عناصر الدرس
* حكم عمل هذ هـ الأحرف عند إتصالها بـ (ما) ـ
* العطف على منصوب هذه الأحرف
* حكم هذه الأحرف بعد التخفيف وما يتبع ذلك م المسائل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وَوَصْلُ مَا بِذِي الحُرُوفِ مُبْطِلُ إِعْمَالَهَا وَقَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ
هذا شروع في مسألة وهي: ما إذا اتصلت (مَا) الزائدة بهذه الحروف، سبق أن هذه الحروف الستة تدخل على المبتدئ أو الجملة الاسمية فتنصب المبتدأ على أنه اسم لها، وترفع الخبر على أنه خبر لها، حينئذٍ لاختصاصها بالجملة الاسمية أعملت فيها، وإذا دخلت عليها (مَا) الزائدة حينئذٍ تكفها عن العمل، وسبب كفها عن العمل أنها تهيئها للدخول على الجملة الفعلية إذا اتصلت بها (إنَّ): إنما يقوم زيد، إن زيدًا قائم -هذا الأصل-، حينئذٍ إذا دخلت عليها (ما) الزائدة كفتها عن العمل وهيئتها للدخول على الجملة الفعلية، فإذا دخلت على الجملة الفعلية حينئذٍ زال اختصاصها بالجملة الاسمية، فإذا زال اختصاصها حينئذٍ بطل عملها؛ لأنها إنما أعملت لاختصاصها بالجملة الاسمية، فإذا زال اختصاصها ودخلت على الجملة الاسمية حينئذٍ ما وجه الشبه بينها وبين ما اختص بالاسم!
قال الناظم: وَوَصْلُ مَا: يعني: اتصال (مَا)، وَصْلُ هذا مبتدأ وهو مضاف، و(ما) الزائدة قصد لفظه في محل جر مضاف إليه.
وَوَصْلُ مَا بِذِي الحُرُوفِ: بِذِي هذا جار ومجرور متعلق بقوله وَصْلُ، وهو اسم إشارة للمفرد المؤنث، والحُرُوفِ هذا نعت أو بدل أو عطف بيان، ومُبْطِلُ هذا خبر.
إعْمَالَهَا: مفعول به لمبطل؛ لأنه اسم فاعل، واعتمد هنا فحينئذٍ نصب المفعول به.
[ ٣٩ / ١ ]
وَوَصْلُ (مَا) الزائدة، وهذه تسمى (مَا) الكافة، أو (مَا) المهيئة، فلها ثلاثة أسماء، كافة ومهيئة وزائدة؛ زائدة: لأنها ليست موصولية وليست مصدرية وليست موصوفة، وإنما هي زائدة بمعنى: دخولها وخروجها سواء، إلا أنها كفت (إِنَّ) وأخواتها عن العمل، ومهيئة: لكونها هيئت هذه الأحرف للدخول على الجملة الفعلية: «قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ» [الأنبياء:١٠٨]، إذًا: دخلت على الجملة الفعلية ودخلت على الجملة الاسمية، فحينئذٍ صارت لفظًا مشتركًا، -حرفًا مشتركًا- بين الفعل والاسم، والحرف المشترك الأصل فيه أنه لا يعمل، حينئذٍ رجعت إلى أصلها؛ وهي عدم العمل: «قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ» يُوحَى هذا فعل، ودخلت عليه (إنما)، (ما) هذه زائدة: «كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ» [الأنفال:٦]، يُسَاقُونَ (كَأَنَّمَا) (كأن) دخلت عليها (مَا) الزائدة وهيئتها للدخول على الجملة الفعلية فبطل عملها، بخلاف: (وَلَكِنمَّا يُقْضَى فَسَوْف يَكُونُ )، بمعنى أن (مَا) الموصولة إذا دخلت على إن وأخواتها لا تخرجها عن العمل؛ لماذا؟ لأنه صار اسمًا لها، لَكِنمَّا يُقْضَى، (لكنما) في ظاهره أن (لكن) دخلت على الجملة الفعلية وليس الأمر كذلك، لماذا؟ لأن ما هذه موصولية، فهو اسم (لكن)، ويُقْضَى الجملة في محل رفع خبر لكن، حينئذٍ يحترز بكون (ما) الداخلة على (إن) وأخواتها بأنها الزائدة، يحترز بها عن الموصولية، فلا تخرجها عن أصلها من نصب المبتدئ ورفع الخبر، وكذلك الموصوفة والمصدرية، الموصوفة والمصدرية ليست بداخلة معنا: إن ما عندك حسن، يعني: إن الذي عندك حسن، هل خرجت عن أصلها؟ لا، لأن الذي يصلح أن يكون اسمًا لـ (إن)، إن ما عندك حسن، يعني: إن الذي عندك حسن، وإن ما فعلت حسن، وإن فعلك حسن، وتكتب مفصولة من (إن) بخلاف (ما) الزائدة، يعني: (ما) الزائدة تتصل بـ (إنما) تكتب كلمة واحدة، وأما (ما) الموصولية والموصوفة والمصدرية لا، يجب فصلها بالكتابة في الرسم لا تتصل بها، وهذا إذا كان الإنسان يكتب، حينئذٍ إذا كانت (ما) مصدرية فصلها، كتب: (إن) لوحدها، ثم فصلها وكتب (ما)، كذلك في (ما) الموصولية، (إنَّ ما) حينئذٍ نكتب (إن) لوحدها و(ما) لوحدها، و(أما) الزائدة لا؛ لأنها امتزجت بالكلمة فصارت كأنها جزء منها، فتكب معها.
[ ٣٩ / ٢ ]
وَوَصْلُ مَا بِذِي الحُرُوفِ مُبْطِلٌ إعْمَالَهَا: إِعْمَالَهَا أبطلت عملها، لأنها تزيل اختصاصها بالأسماء، وتهيئها للدخول على الفعل، فوجب إهمالها لذلك، ويستثنى من ذلك ليت، فإنها لا تبطل اختصاصها بالأسماء، بل هي هي، كما هي باقية على أصلها، وإن جاز فيها الإهمال والإعمال، ليت يستثنى من هذه الأحرف لا تكفها (ما) عن الدخول على الجملة الاسمية، بل يبقى الحال باختصاصها بالجملة الاسمية، ووجوب الإهمال هو مذهب سيبويه والجمهور، يعني: إذا دخلت (ما) الكافة هذه على (إن) وجب الإهمال، فلا يجوز النصب: إنما زيد قائم، هذا واجب، مذهب سيبويه والجمهور على هذا، ولا يجوز إنما زيدًا قائم، لماذا؟ لأنها إنما أعملت لاختصاصها بالجملة الاسمية، فلما دخلت عليها (ما) الزائدة زال اختصاصها فبطلت العلة التي من أجلها أعملت، فحينئذٍ بطل عملها، ولا يجوز إعمالها، هذا هو ما عليه جماهير النحاة؛ أن هذه الحروف إذا دخلت عليها (ما) الزائدة كفتها عن العمل، ووجب إهمالها، فلا يجوز إعمالها، إلا ليت فيجوز فيها الوجهان، وذهب بعض النحاة وهم قلة ومنهم الناظم -ابن مالك ﵀- أن العمل باقٍ، لكنه قليل، فيجوز حينئذٍ: إنما زيدًا قائمٌ، أنما زيدًا قائمٌ، لكنما زيدًا قائم، جائز عند المصنف رحمه الله تعالى، لماذا؟ لأنه سمع في ليت الإهمال والإعمال، وحكى بعضهم إنما زيدًا قائمٌ حكى بعضهم أنه سمع: إنما زيدًا قائمٌ، وهذا إعمال لها، حينئذٍ قاسوا على ليت بقية أخواتها بجامع أن كلًا منها أحرف تدخل على المبتدئ فتنصبه والخبر فترفعه، وكذلك مادام أنه سمع: إنما زيدًا قائمٌ، حينئذٍ فليكن ذلك مطردًا في بقية الأحرف، ولذلك قال: وَقَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ.
