لا ينافيها ما ذكرناه حينئذٍ وجب فتح همزة (أن) -أولم يكفهم إنزالنا- هذا الموضع الأول.
«قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ» [الجن:١] أُوحِيَ: هذا مغير الصيغة. استماع، أوحي أنه استمع، أين نائب الفاعل لأوحي؟ نقول: أَنَّهُ اسْتَمَعَ، (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر وهذا المصدر في محل رفع نائب فاعل، ولذلك الإعراب كما سبق في المصدر المنسبك من (أن) وما دخلت عليه يكون محليًا على الصحيح، ولا يكون تقديريًا وإن قال به بعض النحاة.
الثالث: أن يكون في موضع مفعول به غير محكي بالقول، غير محكي بالقول لماذا؟ لأن القول وما تصرف منه ينصب مفعولًا به، هذا الأصل، «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ» [مريم:٣٠] هذه واجبة الكسر أو حكيت بالقول، إذًا: هو مفعول به لكنه واجب الكسر، وحينئذٍ لا بد من استثنائه في هذا الموضع، نقول: أن تقع في محل مفعول به غير محكي بالقول، «وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ» [الأنعام:٨١] لاَ تَخَافُونَ إشراككم، حينئذٍ: أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ نقول: هذه واجبة الفتح، لماذا؟ لأن (تَخَافُونَ) يطلب مفعولًا به، وإذا طلب مفعولًا به حينئذٍ لا بد من أن يتسلط العامل على (إنَّ) فيجب فتحها؛ لأنها هي التي تؤول بمصدر، «وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ» أي: لا تخافون إشراككم.
الموضع الرابع: أن تكون في موضع حرف جر؛ «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ» [لقمان:٣٠] ذَلِكَ: هذا مبتدأ، أين خبره؟ «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ» هنا الشاهد ليس في كونه مبتدأً أو؟؟؟، الشاهد في دخول الباء على (أن)، الأصل بـ (إِنَّ)، لكن إذا سبق (إنَّ) بحرف الجر وجب فتحها وحينئذٍ صار مدخول (إنَّ) في محل جر، وهذا لا يناسبه إلا أن يكون مفردًا، فتعين أن يكون مفردًا، وإنما يكون ذلك بفتح همزة (أن) وإلا الأصل هو (إنَّ)، بإن. تقول: بإن، الباء حرف جر لا تدخل على الجملة؛ لأن (إنَّ) هذه جملة مستقلة. إن زيدًا قائم الأصل هو زيد قائم، «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ» نقول: الأصل: بـ (إن الله)، لكن الباء لا تدخل إلا على مفرد وهو اسم، وإن: جملة، حينئذٍ نقول: لا بد من أن نأتي في هذا الموضع بما يصح تأويله بمصدر، ولا يكون كذلك إلا بوجوب فتح همز (إنَّ) فصارت: أن. «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ».
الخامس: أن تقع في موضع مبتدأ، وهذا المبتدأ مؤخر، «فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ» [الصافات:١٤٣] أين المبتدأ؟
لولا ما سبق أنها من علامات الأسماء وأنه يقع بعدها المبتدأ.
وَبَعْدَ لَوْلاَ غَالِبًا حَذْفُ الْخَبَرْ حَتْمٌ
إذًا: «فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ» فَلَوْلا كونه مِنَ الْمُسَبِّحِينَ.
إذًا: كون نقول: هذا مبتدأ، تقع في موضع مبتدئ مؤخر.
[ ٣٨ / ٢ ]
«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ» [فصلت:٣٩] وَمِنْ آيَاتِهِ رؤيتك.
«وَمِنْ آيَاتِهِ» جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
«أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ» رؤيتك الأرض، صار في موضع مبتدئ.
أن تقع في موضع خبر، وذلك بشرط: أن يكون المبتدأ غير قول، يعني: ليس قولًا، ليس شيئًا يلفظ، بل هو أشبه ما يكون بالعين اسم ذات.
وبشرط ألا يكون خبر (أن) صادقًا على ذلك المبتدأ.
بشرطين: ألا يكون المبتدأ قول، ثم أن يكون هذا المبتدأ لا يصدق عليه خبر (إنَّ)، لا يصدق عليه يعني: لا يكون فردًا من أفراد خبر (إنَّ)، فإن كان كذلك حينئذٍ انتقض الشرط.
ظني أنك مقيم معنا، ظني: هذا ليس بقول وإنما هو عمل، الظن عمل بالقلب، ظني. إذًا: ليس بقول.
أنك مقيم معنا اليوم: هذا ليس صادقًا؛ لأن الظن قائم بي أنا، ومقيم معنا هذا قائم بغير المتكلم بغير الظانّ، وحينئذٍ: ليس المبتدأ فردًا من أفراد خبر (أن) وحينئذٍ يجب فتح همزة (أن).
أن تقع في موضع المضاف إليه وهو السابع؛ «إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ» [الذاريات:٢٣] التقدير: مثل نطقكم؛ لأن (مثل) هذه تلازم الإضافة، سيأتي معنا أنها من الملازمة للإضافة.
الثامن: أن تكون معطوفة على شيء تعين فيه أن يكون (أن) بالفتح، «اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ» [البقرة:٤٧] يعني: اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم، يعني: عطفت على مفرد، هذا المراد.
التاسع: أن تقع في موضع البدل، يعني مبدلة من شيء سابق وهو مفرد، «وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ» [الأنفال:٧] إِحْدَى: هذا مفعول به، وكونها لكم، نقول: أنها لكم، كونها لكم، هذا بدل اشتمال من إحدى.
هذه المواضع التسع نقول: يجب فيها فتح همز (إنَّ) فتقول: (أن) فتؤول بمصدر، وعرفنا كيف نأتي بالمصدر، ننظر إلى خبر (أن) إن كان مشتقًا حينئذٍ جئنا بالمصدر مضافًا إلى اسم (أن)، وإذا كان جامدًا حينئذٍ جئنا بالكون أو بالمصدر الصناعي والمشهور الكون. ظننت أن زيدًا أسدٌ، ظننت كون زيد أسدًا، فتأتي بالجامد تنصبه على أنه خبر للكون. أو ظننت أسدية زيد، هذا يسمى مصدرًا صناعيًا، مولد ليس قياسي.
وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ: يعني واكسر في سوى ذاك، ذاك ما هو؟ الذي لا يحل المصدر محله، الذي لا يؤول بمصدر حينئذٍ وجب فيه الكسر على الأصل، أي: أدم الكسر؛ لأنه الأصل. إذا قيل: اكْسِرِ فهي مكسورة في الأصل، إذا جعلنا (إنَّ) هي الأصل و(أن) هي الفرع، حينئذٍ لا نقول: اكسرِ بمعنى جدد له الكسر، وإنما أدم الكسر، هذا المراد، هذا من باب: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» [النساء:١٣٦] آمَنُوا يعني: المأمور به هنا المداومة.
«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ» [الأحزاب:١] اتَّقِ قالوا: الأمر الأصل فيه طلب ما لا حصول له، يعني الذي لم يحصل، هذا الأصل فيه، كيف نوجه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا» [النساء:١٣٦] الحاصل لا يؤمر به.
[ ٣٨ / ٣ ]
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» لازموا الإيمان، أو اثبتوا على الإيمان، أو دوموا على الإيمان، وحينئذٍ المداومة هي المأمور بها وهي شيء غير موجود.
«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ» [الأحزاب:١] هذا فعل أمر، كيف نقول هو تحصيل شيء لم يقع؟ نقول: والمراد به: دم على التقوى، وهذا معدوم، وحينئذٍ لا بأس بكونه مأمورًا به.
وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ: هي مكسورة في الأصل، نقول: أدم الكسر، فالمأمور به حينئذٍ يكون المداومة، والمواضع التي يجب فيها كسرة همزة (إنَّ) عد الناظم منها ستة في الجملة، وهي عشرة عند التفصيل.
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا، وقلنا: المراد بالابتداء هنا ابتداء جملتها إما حقيقة وإما حكمًا، حقيقة أو حكمًا، يعني: أن تقع (إنَّ) في أول الكلام، وليس المراد أول الكلام أول النطق لا، المراد أول الجملة، سواء كانت في أثناء الكلام أو في أول الكلام، يعني أول ما ينطق به إن، أول ما تكلم: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ» [الكوثر:١] هذا لم يسبقه شيء، أو سبقه شيء ثم هذه (إنَّ) في أول جملة، نقول: هذا يجب فيها كسر الهمزة وهي في أول الكلام -في أول الكلام بحسبه-.
إذًا نقول: أول الكلام المراد به ولو في الأثناء، وحينئذٍ المراد ابتداء الجملة التي هي فيها، وهذا ذكرنا أنه يدخل تحته ما سُبِق بـ (ألا) الاستفتاحية، «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ» [يونس:٦٢].
كذلك ما سبق بحيث: حيث إن زيدًا جالس، لأنها في أول الجملة.
وإذ كذلك في أول الجملة.
وإذا اخبر عن اسم ذات: زيد إنه فاضل، نقول: هنا وجب الكسر؛ لأنه لا يخبر بالمصدر الذي هو اسم معنى عن العين، وحينئذٍ لا بد من كسر همزة (إنَّ). هذه أربعة مواضع.
وَفِي بَدْءِ صِلَهْ: يعني في أول جملة الصلة سواء كانت موصولًا حرفيًا أو اسميًا، مررت برجل إنه فاضل نقول: هذا جملة، مررت بالذي إنه فاضل، «مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ» [القصص:٧٦] وجب كسر همزة (إنَّ).
وَحَيْثُ إِنَّ لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ
هذا الموضع الثالث في الجملة: المراد أنها تقع مكملة لليمين، وذلك إذا وقعت جواب القسم.
وقلنا: يدخل تحت هذه الصورة ثلاث صور:
ما ذكر فعل القسم مع اللام، ما حذف فعل القسم مع اللام -يعني دخول اللام على خبر (إنَّ) -، ما حذف فعل القسم مع عدم اللام.
إذًا: الصور ثلاثة، لو نظرنا إلى القسم مع اللام الصور أربع من حيث هي. إذا دخلت اللام على خبر (إنَّ) وجود اللام نقول: وجب كسر همزة (إنَّ) بقطع النظر عن كون الفعل ملفوظًا به أو محذوفًا، إذا العبرة بماذا؟ وجود اللام.
قد لا توجد اللام ثم قد يوجد الفعل أو يحذف، إن حذف الفعل كذلك وجب كسر همزة (إنَّ)، إن ذكر الفعل مع عدم دخول اللام هذه يجوز فيها الوجهان بالإجماع كما سيأتي.
إذًا الصور ثلاثة، النظر فيها إذا أردت حفظها تنظر إلى اللام، إن دخلت اللام على خبر (إنَّ) وجب الكسر سواء ذكر الفعل أم حذف، إن حذفت اللام -لم تدخل في خبر (إنَّ) - حينئذٍ إما أن يذكر الفعل أو يحذف، إن حذف الفعل وجب الكسر على مذهب البصريين وخطئوا الكوفيين في ذلك -جواز الفتح-، وإذا ذكر الفعل مع عدم اللام جاز فيه الوجهان كما سيأتي.
[ ٣٨ / ٤ ]
«وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ» [التوبة:٥٦] نقول: (إنَّ) هنا واجبة الكسر، لماذا؟ لأن اللام دخلت وذكر الفعل.
«وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ» [العصر:٢،١] «إِنَّ الإِنسَانَ» يجب كسر همزة (إنَّ)، لماذا؟ لأن اللام دخلت في خبر (إنَّ)، لم يذكر الفعل هنا «وَالْعَصْرِ» هذا نائب وليس فعلًا، وحينئذٍ وجب الكسر بالإجماع -إجماع الكوفيين والبصريين- في هاتين الحالتين.
بقي حالة واحدة وهي فيما إذا حذف الفعل واللام، حينئذٍ وجب الكسر على الصحيح، «حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٣») [الدخان:١، ٢،٣] إِنَّا أَنزَلْنَاهُ نقول: واجبة الكسر؛ لأنها مكملة لليمين، يعني: جواب القسم. أين القسم؟ الفعل محذوف. أين اللام؟ لم توجد عندنا لام، هذه الثلاث الصور نقول: واجبة الكسر وهي داخلة في قوله: وَحَيْثُ إِنَّ هذا مبتدأ مُكْمِلَةٌ لِيَمِينٍ، يعني: واقعة جواب القسم.
قال ابن هشام: ولو أضمر الفعل أو ذكرت اللام تعين الكسر إجماعًا. ضبط لنا الثلاث صور في هذه الكلمات.
لو أُضمر الفعل أو ذكرت اللام وجب الكسر إجماعًا.
أُضمر الفعل -هذا لا إشكال فيه- أو ذكرت اللام تعين الكسر، أضمر الفعل وذكرت اللام أو حذفت؟ حذفت، أضمر الفعل أو ذكرت اللام حينئذٍ تعين الكسر إجماعًا، لو أضمر الفعل يعني لم يذكر حذف أو ذكرت اللام تعين الكسر إجماعًا، بقي حالة واحدة هي التي ستأتي في موضعها.
أو حكيت بالقول: «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ» [مريم:٣٠] كل (إنَّ) بعد قول ومادته -قول وما تصرف منه- حينئذٍ نقول: واجب الكسر وهو مفعول به ومستثنى من: «وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ» [الأنعام:٨١] هناك مفعول به ليس للقول وهنا مفعول به للقول.
أوْ حَلَّتْ مَحَلّ حَالٍ: سواء كانت بعد الواو أو لا، حينئذٍ يجب كسر همزة (إنَّ) لأننا لو فتحناها لكان مصدرًا، والمصدر لا يقع حالًا قياسًا، وإنما هو سماعي ولا يقاس عليه مع كثرته.
كَزُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ: يعني: والحال إني ذو أمل، ولكن لا تؤول هنا بمصدر وإنما هو جملة في محل نصب.
وَكَسَرُوا -أيضًا- مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ علِّقَا بِاللاَّمِ: وهذا سيأتي في باب ظن وأخواتها، باب التعليق.
إذا علقت باللام على جهة الخصوص حينئذٍ حكمنا على (إنَّ) بالكسر، لماذا؟ لأنك تقول: كَاعْلَمْ إِنَّهُ لَذُو تُقَى، «وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ» [المنافقون:١] التعليق يكون العمل في المحل لا في اللفظ، وحينئذٍ تكون اللام من المعلقات، وسيأتي هذا في محله.
هذه ست مواضع على جهة الإجمال، وعشرة على جهة التفصيل؛ لأن قوله: فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا هذا يدخل تحته كم؟ قلنا: إما حقيقة: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ» [الفتح:١]، وإما أن يسبقها –الجملة- (ألا) الاستفتاحية: «أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ» [يونس:٦٢]، والواقعة بعد حيث، والواقعة خبرًا عن اسم الذات، نحو: زيد إنه قائم، والواقعة بعد (إذا)، وهذه بعضهم لا يذكرها الواقعة بعد (إذا).
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ أَوْ قَسَمِ لاَ لاَمَ بَعْدَهُ بِوَجْهَيْنِ نُمِي
[ ٣٨ / ٥ ]
هذا هو الحال الثالثة وهي ما جاز فيه الوجهان، يعني: يجوز فيه الكسر -كسر همزة (إنَّ) - وفتح همزة (إنَّ) لكن لا في محل واحد باعتبار واحد، لأنهما متناقضان هذا جملة وهذا مفرد، لكن باعتبار معنىً يجوز كسر همزة (إنَّ) وباعتبار معنىً آخر ..، فليس المراد أنه معنىً واحد ويجوز فيه الكسر والفتح لا، ليس هذا مرادهم، وإنما مرادهم: يجوز أن يحُل المفرد محل (إنَّ)، ويجوز أن يكون جملة، فباعتبار كونه جملة المعنى يختلف عن كونه مفردًا، إذًا: ليس المراد هنا كون هذه الحالة يجوز فيها الوجهان أنه في معنىً واحد وفي جملة واحدة باعتبار واحد لا، وإنما باعتبارين مختلفين، إن نظرت إلى جهة جاز لك الفتح، وإن نظرت إلى جهة أخرى باعتبار آخر جاز لك الكسر، والمراد: أنه لا يتعين واحد من النوعين، فيرجح الكسر مع جواز الفتح، ويرجح الفتح مع جواز الكسر، ولا يلزم أحد بأحد الطريقين.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ أَوْ قَسَمِ لاَ لاَمَ بَعْدَهُ بِوَجْهَيْنِ نُمِي
بِوَجْهَيْنِ نُمِي: بَعْدَ هذا منصوب على الظرفية متعلق بقوله: نُمِي.
نُمِي: هذا مغير الصيغة، يعني: نسب، والضمير هنا يعود إلى الهمز -هو الهمز الذي نسب- نسب أي: همز (إنَّ) بقطع النظر عن كونه مفتوحًا أو مكسورًا، نسب ماذا؟ بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ، نسب وجهين، ما هما الوجهان؟ الفتح والكسر، نظرًا لموجب كل منهما لصلاحية المقام لها على سبيل البدل لا على سبيل الاجتماع معًا، بل على سبيل البدل، إن جاز ورجحنا الفتح امتنع الكسر في نفس الوقت، وإن رجحنا الفتح حينئذٍ امتنع الكسر، فلا يجتمعان في موضع واحد باعتبار واحد لا، وإنما الجهة منفكة.
نظرًا لموجب كل منهما لصلاحية المقام لها على سبيل البدل، فموجب الكسر مع (إذا) مثلًا -مع (إذا) الفجائية- اعتبار (إنَّ) ومعموليها جملة، -اعتبرناها جملة- بلا احتياج إلى تقدير خبر، ومع فعل القسم اعتبار ذلك جعله جواب القسم، وموجب الفتح مع (إذا) الفجائية اعتبار ذلك مفردًا، فرق. موجب الكسر مع (إذا) الفجائية كونها جملة، وموجب الفتح يعني الذي يقتضي الفتح كونه مفردًا، وفرق بين الجملة والمفرد، إذًا: لا يجتمعان في موضع واحد، وإنما نقول: يجوز الفتح والكسر بعد (إذا) الفجائية على سبيل البدل، يعني لا على سبيل الاجتماع معًا في وقت واحد.
وموجب الفتح مع (إذا) اعتبار ذلك مفردًا مبتدأً مع تقدير الخبر ومع فعل القسم اعتبار تقدير الخافض، وسيأتي هذا.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ: إذًا إذا وقعت (إنَّ) بعد إذا فُجَاءَةٍ يقصد بها الفجائية التي يدل على أن ما بعدها وقع بغتة؛ حضرت فإذا الأسد، يعني: باغتني الأسد، هذه (إذا) تسمى إِذَا الفجائية، يعني ما بعدها وقع فجأة.
فإذا وقعت (إنَّ) بعد (إذا) الفجائية جاز فيها الوجهان: الكسر على اعتبار، والفتح على اعتبار آخر.
خرجت فإذا إن زيدًا قائم، خرجت فإذا يعني: بعد خروجي تفاجأت، بماذا؟ إن زيدًا قائم، يجوز الكسر على ماذا؟ على اعتبار أن (إنَّ) جملة مستقلة، يعني كأنه قال: خرجت فإذا زيد قائم، فيه إشكال؟ ليس فيه إشكال، وإنما أدخل (إنَّ) على زيد قائم من باب؟ - (إن وأن) للتوكيد- من باب التوكيد فقط، ليس فيه شيء جديد.
[ ٣٨ / ٦ ]
خرجت فإذا إن زيدًا قائم، نقول: إذا كسرنا جعلنا ما بعد (إذا) الفجائية جملة، ما معنى جملة، بمعنى أنها جملة مستأنفة مركبة من مبتدئ وخبر. خرجت فإذا زيد قائم، لماذا جئنا بـ (إنَّ)؟ من باب التأكيد، يعني تقوية النسبة -نسبة الخبر إلى الاسم-، والتقدير: خرجت فإذا زيد قائم. إذًا لا إشكال في من كسرها.
ومن فتحها: خرجت فإذا أن زيدًا قائم، و(أن) هذه قلنا: في قوة المصدر، كأنه قال: خرجت فإذا قيام زيد، إذًا ليس بجملة وإنما هو مفرد، وحينئذٍ كيف نفعل؟ فنقول: قيام زيد هذا ينظر إليه باعتبار (إذا) الفجائية، هل هي اسم أم حرف؟ فيه خلاف بين النحاة، والصحيح أنها حرف، وإذا كانت حرفًا حينئذٍ لا يصلح أن يكون خبرًا عن قيام زيد، يصلح أو لا يصلح؟ هل يصح أن نقول: خرجت فإذا قيام زيد؛ قيام: مبتدأ، وإذا: خبر مقدم؟ لا يصح، لماذا؟ لأن (إذا) الفجائية حرف.
إذًا: ماذا نصنع؟ إما أن نجعل قيام زيد مبتدأ لخبر محذوف، أو نجعله خبرًا لمبتدئ محذوف، قدر هذا أو ذاك، إما أن تجعله خبرًا لمبتدئ محذوف، وإما أن يكون مبتدأً لخبر محذوف، وعلى القول بأن (إذا) اسم فحينئذٍ صارت ظرفًا، وإذا كان كذلك حينئذٍ لا يصلح أن يكون مبتدأً، بل يتعين أن يكون خبرًا مقدمًا، وقيام زيد: مبتدأً مؤخرًا، على الوجهين. فيصير حينئذٍ: أن زيدًا قائم في قوة المفرد وهو قيام زيد، إن جعلت (إذا) ظرفية فهو مبتدأ خبره ما قبله، فإذا قيام زيد أي: ففي الحضرة قيام زيد، ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا: خرجت فإذا قيام زيد موجود، فجعلت القيام مبتدأ والخبر محذوف. ولو قلت: فإذا الشأن والأمر قيام زيد جعلت القيام خبرًا لمبتدئٍ محذوف، يجوز فيه الوجهان. والصحيح أن يقال بأنه لا يجعل (إذا) خبرًا مقدمًا؛ لأنها حرف والحرف لا يسند إليه ولا يكون مسندًا، وإنما قيام زيد إما أن يكون خبرًا لمبتدئٍ محذوف، أو مبتدأً لخبر محذوف، إما أن يكون خبرًا لمبتدئٍ محذوف، أو يكون مبتدأً والخبر حينئذٍ يكون محذوف، ولذلك قال ابن عقيل هنا: يجوز فتح (إنَّ) وكسرها إذا وقعت بعد (إذا) الفجائية، لكنه لم يرشد إلى أن الخلاف مبني على (إذا) من حيث الحرفية والاسمية، تنبه لهذا.
