عناصر الدرس
* حكم (إلا) إذا تكررت للتوكيد
* حكم (إلا) إذاتكررت لغير توكيد
* حكم المستثنى بـ (غير) ـ
* فائدة الفرق بين (إلا وغير) وأوجه نصب (غير) بين النحاة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة، والسلام على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
أما بعد:
سبقَ الحديثُ عن أحوال (إلا) من وجوب النصب، والحالة الثانية من رجحان الإتباع على النصب، الحالة الثالثة وهي التي أشار إليها بقوله:
وَإِنْ يُفَرَّغْ سَابِقٌ إلاَّ لِمَا بَعْدُ يَكُنْ كَمَا لَوِ الاَّ عُدِمَا
أو عَدِمَا، يجوز فيه الوجهان، وهذا الاستثناء المفرغ، وهو أن يكون الكلامُ غيرَ تامٍ، يعني لا يذكر فيه المستثنى منه -يحذف-، ثم حينئذٍ تكون (إلا) مُلغاة وجودها وعدمها سواء، ثم يُسلَّط العامل ما قبلَ (إلا) على ما بعد (إلا) فيرفعُهُ فاعلًا إن كان يطلب فاعلًا، وينصبُه مفعولًا إن كان يطلبُ مفعولًا، ويجرّه بحرف جر ويدخلُ عليه مباشرة.
النُّحاةُ حكموا بأنه يصحُّ التفريغُ لجميع المعمولات بالأصالة إلا المصدر المؤكَّد، فلا يجوزُ: ما ضربتُ إلا ضربًا، قالوا هذا لا يجوزُ، لماذا؟
لكونه مصدرًا مؤكَّدًا، هذا المشهور، وبعضهم زاد الحال والتمييز، وأما قوله تعالى: «إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا» [الجاثية:٣٢] هذا مصدر مؤكَّد، كيف نقولُ لا يُفرَّغ العامل للمصدر المؤكَّد ثم نقول: يقول تعالى: «إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا» [الجاثية:٣٢]؟
قالوا: هذا مؤول قيل التنوينُ للتعظيم، حينئذٍ يكون مُبيِّنًا للنوع لا مؤكِّدًا، «إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا» [الجاثية:٣٢] ظنًا عظيمًا، حينئذٍ صارَ التنوين للتعظيم، إذا ًصار موصوفًا وإذا صار موصوفًا خرجَ عن كونه مصدرًا مؤكِّدًا، والمنع إنما يتحققّ أو يَنصَبُّ على المصدر المؤكَّد.
وقيل (إلا) مؤخَّرة من تقديم والأصل وقوعُها قبل العامل، إن نحن إلا نظنُّ ظنًا، إذن لم يكن من تفريغِ العامل للمصدر.
وأما قوله تعالى: «وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ» [التوبة:٣٢] قيل هذا استثناء مُفرَّغ، وظاهرهُ إيجاب، وشرطُ الاستثناء المُفرَّغ أن يكونَ منفيًِّا، «وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ» [التوبة:٣٢] يقال: هذا ظاهره استثناء مفرغ وهو إيجاب، قالوا: كذلك هذا مُؤوَّل، لم يرد الله، ويأبى الله: أي لم يرد الله إلا أن يتمَّ نوره إذن الأصل في الاستثناء المفرغ أن يكون منفيًا، وهذا قول جمهور النحاة، والعلَّةُ كما ذكرناها سابقًا، أنه يستحيلُ عادةً أن يقول: ضربتُ إلا زيدًا، حينئذٍ يصدقُ الضرب على كل الناس إلا زيد، ورأيتُ إلا زيدًا؛ يعني رأيت الناس كلهم إلا زيدًا، وهذا محال أن يرى كلَّ الناس ويستثني زيدًا، يمكن زيد أنه لم يراه، لكن كل الناس يراهم نقول هذا بعيد.
[ ٦١ / ١ ]
وذهبَ ابن الحاجب إلى أنه يصحُّ وقوع الاستثناء بعد الإيجاب بشرطين: أن يكون ما بعد إلا فضلة لا يكون عمدة، والثاني أن تحصلَ فائدة، كأن يكونُ المستثنى منه محصورًا في نفسه، وذلك كقولك: ذاكرتُ إلا يومَ الجمعة، فإن كان عُمدة نحو: حضرَ إلا زيد، هذا لا يجوز؛ لأنه عُمدة، والشرطُ أن يكون فضلة، أو لم تحصل فائدة نحو (ضربتُ إلا زيدًا) لم يجز الاستثناء المفرغ، إذن جوَّزَ ابن الحاجب أن يكون الاستثناء المفرغ من إيجاب، لكن بشرطين، الأول: أن يكونَ فضلة لا يكون عمدة، "ما حضر إلا زيد"، أما "حضر إلا زيد" فلا يصحّ؛ لأن زيدًا هذا عمدة، وكذلك أن تحصل به فائدة، "رأيتُ إلا زيدًا" لم تحصل به فائدة، وسبقَ أن ابن مالك -﵀- اشترطَ في صحة الاستثناء الباب كله من أصله أن يكون مُفيدًا.
فإن لم يكن مُفيدًا نحو: ما حضر الناس إلا رجلا، أو ما حضر القوم إلا أُناسًا، قال: هذا لا يجوز، لعدم فائدة، ونُوزِع في ذلك.
إذن الاستثناء المفرَّغ يُشترَط فيه أولًا: أن يكونَ المستثنى منه محذوفًا لا يكون موجودًا في الكلام.
ثانيا: أن يكون مَنفيًا، فلا يتأتّى في الإيجاب؛ خلافًا لابن الحاجب، وما اشترطه فيه نظر، وأما ما جاء في ظاهر القرآن «إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا» [الجاثية:٣٢] «وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ» هو مؤُوَّل على ما ذكرناه.
قال -رحمه الله تعالى-:
وَأَلْغِ إِلاَّ ذَاتَ تَوْكِيدٍ كَلاَ تَمْرُرْ بِهِمْ إِلاَّ اَلْفَتَى إِلاَّ اَلْعَلاَ
وَأَلْغِ (إِلاَّ) هذا شروعٌ من الناظم في بيان ما إذا كُرِّرت (إلا)، الكلام السابق كله في ما إذا أُفرِدت (إلا)، يعني الكلام هنا كالكلام في:
عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ فِي نَكِرَهْ مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ
إذن لا النافية للجنس قد تكون مفردة، "لا رجلَ في الدار"، وقد تكون مُكرَّرة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، الكلام في (إلا) كذلك يعني قد تُكرَّر (إلا)، فيقال: "جاء القوم إلا زيدًا إلا بكرًا إلا عمرًا إلا خالدًا إلا محمدًا"، هنا كُرِّرت (إلا) .. ما الحكم هنا؟ هل كله للاستثناء أم ثَم تفصيل؟ ما هو المستثنى ما الذي يجب نصبُه ما الذي يجب إتباعه أو يجوز إتباعه؟
هذا شروعٌ من الناظم في بيان (إلا) إذا كُرِّرت، (إلا) قد تُكرَّر لمجرد التوكيد، يعني لا يُقصد بها إلا مجرد التوكيد لا الاستثناء؛ لا الإخراج، حينئذٍ إذا كان الأمرُ كذلك فوجودُها وعدمُها سواء، ولذلك قال: وَأَلْغِ إِلاَّ من حيث ماذا؟
من حيث العمل ومن حيث الإخراج، يعني لفظًا ومعنى، عملًا ومعنى، حينئذٍ ليسَ لها فائدة، إلا مجرّد التوكيد كالحرف الزائد، وإن كان الحرف الزائد يعمل، لكن إلا هنا لا تعمل، ولذلك قال: وَأَلْغِ (إِلاَّ)، هذا فيه دليل واضح بيّن على أن الناظم يَرى أن (إلا) هي العاملة، هي عاملة النصب بخلاف ما يُنسَب إليه في هذا الكتاب بأنه يرى أن العامل هو الفعل بواسطة (إلا)، الصواب أنه قال وَأَلْغِ (إِلاَّ) بعدما قال: مَا اسْتَثْنَتِ (إِلاَّ) نسَبَ إليها الاستثناء، وهذا صحيح، وإذا كان الأمر كذلك حينئذٍ إذا أثّرت من جهة المعنى لزم من ذلك أن يكون العمل منسوبًا إليها.
[ ٦١ / ٢ ]
وَأَلْغِ (إِلاَّ): إلغاؤُها أن لا تنصب، وَأَلْغِ (إِلاَّ): إِلاَّ قُصِد لفظه، أَلْغِ هذا فعل أمر والفاعل ضمير مُستتر وجوبًا تقديره أنت، و(إِلاَّ) قُصِد لفظه وهو مفعول به، أَلْغِ إِلاَّ يعني إلغاءها أن لا تنصب، وَأَلْغِ (إِلاَّ) ذَاتَ: بالنصب، دلَّ على أن (إلا) مفعول به منصوب، ونصبُهُ فتحة مُقدرة على أخره.
ذَاتَ تَوْكِيدٍ، احترازًا من التأسيسية وهذا سيأتي ذكرها، ذات توكيد أي صاحبة توكيد حال من المفعول به وهو (إلا)، وهي التي يصح طرحُها والاستغناءُ عنها يعني لا تُؤثِّر في المعنى إذا حُذفت، جاء القومُ إلا زيدًا إلا أخاك، هو زيد نفسه، لو قيل: جاء القوم إلا زيدًا إلا أخاك، إلا زيدًا أخاك، نقول وجود (إلا) وعدمها سواء من حيث الاستثناء. إذن: ذَاتَ تَوْكِيدٍ المراد به (إلا) المؤكِّدة هي التي يصحُّ طرحها والاستغناء عنها.