مُبْطِلٌ إعْمَالَهَا: إذًا هذا هو الأصل، وهذا هو الكثير المطرد في لسان العرب، أن (ما) الزائدة إذا دخلت على هذه الأحرف أبطلت عملها، وهذا هو الوارد في لسان العرب، ولكن في قلة قَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ كما هو، ولذلك قال: (وَقَدْ) قَدْ هنا للتقليل.
يُبَقَّى العَمَلُ: حكى الكسائي والأخفش إنما زيدًا قائمٌ، إذًا: نطقت العرب بنصب معمول (إن) بعد دخول (ما) الزائدة، حينئذٍ دل على أنهم قد أعملوها كأصلها، يعني: كما لو لم تدخل عليها (ما) الزائدة، لكن الصواب أن ما حكاه الأخفش والكسائي هذا يعتبر شاذًا، يعني: يحفظ ولا يقاس عليه.
[ ٣٩ / ٣ ]
وَقَدْ يُبَقَّى: قَدْ هنا للتقليل بالنسبة لغير ليت، -قليل بالنسبة لغير ليت-؛ لأنه جمع، قال: بِذِي الحُرُوفِ: دخلت فيها: (إن، وأنَّ وليت)، ومعلوم أن (إنّ وأنّ ولكنَّ ولعلَّ)، هذه إذا دخلت عليها (ما) الجماهير على أنها تمنع من الإعمال، بقي ليت، وهذا يكاد أن يكون إجماعًا أن ليت هذه تبقى بعد دخول (ما) على اختصاصها بالجملة الإسمية، وإذا بقي اختصاصها حينئذٍ بقيت العلة التي هي سبب في إعمالها، حينئذٍ تعمل وتهمل، وذلك: وَقَدْ يُبَقَّى العَمَلُ: هل المراد ليت، أو ما عداها؟ استعمل اللفظ في مشترك، في معنييه، حينئذٍ قد، نقول: هذه للتقليل بالنسبة لغير ليت، والتحقيق بالنسبة لليت؛ لأن إعمالها كثير ليس بقليل، بل أوجبه بعضهم ولم يجز الإهمال البتة لوجود الاختصاص وهو علة العمل، ففيه استعمال المشترك في معنييه.
وَقَدْ يُبَقَّى العَمَلُ: يعني: يبقى العمل كما هو على أصله، استصحابا للأصل، وتجعل حينئذٍ -إذا بقيت العمل- تُجعل (ما) ملغاة، يعني: في الأصل إذا أبطلت عملها صارت (ما) كافة –كفت-، وإذا أعملت حينئذٍ (ما) ملغاة، ليس لها وظيفة ليس لها عمل، وإنما عملها شيء معنوي هذا هو الأصل الذي دخلت من أجله، إنما زيد، (ما) هنا لها عمل، لها تأثير، وهو شيء معنوي كونها منعت (إن) من النصب، حينئذٍ قد لا تعتبر هذا المعنى فتجعلها ملغاة، فوجودها وعدمها سواء، فتقول: إنما زيدًا بالنصب، و(ما) هذه ما دورها؟ لا شيء ملغية، وإذا كانت ملغية حينئذٍ تسلط العامل الذي هو (إنّ) على اسمها، فبقي على الأصل.
وتُجعل (ما)؛ وذلك مسموع في ليت، لبقاء اختصاصها: أَلاَ لَيَتَماَ هذَا اَلْحَمامَ لَنَا، (ليتما)، دخلت (ما) الكافة على (ليت)، أَلاَ لَيَتَماَ هذَا، هذا ما يظهر عليه الإعراب، اسم ليت وهو مبني هل هو في محل نصب، هل هو في محل رفع؟ محتمل لهذا وذاك، الحمامَ، الحمامُ روايتان، فالحمامَ هذا بدل أو عطف بيان، حينئذٍ البدل له حكم المبدل منه إعرابًا، فلما نصب الحمامَ علمنا أن هذا (ذا) اسم ليت في محل نصب، وروي: الحمامُ بالرفع، إذًا: ذا مبتدأ وليس اسمًا لـ: ليت، ليتما هذا، هذا (ذا) نقول: هذا مبتدأ في محل رفع، لماذا؟ لأن ليت دخلت عليها ما فكفتها عن العمل صارت مهملة، الدليل على هذا أن (الحمامَ) رفع بالضم، فدل على أن ما قبله مبتدأ؛ لأن النعت يأخذ حكم المنعوت وكذلك البدل.
إذًا: لَيَتَماَ هذَا اَلْحَمامَ، هذَا اَلْحَمامُ دل على أن هذا له حالان -اعتباران- اعتبرت (ما) أنها كافة حينئذٍ أبطلت عمل ليت، (ما) صارت ملغية لا وجود لها لا تأثير لها أعملت ليت.
[ ٣٩ / ٤ ]
وأما البواقي فذهب الزجاج وابن السراج إلى جوازه فيها قياسًا، فتبعهم الناظم رحمه الله تعالى، ووافقهم الناظم هنا، ومذهب سيبويه المنع لزوال الاختصاص بخلاف ليت، فإنها باقية على اختصاصها بالأسماء، وهذا هو الأولى الذي ينبغي ترجيحه: أن هذه يستثنى منها ليت فحسب إذا دخلت عليها (ما)، وأما ما عداها فحينئذٍ نقول: اللغة الدارجة والمطردة في لسان العرب أنها تلغى، حينئذٍ (ما) تعتبر كافة، وما ورد في لسان العرب من بعضها حينئذٍ نقول: هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، إنما زيدًا قائمٌ -ما حكاه الأخفش والكسائي- نقول: شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، وأما القياس على (ليتما) قياس فاسد، لماذا؟ لأنه باتفاق أن هذه الأحرف إنما أعملت لاختصاصها بالجملة الاسمية، حينئذٍ فرق بين المقيس والمقيس عليه، ليتما بعد دخول ما بقيت على أصلها، فالعلة المقتضية للعمل موجودة، ولذلك قوله: من أوجب الإعمال، حتى مع (ما) له وجه؛ لبقاء الاختصاص، وأما (إنما وكأنما ولعلما)، حينئذٍ نقول: هذه زال اختصاها بالجملة الاسمية، حينئذٍ العلة المقتضية للعمل هذه منتفية غير موجودة، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، حينئذٍ إذا وجدت العلة وجد الحكم، وإذا ارتفعت العلة ارتفع الحكم.