خرجت فإذا إن زيدًا قائم؛ عرفنا إذا كسرها أنها جملة ولا إشكال فيها، ومن فتحها جعلها مع صلتها مصدرًا، قطعًا هذا؛ لأنه مؤولة بمصدر ولا إشكال، وهو مبتدأ خبره (إذا) الفجائية، هذا بناءً على ماذا؟ على أنها اسم ظرف زمان أو مكان، قيد على الشرح. والتقدير: فإذا قيام زيد، أي: ففي الحضرة قيام زيد، وهذا التقدير مرجوح؛ لأنه مبني على أن (إذا) اسم وليست بحرف، مبني على أن (إذا) اسم. فإذا قيام زيد؛ إذا: خبر، وقيام زيد: مبتدأ مؤخر، ونقول: هذا ضعيف.
ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا، والتقدير: خرجت فإذا قيام زيد موجود، وهذا أرجح، لماذا؟ لأننا جعلنا (إذا) حرفًا، ويجوز أن يكون العكس: فإذا الشأن والحال قيام زيد، فقيام: هذا خبر لمبتدأ محذوف.
ومما جاء بالوجهين قول الشاعر:
وكُنْتُ أرى زَيْدًا كَما قِيلَ سَيِّدًا إِذَا أَنَّهُ عَبْدُ القَفَا واللِّهازمِ
[ ٣٨ / ٧ ]
إِذَا أَنَّه إذا إنه، إذا إنه هذا لا إشكال فيه –بالكسر- فجعلها جملة مستأنفة، إِذَا هو عَبْدُ القَفَا واللِّهازمِ لا إشكال فيه، وعند الفتح حينئذٍ نقول: في المصدر الوجهان المذكوران، إما أن يكون مبتدأً خبره محذوف أو بالعكس، ولا نجعل (إذا) أنها خبر مقدم وما بعده المصدر مبتدأ مؤخر؛ لأن هذا مبني على قول مرجوح.
والتقدير على الأول: فإذا عبوديته، أي: ففي الحضرة عبوديته، عبوديته: هذا مبتدأ مؤخر، وإذا: خبر مقدم. هذا على القول الآخر.
وعلى الثاني: فإذا عبوديته موجودة، عبوديته صار مبتدأً خبره محذوف وهو موجودة، وإذا عكست قلت: فإذا الشأن والحال عبوديته جعلت عبودية خبرًا لمبتدئٍ محذوف.
إذًا: تفتح همزة (إنَّ) وتكسر بعد (إذا) الفجائية، إذا كسرناها جعلناها جملة مستأنفة ولا إشكال، وإذا فتحناها حينئذٍ تؤول بمصدر يكون خبرًا لمبتدئٍ محذوف أو مبتدأً لخبر محذوف، إما أن يكون مبتدأً لخبر محذوف، أو يكون خبرًا والمبتدأ محذوفًا، وأما جعل (إذا) خبرًا مقدمًا نقول: هذا فيه ضعف. هذا هو الموضع الأول.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ
إِذَا: تدل على الفجائية، هذا من إضافة الدال إلى المدلول.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ أوْ: للتنويع والتقسيم.
أوْ قَسَمِ لاَ لاَمَ بَعْدَهُ: يعني يجوز فتح (إنَّ) وكسرها إذا وقعت جواب قسم، ظاهر كلام الناظم هنا -لو جعلناه على ظاهره- قال: لاَلاَمَ بَعْدَهُ أو قسم.
لاَ لاَمَ بَعْدَهُ: قلنا: هذا يحتمل وجهين: إما مع ذكر الفعل أن يكون ملفوظًا به، وإما أن يكون محذوفًا، ظاهر كلام الناظم العموم يشمل النوعين، لكن لا بد من تقييده ليصير موافقًا لما ذكرناه من الصور الأربعة: وهو أنه يعني صورة واحدة، وهي إذا ذكر -تلفظ بالفعل- وعدمت اللام، هذه الحالة بالإجماع يجوز فيها الوجهان، إذا لفظ بالفعل -نطق به تلفظ به وجد ذكر-، واللام محذوفة، لا لام بعده، فحينئذٍ بالإجماع يجوز فيه الوجهان: فتح همزة (إنَّ) وكسرها.
أوْ قَسَمِ: إذًا أو بعد فعل قسم ظاهر من أجل أن يوافق، ولا نعمم، لو قلنا: بعد قسم هذا عام يشمل القسم المذكور والقسم المحذوف. ولك أن تقول: قسم هذا نكرة، والنكرة في سياق الإثبات لا يعم، وحينئذٍ نحتاج إلى مقيد خارج، فنقول: قَسَمِ ظاهر كأنه وصف بصفة محذوفة للعلم به؛ لأنه مجمع عليه فحينئذٍ حذف النعت، وسيأتي المعنى أن النعت إذا علم جاز حذفه.
أوْ قَسَمِ: يعني: أو بعد فعل قسم ظاهر لاَ لاَمَ بَعْدَهُ.
لاَ: هذه نافية للجنس.
ولاَمَ: اسمها.
وبَعْدَهُ: هذا خبرها.
إذًا لو قيل: حلفت أن زيدًا قائم -بالفتح والكسر- هكذا قال ابن عقيل، مثَّل لما أراده الناظم على ظاهره، بمعنى: أنه يشمل أو قَسَمِ الفعل الملفوظ والفعل المحذوف، وسبق أن ثَمَّ خلافًا سابق وهو: أنه إذا حذف الفعل ولم تذكر اللام قلنا: مذهب الكوفيين الفتح، ومذهب البصريين وجوب الكسر، وحكوا الإجماع عليه، وخطأهم السيوطي في جمع الجوامع قال: غلط، خطأ. لو اعتبرنا الخلاف سار عليه ابن عقيل على عدم التخطئة، وإذا قلنا بالتخطئة حينئذٍ: أو قَسَمِ لا بد من التقييد بأنه ظاهر لنخرج الحال التي قلنا أخطأ فيها الكوفيون.
[ ٣٨ / ٨ ]
قال ابن عقيل: يجوز فتح (إنَّ) وكسرها إذا وقعت جواب قسم، وليس في خبرها اللام، نحو: حلفت أن زيدًا قائم، حلفت ذُكر الفعل هنا، أو قسم ظاهر، أن زيدًا قائم، إن زيدًا قائم، يجوز فيه الوجهان، على الكسر نقول: جعلنا الجملة جواب القسم، لأن الحلف يحتاج إلى جواب القسم، ما هي جملة جواب القسم؟ إذا كسرنا: إن زيدًا قائم هي جملة الجواب، وإذا فتحنا حينئذٍ صار مفردًا، وإذا صار مفردًا لا يصلح أن يكون جوابًا للقسم، وحينئذٍ يقال فيه: أنه منصوب بنزع الخافض، يعني على تقدير حرف الجر، وجملة القسم قد دل عليه المذكور.
قال: وقد روي بالفتح والكسر، الكسر على (أن) اسمها، وخبرها جواب القسم، والفتح على أساس أن المصدر على نزع الخافض؛ أقسم بالله على أن زيدًا قائم، ويكون مغنيًا عن جواب القسم، هذه الجملة تكون مغنية عن جواب القسم لأن جواب القسم كالخبر، إذا دل عليه شيء ملفوظ به موجود حينئذٍ يستغنى به عنه، يجوز حذفه، إذا علم جاز حذفه.
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ ومنه جواب القسم.
وروي بالفتح والكسر قوله:
أَوْ تَحْلِفِى بِرَبِّكِ الْعَلِّىِ أَنِّي أَبو ذَيَّالِكِ الصَّبِي
أَوْ تَحْلِفِى: هنا لُفِظ بالفعل.
أَنِّي: وقعت (أن) بعد فعل القسم وهو ملفوظ به، يجوز فيه الوجهان، روي بالوجهين: أني وإني. (إني) على أنه جواب القسم، أليس، وبالفتح على أنه مصدر مجرور بحرف الجر.
أَوْ تَحْلِفِى على أني كذا، يعني: على أني أبو ذيالك الصبي؛ على كوني أبي ذيالك الصبي، فحينئذٍ نقول: كوني هذا اسم مجرور بـ على، وهذا بعضهم لا يرتضيه؛ لأن (على) حرف جر ويكون ما بعده مجرور، والأصل في حرف الجر أنه لا يعمل محذوفًا، وحينئذٍ يجعله مفعولًا به منصوبًا بلا واسطة، بلا واسطة حرف الجر. فيه وجهان.
على كوني كذا، وحينئذٍ صار مجرورًا بحرف الجر محذوفًا، وإذا قلنا: حرف الجر ضعيف فلا يعمل محذوفًا حينئذٍ جعلناه مفعولًا به بدون واسطة.
أَوْ تَحْلِفي بِرَبِّكِ العَلِيِّ أَنِّي: يروى بالكسر على جعلها جوابًا للقسم، وبالفتح على جعلها مفعولًا لا بواسطة نزع الخافض، أي: على أني، هذا قول. وبعضهم يرى أنها على نزع الخافض، يعني: حرف جر محذوف، وهذا فيه كلام.
قال ابن عقيل: ومقتضى كلام المصنف: أنه يجوز فتح (إنَّ) وكسرها بعد القسم إذا لم يكن في خبرها اللام. وهذا ظاهر عبارته، سواء كانت الجملة المقسم بها فعلية والفعل فيها ملفوظ به نحو: حلفت إن زيدًا قائم أو غير ملفوظ، هذا عام، لكن قلنا غير ملفوظ هذه يجب كسر همزة (إنَّ) فيها وحكي الإجماع عليها، وحينئذٍ لا بد من تقييد كلام الناظم بما ذكرناه سابقًا.
بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ: الموضع الثاني: أو بعد فعل قسم ظاهر.
لاَ لاَمَ بَعْدَهُ بِوَجْهَيْنِ نُمِي: جاز فيه الوجهان الفتح والكسر.
مَعْ تِلْوِفَا الْجَزَا:
ومَعْ: معطوف على بعد، بَعْدَ إِذَا فُجَاءَةٍ.
[ ٣٨ / ٩ ]
ومَعْ تِلْوِفَا الْجَزَا: (فَا الْجَزَا) كلاهما مقصوران للضرورة، مع تلو فاء الجزاء، بمعنى: أنه إذا وقعت (إنَّ) بعد فاء الجزاء جاز فيها الوجهان، وهل هو كل فاء جزاء ولو كانت في جواب اسم شرط أو حرف شرط؟ الجواب: لا، ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بما كان الشرط اسمًا، وأما إذا كان حرفًا فلا، يتعين فيه الكسر.
جواز الوجهين بعد فاء الجزاء مقيد بما إذا كان الشرط بالاسم، وأما إذا كان بالحرف فليس إلا الكسر، نحو: «وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» [التغابن:١٤].
فَإِنَّ: نقول: وقعت بعد فاء الجزاء، هل يجوز فيه الوجهان؟ لا؛ لأنها وقعت بعد شرط وهو حرف (إنَّ)، وأما إذا وقعت بعد اسم شرط حينئذٍ يجوز فيها الوجهان، نحو: من يأتني فإنه مكرم، من يأتني، من: اسم شرط، يأتني: فعلها، فإنه مكرم: وقعت (إنَّ) بعد فاء الجزاء، وحينئذٍ نقول: يجوز فيه وجهان؛ على الكسر -إذا كسرنا- جعلناه جملة؛ فإنه مكرم، إذًا جعلنا جملة الجواب جملة ولا إشكال فيه واضح بين، كأنه قال: فهو مكرم، وأكدنا الخبر من أجل تقوية النسبة -للتأكيد-، وإذا فتحنا: من يأتني فأنه مكرم؛ إذًا صار مفردًا، وإذا صار مفردًا حينئذٍ لا يصح أن يقع جملة جواب الشرط، لا يصلح أن يقع جواب الشرط، كأنه قال: من يأتني فالإكرام، فالإكرام: هذا مفرد، ولا يصح أن يقع جوابًا للشرط.