وضابطُ هذا الباب أن يقال: إذا تلَتْ عاطِفًا بالواو خاصة، إذا تلتْ عاطِفًا إذا جاءت بعد حرف عطف، أو جاء ما بعدَها بدلًا، تلاها اسم مماثِل لما قبلها حينئذٍ يُعرَب بدلًا بأنواعه الأربعة، إذن: متى نحكم على (إلا) بأنها مؤكِّدة؟
نقول: في بابين اثنين، أولًا: التكرار يكون للتوكيد يأتي في العطف (بالواو) خاصة، تقول: قامَ القومُ إلا زيدًا وإلا عمرًا، (و) وإلا، جاءت (إلا) بعد (الواو)، حينئذٍ نقول: جاء القوم إلا زيدًا، (إلا) هذا مُؤسِّسة، جيء بها للاستثناء، إلا زيدًا، (و) حرف عطف، (إلا) مُلغاة، وزيدًا معطوف على ما قبلَه، المعطوف على المنصوب منصوب، إذن بعد (الواو) خاصّة فإن أَطلقَ بعضُهم العطف فالمراد به (الواو) على جهة الخصوص.
والثاني يأتي في البدل بأنواعه الأربعة؛ بدل كل من كل، بدل بعض من كل، بدل اشتمال وبدل غلط.
حينئذٍ نقول: إذا جاء الاسم بعد (إلا) إما أن يكون مُماثِلًا لما قبل (إلا) كالمثال الذي ذكره الناظم:
كَلاَ تَمْرُرْ بِهِمْ إِلاَّ اَلْفَتَى إِلاَّ اَلْعَلاَ
لاَ تَمْرُرْ بِهِمْ: الاستثناء هنا تام منفي، لاَ تَمْرُرْ: شبهُ نهي، (إِلاَّ) هذه أداة استثناء مُؤسِّسة على بابها على أصلها، اَلْفَتَى هذا مستثنى من الضمير (الهاء)، ما حكمه؟ يجوزُ فيه الوجهان والإتباع أرجحُ، الإتباع هنا يكون بالجر، بِهِمْ إِلاَّ اَلْفَتَى، إذن الكسرة مُقدّرة تكون، إِلاَّ اَلْعَلاَ، العلا وصفٌ له، إلا الفتى العلا، فنقول العلا هذا هو نفسه ما قبل (إلا)، اسم مماثل له، نفسه، لكن وصف له، حينئذٍ نقولُ: اَلْعَلاَ هذا يُعتبَر بدل كل من كل، و(إِلاَّ) ملغاة؛ لأنها جيء بها مُؤكِّدة فحسب، ليس لها معنى تأسيسي بمعنى استثناء بعد استثناء، وإنما المراد به - (إلا) - المراد به التأكيد فحسب.
مثال بدل الكل من الكل: لاَ تَمْرُرْ بِهِمْ إِلاَّ اَلْفَتَى إِلاَّ اَلْعَلاَ.
والأصلُ لا تَمرُر بهم إلا الفتى العلا، بحذف (إلا)، فالعلا بدلٌ من الفتى وكُرِّرت (إلا) توكيدًا، ومثال بدل البعض من الكل: ما أعجبني أحدٌ إلا زيدٌ إلا وجهه، إلا زيدٌ وجهُه بدل بعض من كل؛ لأن الوجهَ بعض من زيد، ما أعجبني أحدٌ إلا زيدٌ إلا وجهُهُ، إلا زيدٌ هذا على الإتباع وهو أرجح، إلا وجهُهُ نقول: هذا بدل بعض من كل.
[ ٦١ / ٣ ]
ولو أُلغيت (إلا)، كـ "ما أعجبني أحد إلا زيدٌ وجهُهُ" فالمعنى صحيح ثابت.
ومثال بدل الاشتمال "ما سرّني أحد إلا زيدٌ إلا أدبُه إلا علمُه إلا خلقُه"، ما سرّني أحد إلا زيدٌ، إلا زيدًا، بدل أو النصب؟ النصبَ على الاستثناء ويجوز فيه الإتباع، إلا أدبه، (إلا) هذه مُؤكِّدة وجودُها وعدمُها سواء، يعني لم تُفد تأسيسًا؛ لم تُفد استثناءً بعد استثناء، حينئذٍ نقول: هي مُؤكِّدة، وما بعدها: اشتمال مما قبله.
"ما سرّني أحدٌ إلا زيدٌ أدبُهُ"، كما تقول "أعجبني زيدٌ علمُه"، علمُه: بدل اشتمال مما قبله، ومثالُ بدلِ الغلط "ما أعجبني إلا زيدٌ إلا عمروٌ" غَلِط، عمرٌو زيدٌ هذا بدل غلط، حينئذٍ نقولُ ما أعجبني إلا زيد، زيد: فاعل، ما أعجبني إلا زيد، إلا عمرو، (إلا) مُلغاة، وعمرو بدل غلط مما سبقَ، سيأتي بدل الغلط هل هو من فصيح الكلام أولا؟
قيل أنه من اصطناع النحاة، لو قيل "ما أعجبني أحد إلا زيد إلا عمر"، ما أعجبني أحدٌ إلا زيد، زيد: مُستثنى من السابق حينئذٍ نقولُ الوجهُ إعرابه بدل بعض من كل، "ما أعجبني أحد إلا زيد، عمرو" (إلا) عمرو، (إلا) مُلغاة وعمرو هذا بدل غلط مما سبق. وَأَلْغِ إلاَّ يعني لا تنصب، ذَاتَ تَوْكِيدٍ، يعني صاحبة توكيد، تقوية، التوكيد في اللغة من إثبات الشيء بقوة، وهذا سبقَ معنا، التوكيد بمعنى التقوية.
كَلاَ تَمْرُرْ بِهِمْ إِلاَّ اَلْفَتَى: هذا مُستثنى من الضمير المجرور (بالباء)، (إِلاَّ) زائدة لمجرّد التأكيد، اَلْعَلاَ: بدل كل من الفتى، والتقدير إلا الفتى العلا، وهذا مماثِل لما قبلَها.
إذن نقول: ضابطُ (إلا) التوكيدية أنها تأتي في بابين اثنين فحسب، وذلك إذا سبقَها (واو)، قامَ القومُ إلا زيدًاَ وإلا عمروًا، نقول (إلا) هذه مُلغاة للتأكيد.
ثانيا: تأتي في باب البدل بأنواعه الأربعة: بدل كل، بدل بعض، بدل اشتمال، بدل غلط.
قال الشارح: وَأَلْغِ إلاَّ ذَاتَ، إذا كُرِّرت إلا لقصد التوكيد لم تؤثّر فيما دخلت عليه شيئا؛ لا من جهة المعنى ولا من جهة الإعراب، كيف من جهة المعنى ونحن نقول تفيدُ التوكيد؟
لم تؤثّر فيه شيئًا، المعنى الذي جِيء بها في هذا الباب هو إفادة الاستثناء وهو الإخراج، حينئذٍ هل أفادت هذا المعنى؟
الجواب: لا، إذا لم تُفد حينئذٍ العرب لا تزيد حرفًا واحدًا، ليس كلمة إلا، لا تزيد حرفًا واحدًا إلا لمعنى، ولذلك القاعدة المشهورة: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالبًا، وهذا واضح بين، إذا كان حرف واحد، ولذلك نقولُ في البسملة: رحمن أبلغ من رحيم لماذا؟ لأن "رحمان" على خمسة أحرف، فعلان يدلُّ على الامتلاء، كغضبان وشبعان، ورحيم هذا على أربعة أحرف، فعيل.
إذن زيادة المبنى تدلُّ على زيادة المعنى؛ فكيف بـ (إلا) وهي كلمة مُستقلّة، فالأصل في وضعها في هذا الباب أن تُفيدَ الإخراج، وهو الاستثناء، إذا لم تُستعمَل في هذا المعنى، حينئذٍ لا شك أنها استُعمِلت في معنى؛ لأنه لا يقول دخولها وخروجها من حيث المعنى واحد لا، لا يقولون هذا، وإنما المراد دخولها وخروجها من حيث الاستثناء لا من حيث مُطلق المعنى، هذا يلتبسُ على الطلاب، وإذا جاءت مسألة الحرف الزائد في القرآن أقاموا الدنيا.
[ ٦١ / ٤ ]
نقول: مُطلق المعنى ليس منفيًا، وإنما المنفي المعنى الخاص باللفظ، وأما مُطلق المعنى هذا يشملُ التوكيد، والمعروف أن القاعدة أن العربَ لا تزيد شيئًا سواء كان اسمًا أو حرفًا إلا لفائدة، وهذه الفائدة ليست هي التي وضع لها هذا اللفظ في لسان العرب، وإنما فائدة التوكيد والاستثناء هذا واضح بين، دائمًا تقول ما قامَ القومُ إلا زيدًا، ثم تقول قام القوم إلا زيدًا إلا العلا، العلا هذا استثناء، لا استثناء هنا، ما وجه الاستثناء؟ ليس فيه استثناء "قام القوم إلا زيدًا إلا وجهه"، كيف هذا؟
نقول هذا: بدل بعض من كل، حينئذٍ نقول لم تُؤثّر فيما دخلت عليه شيئًا معنى الاستثناء الذي وضعت له في هذا الباب أصالة، والعملُ الذي هو النصب، ولذلك بعضهم قال: ذَاتَ تَوْكِيدٍ، إلغاؤها أن لا تنصبَ، وإذا لم تنصب حينئذٍ خرجت عن أصلها، ولم تُفِد غير توكيد الأولى، وهذا معنى إلغاءها، وهذا واضح، وذلك في البدل والعطف، أطلقَ الناظم هنا البدل والعطف، الصواب أن يُقالَ في البدل بأنواعه الأربعة وفي العطف بـ (الواو) خاصّة لا غير، هذا ما عليه النحاة، نحو "ما مررتُ بأحد إلا زيدٍ إلا أخيك"، أخيك: بدل من زيد، بدل كل من كل.