وَوَصْلُ مَا بِذِي الحُرُوفِ مُبْطِلُ إِعْمَالَهَا وَقَدْ يُبَقَّى العَمَلُ
وهذا قلنا: قول فيه نوع مرجوحية.
قال: إذا اتصلت ما غير الموصولة بـ (إنّ) وأخواتها كفتها عن العمل إلا ليت، فإنه يجوز فيها الإعمال والإهمال، فتقول: إنما زيد قائم، ولا يجوز نصب زيد، وكذلك (أن وكأن ولكن ولعل) وتقول: ليتما زيدٌ قائمٌ، وإن شئت نصبت زيدًا، وقلت: ليتما زيدًا قائمٌ، وظاهر كلام المصنف: أن (ما) إن اتصلت بهذه الأحرف كفتها عن العمل، وقد تعمل قليلًا -كلها يعني-، وهذا قول مرجوح، وهذا مذهب جماعة من النحويين كالزجاج وابن السراج، وحكى الأخفش والكسائى: إنما زيدًا قائم، والصحيح المذهب الأول، أنها لا تعمل البتة، وهو مذهب سيبويه وجمهور النحاة.
وهو أنه لا يعمل منها مع ما إلا ليت، وأما ما حكاه الأخفش والكسائي فشاذ، واحترزنا بغير الموصولة من الموصولة، فإنها لا تكفها عن العمل، بل تعمل معها، والمراد من الموصولة التي بمعنى الذي، والتي هي مقدرة بالمصدر: إن ما فعلت حسن، يعني: المصدرية والموصولة التي بمعنى الذي، وكذلك الموصوفة، حينئذٍ نقول: هذه لا تكف إن عن العمل، إن ما عندك حسن، لو جعلتها موصوفة، يعني: إن شيئًا عندك حسن، هذه لا تكف ما.
إذًا: (ما) الموصوفة و(ما) الموصولة و(ما) المصدرية لا تكف إن وأخواتها عن العمل.
ثم قال:
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًَا عَلَى مَنْصُوبِ إِنَّ بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلاَ
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ، جَائِزٌ هذا خبر مقدم، ورَفْعُكَ مبتدأ مؤخر، ويجوز العكس على مذهب الكوفيين؛ لأنه كقوله: وَقَدْ يَجُوزُ نَحْوُ فَائِزٌ أُولُو الرَّشَدْ، هذا مثل هؤلاء، فائز أولو الرشد، يعني: وصف لم يعتمد على نفي أو استفهام، عند البصريين لا يجو أن يكون مبتدأً، وعند الكوفيين جائز.
[ ٣٩ / ٥ ]
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ: على مذهب الكوفيين: جَائِزٌ مبتدأ ورَفْعُكَ فاعل سد مسد الخبر، وجوزه ابن مالك على قلة، والصحيح أن: جَائِزٌ يكون خبرًا مقدمًا، ورَفْعُكَ مبتدأً مؤخرًا، وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا، مَعْطُوفًا ما إعرابها؟
مفعول به للرفع: «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ» [البقرة:٢٥١]، هذا من القبيل نفسه، «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ» رَفْعُكَ مَعْطُوفًا، مصدر أضيف إلى الفاعل، وهو الكاف، رفعك أنت معطوفًا، مَعْطُوفًا هذا مفعول به لـ: رَفْعُ عَلَى مَنْصُوبِ، مَعْطُوفًا عَلَى مَنْصُوبِ: جار ومجرور متعلق بمعطوف.
مَنْصُوبِ إنَّ: مَنْصُوبِ مضاف وإِنَّ قصد لفظه مضاف إليه.
بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا: بعد هذا متعلق برفع، رفعك مَعْطُوفًا بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا، يعني: بعد استكمال (إنَّ) خبرها، فـ: بَعْدَ مضاف وأَنْ تَسْتَكْمِلاَ مضاف إليه في محل الجر، حينئذٍ بعد استكمالها، يعني: هذه الجملة خبرها، هنا المراد بهذه المسألة إذا جاء اسم معطوف على اسم (إن) فهذا إما أن يكون سابقًا على الخبر وإما أن يكون لاحقًا بالخبر، فهما صورتان، إن زيدًا قائم وعمروٌ، هذه التي عناها الناظم هناز
بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا، جاء اسم بعد واو عطف بعد خبر (إنّ) واسم (إنّ)، إنّ زيدًا قائمٌ وعمروٌ، وعمروٌ ما إعرابه؟ يجوز فيه النصب معطوفًا على اسم (إن) وهذا لا إشكال فيه واضح: إن زيدًا قائمٌ وعمروًا، زيدًا اسم إنّ قائم خبرها، الواو حرف عطف، عمروًا معطوف على المنصوب وهو اسم إن والمعطوف على المنصوب منصوب، لا إشكال.
بقي الإشكال فيما لو رفع، وعمروٌ، وعمروٌ حينئذٍ له أحد وجهين، إما أن يكون
[ ٣٩ / ٦ ]
مبتدأً لخبرٍ محذوف -وعمروٌ كذلك-، يعني: وعمروٌ قائم، ويحتمل -على ظاهر كلام المصنف- أنه معطوف على محل اسم (إنّ)، وما هو محل اسم (إنّ)؟ هو المراعاة قبل دخول (إنّ)؛ لأن الأصل: زيدٌ قائم، فهو مرفوع، دخلت (إنّ)، حينئذٍ كأنها أعملت في اللفظ وبقي المحل على ما هو، فلما عطف عليه بالرفع علمنا أن المعطوف عليه له صلة بالرفع، ولا يتصور في منصوب (إنّ) أن يكون له رفع إلا من جهة كونه مبتدأً؛ لأنه قبل دخول (إنّ) هو مبتدأ، فحينئذٍ يكون زيدًا له عملان –محلان-، وتسلط عليه عاملان، الابتداء؛ لأننا إذا قلنا: زيدًا في المحل مرفوع، مرفوع بأي شيء بـ (إنّ)؟ (إنّ) ما ترفع الاسم، حينئذٍ يكون مرفوعًا بالابتداء الذي كان قبل دخول (إنّ)، إذًا: هذا عامل، واللفظ المنصوف نصب بماذا؟ بـ (إنّ)، حينئذٍ عاملان على معمول واحد، لكن من جهتين، والمعمول هذا له جهتان: رفع ونصب، وهذا قول باطل، لأن بالإجماع أن (إنّ) وأخواتها تعتبر من النواسخ، وليس للنسخ معنىً إلا إزالة الحكم الذي كان قبل دخول الناسخ، فحينئذٍ الرفع بعد دخول (إنّ) غير موجود، رائحة الرفع غير موجودة أصالة، لزوال العامل الذي هو الابتداء بوجود (إنّ) وهو عامل لفظي، فزيدًا في اللفظ والمعنى والمحل إن صح التعبير منصوب بـ (إنّ)، وليس للابتداء وجود، وليس للمبتدئ وجود لوجود (إنّ) واسمها، فحينئذٍ إذا أبطلنا هذا الاحتمال أن يكون مرفوعًا تعين الثاني -الوجه الثاني- وهو أن يكون عمروٌ بالرفع على أنه مبتدأ حذف خبره، لكن يبقى الإشكال في توجيه قول ابن مالك رحمه الله تعالى؛ لأن هذا القول ضعيف جدًا؛ أن يكون لاسم (إنّ) محل، وهو الرفع.