إذًا: لا بد من خبر محذوف، ويجعل الملفوظ مبتدأ، أو بالعكس نجعل الموجود مبتدأ والخبر محذوف، أو بالعكس.
إذًا: من يأتني فإنه مكرم، من يأتني فإكرامه موجود، جعلناه مبتدأً حذف خبره. من يأتني فجزاؤه الإكرام، جعلناه خبر مبتدئٍ محذوف، إذًا: يجوز الوجهان فيما إذا وقعت (إنَّ) بعد فالجزاء بشرط: أن يكون اسم الشرط هو الذي وقعت الجملة في جوابه. فيجوز الكسر على جعلها جواب الشرط، ويجوز الفتح .. ثم تؤول بمصدر، فإما أن يكون المصدر خبرًا لمبتدئٍ محذوف، وإما أن يكون مبتدأً خبره محذوف كما ذكره في الحاشية.
منه: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» [الأنعام:٥٤] فَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قرئ بالوجهين.
فَإِنَّهُ بالكسر، يعني: فهو غفور رحيم، لا إشكال فيه، وإنما جيء بـ (إنَّ) من أجل التأكيد، وعلى الفتح: فأنه غفور رحيم، فأنه فالغفران كائن له، أو فجزاؤه الغفران، فإما أن يكون خبر مبتدئٍ محذوف، أو يكون مبتدأً لخبر محذوف.
فالكسر على جعلها جملةً جوابًا لـ (من)، والفتح على جعل (أن) وصلتها مصدرًا مبتدأً خبره محذوف: فالغفران جزاؤه، أو على جعلها خبرًا لمبتدئٍ محذوف والتقدير: فجزاؤه الغفران، هذا التقدير أجود.
مَعْ تِلْوِفَا الْجَزَا وَذَا يَطَّرِدُ فِي نَحْوِ خَيْرُ الْقَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ
هذا الموضع الرابع الذي يجوز فيه الوجهان.
وَذَا: المشار إليه الحكم وهو جواز الوجهين: الفتح والكسر.
وَذَا يَطَّرِدُ: مطرد، يعني يوجد كلما وجد المذكور، الشروط المذكورة.
وَذَا يَطَّرِدُ: يعني الوجهان، جواز الوجهين.
[ ٣٨ / ١٠ ]
فِي نَحْوِ خَيْرُ الْقَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ: خَيْرُ الْقَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ، هذه ضبطوها بماذا؟ قالوا: كل موضع وقعت (إنَّ) فيه خبر قول وكان خبرها قولًا والقائل هو واحد.
(إنَّ) وقعت خبر قول، والمراد بالقول ليس لفظ القول وإنما الكلام وما يكون من مادتها، قول، لفظ، كلام، جملة، نحو ذلك، ليس المراد مادة القول وإنما المراد به ما يدل على الكلام.
وخبر (إنَّ) كذلك قول، والقائل واحد، ثلاثة شروط: مبتدأ، قول، خبر (إنَّ) قول، والناطق المتكلم واحد حينئذٍ يجوز الوجهان.
خبر قول: أي ما بمعنى القول، سواء كان من مادة القول أو الكلام أو أحدهما، نحو، خير القول إني أحمد الله.
خَيْرُ الْقَوْلِ: خَيْرُ: هذا أفعل التفضيل، الْقَوْلِ: مضاف إليه، خَيْرُ مبتدأ، والقول: مضاف إليه، ونحن نقول: يشترط في أن يكون المبتدأ قولًا. وأفعل التفضيل بعض المضاف إليه، بعض المضاف إليه بمعنى: أن القول هو الذي يكون خير، فحينئذٍ اكتسبت المادة من جهة المعنى بإضافتها إلى القول، وإلا فالأصل أن خير هذا مباين للقول، لأنه أعم يشمل القول وغيره، وحينئذٍ نقول: أفعل التفضيل إذا أضيفت إلى شيء فهي بعضه، إن أضيفت إلى معنى فهي معنى، إن أضيفت إلى جثة فهي جثة، إن أضيفت إلى عمل فهي عمل، إن أضيفت إلى قول فهي قول، هذا المراد هنا.
إذًا: خَيْرُ الْقَوْلِ نقول: اسم التفضيل إذا أضيف، فاسم التفضيل بعض ما يضاف إليه.
خَيْرُ الْقَوْلِ: إذًا المبتدأ قول.
إني أحمد الله.
إِنِّي: (إنَّ) واسمها.
أَحْمَدُ الله: هذا قول يقع باللسان، إذًا: وجد فيه الشرطان.
خَيْرُ الْقَوْلِ -قولي أنا-: إني أحمد الله، حينئذٍ نقول: الفاعل واحد: إني أنا أحمد الله، وحينئذٍ نقول: بهذه الشروط الثلاثة يجوز فيه الوجهان في (إنَّ)، إني أحمد الله وأني أحمد الله. إذا قلت: إني أحمد الله على الجملة لا إشكال فيه، جعلتها خبرًا عن القول؛ خير القول إني أحمد الله، فكأنك أكدت الجملة وهي مؤلفة من مبتدئٍ وخبر بـ (إنَّ) والجملة تكون استئنافية. ومن فتح جعل (أنَّ) وصلتها مصدرًا خبرًا عن خير، والتقدير: خير القول حمد الله، فحمد الله هذا وقع خبرًا عن المبتدئٍ؛ لأنه في قوة المصدر خير القول أني أحمد الله، مثل لو قال: زيد أني فاضل على قول من جوزه، والجمهور على المنع زيد أني فاضل أو أنه فاضل، فـ (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر عن المبتدئٍ، هذا مثله، وحينئذٍ نقول: خير القول أني أحمد الله، خير القول حمد الله، فجعله خبرًا للمبتدئٍ المذكور. والتقدير: خير القول حمد الله. فخير: مبتدأ، وحمد الله: خبر.
ومن كسرها جعلها جملة خبرًا عن خير، كما تقول: أول قراءة (سبح اسم ربك الأعلى)، وحينئذٍ يكون الإخبار بالجملة لقصد الحكاية، كأنك تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله كنز، أي: هذا اللفظ وهذا صار مثلها، خير القول إني أحمد الله، فكأنه قال: هذا اللفظ هو خير القول، فأول: مبتدأ، وسبح اسم ربك الأعلى: جملة خبر عن أول، وكذلك خير القول: مبتدأ، وإني أحمد الله: خبر.
[ ٣٨ / ١١ ]
إذًا: بهذه الشروط الثلاثة نقول: يجوز فيها الوجهان: إما الكسر وإما الفتح، إن جعلناها مكسورة فهي جملة خبر عن المبتدئٍ، وإن فتحناها حينئذٍ صار الإخبار بالمفرد عن الجملة.
إذا انتفى القول الأول حينئذٍ انتفى الشرط، لو قال: عملي إني أو أني، ولم يقل: خير القول أو قولي. إذا انتفى القول الأول فالفتح متعين: عملي أني أحمد الله، هذا متعين، عملي أني أحمد الله، لا يجوز فيه الوجهان، لماذا؟ لانتفاء الشرط الأول وهو كون المبتدئ قولًا مع كون الشرط الثاني متوفر، أو القول الثاني أو لم يتحد القائل فالكسر، تعين الكسر، نحو قولي إني مؤمن، هكذا مثَّل النحاة وفي النفس منه شيء.
قولي إني مؤمن، هنا قالوا: انتفى القول من الثاني، إني مؤمن ليس فيه قول، وحينئذٍ وجب فيه كسر همزة (إنَّ).
وقولي إن زيدًا يحمد الله، القائل واحد؟ ليس بواحد، إذًا انتفى الشرط الثالث. عملي أني أحمد الله؛ يتعين النصب ولا يجوز الكسر، مع تخلف الشرط الأول وهو كون المبتدأ قولًا.
إذا تخلف الشرط الثاني كون الخبر (إنَّ) قولًا تعين كسر: قولي إني مؤمن، -الإيمان مشتمل على القول، لكن كمثال-.
الثالث: إذا انتفيا: قولي إن زيدًا يحمد الله، حينئذٍ نقول: يجب فيه الكسر.
وَذَا يَطَّرِدُ: يعني ذا الحكم وهو جواز الوجهين في نحو: خير القول إني أحمد الله تعالى، إني أحمد. هذه أربعة مواضع يجوز فيها فتح همزة (إنَّ) وكسرها، إذا كسرت فهي جملة ولا إشكال فيها -المعنى واضح- كأن الجملة مركبة من مبتدئٍ وخبر وجئت بـ (إنَّ) مؤكدة فحسب، إذا فتحت حينئذٍ صار مفردًا فلا بد من تقديم خبر من أجل تصحيح التركيب، إما أن يكون -إذا صح الإخبار به- جعله خبرًا لمبتدئ مذكور مثل: خير القول؛ لا إشكال فيه. وأما إذا اشترط أن يكون جملة حينئذٍ لا بد من تقدير خبر أو مبتدأ، إما أن تجعل هذا المصدر خبرًا، وإما أن تجعله مبتدأً، والأمر واضح.
الموضع الخامس: أن تقع في موضع التعليل، أن تقع (إنَّ) في موضع التعليل، فيجوز فيها الوجهان، لماذا؟ لأن التعليل قد يكون بالمفرد، تعليل الشيء إذا عللته قد يكون بالمفرد، قمت إجلالًا، إجلالًا هذا مفعول لأجله، إذًا وقع التعليل بالمفرد. وقد يقع التعليل بالجملة، وهذا كثير جدًا في خواتيم الآيات. «إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ» [الطور:٢٨]، «إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» [القصص:١٦] لأنه الغفور الرحيم، لأنه البر الرحيم، وحينئذٍ نقول هنا: التعليل وقع بالجملة.
[ ٣٨ / ١٢ ]
«إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ» [الطور:٢٨] (إِنَّه) قرأ نافع والكسائي بالفتح: أنه غفور رحيم، أنه هو البر الرحيم، على تقدير لام العلة: لكونه برًا رحيمًا، «إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ» [الطور:٢٨] قرأ نافع والكسائي بالفتح على تقدير لام العلة: لأنه هو البر الرحيم، فنقدر المصدر ماذا؟ لكونه برًا رحيمًا، والباقون بالكسر: إنه هو البر الرحيم على أنه تعليل مستأنف، ومثله: «وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» [التوبة:١٠٣] ولذلك عند الأصوليين قاعدة: أن (إنَّ) بعد الأمر والنهي والخبر للتعليل، من مسالك العلة: (إنَّ) بعد الخبر والنهي والأمر تفيد التعليل. «وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» [التوبة:١٠٣] وَصَلِّ: هذا أمر، لأن صلاتك، فهذه الجملة جملة تعليل.