لو حذفتَ (إلا) قلت: "ما مررتُ بأحدٍ إلا زيدٍ أخيك"، فأخيك: بدل من زيد؛ بدل كل من كل، ولم تُؤثِّر إلا شيئًا، يعني لم تُفِد فيه استثناء مستقلًا، هذا المراد، وكأنك قلتَ ما مررتُ بأحد إلا زيدٍ أخيك، ومثلُهُ كلام الناظم -رحمه الله تعالى-، وأما العطفُ كقوله "قامَ القوم إلا زيدًا وإلا عمرًا"، (إلا) هذه مُلغاة، والأصل إلا زيدًا وعمرًا، (و) بحرف العطف (الواو)، ثم كُرِّرت (إلا) توكيدًا، ومنه قول الشاعر:
هَل الدَّهرُ إِلاَّ لَيْلَةٌ وَنَهَارُهَا وَإِلاَّ طُلُوعُ الشَّمسِ ثُمَّ غِيارُهَا
إِلاَّ لَيْلَةٌ وَنَهَارُها وَطُلُوعُ الشَّمسِ .. هذا الأصل، نحكمُ على (إلا) بكونها زائدة؛ لأن (الواو) سبقتها، نحكم على (إلا) بكونها ملغاة من حيث المعنى ومن حيث العمل، لسبقِها بـ (الواو)، والأصل طلوع الشمس، وكُرِّرت إلا توكيدًا، ودخول (إلا) هنا ليس خاصًّا بنوعٍ من الأنواع السابقة، بل قد يدخلُ الاستثناء التام الموجب، والاستثناء المنفي والمنفصل والمنقطِع والمفرَّغ، كل ما سبقَ يصحُّ دخول (إلا) التي هي للتوكيد.
وَأَلْغِ إِلاَّ ذَاتَ تَوْكِيدٍ كَلاَ تَمْرُرْ، نقول هذه الأحكام لا تختصُّ بنوع من أنواع الاستثناء بل تقع في الاستثناء في المتصل وفي المنقطع وفي المفرغ، فـ (إلا) التي للتوكيد لا تُفيدُ استثناء، وإنما جِيءَ بها للتوكيد فقط وضابطُها أن يكون ما بعدها بدلًا مما قبلَها، أو تتلو عاطفًا، وذلك بخصوص (الواو) على جهة الخصوص، وقد اجتمعَ تكرارُها في البدل والعطف في قوله:
مَالَكَ مِن شَيخِكَ إِلاَّ عَمَلُهُ إِلاَّ رَسِيمُهُ وَإِلاَّ رَمَلُهْ
[ ٦١ / ٥ ]
مَالَكَ مِن شَيخِكَ، قيل المراد به الجَمَل، أكثرهم على أنه الجَمَل، إِلاَّ عَمَلُهُ إلاَّ رَسِيمُهُ هذا بدل من عَمَلُهُ، وَإِلاَّ رَمَلُهْ جاءت (الواو) قبل (إلا)، حينئذٍ نقول هذا (إلا) حرف توكيد وهي مُلغاة، يعني لم تُفِد إلا التوكيد فحسب، لم تُفِد شيئًا من جهة الاستثناء –المعنى- ومن جهة العمل، والأصلُ إلا عملُه رسيمه ورملُه، فرسيمُه: بدل من عمله ورمله: معطوف على رسيمه، (إلا): كُرِّرت إلا للتوكيد.
وَإِنْ تُكَرَّرْ: إذن تُكرَّر إلا للتوكيد، وعرفنا ضابطها، وَإِنْ تُكَرَّرْ لاَ لِتَوكِيدٍ .. ما الذي يقابل التوكيد؟ التأسيس، التأسيس معناهُ هنا أنها جاءت للمعنى الذي وُضِعت له في هذا الباب، وهو الاستثناء، إذا جِيءَ بها من أجل الإخراج، حينئذٍ جِيء بها في المعنى الذي وضعت له، حينئذٍ تقتضي ماذا؟ العمل أو لا؟ لا بدّ من العمل، إذن لا بد أن نُبقيها على أصلها.
وَإِنْ تُكَرَّرْ (لاَ) لتأسيس لا لتوكيدٍ، وَإِنْ تُكَرَّرْ لاَ لِتَوكِيدٍ، (لا) هنا حرف عطف، أين المعطوف عليه؟
محذوف، وَإِنْ تُكَرَّرْ إلا لتأسيس لا لتوكيد، إذن القسمة ثنائية، فقوله: (لا) عطف على محذوف، أي لتأسيس لا لتوكيدٍ، حينئذٍ إما أن يكونَ الاستثناء مُفرَّغ أو لا.
فَمَعْ تَفْرِيغٍ التَّأْثِيرَ بِالْعَامِلِ دَعْ
فِي وَاحِدٍ مِمَّا بِإِلاَّ اسْتُثْنِي وَلَيْسَ عَنْ نَصْبِ سِوَاهُ مُغْنيِ
الحاصل أنه إذا كان الاستثناء مُفرّغ مثل "ما قام إلا زيدٌ إلا عمرًا إلا بكرًا إلا خالدًا"، قال: فمع تفريغٍ دع التأثير بالعامل في واحدٍ مما استُثني بـ (إلا)، العامل يطلبُ ماذا؟
قلنا: يطلبُ ما بعد إلا إن كان طالبًا للفاعل رفعه، وإن كان طالبًا لمفعول به نصبَه، وإن كان طالبًا لمجرور جرَّه، وهذا يطلبُ واحدًا فقط، فحينئذٍ إذا تكرَّرَ الاستثناء وكُرِّرت (إلا) للتأسيس أعطينا العامل حقّه، ثم نصبنا الباقي على الأصل، فنقولُ "ما قام إلا زيدٌ"، بالرفع، إلا بكرًا، إلا خالدًا، إلى ما شئتَ، فننصِبُ الثاني والثالث، ونرفعُ الأول، وهل الرفعُ خاصٌّ بالأول أم إن الحكم مطلق؟
قال: فِي وَاحِدٍ، ما حدّدَهُ هل هو الأول أم الثاني أم الثالث، أنت مُخيَّر والأول أولى، ما قام إلا زيدٌ، إلا عمرًا، إلا بكرًا، ما قام إلا زيدًا، إلا عمرٌو، إلا بكرًا، ما قام إلا زيدًا، إلا عمرًا، إلا بكرٌ، أنت مُخيَّر.
دعِ التأثيرَ للعامل في واحد والباقي تنصبُهُ على الأصل؛ لأن (إلا) ناصبه، فَمَعْ تَفْرِيغٍ التَّأْثِيرَ بِالْعَامِلِ دَعْ، فَمَعْ (الفاء) هذه واقعة في جواب الشرط وَإِنْ تُكَرَّرْ، فَمَعْ تَفْرِيغٍ (مَعْ) هذا ظرف وهو مضاف وتَفْرِيغٍ مضاف إليه، مُتعلِّق بقوله دَعْ يعني اترك، فَمَعْ تَفْرِيغٍ .. وَإِنْ تُكَرَّرْ لاَ لِتَوكِيدٍ فدعِ التأثيرَ بالعامل في واحدٍ مما استُثني بـ (إلا)؛ لأن المستثني بـ (إلا) عندك ثلاث مثلًا حينئذٍ تتركُ العمل .. عمل العامل لواحد منها، والباقي:
[ ٦١ / ٦ ]
وَلَيْسَ عَنْ نَصْبِ سِوَاهُ مُغْنيِ، وَلَيْسَ، الواحد الذي رُفِع أو نُصِب على أنه مفعول، أو جُرّ .. ليس مغنيًا عن نصب سواه، بل يُنصَب السوى الذي هو سوى ذلك الواحد الذي أشغلتَ به العامل.
إذن: فَمَعْ تَفْرِيغٍ التَّأْثِيرَ، التَّأْثِيرَ هذا بالنصبِ مفعول مُقدّم لـ دَعْ، بِالْعَامِلِ، دَعْ: أي اتركه باقيًا في واحدٍ مما استُثني بـ (إلا) هذا صفة لواحد، (ما) هذه موصولة واقعة على المستثنَيات، مما استُثني بـ (إلا) صلة (ما)، وَلَيْسَ ذلك الواحد عَنْ نَصْبِ سِوَاهُ، أي سوى ذلك الواحد الذي شغلتَ به العامل، مُغْنِي أصله مُغنيا، فوُقف عليها على لغة ربيعة، فلذا جعلناه خبرا لليس، ليسَ هو أي ذلك الواحد مُغنيًا عن نصب سواه.
ولك أن تجعل " مُغْنِي" اسم ليس، وليس مُغنٍ عن نصب سواه موجود، وهذا الأول أولى، أن تجعل مُغنيا هذا خبر ليس، واسمُ ليس ضميرٌ مستتر يعودُ على واحد على الواحد.