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًا عَلَى مَنْصُوبِ إنَّ: وهو اسمها، وظاهر أنه ليس العطف؛ لأنه قال: وَجَائِزٌ رَفْعُكَ، عَلَى مَنْصُوبِ إنَّ لا يمكن أن يكون العطف هنا على اللفظ بل هو على المحل، وليس ثم محل إلا من جهتين، ما ذكرناه سابقًا، وقد زاد بعضهم: (إنّ) واسمها في محل رفع مبتدأ، وهذا أبعد أيضًا، لأن الابتداء إنما يرفع مبتدأً فقط لا يرفع شيئًا آخر، و(إنّ) وزيدًا ليست بكلمة واحدة حتى يتسلط عليها الابتداء، فهذا قول ضعيف وأبعد من الأول، فتعين الثاني وهو أن يكون عمروٌ مبتدأ حذف خبره، وعمروٌ كذلك أو وعمروٌ قائم.
وَجَائِزٌ: بالإجماع، رَفْعُكَ: جَائِزٌ رَفْعُكَ هذا يشعر بأن الأصل معتبر أو لا؟ إذا قيل لك: يجوز لك فعل ذلك، حينئذٍ ما يقابل الجواز يعتبر أصلًا، بل ويعتبر أرجح، إذا قيل: يجوز لك كذا، حينئذٍ نقول: ما يقابل الجواز يكون أصلًا، وإذا كان أصلًا حينئذٍ مراعاة الأصول هو الأرجح، فحينئذٍ جَائِزٌ رَفْعُكَ مع النصب والنصب أرجح؛ لأنه موافق للأصل، فأشعر قوله: وَجَائِزٌ –جائز-؛ إنما أبيح لك ذلك مع كونه ليس هو الأصل في الاسم، حينئذٍ نقول: هذا يدل على مرجوحية الرفع وكون النصب هو الراجح.
إذًا: يشعر قوله جائز أن النصب هو الأصل والراجح.
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًَا عَلَى مَنْصُوبِ إِنَّ بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلاَ
[ ٣٩ / ٧ ]
وهنا بين لك أن الرفع يكون بشرطين: أولًا: منصوب (إنّ)، لا لعل ولا لكن، ويزاد عليها كما سيأتي: وَأُلْحِقَتْ بِإِنَّ لَكِنَّ وَأَنْ، وأما ليت ولعل وكأن فلا، حينئذٍ الشرط الأول في جواز الرفع: أن يكون المعطوف على منصوب (إنّ)، وألحقت بها (لكن وأن) ثلاثة ألفاظ.
ثم قال: بَعْدَ أنْ تَسْتَكْمِلا، الألف للإطلاق، ماذا تستكمل؟ (إن) تستكمل خبرها، فتتم الجملة: إن زيدًا قائمٌ، نحو: إن زيدًا آكل طعامك وعمروٌ، هذا فيه توجيه آخر فيه سعة، وليس معطوفًا على محل الاسم، قال الصبان: وليس معطوفًا على محل الاسم؛ لأن الرافع هنا الابتداء وقد زال بدخول الناسخ، كما ذكرناه، بل إما مبتدأ خبره محذوف والجملة ابتدائية، عَطْفٌ على محل ما قبلها من الابتداء إن كان جملة، أو مفرد معطوف على الضمير في الخبر إن كان فاصل كما في المثال: إن زيدًا آكلٌ طعامك وعمروٌ، هنا جاء الخبر اسم فاعل، ومعلوم أن الخبر إذا جاء اسم فاعل، حينئذٍ يرفع .. -ليس الخبر عموم اسم الفاعل-؛ يرفع ضميرًا مستترًا، وحينئذٍ الضمير المستتر في العطف عليه راجح ومرجوح، راجح إذا فصل بين المعطوف والمعطوف عليه وهو الضمير بفاصل، هذا سيأتينا هناك في باب التأكيد، ومرجوح إذا عطف عليه دون فاصل، إذا قيل: إن زيدًا آكل طعامك، وعمروٌ، وعمروٌ هذا قلنا: مبتدأ لخبر محذوف، له وجه آخر، وهو أن يكون معطوفًا على الضمير المستتر في آكل؛ لأن آكل هذا يرفع ضميرًا مستترًا، وهنا قد وجد الشرط أو ما يرجح هذا الإعراب، وهو الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لكونه ضميرًا مستترًا: إن زيدًا آكلٌ طعامك وعمروُ، لو قيل: إن زيدًا قائمٌ وعمروٌ، عمروٌ هذا لا يصح أن يعطف على الضمير المستتر، وجوزه بعضهم لكن على ضعف، فيكون ضعيفًا، والأصح أن يقال بأنه مبتدأ لخبر محذوف، ولو عطف على ضمير قائم -عند من جوزه- جاز فيه الوجهان، لكن الأصح أنه إذا عطف على ضمير مستتر لابد من فاصل بين المعطوف والمعطوف عليه، إن زيدًا قائمٌ هو وعمروٌ، لو قال: هو وعمروٌ جاز أن يعطف على الضمير المستتر، فيكون هو تأكيد للضمير المستتر كما سبق معنا.
أو مفرد معطوف على الضمير في الخبر إن كان فاصل، كما في المثال، فإن لم يكن فاصل، يعني: بين عمرو والضمير المستتر، نحو: إن زيدًا قائم وعمرو تَعَيَّنَ الوجه الأول، وهو كون عمرو مبتدأ حذف خبره.
إذًا: هذا ما يتعلق بوجود عاطف حرف، واسم معطوف بعد استكمال (إنّ) اسمها واخبرها، لو تقدم هذا الاسم قبل الخبر: إن زيدًا وعمروًا وعمروٌ قائمان، اختلف الحكم أو لا؟ اختلف؛ لأن المسألة مفروضة في تأخر الاسم المرفوع، والآن تقدم.