السادس: أن تقع بعد واو مسبوقة بمفرد صالح للعطف عليه، أن تقع بعد واو وهذه الواو مسبوقة بمفرد يصلح أن يعطف عليه، مثاله قوله: «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى» [طه:١١٨] * «وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى» [طه:١١٩] وَأَنَّكَ: سبقت بواو يجوز عطفها على المفرد السابق، فيجوز فيها الوجهان، قرأ نافع وأبو بكر بالكسر إما على الاستئناف، أو بالعطف على جملة (إنَّ) الأولى بالكسر، والباقون بالفتح على: «أَلَّا تَجُوعَ» (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر ألا تجوع، و(لا) هذه لا تفصل بين (أن) وتجوع، يعني: لا تمنع من سبك المصدر بما بعده، أَلَّا تَجُوعَ، يعني: جوعك، فحينئذٍ نقول: هذه (لا) لا تمنع سبك (أن) مع ما بعدها، فهو في قوة المصدر، فكأنك عطفت على هذا المفرد.
السابعة: أن تقع بعد (حتى)، وحتى لها اعتبارات، بعد حتى، ويختص الكسر بالابتدائية، إذا جاءت (حتى) للابتدائية حينئذٍ تعين الكسر بعدها، نحو: مرض زيد حتى إنهم لا يرجونه، حتى: هذه ابتدائية، والفتح بالجارة والعاطفة: عرفت أمورك حتى أنك فاضل، حتى أنك بالعطف، إذا قدرنا (حتى) عاطفة فحينئذٍ يفتح ما بعدها وجوبًا، وإذا قدرناها جارة فتح ما بعدها؛ لأنها لا تدخل إلا على المفرد، (حتى) من خواص الاسم، يعني مثل باء الجر وحينئذٍ تجر ما بعدها، ولا يكون ما بعدها جملة، بل لا بد أن يكون مفردًا.
ثامنًا: أن تقع بعد (أما)، نحو: أما إنك فاضل، فالكسر على أنها حرف استفتاح مثل (ألا)، والفتح على أنها بمعنى: أحقًا، أما، بمعنى: أحقًا.
التاسع: أن تقع بعد (لا جرم)، «لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ» [النحل:٢٣] وهذا الغالب فيها الفتح، وجرم هذه عند سيبويه فعل ماض، و(أن) وصلتها فاعل، و(لا) صلة. جرم: فعل ماض، و(لا) صلة يعني زائدة، مثل: لا أقسم، (لا) هنا زائدة جيء بها للتأكيد، ومثلها: لا جرم.
وعند الفراء أن (لا جرم) بمنزلة: لا رجل، ومن مقدرة من بيان الجنس، ومعناها: لا بد ومن مقدرة بعدهما، والكسر تنزيلًا لها منزلة اليمين: لا جرم ليأتيني زيد، أو لأن يأتيني زيد، لا جرم ليأتيني زيد وحينئذٍ قدرت بكونها قسمًا.
[ ٣٨ / ١٣ ]
إذًا: في هذه المواضع التسع نقول: يجوز فيها الوجهان -في (أن) -؛ إما الفتح وإما الكسر.
ثم قال رحمه الله تعالى:
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ لاَمُ ابْتِدَاءِ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ
هذا شروع في أحكام لام الابتداء، لام الابتداء هذه مما لها صدارة الكلام، يعني تقع في أول الكلام، هذا الأصل، ثم هي من المؤكدات عند البيانيين، يعني يؤتى بها لتأكيد الكلام مثل (إن وأن)، قلنا: (إن وأن) للتأكيد لتقوية النسبة، كذلك اللام لام الابتداء تأتي لتقوية النسبة، تأتي للتأكيد، وحينئذٍ لها حق الصدارة ولها كذلك معنى التأكيد بمعنى (إنَّ)، وإذا كان كذلك امتنع أن يدخل حرف على حرف بمعنىً واحد، إذا كان لها حق الصدارة فحينئذٍ الأصل أن يؤتى بها في أول الكلام: لئن زيدًا قائم، هذا أصل التركيب، اللام لام الابتداء لأن لها الصدارة وهي تؤكد الجملة، و(إنَّ) لها الصدارة وهي مؤكدة للجملة، لكن لا يجتمع حرفان بمعنىً واحد، فزحلقت هذه اللام إلى الخبر، ولذلك سميت اللام المزحلقة، لماذا زحلقت؟ لئلا يجتمع حرفان بمعنىً واحد في موضع واحد وهو أول الجملة، هذا ممتنع عندهم.
(إنَّ) من خصائصها: أن تلحقها لام الابتداء، ولكن لما لحقتها أولًا حينئذٍ دخلت على ما بعدها، وما بعدها قد يكون خبرًا، وقد يكون اسمًا، وقد يكون معمول الخبر، وقد يكون فصلًا، فهذه أربعة مواضع تكون محلًا للام.
شرع في الخبر وهو الأصل.
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ لامُ ابْتِدَاءٍ
وَتَصْحَبُ لامُ ابْتِدَاءٍ الْخَبَرْ -هذا التركيب- بَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ يعني لا بعد غيرها، فقدم ما حقه التأخير لإفادة القسم الإضافي.
وَبَعْدَ: نقول: هذا متعلق بـ: تَصْحَبُ، قُدِّم لإفادة الحصر، أي: لا بعد ذات الفتح، ذات الفتح هذه لا تقع في أول الكلام كما هو الشأن في (لكن)، لا بد أن تكون مسبوقة بكلام، وحينئذٍ (إنَّ) وقعت مؤكدة، و(أَّن) قلنا: وقعت مؤكدة، والفرق بينهما: أن (إنَّ) تقع في أول الجملة -أول الكلام- بخلاف (أن)؛ لأنها مفرد والمفرد لا يبتدأُ به.
إذًا: لا بعد ذات الفتح ولا غيرها من أخوات المكسورة ونحو هن، فالحصر إضافي، فلا ينافي أنها تصحب المبتدأ. لزيد قائم، يعني: ليست خاصة بباب (إنَّ) فقط، لا.
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ: إذًا لا بعد ذات الكسر، نعم (أن) لا تصحبها، فحينئذٍ نقول: والمبتدأ -لزيد قائم-؟ لا علاقة له بباب (إنَّ) نقول: هذه تصحبها، زيد لقائم؛ الجمهور على أنه ممتنع ليس بفصيح، لكن جوزه البعض، دخلت لام الابتداء على الخبر جائز أو لا؟ جائز عند من جوزه، ليست من باب (إن وأخواتها).
إذًا قوله: وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ: هو فيه نوع حصر لكنه إضافي باعتبار ما يذكر في هذا الباب، لا باعتبار ما لا يذكر في هذا الباب، فالمبتدأ وخبره حينئذٍ له أحكام خاصة، فتدخل اللام هناك مؤكدة على المبتدئ، لزيد قائم، زيد: مبتدأ، وقائم: خبر. علمت لزيد عالم، ظننت لزيد قائم؛ دخلت لام الابتداء كما سيأتي في باب (ظن) وليس من باب (إنَّ).
[ ٣٨ / ١٤ ]
إذًا: وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ: لا بعد غيرها، والمراد: لا بعد غيرها مما يذكر في هذا الباب وهو (أن وأخواتها)، وأما الخبر والمبتدأ وظن ونحوها هذه لا علاقة لها بهذا الباب.
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ
ذَاتِ: هذه مؤنث ذُو بمعنى: صاحبة، صاحبة الكسر دون غيرها من أخواتها، فإن دخلت على غير (إنَّ) حكمنا بزيادتها، أي: مع كونها مفيدة للتأكيد فالمنسلخ عنها كونها لام الابتداء فقط؛ لأننا إذا قلنا بأنها زائدة إما أن نقول: الزيادة شاذة، وإما أن نقول: الزيادة معتبرة، إن قلنا شاذة لا قياس عليه، إن قلنا معتبرة حينئذٍ الأصل أنه لا يزاد شيء إلا لفائدة، وحينئذٍ لام الابتداء هل دخلت للمعنى الذي وضع لها في لسان العرب أو لا؟ نقول: لا. هنا إذا استعملت زائدة نقول: خرج وانسلخ عنها المعنى الأصلي وهو معنى الابتداء، لا كونها تفيد التأكيد؛ لأن كل حرف زائد دخل على جملة أفاد التأكيد وإن لم يفد المعنى الذي وضع له في لسان العرب.
إذًا: وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ؛ وهي إن المكسورة دون غيرها من أخواتها، فإن دخلت على غير (إنَّ) حكمنا بكونها زائدة كما سيأتي لَعَمِيدُ وغيرها.
ومعنى كونها زائدة؛ أنها تفيد التأكيد -إذا لم نحكم عليها بالشذوذ- تفيد التأكيد لكن لا كونها لام الابتداء، فليست هي لام الابتداء، فانسلخ عنها معنى كونها لام الابتداء ولم ينسلخ عنها التأكيد الذي يكون ملازمًا للحرف الزائد.
تَصْحَبُ الْخَبَرَ لامُ ابْتِدَاءٍ
الْخَبَرَ: هذا مفعول به، ولامُ ابْتِدَاءٍ: هذا مضاف ومضاف إليه وهو فاعل.
تصحب لام ابتداء الخبر جوازًا لا وجوبًا، يعني لا يجب وإنما هو جائز.
نَحْوُ: إنِّي لَوَزَرْ
لَوَزَرْ: يعني ملجأ يلجأ إليه ويستعان به.
إنِّي لَوَزَرْ: إني، إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها في محل نصب، واللام هذه لام الابتداء.
وَزَرْ: هذا خبر (إنَّ) مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره.
إذًا: دخلت اللام هنا على خبر (إنَّ) المكسورة، أصل التركيب: لَإِنَّ، استثقل وجود حرفين بمعنىً واحد، فزحلقت اللام من (إنَّ) إلى الخبر، زحلقت اللام من (إنَّ) إلى خبره، وحينئذٍ نقول: الأصل في هذه اللام أن تكون في أول الكلام، لماذا؟ لأن لها الصدر، يعني مثل: (إنَّ) ومثل (من) الشرطية والاستفهامية، و(ما) التعجبية، و(كم) نقول: مثلها لام الابتداء، لها أحقية الصدارة في الكلام، فحقها أن تدخل على (إنَّ) نحو: لئن زيدًا قائم، هذا الأصل.
[ ٣٨ / ١٥ ]
ولم يُدَّعَى أن الأصل: إن لزيدًا قائم، لماذا قالوا: الأصل دخلت على حرف؟ نقول: هي تؤكد المبتدأ في الأصل أو في الحال، وإذا أردنا أن نُقعِّد هذه نقول: الأصل: إن لزيدًا قائم، قالوا: هذا هو الأصل، لكن لم يذكروا هذا الأصل، وإنما قالوا: لئن زيدًا قائم. لماذا عدلوا عن هذا؟ قالوا: لئلا يفصل بين (إنَّ) ومعموليها معًا بما له صدر الكلام، لئلا يفصل بين (إنَّ) ومعموليها مما له صدر الكلام، حينئذٍ ادعوا أن الأصل: لَإِنَّ، ولم يقولوا الأصل: إن لزيدًا، لماذا؟ لأن (إنَّ) الأصل فيها ضعف عملها، فحينئذٍ لو دخلت لام الابتداء بعد (إنَّ) مباشرة حينئذٍ هي أجنبية عن معمولي (إنَّ)، فالأصل فيها أنها تبطل عملها، لكن لم يدَّعُوا هذا من أجل سلامة التركيب، فأدخلوا اللام على الحرف وهو (إنَّ).
فحينئذٍ صار الأصل: لَإِنَّ زيدًا قائم، لكن لما كانت اللام للتأكيد و(إنَّ) للتأكيد كرهوا الجمع بين حرفين بمعنىً واحد، فأخروا اللام إلى الخبر، وهذه اللام تسمى المزحلقة، فزحلقوا اللام إلى الخبر، ولم يزحلقوا (إنَّ) لأنها عامل، والعامل يبقى في محله، وحق العامل التقدم، فلم يزحلق (إنَّ) وإنما زحلقوا اللام؛ لأنها لا تعمل.