دَعْ إي اتركه باقيًا في واحدٍ، دلَّ على أن ترك العمل بـ (إلا) ليس مخصوصا بواحدٍ دون واحد، بل يجوزُ إلغاء (إلا) في الأول دون الثاني والثالث، وفي الثاني دون الأول والثالث، وفي الثالث دون الأول والثاني، كما ذكرناه من الأمثلة السابقة.
مِمَّا بِـ (إِلاَّ) اسْتُثْنِي وَلَيْسَ عَنْ نَصْبِ سِوَاهُ مُغْنِي قوله: بِالْعَامِلِ ما المراد بالعامل هنا؟
هذا وقعَ فيه نزاع بين الشراح، هل المراد به العامل المفرَّغ الذي يكون قبل (إلا) أو المراد به (إلا) نفسُها؟
هذا محتمِل، بالعامل المفرّغ الذي هو الفعل مثلًا قبل (إلا)، أو المراد بالعامل هنا (إلا) نفسها؟ هذا يحتمل حمل العامل على ما قبل (إلا)، ما قامَ إلا زيدٌ، قام، هو الذي اقتضى رفعَ زيد أو (إلا) نفسها؟ بحملِ العامل على ما قبل (إلا)، وحمله المرادي على (إلا). أي اترك تأثيرَ إلا النصبَ في واحدٍ -وهذا فيه نوع تكلّف-، أي اترك تأثير (إلا) النصب في واحدٍ أي لا تجعلها مُؤثِّرة في واحد.
ويؤيِّد الأول قوله: مِمَّا بِـ (إِلاَّ)، إذ لو كان العامل هو (إلا)، لكان القياس أن يقول: مما به. ويُؤيِّد الثاني عدمَ إحواجه إلى تقديره في دع، لأن دع هذا جعلَه ابن عقيل بمعنى اجعل، وهذا لا يُعرَف في لسان العرب. وعليه قولُهُ: فِي وَاحِدٍ، المراد اترك التأثيرَ في واحد، واجعله مؤثّرًا في البقية، هذا إن أُريد بالعامل ما قبل (إلا)، فإن أُرِيد به (إلا) كان الكلام على ظاهره، أي اترك تأثير (إلا) النصب في واحدٍ، أي لا تجعلها مؤثّرة النصب في واحد واجعلها مؤثرة النصب في البقية.
إذن ثَم خلاف في تفسير العامل، والظاهر أن المراد به ما قبل (إلا).
وَإِنْ تُكَرَّرْ (لاَ) لِتَوكِيدٍ فَمَعْ تَفْرِيغٍ التَّأْثِيرَ بِالْعَامِلِ دَعْ
يعني اتركه باقيًا
فِي وَاحِدٍ مِمَّا بِـ (إِلاَّ) اسْتُثْنِي وَلَيْسَ عَنْ نَصْبِ سِوَاهُ مُغْنِي
يعني أن ما سوى المستثنى الذي تُلغى (إلا) معه يُنصب، ونصبه بالعامل الذي هو (إلا)، وعلى هذا الوجه حملَهُ المرادي-حمل العامل-، وحمله ابن عقيل على أنه العامل الذي قبل (إلا) وجعل (دع) بمعنى (اجعل).
[ ٦١ / ٧ ]
قال المكّودي: وما ذكره المرادي أصوب؛ لأن فيه التنبيه على أن (إلا) هي العامل في المستثنى، وهذا قد صرّحَ به الناظم كما سبق معنا، وأيضًا أن ما قبل (إلا) قد لا يكون عاملًا في نحو "ما في الدار إلا زيدٌ إلا بكرٌ إلا عمروٌ"، حينئذٍ نقول أين العامل الذي قبل (إلا)؟
وجعلُ "دع" بمعنى "اجعل" غير معهود في اللغة، وإنما "دَع" بمعنى "اترك"، قال ابن عقيل: وإذا كُرّرت (إلا) لغير توكيد وهي التي يُقصد بها ما يُقصد بما قبلها من الاستثناء، يعني استثناء بعد استثناء، إذا كُرِّرت (إلا) فالمراد حينئذٍ بها استثناء بعد استثناء، وذلك في غير بابي العطف والبدل، ولو أُسقِطت لما فُهم ذلك، فلا يخلو إما أن يكون الاستثناء مُفرغًا أو غير مفرَّغ، فإن كان مفرَّغًا شغلتَ العامل بواحدٍ ونصبتَ الباقي، إذا كان العامل الذي قبل (إلا) مفرَّغًا تركتَه يؤثَّرُ في واحد من المستثنيات، ونصبتَ ما عدا ذلك الواحد ولا يتعيَّنُ الأول بل يترجَّح، ما قام إلا زيدٌ إلا عمرًا إلا بكرًا، ما قام (إلا) زيدٌ، ما قبل (إلا) وهو قامَ هذا يحتاج إلى فاعل، حينئذٍ تعطيه واحدًا من هذه الثلاثة؛ إما الأول وإما الثاني وإما الثالث، أنت بالخيار، والأول أولى؛ لأنه قريب من العامل، ما قام إلا زيدٌ، ثم الباقي ماذا تصنع فيه؟
تنصبُهُ على الاستثناء، وحكمُ النصب واجب، فتقول: ما قام إلا زيدٌ بالرفع على أنه فاعل، إلا بكرًا إلا عمرًا، فهو واجب، ويصحُّ أن تنصب الأول وترفع الثاني تقول: ما قام إلا زيدًا إلا عمروٌ إلا بكرًا، ويصحَّ أن تنصب الأول والثاني وترفع الثالث، فتقول: ما قامَ إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرٌ.
ولا يتعيّنُ واحد منها بشغل العامل، بل أيَّها شئتَ شغلتَ العامل به ونصبت الباقي، وإن كان غير مُفرَّغ، استثناء غير مفرغ، فالذي أشار إليه في الأبيات الآتية:
وَدُونَ تَفْرِيغٍ مَعَ التَّقَدُّمِ نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ والْتَزِمِ
وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ وَجِيءْ بِوَاحِدِ مِنْهَا كَمَا لَوْ كَانَ دُونَ زَائِدِ
كَلَمْ يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ إِلاَّ عَلِي وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ حُكْمُ الأَوَّلِ
وَدُونَ تَفْرِيغٍ، يعني إذا لم يكن الاستثناءُ مفرَّغًا، دُونَ تَفْرِيغٍ هذا ظرف متعلّق بقوله احْكُمْ بِهِ دون تفريغ، إذا كان الاشتغالُ يجري في الظرف حينئذٍ يكون هذا منصوبًا على الاشتغال.
وَدُونَ تَفْرِيغٍ، (وَدُونَ) مضاف وتَفْرِيغٍ مضاف إليه، وَدُونَ تَفْرِيغٍ إذا كان غير مفرّغ، حينئذٍ إما أن يكون الاستثناء مُقدّمًا أو مُؤخّرًا لا يخلو من أحد حالين؛ إما أن يكون مقدَّما وإما أن يكون مؤخَّرا.
قال: مَعَ التَّقَدُّمِ نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ، "قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا القومُ"، سبقَ معنا "قام إلا زيدًا القومُ" واجبُ النصب، لعموم قوله: مَا اسْتَثْنَتِ (الاَّ) مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ، إذن "قامَ إلا زيدًا القومُ" واجبُ النصب، لو كُررت (إلا) في مثل هذا المقام؟
[ ٦١ / ٨ ]
وجبَ النصب كذلك؛ سواء تعدّدَ الاستثناء أم لا، إذا توسَّطَ بين العامل والمستثنى منه، بمعنى أنه تقدَّمَ على المستثنى منه وجبَ النصب في الجميع، لا نقول كما قلنا في المفرّغ، نقول لا، "قام إلا زيدًا إلا بكرًا إلا عمرًا القومُ"، تعينَ النصب، ولذلك قال: مَعَ التَّقَدُّمِ يعني تقدم المستثنى على المستثنى منه نَصْبَ الْجَمِيعِ على ماذا؟
على الاستثناء، نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ. زيدًا مررتُ به مثله. (نَصْبَ الْجَمِيعِ) نَصْبَ هذا مفعول به لفعل محذوف وجوبًا من باب الاشتغال، تقديره امضِ نصبًا، لكن احكم نصبًا لا يأتي، مثل جاوزتُ زيدًا مررتُ به، نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ؛ لأن الإمضاء والحكم متقاربان.
(نَصْبَ الْجَمِيعِ) هذا منصوب على الاشتغال أي امضِ نصبا، نَصْبَ الْجَمِيعِ على الاستثناء احْكُمْ بِهِ والْتَزِمِ، احْكُمْ بِهِ: (به) يعني نصب الجميع، والْتَزِمِ دلَّ على أن النصب واجب، ولماذا عطفَ والْتَزِمِ على احْكُمْ؟
لأن الحكمَ قد يكون واجبًا وقد يكون جائزًا، إذن لم يتعيَّن للوجوب فهو مُحتمِل، وإذا كان محتمِلًا حينئذٍ لا بد من قرينة تدلُّ على أن المراد به الوجوب، فقال: والْتَزِمِ يعني التزم ذلك النصب ولا يجوز العدول عنه، فدلَّ على أن قوله: احْكُمْ بِهِ المراد به الوجوب، "قامَ إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا القومُ"، "ما قامَ إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا القومُ"، هذان مثالان لأي شيء؟ تنوعُ الأمثلة هنا .. "قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا القومُ"، مشوار طويل، "ما قام إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا القومُ"، إذن في النوعين، إذا لم يكن مُفرَّغا وتقدَّمَ المستثنى، -مُستثنيات تقدَّمت- على مُستثنى منه وجبَ النصب للجميع سواء كان الاستثناء موجبًا أم لا.