[ ٣٩ / ٨ ]
فإن عطف على المنصوب قبل استكمال إن خبرها تعين النصب عند الجمهور، وجب النصب: إن زيدًا وعمروًا قائمان، لا يجوز: إن زيدًا وعمروٌ قائمان لا يجوز هذا، لماذا؟ لما يلزم على الرفع من العطف قبل تمام المعطوف عليه؛ لأن الأصل: وعمروٌ، حينئذٍ نقول: وعمروٌ إن عطف على (إنّ) وخبرها، نقول: عطف على شيء قبل تمامه، فكأنه حشر بين جزئي كلمة، إن زيدًا عمروٌ قائمٌ نقول: عمروٌ كأنه حشر بين جزئي كلمة، مثل الياء من زيد، فحينئذٍ كونه يعطف على قائم: زيدٌ قائمٌ قبل استيفاء واستكمال الخبر، نقول: هذا ممنوع وسيأتي إن شاء الله في باب العطف؛ لما يلزم على الرفع من العطف قبل تمام المعطوف عليه إن جعل من عطف الجمل، ومن تقدم المعطوف على المعطوف عليه إن عطف المرفوع على الضمير في الخبر. حينئذٍ إذا قيل: إن زيدًا وعمروٌ قائمٌ بالرفع، لو قيل: بأنه معطوف على الضمير المستتر في قائم صار تقدم المعطوف على المعطوف عليه، وهذا في المفردات وسيأتي معنا أنه ممنوع أيضًا.
وأجاز الكسائي الرفع مطلقًا، إذًا: مذهب البصريين أنه يجب النصب: إن زيدًا وعمروًا قائمان –واجب النصب-، ولا يجوز فيه الرفع، وأجاز الكسائي الرفع مطلقًا، سواء قبل الاستكمال وبعده، بعد الاستكمال لا إشكال فيه، وأما قبل الاستكمال هذا محل إشكال، لماذا أجازه؟ قالوا: استدلالًا بقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» [المائدة:٦٩]، هذه الآية يقع فيها إشكالات عند النحاة: (إِنَّ) حرف توكيد ونصب، الَّذِينَ: اسمها منصوب -في محل نصب-، الَّذِينَ آمَنُوا: صلة المنصوب، وَالَّذِينَ هَادُوا: معطوف على المنصوب، وَالصَّابِئُونَ: جاء الإشكال، إذًا: قبل استكمال إن خبرها جاء اسم مرفوع -في أفصح الكلام ليس لك حجة-، فحينئذٍ جوز الكسائي الرفع قبل استكمال الخبر، وكذلك جاء: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ)، «وَمَلائِكَتَهُ» [الأحزاب:٥٦] على مذهب البصريين، وملائكتُه بالرفع، إذًا: قبل استكمال الخبر، يُصَلُّونَ خبر: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتُهُ يُصَلُّونَ) يُصَلُّونَ خبر، إذًا جاء اسم معطوف على اسم (إنّ) قبل استكمال الخبر وهو مرفوع، والبصريون يوجبون النصب، كذلك قوله: فَإنِّي وَقَيَّارٌ بَهَا لَغَريبُ، فَإنِّي وَقَيَّارٌ: معطوف على الياء، وجاء بالرفع.
[ ٣٩ / ٩ ]
إذًا: جوز الكسائي الرفع قبل استكمال الخبر، ولكن البصريين يأبون ذلك، ويقولون: لابد من التخريج إما على التقديم والتأخير، وإما على الحذف إما هذا وإما ذاك، إما ثم محذوف في الكلام، يعني: (وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) نجعلها مبتدأ خبره محذوف: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، مبتدأ وخبر والجملة معترضة: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ»، فقوله: «فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» هذا خبر (إنّ)، وجملة: وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، جملة معترضة، أو على التقديم والتأخير، أي: تقديم المعطوف وتأخير الخبر والقصد العكس، والتقدير: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا .. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، ومَنْ آمَنَ في محل رفع بالابتداء وخبره: فَلا خَوْفٌ إلى آخره، والجملة خبر (إنّ)، وخبر وَالصَّابِئُونَ المحذوف، أي: كذلك كما علم.
إذًا: إذا جعلناه على التقديم والتأخير يكون التركيب: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا .. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، كأننا جعلنا الكلام جملتين أتممنا الجملة الأولى، ثم قلنا: وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ .. انتهت الآية مبتدأ وخبر، فَلا خَوْفٌ هذه جملة، وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى كذلك، صارت جملة مستقلة، وهذا أولى، ويجوز أن يكون: مَنْ آمَنَ خبر الصَّابِئُونَ، وخبر (إنّ) محذوف لدلالة خبر الصَّابِئُونَ عليه، فالحذف على هذا من الأول لدلالة الثاني وعلى الأول من الثاني لدلالة الأول وهو الكثير والعائد على كلٍ محذوف أي: مَنْ آمَنَ منهم، يجوز أن يكون: (مَنْ آمَنَ) خبر وَالصَّابِئُونَ، يعني: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا، وقفنا، أين خبر (إنّ)؟ محذوف، وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مبتدأ، مَنْ آمَنَ خبر المبتدئ الذي هو الصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى، أغنى خبر الصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى عن خبر (إنّ)، حينئذٍ حذف من الأول لدلالة الثاني عليه -عكس الأول-، فحينئذٍ: مَنْ آمَنَ فَلا خَوْفٌ –الجملتان- إما نجعل واحدة منها خبر لـ (إنّ): (إِنَّ الَّذِينَ)، فحينئذٍ نقدر خبرًا محذوفًا للصَّابِئُونَ، وإما أن نجعل من آمن خبرًا للصَّابِئُونَ، ونقدر خبرًا لـ (إنّ)، على كلٍ لابد من التخريج عند البصريين.
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوفًَا عَلَى مَنْصُوبِ إِنَّ بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلاَ
قال الشارح: إذا أتي بعد اسم إن وخبرها بعاطف جاز في الاسم الذي بعده وجهان: أحدهما: النصب عطفًا على اسم (إنّ) نحو: إن زيدًا قائمٌ وعمرًا.
[ ٣٩ / ١٠ ]
والثاني: الرفع نحو: إن زيدًا قائمٌ وعمروٌ واختلف فيه، فالمشهور أنه معطوف على محل اسم (إنّ) فإنه في الأصل مرفوع؛ لكونه مبتدأ -هذا ضعيف-، وهذا يشعر به ظاهر كلام المصنف، يعني: ظاهر كلام الناظم أن (إنّ) لم تنسخ الابتداء، في الحقيقة لم تنسخه، وإنما هو باقٍ بدليل ماذا؟ بدليل أن اسمها في محل رفع مبتدأ، وهذا محل إشكال، وذهب قوم إلى أنه مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: وعمرو كذلك، وهو الصحيح. بل هذا المتعين، والأول لا يجوز.
فإن كان العطف قبل أن تستكمل (إنّ) أي: قبل أن تأخذ خبرها؛ تعين النصب عند جمهور النحويين، إن زيدًا وعمرًا قائمان، وإنك وزيدًا ذاهبان، وأجاز بعضهم الرفع، وهو مذهب الكسائي لما ذكرناه سابقًا.