وهذه اللام لا تدخل على باقي أخوات (إنَّ)، فلا تقول: لعل زيدًا لقائم، هذا ممتنع لعدم السماع، وأجاز الكوفيون دخولها في خبر (لَكِنَّ) لكنه شاذ، هذا إن صح الاستدلال ببيتهم:
يَلُومُونَني في حُبِّ لَيلى عَوَاذِلي ولكنَّنِي مِن حُبِّها لَعَمِيدُ
لَعَمِيدُ: هذا خبر، ودخلت اللام في خبر (لَكِنَّ)، لكنه شاذ، هذا إن سُلِّم بأن البيت معروف، وإلا قيل بأنه مركب.
وخُرِّج على أن اللام زائدة، لكنه شاذ، لا نقول: اللام زائدة، لأنا لو قلنا اللام زائدة فحسب حينئذٍ قد يسوغ الزيادة مع جعل اللام زائدة، بل الصواب أنه شاذ ولا يقاس عليه.
كما شذ زيادتها في خبر (أمسى) فَقَالَ مَنْ سَأَلُوا أَمْسَى لَمَجْهُودَا، أَمْسَى لَمَجْهُودَا نقول: هذا شاذ.
كذلك: كما زيدت في خبر المبتدئ شذوذًا:
(أُمُّ الْحَليْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَ بَهْ ) الأصل في دخول اللام على المبتدئ نفسه؛ لزيد قائم، والجمهور على منعها من دخولها على خبر المبتدئ، زيد لقائم؛ قالوا: هذا شاذ، وجوزه البعض وأجاز المبرد دخولها في خبر (أَنَّ) المفتوحة، قرئ شاذًا: (إِلاَّ أَنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ) بفتح (أَنَّ)، ويتخرج أيضًا على زيادة اللام.
إذًا: كلما زيدت اللام في غير خبر (إنَّ) فهو شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، هذا إن سلم بالأصل.
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ
أطلق المصنف هنا الخبر، فهل كل خبر لـ (إنَّ) يصلح أن يكون مدخولًا للام؟ الجواب: لا، بل لا بد من استيفاء ثلاثة أشرط -ثلاثة أشرط أو ثلاثة شروط يجوز الوجهان-: كونه مؤخرًا، ومثبتًا، وغير ماضٍ، وسينص الناظم على بعضها.
كونه مؤخرًا، بمعنى: أنه لا يتقدم.
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلاَّ فِي الَّذِي كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي
يعني: إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا تقدم، حينئذٍ لا يجوز. وإذا تأخر حينئذٍ جاز، بشرط كونه مؤخرًا.
ومثبتًا لا منفيًا، وغير ماض بشرطه، وسيأتي.
[ ٣٨ / ١٦ ]
«إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ» [إبراهيم:٣٩] دخلت على ..؟ ما نوع "سَمِيعُ الدُّعَاءِ"؟
«إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ» دخلت اللام هنا على سَمِيعُ وهو خبر (إنَّ).
«وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ» [النمل:٧٤] دخلت على الفعل المضارع. «وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ».
«وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» [القلم:٤] على الجار والمجرور، متوسط أو متأخر؟ «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» متأخر.
«وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ» [الحجر:٢٣] على الجملة الاسمية.
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ لاَمُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ
وَلاَ يَلِي ذِي اللاَّمَ مَا قَدْ نُفِيَا وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا
وَقَدْ يَلِيهَا مَعَ قَدْ كَإِنَّ ذَا لَقَدْ سَمَا عَلَى الْعِدَا مُسْتَحْوِذَا
هذا بيان للشروط التي ذكرناها.
وَلاَ: نافية.
يَلِي: هذا فعل مضارع.
ذِي الَّلامَ: ذِي اسم إشارة مفعول به. الَّلامَ المعهودة وهي لام الابتداء.
مَا قَدْ نُفِيَا: مَا اسم موصول بمعنى الذي، فاعل يَلِي، (وَلاَ يَلِي مَا قَدْ نُفِيَا ذِي الَّلامَ).
لاَ يَلِي: لا يتبع المنفي ذي اللام. إذًا: اللام إذا دخلت على الخبر يشترط في الخبر ألا يكون منفيًا.
وَلاَ يَلِي ذِي الَّلامَ: اللام هذا ما إعرابه؟ بدل أو عطف بيان.
مَا قَدْ نُفِيَا: مَا: فاعل يلي.
قَدْ: هذه للتحقيق.
ونُفِيَا: الألف للإطلاق، نُفِيَ، ما الذي نفي؟ الضمير يرجع إلى أي شيء؟ أين الخبر؟
نُفِيَ، الذي قد نُفِي، (ما) يصدق على ماذا؟
على خبر، فحينئذٍ تقول: يرجع إلى (ما)، فالضمير هنا مرجعه (ما)، الاسم الموصول الذي هو فاعل.
وقَدْ نُفِيَا: الجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والألف هذه للإطلاق.
إذًا: الضمير المستتر هنا مرجعه (ما) لأننا نقول: يشترط في جملة الصلة أن تشتمل على ضمير لائق، يعود على الموصول نفسه. إذًا: نُفِيَ؛ الضمير يعود على (ما) نفسها، طبِّق القواعد السابقة.
وَلاَ يَلِي ذِي الَّلامَ مَا قَدْ نُفِيَا: يعني: لا يليها فعل منفي- ليس فعلًا فحسب-، إذا كان خبر (إنَّ) منفيًا لم تدخل عليه اللام، لماذا؟ لأن اللام لتأكيد الإثبات، والنفي عدم، إذًا: يتنافى الإثبات مع العدم، المنفي عدم، واللام للتأكيد وهما متنافيان، فلا تقول: إن زيدًا لما يقوم، إن زيدًا ما يقوم؛ هذا صحيح أو لا؟ صحيح التركيب: إن زيدًا ما يقوم، إن زيدًا لما يقوم، نقول: هذا لا يصح.
َوأَعْلَمُ إنَّ تَسْليِمًا وَتَرْكًا لَلا مُتَشَابِهَانِ وَلا سَوَاءُ
لَلا: دخلت اللام على لا، وحينئذٍ نقول: هذا شاذ، يحفظ ولا يقاس عليه، أدخل اللام في الخبر المنفي بـ (لا) وهو شاذ.
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا
وَلاَ: وَلاَ يليها أيضًا مَا كَرَضِيَا من الأفعال، ولا: يليها، يعني يلي ذي اللام ما كرضي من الأفعال، مِنَ الأَفْعَالِ هذا حال، حال من ما، في قوله: مَا كَرَضِيَا، يعني: الذي أشبه رضي. ورضي هذا لو نظرت إليه فإذا به ماضي متصرف غير مقترن بقد، والأحكام عند المصنف تؤخذ من الأمثلة.
[ ٣٨ / ١٧ ]
مَا كَرَضِيَا: الذي كرضي -أشبه رضي-، لا يلي اللام، فلا تقل: إن زيدًا لقام، إن زيدًا لرضي، لا يقال هذا، لماذا؟ لأن الناظم قال:
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا
فما كان من جنس رضي -صيغته ونوعه- لا يجوز أن يلي اللام؛ لأنه فعل ماضي، وإن كان متصرفًا إلا أنه غير مسبوق بـ (قد).
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا: وهو ماضٍ متصرف غير مقترن بـ (قد)، فلا يقال: إن زيدًا لرضي، «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى» [آل عمران:٣٣] اصْطَفَى مثل رضي.
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا: يعني ولا يليها أيضًا.
مَا: اسم موصول بمعنى الذي.
كَرَضِيَا: الألف للإطلاق.
مِنَ الأَفْعَالِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ما التي تلتها.
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا: أشار به إلى أنه إذا كان الخبر ماضيًا متصرفًا غير مقرون بـ (قد) لم تدخل عليه اللام، فلا تقل: إن زيدًا لرضي، وأجاز الكسائي وهشام ذلك، لكن على إضمار قد، أجازوا هذا على إضمار (قد) "لَقَدْ رَضِيَ"، كأنهم جعلوا المحذوف كالملفوظ به، وحينئذٍ: إذا لم يكن كرضيا؛ كم يدخل تحته من الأنواع؟ الاسم المفرد: إن زيدًا لقائم، لأن قائم ليس كرضيا.
الفعل المضارع: (إن الله ليعلم)، كما سبق.
الجملة الاسمية: «وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي» [الحجر:٢٣].
الظرف والجار والمجرور.
الماضي الجامد الذي ليس كرضي، إن زيدًا لنعم الرجل، وإن زيدًا لعسى أن يقوم، وإن زيدًا لبئس ما صنع، نقول: هذه كلها داخلة في قوله: ما كرضي، وَلاَ يَلِي ذِي وَلاَ مِنَ الأَفْعَالِ مثل الذي رضيا، ما عداه يجوز، فإن كان الفعل مضارعًا دخلت اللام عليه، ولا فرق بين المتصرف وغير المتصرف، وإنما ذكر رضي وهو متصرف هذا في الفعل الماضي احترازًا من الجامد فيجوز على الصحيح، وأما الفعل المضارع فسواء كان متصرفًا أم لا، (إن الله ليعلم)، (إن زيدًا ليذر الشر): هذا غير متصرف، ما سمع إن يذر، ليس له ماضٍ، هذا إذا لم تقترن به السين أو سوف، فإن اقترنت به: إن زيدًا سوف يقوم أو سيقوم ففي الجواز خلاف، وصحح ابن عقيل جوازه إذا كان سوف، وأما السين فقليل.
وإن كان ماضيًا غير متصرف؛ كنعم وبئس، فظاهر كلام الناظم هنا: كَرَضِيَا؛ أنه يجوز أن تدخل عليه لام الابتداء: إن زيدًا لنعم الرجل، وإن عمروًا لبئس الرجل، لماذا؟ لأن الفعل الجامد كالاسم، الفعل الجامد مثل الاسم، الأصل في الاسم أنه جامد ومثله الفعل الجامد، وهذا مذهب الأخفش والفراء، والمنقول أن سيبويه لا يجيز ذلك.
إذًا: لا يلي اللام فعل مثل رضي، هذا الشرط الكم؟ وَلاَ يَلِي ذِي الَّلامَ مَا قَدْ نُفِيَا
أولًا: ألا يكون منفيًا، بأن يكون الخبر مثبتًا.
ثانيًا: ألا يكون ماضيًا متصرفًا غير مقترن بـ (قد)، يدخل تحت هذا خمسة أنواع: المفرد، والجملة الفعلية -الفعل المضارع-، نعم وبئس -الجامد، الجملة الاسمية. إذًا: يستثنى هذا النوع فحسب.
وَلاَ يَلِي ذِي اللاَّمَ مَا قَدْ نُفِيَا وَلاَ مِنَ الأَفْعَالَ مَا كَرَضِيَا
ثم قال:
وَقَدْ يَلِيَهَا
قد يليها ما هو؟ رضي. قلنا: رضي الأصل أنه لا يلي.
وَلاَ مِنَ الأَفْعَالَ مَا كَرَضِيَا: لا يليها.
ثم قال: وَقَدْ يَلِيَهَا. إذًا: استثناء.
[ ٣٨ / ١٨ ]
وَقَدْ يَلِيَهَا: قد هنا للتقليل.