وَدُونَ تَفْرِيغٍ مَعَ التَّقَدُّمِ على المستثنى منه، نَصْبَ الْجَمِيعِ على الاستثناء امضِ، نَصْبَ الْجَمِيعِ على الاستثناء احْكُمْ بِهِ، قد يكون واجبًا قد يكون جائزًا ثم عيّنَ الوجوب بقوله: والْتَزِمِ، والمثال ما ذكرناه.
الاستثناء التامّ إذا تكرّرت فيه (إلا) لغير توكيد وكان المستثنى مقدّمًا على المستثنى منه، مُستثنَيات يعني، نُصِبَ الجميع على الاستثناء.
ثم قال: وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ، هذا جاءَ تفصيل في الموجَب والمنفي، وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ، أما في الإيجاب فمُطلَقًا، أي في جميعها، نحو "قامَ القومُ إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا، هذا متى؟
في الإيجاب إذا تأخَّرَ، في المتقدِّم لا تفصيلَ بين إيجاب وغيره وجبَ النصبُ مطلقًا.
وَدُونَ تَفْرِيغٍ، نقول: إذا لم يكن مُفرَّغًا حينئذٍ إما أن تتقدَّمَ المستثنيات أو تتأخَّر، إما أن تتقدَّم على المستثنى منه أو تتأخَّر، إذا تقدَّمت النصب واجب بدون تفصيل مُوجَب أو لا، قام: موجَب، "إلا زيدًا إلا عمرًا القومُ"، (ما) هذا منفي "ما قامَ إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا القومُ".
[ ٦١ / ٩ ]
إذا تأخَّر، "قامَ القومُ إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا" في الإيجاب كالمتقدّم، يعني يجبُ فيه النصب، إذا كان مُوجبًا وتأخَّرت المستثنيات عن المستثنى منه وجبَ النصب، نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ والْتَزِمِ، ولذلك قال: وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ مُطلَقًا في الإيجاب.
بقي المنفي، المنفي فيه تفصيل، التفصيل سيأتي في المنفي، وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ: (اللام) هنا بمعنى (مع)، يعني وانصب مع تأخير، والنصبُ واجب، وانصب وجوبًا، لذلك جاء بصيغة افْعَل، وانصب وجوبا لِتَأْخِيرٍ يعني مع تأخير عنه .. عن المستثنى منه.
أما في الإيجاب فمُطلقًا، يعني في جميعها .. جميع المستثنيات، تقول: قام القومُ إلا زيدًا إلا بكرًا إلا عمرًا، واجب لأنه مستثنى تعدَّدت فيه المستثنيات وهو تامّ موجَب.
وأما في غير الإيجاب فكذلك ولكن جِيءْ بِوَاحِدٍ منها، إذن " جِيءْ بِوَاحِدٍ" هذا تفصيل في المنفي بدليل قوله: " كَلَمْ يَفُوا"، وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ هذا يشمل النوعين: الإيجاب مُطلقًا بدون تفصيل، وأما المنفي فالذي عناهُ بقوله: جِيءْ بِوَاحِدٍ .. هذا نقولُ في المنفي بدليل المثال؛ لأنّ ابن مالك -﵀- يُعطي الأحكام بالأمثلة، كَلَم يَفُوا إذن هذا (الواو) مذكورة مُستثنى منه؛ حينئذٍ صار كلامًا تامًا منفيًا.
وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كَمَا لَوْ كَانَ دُونَ زَائِدِ يعني إذا كان غيرَ مُوجَبٍ عُومِل واحد منها بدون تعيين كالمفرَّغ هناك؛ سواء كان الأول أو الثاني أول الثالث، بما كان يُعامَل به لو لم يتكرَّر الاستثناء، يعني تنظر إليه بنظرين، استثناءٌ غير مُكرَّر، ماذا تصنع فيه، إذا لم تُكرَّر (إلا) ماذا تقول؟ "ما قام القومُ إلا زيدًا، إلا زيدٌ"-بالنوعين- "ما قام القومُ إلا زيدًا إلا زيدٌ"، هذه حالة واحدة، إذن تُعامِل زيد هنا بالوجهين، لو كرَّرت "إلا زيدًا إلا بكرًا إلا عمرًا"، اختر واحدًا من هذه الثلاثة عامله بما لو لم تُكرر (إلا) فتعطيه الوجهين، سواء كان الأول أو الثاني أو الثالث، ما قام القوم إلا زيدٌ إلا بكرًا إلا عمرًا، رفعنا الأول لماذا؟
لأنه لو لم تتكرَّر (إلا) لجازَ فيه الإتباع وهو أرجح، طيب، ما قامَ القومُ إلا زيدًا إلا بكرًا إلا عمرًا، زيدًا: منصوب على الاستثناء، وإلا بكرًا وإلا عمرًا: منصوب على الاستثناء؛ أيهما واجب وأيهما جائز؟
إذن كلها منصوبة إلا أن الأول جائز النصب، لماذا؟
لأنه لو لم تُكرَّر (إلا) لكان الإتباع أولى وأرجح، إذن "ما قامَ القومُ إلا زيدًا"، هذا منصوب، لكنه جائز النصب، إلا بكرًا إلا عمرًا: منصوبان لكنهما واجبا النصب.
إذن أُعطِي واحدٌ منها ما يُعطاه لو انفردَ، ونُصِب ما عداه، ولا يتعينُ الأول لجواز الوجهين بل يترجَّح، انظر البيت: وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ وَجِيءْ بِوَاحِدٍ، فُهِم منه أن الواحد الذي يُجاء به يجوزُ أن يكون الأول أو الثاني أو الثالث، والأول أولى، لماذا؟
[ ٦١ / ١٠ ]
لقربه من العامل، هذا أولى لئلا يفصل بينه وبين عامله، وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا أي من المستثنيات المتأخِّرة في الكلام التام غيرِ الموجَب، وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا صفة لواحد .. مِنْهَا جارّ ومجرور متعلِّق بمحذوف صفة لواحد، وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا مُعربًا بما يقتضيه الحال، يعني قد يكونُ مرفوعًا وقد يكون منصوبًا على الاستثناء، لكنه ليسَ بواجب النصب.
كَمَا لَوْ كَانَ دُونَ زَائِدِ، كَمَا لَوْ (مَا) كافة، و(لَوْ) مصدرية، وهي على حذف مضاف، أي كحال، والتقدير: وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كحال وجودِه دون زائد عليه، دون زائد عليه يعني لم تُكرَّر (إلاَّ)، كأنه قِيل: ما قام إلا زيدٌ .. إلا زيدًا .. جازَ فيه الوجهان، وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، يعني مُعربًا بما يقتضيه الحال، كَمَا لَوْ هذا حال من وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ كَانَ، (كَانَ) هذه تامة وفاعلها ضمير مستتر أي الواحد، دُونَ زَائِدِ، يعني هذا حال مِن فاعل كَانَ، دون زائد عليه ففي الاتصال تُبدِل واحدًا على الراجح وتَنصِب ما عداه، ففي الاتصال تُبدِل واحدًا على الراجح مع جواز النصب، وتنصب ما عداه، كَلَم يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ إِلاَّ عَلِي، إلا عليًا وقفَ عليه بلغة ربيعة، كَلَمْ يَفُوا إِلاَّ امْرَأً إِلاَّ عَلِي يجوز، إن رفعتَ الأول صار الثاني موقوفًا عليه بالسكون على لغة ربيعة، تَقِف على المنصوب بالسكون، وإذا نَصبتَ الأول كَلَم يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ؛ لأنه يجوزُ أن تنصب الأول أو الثاني، قلنا: بِوَاحِدٍ لم يحدِّد، حينئذٍ إذا نَصبتَ الأول صار الثاني مرفوعًا على البدلية، فـ لَمْ يَفُوا، (الواو) هذه مُستثنى منه، إذن هو كلام تامّ منفي كَلَم يَفُوا، يَفُوا أصلها يُوفِئًون يُفعِلُون، حُذفت النون للجازم و(الواو) لوقوعها بين عدوتيها (الياء) و(الكسرة) فصار يَفْيُوا، نُقِلت ضمة (الياء) إلا (الفاء) بعد سلبِ حركتها ثم حُذفت (الياء) لالتقاء الساكنين، و(الواو) هذه واو الجماعة فاعل وهو مستثنى منه، إِلاَّ امْرُؤٌ هذا بدل بعض من كل، إلا عليًا إلا بكرًا بالنصب. إذن في الكلام التام غير الموجب تُعطي واحدًا منها كما لو لم يكن التكرار موجودًا، كأنّ (إلا) لم تزد لم تتكرَّر، حينئذٍ إذا كان الاستثناء مُتصلًا جازَ فيه الوجهان، وإذا كان مُنقطِعًا حينئذٍ وجبَ فيه النصب، لو قال جاءَ القومُ إلا حمارًا إلا بغلًا إلا فرسًا، هذا مُنقطِع، يُنصَب الجميع؛ الأول واجب النصب لا لكونه مُكرّرًا، ما بعد الثاني والثالث إلا حمارًا إلا بغلًا إلا فرسًا، الفرس والبغل نُصبت على الاستثناء وجوبًا؛ لماذا؟
للتكرار، وأما الأولُ فحينئذٍ عُومِل معاملة المستثنى لو لم تُزَد (إلا)، وهذا الاستثناء مُنقطِع حينئذٍ وجبَ النصب، وعلى لغة بني تميم يجوزُ النصب، ويجوزُ الرفع، وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ حينئذٍ ما قامَ القوم إلا حمارٌ إلا فرسًا إلا بَغلًا، هذا على لغة بني تميم، وعلى لغة أهل الحجاز: ما قامَ القومُ إلا بغلًا إلا حمارًا إلا فرسًا، نصبَ الجميع.