وَأُلْحِقَتْ بِإِنَّ لكِنَّ وَأنّ منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنّ
أُلْحِقَتْ بـ (إنّ) في ماذا؟ فيما تقدم من جواز العطف بالرفع بعد استكمال خبرها، يعني: القول السابق يقال في (أنّ) -وهي فرع (إنّ) - و(لكن)، فهذه الثلاثة الأحرف، يجوز رفع المعطوف بعد استكمال أخبارها، إما على أنه معطوف على منصوب (إنّ) كما رأى الناظم هنا، وإما أنه مبتدأ وخبره محذوف، وأما إذا كان العطف قبل استكمال (إنّ وأنّ ولكن) أخبارها، حينئذٍ وجب وتعين النصب عند البصريين.
[ ٣٩ / ١١ ]
وَأُلْحِقَتْ بِإنَّ: فيما تقدم من جواز العطف بالرفع بعد الاستكمال، لكِنَّ: ألحقت لكن، لكن هذا ما إعرابه؟ نائب فاعل قصد لفظه فهو علم، ألحقت لكن بإن باتفاق النحاة، و(أنّ) بالفتح و(أنْ) بالتخفيف للوزن، (وأنّ) المفتوحة على الصحيح، لكن باتفاق ملحقة بـ (إنّ)، و(أنّ) على الصحيح ملحقة بـ (إنّ)، إذا كان موضعها موضع الجملة، ليس مطلقًا كل (أن) لا، إذا كانت تفسر بالجملة حينئذٍ صح أن يعطف بعد استكمال خبرها بالرفع على منصوبها أو على أنه مبتدأ خبره محذوف، إذا كان موضعها موضع الجملة بأن تقدمها علم أو معناه، يعني: (أنّ) قد تقع موقع الجملة متى؟ بضابط إذا تقدمها علم أو معناه، يعني: مادة العلم، وله مثال في القرآن: «وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ» [التوبة:٣] أذان، هذا في معنى العلم؛ بعني هو إعلام: «أَنَّ اللَّهَ»، (أنّ) وقعت (أنّ) هنا، «أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ» [التوبة:٣]، وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ كذلك من المشركين، وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ، أو وَرَسُولُهُ معطوف على (أنّ الله) منصوب (إنّ) «أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» [التوبة:٣] مِنَ الْمُشْرِكِينَ هذا خبر، وعطف عليه: وَرَسُولُهُ، وَرَسُولُهُ بالرفع إما أن يكون مبتدأً لخبر محذوف وَرَسُولُهُ كذلك، أو وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ، وإما أن يكون معطوفًا على محل اسم (إنّ) على ما رآه الناظم، واشترط ذلك أن تكون في موضع جملة لا مطلقًا (أنّ)؛ لأنها حينئذٍ بمنزلة المكسورة، إذا فسرت بالجملة بعد العلم أو معناه صارت في منزلة (إن) المكسورة؛ وذلك بأن وقعت في محل الجملة بحسب الأصل لسدها معموليها بعد العلم مسد مفعوليه، وهما أصلهما المبتدأ والخبر، حينئذٍ لو قيل: أعجبني أن زيدًا قائمٌ وعمروًا وعمروٌ يجوز الوجهان؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنها لم تقع في محل الجملة: أعجبني أن زيدًا قائمٌ وعمروًا بالنصب، تعين النصب، ولا نقول: يجوز فيه الرفع؛ لكونه بعد (أنّ)، لا، لأن (أنّ) مشترط فيها أن تقع محل الجملة، وهنا وقعت محل مفرد: أعجبني أن زيدًا قائمٌ، أعجبني قيام زيد فهو فاعل، إذًا: وقعت محل المفرد، وحينئذٍ لا يجوز الرفع، بل يتعين النصب: أعجبني أن زيدًا قائمٌ وعمروًا؛ لتعين النصب لأنها ليست في موضع جملة.
وَأُلْحِقَتْ بِإنَّ (لكِنَّ) قلنا: باتفاق، وَأنَّ: المفتوحة على الصحيح.
منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ: قيل هذا الشطر يستغنى عنه؛ لأنه قال:
وَأُلْحِقَتْ بِإنَّ لكِنَّ وَأنّ
إذًا: معلومه بالمفهوم أن لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ ليست ملحقة به، إذًا: ما الفائدة من قوله: (منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ)؟ فـ: لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ إذا جاء بعدها معطوف بعد أخبارها تعين النصب، ولا يجوز فيه الرفع، حيث لا يجوز في المعطوف مع هذه الثلاث إلا النصب تقدم المعطوف أو تأخر لزوال معنى الابتداء معها.
[ ٣٩ / ١٢ ]
منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ: قيل: لو استغنى عن هذا الشطر لم يخل بالمعنى، المعنى باقٍ، وأجيب: بأن مفهوم (أنّ)، و(لكن) مفهوم لقب، إذا قلنا: أُلْحِقَتْ بِإنَّ لكِنَّ وَأنَّ، بمفهوم هذين الحرفين علمنا أن لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ، لكن ما نوع المفهوم؟ هذا مفهوم لقب، ومفهوم اللقب ضعيف عند الكثير، فدفعًا لهذا الإيهام لئلا يُخرج بـ (لكن) و(أنّ) ما ذُكر صرح الناظم بذلك المفهوم، إذًا: تصريحه بقوله: (منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ) وإن كان مفهومًا من الشطر الأول، إلا أن جهة الفهم لقبية، ومفهوم اللقب هذا فيه ضعف، قد يقول قائل: لا، ما أراد الناظم هذا، حينئذٍ يحتاج أن يحترز عنه، فنص على ذلك دفعًا لهذا الوهم، وأجيب: بأن مفهوم (أنّ) ولكن مفهوم لقب وهو ضعيف، فخاف المصنف أن لا يعتبره أحد بضعفه، فنطق بذلك المفهوم.
وَأُلْحِقَتْ بِإِنَّ لكِنَّ وَأنّ منْ دُونِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنّ
إذًا: (لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ) لا يجوز معها إلا النصب، سواء تقدم المعطوف أو تأخر، ليت زيدًا وعمروًا قائمان، وليت زيدًا قائمٌ وعمروًا بالنصب واجب النصب، واجب النصب على ماذا؟ واجب النصب على أي شيء؟!
معطوف على اسم ليت، ولا يجوز فيه الرفع، علمتُ أن زيدًا قائمٌ وعمروٌ، علمتُ أن زيدًا قائمٌ وعمروٌ وعمروًا يجوز أو لا يجوز؟ جائز، لماذا؟ (أنّ) هنا في موضع الجملة؛ لأنها حلت محل مفعولي علِمَ، وعمروٌ حينئذٍ نعربه مبتدأ خبره محذوف، وعمروًا معطوف على اسم أن.
ما زيدٌ قائمًا، لكن عمروًا وخالدًا منطلقان، ما زيد قائمًا، هذا ليس فيها شاهد، لكن عمروًا وخالدًا منطلقان، هنا جاء الاسم المعطوف قبل استكمال الخبر فوجب النصب، لو تأخر: لكن عمروًا منطلقٌ وخالدٌ –بالرفع-؟ جاز الوجهان؟ لكن خالدًا منطلق وعمروًا واجب النصب؛ لأنه بعد لكن.