يَلِيَهَا: فيه ضميران: ضمير مستتر، وضمير بارز. الضمير المستتر يعود على ماذا؟ على رضي، والضمير البارز يعود على لام الابتداء، الضمير البارز يعود على لام الابتداء، والضمير المستتر يعود على رضي، كأنه قال: وقد يلي رضي لام الابتداء مع قد، مع (قد) قصد لفظه، و(مع) هذا: حال من فاعل يلي.
كَإنّ ذَا لَقَد سمَا عَلَى الْعِدَا مُسْتَحْوِذَا
كَإنّ: يعني: كقولك، الكاف داخلة على مقول محذوف.
إنّ ذَا: اسم إشارة.
لَقَد سمَا: اللام هذه لام الابتداء، هي لام التأكيد دخلت على سما، بشرط: أن يسبق بـ (قد)، وحينئذٍ لما كان سما في أصله كرضيا حينئذٍ لا يصح أن يقال: كإن ذا لَسَمَا، لَسَمَا لا يصح، لكن لما سبق بـ (قد) حينئذٍ جاز دخول اللام على (قد) لا عليه هو، لماذا؟ قالوا: لأن (قد) تقرب الماضي من الحال، لأن دخول اللام على الفعل المضارع جائز، والأصل في الفعل المضارع أنه يدل على الحال، بل هو معناه -زمنه الحقيقي، والاستقبال نقول: هذا مجاز، هذا الصحيح، وإن كان الجمهور على أنه حقيقة في الحال والاستقبال، لكن نقول: عندهم أنه لا يتعين الاستقبال إلا بقرينة؛ السين وسوف ولن ولام الابتداء ونحو ذلك. وما احتاج إلى قرينة فرع عما لا يحتاج إلى قرينة، وهذا شأن المجاز، وحينئذٍ نقول: الفعل المضارع حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال، وهذا هو الصحيح وإن كان خلاف الجمهور، والسيوطي في جمع الجوامع رجح هذا القول.
إذًا: (قد) تقرب الماضي من الحال فأشبه حينئذٍ المضارع، لما دخلت (قد) على الماضي المتصرف كأنها قربته إلى الفعل المضارع والفعل المضارع يجوز أن يكون مدخولًا للام الابتداء، ولذلك: قام زيد وقد قام زيد، هل هما بمعنىً واحد؟ قام زيد، قد قام زيد؛ ليس بمعنىً واحد، قام زيد هذا قبل سنة، سنتين، عشر، يحتمل، فهو مطلق الزمن الماضي. لكن: قد قام زيد يعني في الزمن الماضي القريب، ما تقول: قبل سنة قد نجحت، لا، قد نجحت يعني قريب طلعت النتيجة، وأما: نجحت، يعني في الزمن الماضي البعيد، وإذا أدخلت عليه (قد) حينئذٍ الزمن الماضي القريب، فرق بين الجملتين؛ لأن (قد) تقرب الزمن الماضي، لأن الزمن الماضي نوعان: زمن ماضي بعيد، وهذا نسبي، وزمن ماضي قريب. إذا أردت الزمن البعيد لا تأتِ بقد، وإذا أردت الزمن الماضي القريب ائت بـ (قد)، فرق، حرف واحد، المعنى يختلف. ونحن لا نفرق بين (قد) وغيرها.
وَقَدْ يَلِيهَا مَعَ قَدْ كَإِنَّ ذَا لَقَدْ سَمَا عَلَى الْعِدَا
الْعِدَا: يعني الأعداء.
سمَا: يعني: علا.
عَلَى الْعِدَا: هذا جار ومجرور متعلق بسما.
مُسْتَحْوِذًَا: هذا حال من فاعل سما، سما هو يعود على (ذا) كأنه زيد مثلًا.
مُسْتَحْوِذًَا: أي غالب، هذا تتمة للمثال. إذًا: يشترط في خبر (إنَّ) الذي تدخل عليه اللام: ألا يكون فعلًا ماضيًا متصرفًا، ويجوز في هذا النوع -يستثنى منه- ما سبقته (قد)، ما دخلت عليه (قد)، ما اقترن بـ (قد). إن اقترن بـ (قد) حينئذٍ جاز أن تدخل عليه اللام. إن زيدًا لرضي: ممنوع، إن زيدًا لقد رضي: جائز. ما الفرق بينهما؟ دخول (قد) على الثاني دون الأول.
[ ٣٨ / ١٩ ]
قال ابن عقيل: وإذا كان ماضيًا غير متصرف فظاهر كلام المصنف جواز دخول اللام عليه، فتقول: إن زيدًا لنعم الرجل، وإن عمْرًا لبئس الرجل، هذا ذكرناه. فإن قرن الماضي المتصرف بـ (قد) جاز دخول اللام عليه، وهذا المراد بقوله: وَقَدْ يَلِيَهَا مَعَ قَدْ نحو: إن زيدًا لقد قام.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ وَالْفَصْلَ وَاسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
هذه ثلاث مواضع كذلك تدخل عليها اللام بعد (إنَّ) المكسورة، كل المواقع هذه بعد (إنَّ).
وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ: تدخل اللام -لام الابتداء،- والذي تدخل عليه أربعة أشياء، كل الكلام مقيد بـ (إنَّ) المكسورة، دخولها على غير (إنَّ) المكسورة شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. يرد السؤال: تدخل على أي شيء، لأن (إنَّ) المكسورة يليها اسمها ويليها خبرها، ويليها معمول الخبر، ويليها ضمير الفصل، ما الذي تدخل عليه وما الذي لا تدخل عليه؟ تدخل على الخبر خبر (إنَّ) بشرطه السابق.
ثم قال:
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ
إذًا: الموضع الثاني الذي تدخل عليه لام الابتداء هو معمول الخبر، والخبر -كما سبق- قد يكون له معمول، يعني: إما جار ومجرور متعلق به، وإما حال، وإما مفعول مطلق .. إلى آخره، وحينئذٍ لا بد من التفصيل: ليس كل معمول خبر يجوز دخول اللام عليه، لا بد من شروط.
وَتَصْحَبُ: هذه اللام أيضًا، الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ.
الْوَاسِطَ: هذا مفعول به، ومَعْمُولَ الْخَبَرْ: بدل، يعني المتوسط من ماذا؟ معمول الخبر، احترازًا من المتأخر فلا تدخل عليه.
الْوَاسِطَ: يعني بين اسم (إنَّ) وخبرها، أي: المتوسط، من وسط الشيء كوعد، أي: توسطه.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ
مفهومه: أنها لا تصحب المعمول المتأخر؛ لأنه قال: المتوسط معمول الخبر، احترازًا من معمول الخبر غير المتوسط، مثل: إن زيدًا ضارب لعمْرًا، هذا ممتنع. إن زيدًا ضارب هذا خبر (إنَّ)، عمْرًا: هذا مفعول به لضارب، دخلت عليه اللام نقول: هذا شاذ، إذا سمع نقول: هذا شاذ، لا يصح، لماذا؟ لأن شرط دخول اللام -لام الابتداء- على معمول الخبر: أن يتوسط، يتوسط بين ماذا وماذا؟ هذا على الخلاف السابق، إذا قلنا بجواز تقدم معمول الخبر إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا على اسم (إنَّ) حينئذٍ جاز دخوله إذا تقدم على اسم (إنَّ)، وإذا قلنا بالمنع حينئذٍ صار التوسط بين الاسم والخبر، والصحيح المنع أنه لا يتقدم إلا إذا كان الخبر ظرفًا أو جار ومجرورًا.
وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلاَّ فِي الَّذِي كَلَيْتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ الْبَذِي
[ ٣٨ / ٢٠ ]
حينئذٍ؛ إذا كان الخبر جارًا ومجرورًا أو ظرفًا جاز تقدمه على اسم (إنَّ)، وأما معمول الخبر مطلقًا سواء كان ظرفًا أو جار ومجرور لا يتقدم على اسم (إنَّ) لأنَّ -قاعدة معتبرة-: وهي أنَّ المعمول إذا تقدم يؤذن بتقدم عامله وإلا الأصل أنه لا يجوز، وحينئذٍ إذا تقدم معمول الخبر وهو ظرف نقول: الأصل فيه أنه يجوِّز تقدم الخبر، وهذا ممتنع؛ لأن الخبر لا يجوز تقدمه، فإذا لم يجز تقدمه كذلك معمولاته كلها بلا تفصيل، لا يجوز أن تتقدم على اسم (إنَّ)، وحينئذٍ: إن زيدًا ضارب عمرًا، لعمْرًا نقول: لا يجوز، لكن لو قال: إن زيدًا عمْرًا ضارب؛ حينئذٍ توسط معمول الخبر بين اسم (إنَّ) وخبرها، فجاز دخول اللام عليه.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ
تدخل لام الابتداء على معمول الخبر إذا توسط بين اسم (إنَّ) والخبر، بهذا القيد: بين اسم (إنَّ) والخبر، نحو: إن زيدًا لطعامك آكل، هذا المثال ما أدري ما الذي أعجبهم فيه، النحاة كلهم، الأشموني .. على هذا: إن زيدًا لطعامك آكل، طعامك ما إعرابه؟ هذا معمول آكل؛ لأنه اسم فاعل فينصب، مثل: ضارب عمْرًا، وحينئذٍ توسط بين الاسم والخبر فجاز أن يقترن به اللام.
وينبغي أن يكون الخبر حينئذٍ مما يصح دخول اللام عليه، يعني: ليس مطلقًا، بل لا بد من شروط معتبرة في معمول الخبر.
الأول: أن يكون هذا المعمول متوسطًا، وقد نص الناظم على هذا، أن يكون متوسطًا بين الاسم والخبر.
الثاني: ما أشار إليه بقوله: مَعْمُولَ الْخَبَرْ، فـ (أل) هنا للعهد، أي: الخبر الذي يجوز أن تدخل عليه اللام. لو قال: إن زيدًا عمْرًا ضرب، هل يصح أن نقول: إن زيدًا لعمْرًا ضرب؟ إن زيدًا لعمْرًا ضرب يصح أو لا يصح؟ هنا توسط معمول الخبر بين الاسم والخبر ودخلت عليه اللام، نقول: لا يجوز، لأن الخبر ضرب مثل رضي، لا يجوز، فحينئذٍ: إن زيدًا لعمْرًا ضرب نقول: هذا يمتنع، لأن شرط دخول اللام على معمول الخبر: أن يكون العامل –الخبر- مما يصلح دخول اللام عليه، فإن امتنع كأن يكون منفيًا أو يكون ماضيًا متصرفًا غير مقرون بـ (قد) حينئذٍ لو توسط معمول الخبر لا يجوز دخول اللام عليه، هذا الشرط الثاني أشار إليه بقوله: مَعْمُولَ الْخَبَرْ.
فـ (أل) للعهد، أي: الخبر الذي سبق أنه يصح اقترانه باللام، وأما ما لا يصح فلا.
إذًا: الشرط الثاني: أن يكون الخبر مما يصح دخول اللام عليه، وهذا يستفاد مما ذكرناه.
الثالث: ألا تكون اللام قد دخلت على الخبر، يعني: لام واحدة تدخل إما على الخبر وإما على معموله، إن دخلت على الخبر امتنع دخولها على معمول الخبر، فحينئذٍ: إن زيدًا لعمْرًا لقد ضرب؛ ممتنع، لماذا؟ لا يجوز دخولها على معمول الخبر، لأنها دخلت على الخبر. إذًا: لا يؤكَّد بلامين في موضع واحد، فإذا دخلت على الخبر امتنع دخولها على معمول الخبر.