[ ٦١ / ١١ ]
كَلَمْ يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ إِلاَّ عَلِي إِلاّ بَكْرًا، وفي الانقطاع يُنصب الجميع على اللغة الفصحى التي ذكرناها أولًا في الانقطاع، وأما في الاتصال فحينئذٍ تُبدِل واحدًا على الراجح وتنصب ما سواه، كَمَا لَوْ كَانَ، قلنا: كَانَ هذه تامة وفاعلها ضمير مستتر، كَانَ بمعنى وُجِد، دُونَ زَائِدِ عليها على الأصل، ففي الاتصال تُبدِلُ واحدًا على الراجح وتنصِبُ ما سواه. دُونَ زَائِدِ أي يُعامل واحدًا منها معاملة ما مرَّ من القواعد في كونه واجب النصب مع الإيجاب والبدل في النفي إلى آخر ما ذُكر.
كَلَمْ يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ إِلاَّ عَلِي وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ حُكْمُ الأَوَّلِ
هذه المستثنيات النظر فيها من جهتين: من جهة اللفظ وهي الأحكام السابقة يُنصَب يُرفع إلى آخره، لكن من جهة الإخراج والمعنى، من جهة الإخراج وَحُكْمُهَا: أي حكمُ هذه المستثنيات سوى الأول؛ لأن الأول على أصلِهِ (ما قام القوم إلا زيدًا)، هذا لا شك أنه إخراج من الأول لا إشكال في هذا، استثناء على أصله على بابه، لكن إلا بكرًا إلا عمرًا، كيف نتعامل معها؟
هذا فيه وجهان وباعتبار نوعين، نقول: وأما بالنظر إلى المعنى وهو الذي عناهُ الناظم بقوله:
وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ حُكْمُ الأَوَّلِ، فهو نوعان، أولًا: ما لا يمكن استغناء بعضِه من بعض، كزيد وعمرو وبكر، ما قام القوم إلا زيدًا إلا بكرًا إلا عمرًا، لا يُستغنى ببعضِه عن بعض.
الثاني: ما يمكن استغناءُ بعضِهِ من بعض، وهذا فيه الأمثلة المشهورة، له عندي عَشرةٌ إلا أربعةٌ إلا اثنين إلا واحدًا، هذا يمكن أن يُستغنى ببعضه عن بعض، أما الأول لا؛ لأن زيد منفكّ عن الثاني عن بكر، وبكر منفكّ عن خالد، لا يمكن أن يدخل أحدهما تحت الأخر، ما قام القوم إلا زيدًا إلا بكرًا إلا عمرًا، له عشرة إلا أربعة إلا خمسة، تقول اثنين نستخرجها من الذي قبله، والذي قبله نستخرجه من الذي قبله، هذا يمكن أن تتداخل، أما بكر وعمرو لا يدخلون تحت بعض. إذن ما يمكن استغناء بعضه عن بعض، والمثال الذي ذكرناه: له عندي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحدًا، ما لا يمكن استغناء بعضه عن بعض، ففي النوع الأول -وهو ما لا يمكن استغناء بعضه من بعض- إن كان المستثنى الأول داخلًا فما بعدَه داخل، وإن كان مُخرجًا فما بعده مُخرج، إن كان الأول. النظر هنا إلى الأول قال ابن مالك: وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ يعني في المعنى المقصود، من الإخراج وعدمِه حكم الأولِ. تنظر إلى الأول في الكلام الموجب قام القوم إلا زيدًا، زيدًا مُخرَج أو لا؟
مُخرَج، إذن إلا بكرًا إلا عمرًا حكمه حكم الأول، وهو الإخراج، ما قام القوم إلا زيدًا، مُخرَج أو مُدخَل؟
مدخل، إذًا ما بعده حكمُه حكمُ الأول، هذا فيما إذا لم يمكن استغناء بعضه عن بعض، وهذا مُسلَّم لا إشكال فيه، فحكمها حكم الأول، لماذا؟
[ ٦١ / ١٢ ]
لأن الأخير لا يدخلُ تحتَ الذي قبله، والذي قبلَه لا يدخل تحت الذي قبلَه، حينئذٍ يكون المردّ إلى الأول، فإذا كان الأول مُخرجًا وهذا إنما يكون في الكلام الموجب فحكمُها حكمُ الأول، وإذا كان مُدخَلًا، وهذا في الكلام غير الموجب وهو المنفي فحكمُها حكمُ الأول، إذن النوع الأول ما لا يمكن استغناء بعضه من بعض إن كان المستثنى الأول داخلًا فما بعده داخل، وذلك إذا كان مستثنًى من غير موجب، وإن كان خارجًا فما بعده خارج، وذلك إن كان مستثنًى من موجب.
وفي النوع الثاني: ما يمكن استغناءُ بعضِه عن بعض، هذا فيه خلاف، قيل: الحكم كذلك وإنّ الجميع مستثنى من أصل العدد الأول، من الأول، تقول: له علي عشرةٌ إلا أربعة مُستثنًى من عشرة، إلا اثنين مُستثنى من عشرة إلا واحدًا مُستثنى من عشرة، فالمردُّ يكون إلى الأول، هذا ظاهر كلام الناظم؛ أن الحكم عام في النوعين فيما يمكن استغناء بعضه عن بعض، وما لا يمكن، لأنه أَطلقَ:
وَحُكْمُهَا -المُسْتَثْنَيَات- بدون تفصيل فِي الْقَصْدِ أي المعنى المقصود من إدخال وإخراج حُكْمُ الأَوَّلِ، فالمردُّ يكون للأول فيما يمكن أن يَستغني بعضه عن بعض وما لا، هذا ظاهر كلام الناظم.
وقال الكسائي والبصريون: كل من الأعداد مُستثنى مما يليه، فالواحدُ مُستثنى من الاثنين الذي قبله ليس من الأول، والاثنين مما قبله وهو الأربعة، والأربعة من العشرة وهذا هو الصحيح، أن ما يمكنُ الاستغناء ببعضِه عن بعض يكون الاعتبار من الأخير، ثم يكون داخلًا فيما قبلَه فالاستثناءُ يكون منه، لا نرجعُ إلى الأول وإنما نرجعُ إلى الأخير، إلا واحدًا، واحدًا مُستثنى من اثنين بقي واحد، والواحد مستثنى من أربعة بقي ثلاثة، والثلاثةُ مستثناة من عشرة بقي سبعة، بهذه الصورة حينئذٍ لا نرجع إلى الأول وهذا هو الصحيح المرجَّح عند الأصوليين.
وقال الكسائي والبصريون: كل مِن الأعداد مستثنى مما يليه، وهو الصحيح؛ لأن الحملَ على الأقرب مُتعيّن عند التردد، ولذلك ردّ الشيخ الأمين في نثر الورود، قول ابن مالك هنا قال: هذا غلط ليس بصحيح، ومُراده فيما يمكن الاستغناء ببعضها عن بعض لا مطلقًا، وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ حُكْمُ الأَوَّلِ، وقيل المذهبان محتملان، وعلى هذا فالمُقرُّ به في المثال السابق على القول الأول ثلاثة؛ لأنك تقول: له عندي عشرة إلا أربعة إلا اثنين إلا واحد، عشرة إلا أربعة ستة، ستة إلا اثنين أربعة، أربعة إلا واحد ثلاثة، بدأت بالتنازل، والصحيح هو العكس؛ انظر أقرَّ بثلاثة، واحد من اثنين: واحد، واحد من أربعة: ثلاثة، ثلاثة من عشرة: سبعة، فرقٌ بينهما.
على القول الراجح يكون أقرّ بسبعة، وعلى رأي ابن مالك أقرَّ بثلاثة، ومحتمِلٌ لهما على الثالث.
إذن:
وَدُونَ تَفْرِيغٍ مَعَ التَّقَدُّمِ نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ والْتَزِمِ
إن كان الاستثناءُ غيرَ مفرغ، حينئذٍ إما أن تتقدَّمَ المستثنيات على المستثنى منه أو تتأخَّر، فإن تقدَّمت بقطعِ النظر عن كونه موجبًا أو مَنفيًا وجبَ النصب، نصب الجميع بدون استثناء، وإن تأخَّرت حينئذٍ ننظرُ نفصِّل هل هو كلام موجب أو لا؟
[ ٦١ / ١٣ ]
إن كان مُوجبًا كذلك الحكم نفس الأول، وهو وجوبُ نصب الجميع، وإن كان غير مُوجَب حينئذٍ أعطينا واحدًا منها كما لو لم تَتكرَّر (إلا)، إن كان مُتصلًا جازَ فيه الوجهان والإتباع أولى، وإن كان مُنقطعا حينئذٍ وجبَ النصبُ عند الحجازيين وجازَ إبدالُه عند التميميين، وما عدا هذا الواحد المختار سواء كان أولًا أو ثاني أو ثالث، ما عداه نصبَ الجميع؛ يُنصَب.