وَأُلْحِقَتْ بِإنَّ لكِنَّ: إذًا: يجوز فيها الوجهان، النصب والرفع، النصب عطفًا على اسم لكن، والرفع على أنه مبتدأ لخبر محذوف.
وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ وَتَلْزَمُ اللاَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَخُفِّفَتْ إنَّ: خُفِّفَتْ هذا فعل مغير الصيغة، و(إنّ) نائب فاعل، (فقل) قلًَّ فعل ماضٍ والفاء هذه عاطفة، (فَقَلَّ الْعَمَلُ) هذا فاعل، (وَخُفِّفَتْ إنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ): بشرط تخفف (إنّ)، بمعنى أنها تحذف إحدى النونين، فيقال: (إنْ)، بدل الشدة: (إنَّ) تقول: (إنْ)، إنْ زيدًا قائمٌ، إن زيدٌ لقائمٌ، حينئذٍ إذا خففت إن بحذف إحدى النونين قال: قَلَّ الْعَمَلُ. فَقَلَّ الْعَمَلُ، القليل العمل والكثير عدم العمل الإهمال.
إذًا: كونها لا تعمل بعد التخفيف أكثر من إعمالها: إنْ زيدًا قائمٌ يجوز؟
قل العمل.
قليل، يعني: ليس بشاذ هو لغة، إذا قيل: معناه ليس بنادر أو أندر، إذا قيل: نادر هذا مختلف فيه هل يقاس عليه أم لا؟ وإذا قيل: أندر، أو حكم عليه بكونه شاذ هذا محل وفاق لا يقاس عليه، وأما النادر هذا محل نزاع، والصحيح أنه ما يعتبر لغة مطردة، وإنما قد يستعان به في الشعر ونحوه.
[ ٣٩ / ١٣ ]
الحاصل: (وَخُفِّفَتْ إنَّ) إنْ زيدًا قائمٌ، (إنْ) حرف توكيد ونصب، حذفت إحدى النونين طلبًا للخفة لكثرة الاستعمال، حينئذٍ بقي عملها كما هو: زيدًا اسم (إنّ) منصوبٌ بها وقائم خبرها.
(فَقَلَّ الْعَمَلُ) معناه أنها قد لا تعمل، بل هو الكثير، فتقول: إن زيدٌ بالرفع على الأصل، كأنها لم تدخل (إنّ)، إن زيدٌ لقائمٌ، بالرفع على أنه مبتدأ وقائم خبرها، و(إنْ) هذه هل لها أثر من جهة العمل؟ ليس لها أثر، وجودها -من جهة العمل- وجودها وعدمها سواء؛ لأنها لم تنصب المبتدأ على أنه اسم لها، ولم ترفع الخبر على أنه خبرٌ لها، بل يقال: إنْ زيدٌ، زيدٌ مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، واللام هذه فارقة وقائم خبر زيد مرفوع بالمبتدأ.
وَخُفِّفَتْ إنَّ: عرفنا التخفيف هو بإسقاط إحدى النونين، فتقول: (إنّ) تخففها إنْ زيدًا فَقَلَّ الْعَمَلُ، (إنْ) المكسورة خففت لماذا؟ قالوا: لثقلها، فيكثر إهمالها، لقوله فَقَلَّ الْعَمَلُ، فيكثر إهمالها لزوال اختصاصها ويجوز إعمالها، لكنه قليل، وَخُفِّفَتْ إنَّ –المكسورة- بشرط أن لا يكون اسمها ضميرًا، أما إذا كان اسمها ضميرًا فلا يجوز بل تبقى على أصلها، وأن يكون خبرها صالحًا لدخول اللام، فإن لم يكن كذلك فلا، إن زيدًا ضربَ عمرًا، إنْ زيدٌ ضربَ عمرًا، يصح؟ لا يصح، لماذا؟ لأن ضرب هذا مثل كـ (رضي) مثل رضي، لا يجوز أن تدخل عليه اللام إلا إذا قرن بـ (قد)، حينئذٍ يشترط في (إن) التي تخفف أن يكون خبرها صالحًا لدخول اللام، فحينئذٍ: إن زيدًا ضرب لا يصح تخفيفها، وكذلك إذا كان اسمها ضميرًا، ويستثنى الخبر المنفي الذي دخلت عليه أداة النفي: وَلاَ يَلِي ذِي الَّلاَمَ مَا قَدْ نُفِيَا
إذًا: المنفي لا يلي اللام، لكن هنا يستثنى.
[ ٣٩ / ١٤ ]
وأما الخبر الذي لا يصلح أن تدخل عليه اللام إلا هذا الموضع حينئذٍ نستثني؛ لأنه وإن لم تدخل عليه اللام لا يتوهم معه أن (إنْ) نافية؛ لأنك إذا قلت مثلًا: إن زيدًا لم يقم، خففها: إنْ زيدًا لم يقم، (إنْ) هذه لا تلتبس بـ (إنْ) النافية، لماذا؟ للعمل، إذا كان العمل ظاهرًا، إنْ زيدًا، (إنْ) النافية لا تعمل، فحينئذٍ إذا نصبت بـ (إنْ) المخففة لا لبس مع (إنْ) النافية متى يقع اللبس؟ إن رفعتَ ما بعدها، إنْ زيدٌ قائمٌ هذا يحتمل: ما زيدٌ قائمٌ إن زيدٌ قائمٌ، يحتمل أن تكون (إنْ) نافية، ويحتمل أن تكون (إنْ) مخففة من الثقيلة؛ لأنه ليس عندنا شيء ظاهر يدل على نوعية (إنْ) هذه، لو نصبنا إنْ زيدًا، عرفنا أنها مخففة، إذا رفعنا (إنْ) النافية ما بعدها مرفوع، و(إنْ) المخففة من الثقيلة ما بعدها مرفوع، حينئذٍ: إن زيدٌ قائمٌ، هل هذا إثبات أم نفي؟ التبس الأمر، فحينئذٍ قالوا: إذا أهملنا (إنّ) المخففة فحينئذٍ وجب اتصال أو دخول اللام الفارقة على خبر (إنْ)، إلا إذا وجدت قرينة لفظية أو معنوية فيستغنى عنها كما سيأتي، فحينئذٍ إذا قيل بالنفي: إن زيدٌ لم يقم، هنا عندنا قرينة لفظية أن (إنْ) هذه مخففة من الثقيلة، وليست هي النافية، لماذا؟ لأن النافية إنما يؤتى بها من أجل النفي، ولو سلطت (إنْ) النافية على هذه الجملة لصار من نفي النفي فصار إثبات، وهذا ليس مرادًا، فحينئذٍ إذا وجد الخبر المنفي وقد خففت (إنّ) فصارت (إنْ) ولم تعمل لا نحتاج إلى اللام، إذًا: لم تدخل اللام على اللام كما هو الشأن هناك، الشأن هناك (للا) متشابهان قلنا: دخلت اللام على لا، فصار ثقل في اللسان، لكن هنا لم تدخل، لماذا؟ لأننا لم نحتج إليها؛ لأن القرينة اللفظية وهو وجود (لم ولن ولا) يدل على أن (إنْ) هذه مخففة من الثقيلة وليست (إنْ) النافية، ولذلك استثني من عدم صلاحية الخبر للام المنفي، قلنا: يشترط في (إنْ) إذا أردنا تخفيفها أن يكون خبرها صالحًا لدخول اللام، -قاعدة عامة-، صالحًا لدخول اللام، نستثني ماذا؟ المنفي، لماذا نستثنيه؟ لأنه لا يلتبس مع (إنْ) النافية، وإنما يعرف بصورته المحسوسة أن (إنْ) حينئذٍ مخففة من الثقيلة؛ لأنه وإن لم تدخل عليه اللام لا يتوهم معه أن (إنْ) نافية.