الرابع: ألا يكون المعمول حالًا ولا تمييزًا، فلا يصح أن تقول: إن زيدًا لراكبًا حاضر، حاضر راكبًا، الحال تقدمت على معمول الخبر وهي معمول الخبر، ولا يجوز دخول اللام عليها، ولا يجوز على خلاف.
[ ٣٨ / ٢١ ]
ولا يقال: إن زيدًا لعرقًا يتصبب، يتصبب عرقًا، تقدَّم توسَّط معمول الخبر وهو تمييز لا يجوز دخول اللام عليه، وقد نص الشارح على الحال، ونص غيره على التمييز. وزاد أبو حيان: ألا يكون المعمول مفعولًا مطلقًا ولا مفعولًا لأجله. فعنده لا يجوز: إن زيدًا لركوب الأمير راكب، ولا: إن زيدًا لتأديبًا ضاربًا ابنه، نقول: هذه كلها ممتنع.
إذًا: الحال والتمييز والمفعول المطلق والمفعول لأجله هذا لا تدخل عليه لام الابتداء.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ: إذًا بشرطه السابق: أن يكون متوسطًا، أن يكون الخبر مما يصلح دخول اللام عليه، ألا تدخل على الخبر، ألا يكون المعمول حالًا ولا تمييزًا ولا مفعولًا لأجله ولا مفعولًا مطلقًا. وهذه كلها محل خلاف.
وَالْفَصْلَ: الفصل المراد به ضمير الفصل، وهذا تدخل عليه اللام: «إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ» [آل عمران:٦٢] «إِنَّ هَذَا» هَذَا: اسم إن، هُوَ: ضمير فصل، الْقَصَصُ: هذا الخبر، دخلت اللام على هُوَ.
«إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ» [آل عمران:٦٢] هذا بعد (إنَّ) فحسب، والكلام فيما يلي (إنَّ) لا مطلقًا، ضمير الفصل قيل: هو حرف لا محل له من الإعراب، الجمهور على هذا وهو الصحيح: أنه حرف لا محل له من الإعراب. وقيل: بل هو اسم لا محل له من الإعراب كأسماء الأفعال، وقيل: هو اسم ومحله على حسب ما قبله، وقيل: على حسب ما بعده، قولان، حينئذٍ: إن زيدًا هو قائم، هو إذا قلنا: لا محل له من الإعراب إما أن يكون حرفًا أو اسمًا، لا إشكال فيه. على القول الثالث بأن محله ما قبله يكون في محل نصب: إن زيدًا هو قائم، هو في محل نصب لماذا؟ تبعًا لما قبله، وعلى القول الرابع أنه باعتبار ما بعده يكون في محل رفع: كان زيد قائمًا، العكس؛ زيد هو قائم، بالاعتبارين يكون في محل رفع، لكن الصحيح أنه حرف لا محل من الإعراب، وعليه أكثر النحاة، فحينئذٍ لم سمي ضمير والضمائر هذه أسماء؟ قالوا: مجاز؛ لأنه على صورة الضمير الاسمي وحينئذٍ صار مجازًا علاقته المشابهة في الصورة، وسمي ضمير فصل؛ لفصله بين الخبر والصفة، في نحو: زيد هو القائم، لو قلت: زيد القائم يحتمل هذا أن القائم خبر، ويحتمل أنه نعت، فلما قلت: زيد هو القائم تعين أن يكون خبرًا لا نعتًا؛ لأن النعت لا يُفصل بينه وبين منعوته، زيد هو القائم، ويسمى عمادًا عند الكوفيين لاعتماد المتكلم عليه في رفع الاشتباه بين الخبر والصفة، أراد المتكلم أن يفصل بين الخبر والصفة وجاء بهذا الضمير -في الصورة-، وإنما يكون على صيغة ضمير الرفع مطابقًا لما قبله غيبة وحضورًا وغيرهما، يعني: بصورة الرفع، وضمائر الرفع: أنت، هو، نحن، أنا، يعني: لا يخرج عن هذه الصور الثلاث، ويكون باعتبار ما قبله. إنا لنحن، إنا نحن قائمون، نقول: قائمون هذا خبر (إنَّ)، و(نحن) هذا ضمير فصل لا محل له من الإعراب. لماذا جاء (نحن) ولم يأت بـ (هو)؟ مطابقة لما قبله. كذلك: زيد هو القائم نقول: (هو) جاء بصورة المفرد مطابقة لما قبله.
بين مبتدئٍ وخبر في الحال أو في الأصل، زيد هو القائم: هذا في الحال، أو في الأصل مثل الذي معنا: إن زيدًا لهو القائم.
[ ٣٨ / ٢٢ ]
معرفتين أو ثانيهما كالمعرفة في عدم قبول (أل) كـ: أفعل من، هذه كلها شروط لاعتبار ضمير فصل ضمير فصل.
أولًا: أن يكون بصورة المرفوع، ويكون مطابقًا لما قبله، وأن يقع بين مبتد، وخبر في الحال أو باعتبار الأصل، يعني: قبل دخول الناسخ، كذلك: أن يقع بين معرفتين أو ثانيهما كالمعرفة في عدم قبول (أل)، وهو أفعل التفضيل إذا جاءت بعدها (من) كـ: أفعل من.
وإنما جاز دخول لام الابتداء على ضمير الفصل؛ لأنه مقوٍّ للخبر، هو فيه تقوية لا شك، لذلك يعد من المؤكدات هنا.
لرفعه توهم السامع كون الخبر تابعًا، فنزل منزلة الجزء الأول من الخبر، أي: إذا كان الخبر جملة اسمية.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ وَالْفَصْلَ
يعني: تصحب الفصل، أشار به إلى أن لام الابتداء تدخل على ضمير الفصل، إن زيدًا لهو القائم، «إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ» [آل عمران:٦٢] فـ (هذا) اسم إن، و(هو): ضمير فصل لا محل له من الإعراب، ودخلت عليه اللام والْقَصَصُ خبر (إنَّ)، وسمي فصلًا لما ذكرناه.
إذًا: يشترط في ضمير الفصل الشروط السابقة حتى يعتبر أنه ضمير فصل، ليس الباب في بحث (إن وأخواتها) بل هو مطلق. زيد هو القائم، نقول: هذا ضمير فصل، لا بد أن يكون بصيغة المرفوع، وأن يكون مطابقًا لما قبله، وأن يكون بين مبتدئٍ وخبر، وأن يكون بين معرفتين أو الثاني منهما في قوة المعرفة، بعدم قبوله لـ (أل).
«كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ» [المائدة:١١٧]، «وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ» [الصافات:١٦٥] هذه أمثلة لما ذكرناه.
وَاسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
هذا الموضع الرابع مما تدخل عليه لام الابتداء.
وَاسْمًا: يعني وتصحب اسمًا، هذه كلها معطوفات على السابق:
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ وَالْفَصْلَ وَاسْمًا
يعني: تصحب اسمًا اسم (إنَّ).
حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ: بمعنى أن الاسم المتأخر تدخل عليه اللام؛ لأنها لو دخلت عليه اللام وهو متقدم لاجتمع عندنا مؤكدان، إن لزيدًا -الذي هو الأصل-، ولكن لم يعرجوا عليه لئلا يدخل ما له صدارة بين (إنَّ) ومعموليها، وهذا الأصل فيها أنه يبطل إعمالها، وحينئذٍ إذا تقدم الخبر وتأخر الاسم جاز أن تدخل اللام على الاسم، مثل: إن قائم لزيدًا.
لا يصح، لماذا؟
؟؟؟
إذًا: ليس مطلقًا، بل الخبر إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا. «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً» [النازعات:٢٦] لَعِبْرَةً نقول: الجار والمجرور هنا توسط، فهو خبر مقدم، وتأخر الاسم.
وَاسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
حَلَّ: هذا فعل ماض بمعنى: نزل.
الْخَبَرْ: هذا فاعل حل.
قَبْلَهُ: هذا منصوب بـ حل. حل الخبر قبله، حل: بمعنى نزل، وجاء في مرتبة قبل الاسم، وهذا إنما يتصور فيما إذا كان الخبر ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، وما عداه فلا؛ لأنه ممتنع: وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ.
[ ٣٨ / ٢٣ ]
حينئذٍ: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً» [النازعات:٢٦] إذا دخلت اللام على الاسم -اسم (إنَّ) - وكان متأخرًا والخبر ظرفًا أو جارًا ومجرورًا هذا النوع نقول: مما يجب فيه توسط ..؟ قلنا: الجار والمجرور باعتبار التقدم ثلاثة أحوال: ما يجوز فيه الوجهان، ما يجب التأخر، ما يجب التوسط. مما يجب فيه التوسط يعني: تقدم الخبر على الاسم: أن يكون الاسم قد حل به لام الابتداء؛ لأنك إذا قلت: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً» [النازعات:٢٦] عِبْرَةً هذا واجب التأخير؛ لأنه إذا قدمته: (إن لعبرة) في الكلام العادي، إن لعبرة في ذلك تلا (إنَّ) لام الابتداء وهو ممتنع.
إذًا: إذا دخلت اللام -لام الابتداء- على اسم (إنَّ) وهو متأخر نقول: هذا الموضع مما يجب فيه تقدم الخبر على اسم (إنَّ).
وَاسْمًا: يعني وتصحب اسمًا حَلَّ -اسم (إنَّ) يعني-.
حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ: الخبر هذا فاعل حل.
وقَبْلَهُ: نقول: هذا معمول حَلَّ، نحو: إن عندك لزيدًا، «وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا» [القلم:٣] لَكَ: جار ومجرور متقدم خبر. ما حكم التقدم هنا؟ واجب التقدم. ولَأَجْرًا؟ هذا واجب التأخير، كلاهما متلازمان، واجب التأخير، لا يجوز أن يتقدم الاسم هنا فهو واجب التأخير، وإذا وجب التأخير حينئذٍ لزم منه تقدم الخبر.
وَاسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
قوله: معمول الخبر، قبله الخبر؛ هذا يسمى إيطاءً عندهم، وهو أن يكون اللفظ مطابقًا لما قبله بمعنىً واحد، هذا ممتنع، هذا عيب عندهم، حينئذٍ كيف نوجهه؟ الصبان يقول: ثَمَّ نسخة: وَاسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ خَبَرْ، وعليه فلا إيطاء، -إن صحت النسخة هذه-.
وأما معمول الخبر قبله الخبر؛ اللفظ واحد والمسمى واحد، هذا عيب عندهم عند العرضيين يسمى إيطاءًا، يعني: تواطأ آخر البيت مع آخر الشطر الأول. لو كان اللفظ واحدًا والمعنى مختلف لا إيطاء، يندفع، وإذا كان الأول معرَّف والثاني نكرة أيضًا اندفع، لكن كلاهما معرَّف هذا فيه نوع إشكال، قد يكون خبر قبله خبر، فصح الوزن، قبله خبر، لكن على المذكور الله أعلم.
وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُولَ الْخَبَرْ وَالْفَصْلَ وَاسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ
هذه مواضع أربعة تدخل عليها اللام بعد (إنَّ) المكسورة: معمول الخبر بشروطه السابقة، الخبر أولًا .. ثم معمول الخبر، ثم الفصل، ثم اسم (إنَّ).
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين !!!
[ ٣٨ / ٢٤ ]