وَخُفِّفَتْ إنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ: العمل (أل) في العمل إما للعهد، وهو العمل المذكور، ما هو؟ نصب المبتدأ ورفع الخبر، وحينئذٍ (أل) هذه للعهد الذهني أو نجعلها نائبة عن الضمير، كما هو مذهب الكوفيين، فقل عملها، إما (أل) عهدية، وإما نائبة عن الضمير، وإما بدل من الضمير، والتقدير: فقل عملها.
[ ٣٩ / ١٥ ]
وَخُفِّفَتْ إنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ: ما علة التخفيف - (إنْ) المكسورة-؟ نقول: لثقلها (إنّ) ثلاثة أحرف، و(إنْ) حرفان، فيكثر إهمالها لزوال اختصاصها، ويجوز إعمالها، وكثر الإهمال، قالوا: لزوال الاختصاص، نحو: «وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ» [يس:٣٢]، وَإِنْ كُلٌّ، وَإِنْ كُلٌّ (لمَّا) أو (لمَا)؟ في النصب (لمَا)، «وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ»، (إنْ) مخففة من الثقيلة، كُلٌّ ما إعرابه؟ مبتدأ، مثل: إن زيدٌ قائمٌ، (إنْ) مخففة من الثقيلة، إذا كان ما بعدها منصوب منطوقًا به فهو واضح بين، حينئذٍ تجعله اسمًا لها، فهو منطوق به، هنا: «وَإِنْ كُلٌّ» بالرفع، إذًا: لن يكون اسمًا لها، فحينئذٍ هذه (إنْ) مخففة من الثقيلة وأهمل إعمالها -لم تعمل-.
وجاز إعمالها للأصل: وإن كلًا لما بالتخفيف، وإن كلًا: إذًا: أعملت (إنْ) هنا على الأصل، إعمالًا للأصل، وإنما قل هنا العمل وبطل فيما إذا كفت بـ (ما)، إذا كفت بـ (ما) بطل العمل، إنما زيدٌ قائمٌ قلنا: الصحيح أنها لا تعمل، هنا خففت فقل العمل جاز العمل، لماذا لا نقول هنا كما قال ابن مالك: وَقَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ؟ هو سوى بينهما المسألة عنده واحدة، لكن الإشكال عندنا، إذا قلنا: بأنه في السابق، وَقَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ فيه نظر باعتبار ما عدا ليت، والصواب أنه يعتبر شاذ ولا يقاس على ليت.
هنا زال الاختصاص بتخفيف إنّ (إنْ) ومع ذلك بقي العمل وإن كان قليلًا، وهذا القيل لغة فصيحة، ولذلك جاء في القرآن، ما الفرق بين المسألتين؟ نقول: وإنما قل هنا العمل وبطل فيما إذا كفت بـ (ما) مع أن العلة في الموضعين زوال الاختصاص بالأسماء؛ لأن المزيل هناك أقوى، (ما) هذا لفظ فهو قوي، أجنبي زِيدَ على اللفظ، وهو لفظ وهو قوي، كذلك زيد، يعني: هو أجنبي خارج عن الجملة، وهو بخلافه هنا فإنه نقصان بعض الكلمة، فالمانع هناك أجنبي، وهو لفظي وهو كلمة زائدة بلفظها، كلمة: (ما)، وهنا (إنْ) ليس عندنا إلا حذف إحدى النونين فحسب، فهو شيء من جزء الكلمة وليس بشيء خارج عنها، والسماع هو المعتبرز
فإنه نقصان بعض الكلمة، ومحل ما ذكر إن ولِيَها اسم، فإن وليها فعل وجب الإهمال، -هذا لا إشكال فيه، يعني: لو جاء بعد (إنْ) المخففة فعل هل نقول يجوز فيها الوجهان؟ لا؛ لأنه زال اختصاصها فدخلت على الجملة الفعلية، إذًا: ما بعدها يعتبر جملة فعلية، إما فعل ماضي أو مضارع .. إلى آخره-.
ولا يدعى الإعمال وأن اسمها ضمير الشأن والجملة الفعلية خبرها، بل الصواب أن يقال: بأن (إنْ) حينئذٍ تكون ملغاة، وإن خففت عن الثقيلة؛ لأن الفعل قد تلاها.
[ ٣٩ / ١٦ ]
وَتَلْزَمُ الَّلامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ: عرفنا: وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ: متى تخفف وما الحكم، الإهمال كثير والأعمال قليل، إذا أهملت حينئذٍ قلنا: هي في اللفظ بمنزلة (إنْ) النافية، في اللفظ: إنْ زيدٌ قائم، في اللفظ الواحد، هذا إذا أهملت، حينئذٍ إما أن توجد قرينة لفظية أو معنوية تبين أن هذه (إنْ) إما نافية وإما مخففة وإما أن لا توجد، إن وجدت قرينة لفظية أو معنوية حينئذٍ صارت هي الدليل على توجيه (إنْ) هل هي مخففة أم أنها نافية، يعني: يُعلم من السياق أو من اللفظ أن هذه (إنْ) مخففة أو أنها (إنْ) النافية، إذا لم يوجد هذا ولا ذاك وجب دخول اللام على خبر (إنْ)، فإذا دخلت اللام على خبر (إنْ) تعين أن تكون (إنْ) هذه مخففة من الثقيلة، ولذلك قال: وَتَلْزَمُ الَّلامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ: تلزم وجوبًا، اللام: الفارقة بين كون (إن) مخففة أو نافية، إِذَا مَا تُهْمَلُ: يعني: إذا تهملُ، إذا أهملت إنّ - (إنْ) المخففة من الثقيلة-، والتبست بـ (إنْ) النافية حينئذٍ وجب دخول اللام -اللام الفارقة- على خبر (إنْ).
وَتَلْزَمُ الَّلامُ الفارقة إِذَا مَا تُهْمَلُ للتفرقة بينها وبين (إنْ) النافية، ومَا هذه زائدة، إذا تهمل، فإذا أهملت ولم تعمل، حينئذٍ وجب اتصال اللام بخبرها إذا التبس بـ (إنْ) النافية.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم !!!
[ ٣٩ / ١٧ ]