وَدُونَ تَفْرِيغٍ مَعَ التَّقَدُّمِ نَصْبَ الْجَمِيعِ احْكُمْ بِهِ والْتَزِمِ
وَانْصِبْ لِتَأْخِيرٍ وَجِيءْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كما قالَ هنا مُعربًا بما يقتضيه الحال، كَمَا لَوْ كَانَ دُونَ زَائَدِ عليها، كَـ" لم يَفُوا إِلاَّ امْرُؤٌ إِلاَّ عَلِي "، وَحُكْمُهَا أي حكم المستثنيات سوى الأول في القصد حُكْمُ الأَوَّلِ، القصد، أي المعنى المقصود من إدخالٍ وإخراجٍ حُكْمُ الأَوَّلِ، فإن كان مُخرَجًا لورودِهِ على مُوجب فهي مخرجه، وإن كان مدخلًا لورودهِ على غير مُوجَب فهي أيضًا مُدخلة.
قال ابن عقيل: ومعنى قوله وَحُكْمُهَا فِي الْقَصْدِ حُكْمُ الأَوَّلِ .. إذن الأبيات كلها المراد بها حكم المستثنيات المكرّرة بالنظر إلى اللفظ، انْصِبْ .. جِيءْ؛ إلى أخره، هذا في اللفظ فقط، وأما في المعنى فمرادُه بالشطر الأخير من جهة الإدخال والإخراج أن ما يتكرَّر من المستثنيات حكمه في المعنى حكم المستثنى الأول فيُثبَت له ما يُثبَت للأول من الدخول والخروج، ففي قولك: "قام القوم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا"، الجميع مخرج؛ لأنه لا يمكن أن يستغني بعضها عن بعض، يعني لا يمكنُ أن نقول زيد نُخرِج منه عمرو، وبكر نُخرِجُ من عمرو، لا يمكن هذا، لا تتداخل، بخلاف عشرة اثنين أربعة .. إلى أخره هذه تتداخل، لهذا نقول: الجميع مخرجون.
وفي قولك ما قام القوم إلا زيدًا إلا عمرًا إلا بكرًا، الجميع داخلون .. ما تعرّض لملسألة الثانية وقد ذكرناها فيما سبق، ثم قال -﵀-:
وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًَا بِغَيْرٍ مُعْرَبَا بِمَا لِمُسْتَثْنىً بِإِلاَّ نُسِبَا
انتهينا من (إلا)، قلنا: الأدوات من حيث الجملة -التقسيم رباعية؛ منها ما هو حرف ومنها ما هو اسم ومنها ما هو فعل ومنها ما هو مُتردّد بين الفعلية والحرفية.
وهذا عندَ التفصيل ثمانية، ذكرنا (إلا) وهي حرفٌ باتفاق، ذكرَ هنا (غَيْرٍ) و(سوى)، وهذان اسمان، أما (غَيْرُ) فمحل وفاق، وأما (سِوَى) فهذه ظرف عند سيبويه.
قال وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًَا إذن المستثنى ليس دائمًا يكون منصوبًا، ولذلك قلنا يذكرون المستثنى في باب المنصوبات في بعض أحواله لا مُطلقًا، ليس كلّ مستثنى يكون منصوبًا، بل قد يكون مجرورًا، وقد يكون منصوبًا لا على الاستثناء، مثل خبر ليس ولا يكون، حينئذٍ نقولُ وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًَا .. كيف صار المستثنى مجرورًا؟
نقول: الاستثناء هنا باعتبار المعنى؛ لأن غَيْرٍ في الأصل هي صفة، يُوصَف بها، وتدلُّ على مُغايرة ما بعدَها لما قبلها، جاءَ القوم غيرَ زيد، دلَّت على أن ما بعدها مُغايِر لما قبلها، هذا الأصل فيها أن تكون صفة، وتُحمَلُ على (إلا) فيستثنى بها؛ لأن الاستثناء فيه نَوع مُغايرة، وهذا صحيح .. قام القوم إلا زيدًا، مُغايرة أو لا؟
[ ٦١ / ١٤ ]
ما بعد (إلا) مُغايِر لما قبلها، فلما كانت غَيْرٍ فيها معنى المغايرة، حينئذٍ حُملت على (إلا) فاستُثني بها وعُدَّت من أدوات الاستثناء، مَجْرُورًَا بـ (غَيْرٍ): اسْتَثْنِ هذا فعل أمر، مَجْرُورًَا هذا مفعول به، بـ (غَيْرٍ) جار ومجرور متعلق بقوله اسْتَثْنِ، مُعْرَبَا هذا حال من (غَيْرٍ)، بِمَا لِمُسْتَثْنًى بِإِلاَّ نُسِبَا، إذن (وَاسْتَثْنِ) يكون هذا فعل أمر، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، مَجْرُورًَا هذا مفعول به؛ لأن المراد به اللفظ فأفادنا فائدتين أنه يكون مُفردًا وأنه يكون مجرورًا، وهو ملازم للجر؛ لأن (غير) ملازمة للإضافة؛ فحينئذٍ صارَ المستثنى مجرورًا، وإذا كان مجرورًا فحينئذٍ لا يخرج عن القاعدة وهو: وَالثَّانِي اجْرُرْ، بخلاف المضاف فإنه قد يكون مرفوعًا وقد يكون منصوبًا وقد يكون مجرورًا، وأما المضاف إليه فلا يكون إلا مجرورًا، ولذلك أُلتزِم هنا جرُّ المستثنى، وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًَا بـ (غَيْرٍ). إذن مَجْرُورًَا دلَّ على شيئين، الأول كونه مفردًا؛ لأن (غير) لا تُضاف إلى الجمل إلا على قول، وكذلك أنه مُلازم للجرّ؛ ملازم للخفض، بـ (غَيْرٍ) هذا جار ومجرور متعلق بقول: اسْتَثْنِ، استثن بـ (غير) مجرورًا، (مُعْرَبَا) هذا حال من (غَيْرٍ)، بـ (مَا) لِمُسْتَثْنًى، نُسِب بـ (ما) بما نُسِب لمستثنى بـ (إلا)، بـ (ما) يعني بالذي، معربًا بماذا؟
بـ (مَا)، (ما) موصولة، جار ومجرور مُتعلّق بقوله مُعْرَبَا، بـ (مَا) لِمُسْتَثْنًى بـ (إِلاَّ) نُسِبَا، بما نُسِب (الألف) للإطلاق، لِمُسْتَثْنًى بـ (إِلاَّ): يعني يُعطى غير حكم (ما) بعد (إلا) من حيث إيجاب النصب ومن حيث الجواز برجحان أو مرجوحية.
فما مرّت من الأحكام المتعلقة بالمستثنى بـ (إلا) في وجوب النصب في نحو قولك: "قام القوم إلا زيدًا"، ورجحانه في قولك: "ما قام القوم إلا زيدًا"، وفي وجوب الرفع في نحو قولك: "ما قام إلا زيدٌ"، هذه الأحكام كلها التي بعد (إلا) تُعطى للفظ (غير) –للراء-؛ فتقول: ما قامَ القومُ غيرَ زيدٍ وغيرُ زيدٍ، غيرَ وغيرُ، لماذا؟
لأن ما بعد (إلا) لو وقعَ في مثل هذا الكلام لقلت: "ما قام القوم إلا زيدًا" بالنصب فتُعطي (غير) النصب، ويجوزُ فيه الرفعُ "ما قام القوم إلا زيدٌ"، كذلك "ما قام القوم غيرُ زيدٍ"، فـ (غير) تُعامَل معاملة ما بعد (إلا).
[ ٦١ / ١٥ ]
ولذلك قال: مُعْرَبَا بـ (مَا) لِمُسْتَثْنًى بـ (إِلاَّ) نُسِبَا، (الألف) للإطلاق، بما نسب لمستثنى بإلا، والمستثنى بـ (إلا) هو ما بعدها، حينئذٍ ما جاز فيه النصب والإبدال صارت (غير) مثلها، وهذا إنما يكون في الكلام التام المنفي، وأما إذا كان مُوجبًا "قام القوم إلا زيدًا"، زيدًا هنا واجب النصب، إذا قلتَ: "قام القوم (غيرَ) زيدًا"، بالنصب واجب النصب، وسيأتي أنه على الاستثناء أو الحال أو الظرف، حينئذٍ نقول: أُعطي (غير) حكم ما بعد (إلا)، والمستثنى في الحقيقة فهو ليس (غير)، وإنما هو المجرور، لأنكَ إذا قلتَ: قام القوم غير زيد أخرجتَ زيد فهو المستثنى في الحقيقة، وليس (غير) ولكن عُومِل هنا معاملة المستثنى؛ لأن الأصل في الاستثناء أن يكون اللفظُ -الإعراب- تابعًا للمعنى؛ لأنه سيتغيّر من وجوبِ النصب إلى الإتباع، لكن تعذَّر لكون (غير) مُلازِمة للإضافة، والمستثنى وقعَ مضافًا إليه، حينئذٍ لا يمكن تحريكه بالجرّ ثم يكون منصوبًا، هذا ممتنع، حينئذٍ أُعطي الحكم لـ (غير) نفسها –المضاف-، يعني مثل ما سبقَ (إلا) العارية، تقول: جئتُ بلا زاد، يعني بغير زاد، زُحْلِقت حركة (لا) إلى (زاد)، لماذا؟
لأن (لا) هنا بمعنى (غير)، ويمتنع إظهارُ الإعراب عليها، فصارَ الإعرابُ على ما بعدها، هنا العكس: "قام القوم غير زيد"، زيد هذا يمتنع إظهار الإعراب؛ لأنه مُلازم للجر، لأنه مضاف إليه ولا يخرج عنه، إذن أعطينا الحكم لـ (غير) نفسها.
وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًَا بِغَيْرٍ مُعْرَبَا بِمَا لِمُسْتَثْنىً بـ (إِلاَّ) نُسِبَا، يعني بما نسب لمستثنى بـ (إلا) معنى البيت أن (غيرًا) يُستثنى بها مجرور بإضافتها إليها، وتكون هي معربة بما نُسِب للمستثنى بـ (إلا) من الإعراب فيما تقدّم.
وقوله: مُعْرَبَا هذا قد تُبنى على الفتح في الأحوال كلّها عند إضافتها إلى المبني؛ يعني ليست مُطلقة، هذا إذا أُضيفت إلى معرب، وأما إذا أُضيفت إلى مبني فهذه لها حكم خاصّ سيأتينا في باب الإضافة، وأجازَ الفراءُ بناء (غير) على الفتح في نحو "ما قامَ غيرَ زيد"، لتضمّنها معنى (إلا) -معنى حرف-.
وفي التصريح للأزهري .. ثَم فروق بين (غير) و(إلا)؛ قال: تُفارِق (غير) (إلا) في خمس مسائل؛ لأن (غير) حُمِلت على (إلا) فاستثنى بها كما استثنى بـ (إلا)، لكن ثم فوارق بين (غير) و(إلا)، خمس مسائل.
الأولى: أن (إلا) لا تقعُ بعدَها الجملُ دون غير، وهذا محلُّ نِزاع، أنّ (إلا) لا تقعُ بعدها الجمل وهذا صحيح، (إلا) لا تقعُ بعدها الجملة محلّ وفاق، وأما (غير) ففيه نزاع، منهم من جَوَّز ومنهم مَن منعَ.
الثانية: أنه يجوزُ أن يقال: "عندي درهمٌ غيرُ جيد" على الصفة، يعني يُوصَف بـ (غير) كما سبق، الأصل في لفظ (غير) أن يكون صفة لما قبلَه، هذا الأصل فيه، ولكن ضُمِّنت معنى (إلا) فاستُثني بها.
المسألة الثانية: أنه يجوزُ أن يقال: عندي درهم غيرُ جيد، غيرُ بالرفع فيكون صفة لدرهم وأُضيف إلى جيد، ويمتنعُ عندي درهم إلا جيّدٌ، على أن يكون (إلا) صفة وهذا أيضا فيه نزاع.
[ ٦١ / ١٦ ]
الثالثة أنه يجوزُ أن يُقال: "قام غيرُ زيد"، قامَ فعل ماضي، و(غير) جاءت فاعلا هنا، وهو مُضاف وزيد مضاف إليه، قام غيرُ زيد، وهذا من الاستثناء المفرغ، ولا يجوز "قامَ إلا زيدٌ"، "قام غير زيد" هذا جائز، مع كونه لم يتقدّمه نفي، وأما قام إلا زيدٌ هذا لا يصحّ، إلا على رأي ابن الحاجب، "قام إلا زيد" هذا لا يصحُّ؛ لأنه استثناء مفرغ، ولا يكون إلا بسبقِ النفي، وأما في الإيجاب فالجمهورُ على المنع. ولا يجوزُ قام إلا زيد.
الرابعة: أنه يجوزُ أن يُقال: "ما قام القوم غيرَ زيد وعمرو"، غيرُ وغيرَ بالوجهين ليسَ هذا الشاهد، المراد أن يُقال: "ما قام القوم غيرَ زيدٍ وعمروٍ"، بجر عمروٍ، وعمروٍ عطفًا على اللفظ يعني لفظ زيد، وهو مجرور لأنه مُضاف إليه، ورفعُهُ حملًا على المعنى، "ما قام القوم غيرَ زيدٍ وعمرٍو"، ويجوز أن يقال: غيرَ زيدٍ وعمرٌو بالرفع، مراعاة لمعنى زيد؛ لأنه في قوّة قولك: ما قام إلا زيدٌ وعمرٌو، لو قلتَ: ما قام القوم غير زيدٍ، هذا في قوة ما قام إلا زيدٌ وعمرٌو بالرفع، حينئذٍ ترفع عمرو، فإذا أبدلتَه أو عطفتَه على مجرور (غير) وهو في اللفظ مجرور، حينئذٍ راعيتَ المحل، مِن حيث المعنى وهو مرفوع، ويجوزُ مراعاة اللفظ، إذن الرابع: يجوز أن يقال "ما قام القوم غيرَ زيدٍ وعمروٍ وعمرٌو"، بجرِّ عمرو على لفظ زيد ورفعه حَملا على المعنى؛ لأن المعنى "ما قام إلا زيدٌ وعمرٌو"، ولا يجوز مع (إلا) مراعاة المعنى.
الخامسة والأخيرة: أنه يجوزُ ما جئتُك إلا ابتغاءَ معروفك بالنصب، وأما في (غير) لا، ما جئتُك إلا غيرَ، نقول هذا لا يصح، ما جئتك غيرَ ابتغاء، لا يصحُّ، بل لا بد من إدخال الـ (لام) على غيرِ، فتقول: ما جئتُكَ لغير ابتغاء معروفك.
إذن هذه خمس مسائل مما فارَقَت (إلا) (غير) و(غير) (إلا).
وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًَا بِغَيْرٍ مُعْرَبَا بِمَا لِمُسْتَثْنىً بِإِلاَّ نُسِبَا
وإذا نصبنا (غير) حينئذٍ قيل بأن النصبَ على الاستثناء وهذا عليه الجمهور، وقيلَ النصبُ على الحال، وقيلَ النصبُ على الظرفية، وانتصابُ (غير) في الاستثناء كانتصاب الاسم بعدَ (إلا)، في أن نصبَ كلٍّ منهما على الاستثناء وهذا الصحيح، فحينئذٍ إذا قلتَ: "قام القوم غيرَ زيدٍ" قام القوم فعل وفاعل، وغيرَ بالنصب، تقول: غير منصوب على الاستثناء، وهو مُضاف وزيد مُضاف إليه.
إذن نُعرب هنا (غير)، على أنها منصوبة على الاستثناء، ما قام القوم غيرَ زيد، نقول: (غير) هذا منصوب على الاستثناء.
وإن كان العامل فيما بعد (إلا) هو (إلا)، "ما قامَ القوم إلا زيدًا" قلنا الناصب له (إلا)، طيب! في باب غير: الناصب له ما قبله من فعل أو شبهه، ما قام، قامَ هو الذي نصَبَ، وفي (غير) ما في الجملة قبله من فعل أو شبهه، وإنما نُصبت على الاستثناء مع أن المستثنى هو الاسم الواقع بعدها؛ لأنه لما كان مَشغولًا بالجر لكونه مضافًا إليه جُعِل ما يستحقّه من الإعراب المخصوص، لولا ذلك على غير، على سبيل العارية، كما ذكرناه سابقًا.
[ ٦١ / ١٧ ]
إذن الأصل فيه أن يكون المضاف إليه المجرور هو الذي يستحقُّ النصب على الاستثناء، ولكن لكونه حلَّ محلَّ الملازم للخفض للجر لا ينفكُّ عنه البتة، حينئذٍ نقول: هذا مثل غلامي، غلامي إذا جاء رفعًا تكون الضمة مقدرة، وإذا جاء نصبًا تكون الفتحة مقدرة، وإذا جاء خفضًا تكون الكسرة مقدرة؛ لأنه لزم حالة واحدة، كذلك مجرور (غير) فحينئذٍ ماذا نصنع؟
قالوا: نجعلُ الإعراب على غير.
جُعِل ما يستحقّه من الإعراب المخصوص .. لولا ذلك على غير .. على سبيل العارية، والدليل على ذلك على أن الحركة لما بعدها حقيقة جواز العطفِ على محلّه، يجوز العطف على محلّ المضاف إليه.
وقيلَ منصوبة على الحال عند الفارسي، فتؤوّل بمشتق، أي قام القوم غير زيد، أي مُغايرينَ، لا بد من تأويلها بمشتقّ لأنها حال، مُغايرين لزيد في الفعل، وأُورِد عليه أن مجرورها لا محل له حينئذٍ، وقد نصبوا المعطوف عليه مراعاة لمحله. سبقَ أنه يُعطَف على المجرور عليه باعتبار اللفظ فيجر، ويُعطَف عليه باعتبار المحل .. قد يُرفع وقد يُنصَب على حسب المحل، فحينئذٍ إذا جعلوها حالًا مُغايرين لزيد، وقد عطفوا على محلّها بالرفع، فكيف تكون حالًا؟
إذا قيلَ بأن غير منصوبة على الحالية كما هو قول الفارسي، قلنا عُطِف على محلّ مجرورِ (غير) بالرفع، وعُطِف عليه بالنصب، طيب بالنصب واضح يشترك مع الحال، وبالرفع؟ هذا يدلُّ على أن القول هذا فيه ضعف، وقيلَ: على التشبيه بظرف المكان بجامع الإبهام في كلٍّ.
قال الشارح: استُعمِل بمعنى (إلا) في الدلالة على الاستثناء ألفاظٌ، منها ما هو اسم وهو (غير وسُوى وسِوى وسَواء)، ومنها ما هو فعل وهو (ليس ولا يكون)، ومنها ما يكون فعلًا وحرفًا وهو (عدا وخلا وحاشا)، وقد ذكرها المصنف كلها، فأمّا (غير) وما عُطِف عليه فحكم المستثنى بها الجر، يعني كأنّ إعرابه نُقِل إليها لشغله بالإضافة -إضافتها إليه-، وتُعرَب (غير) بما كان يُعرَب به المستثنى مع (إلا)، كلّ ما أُعطيَ به المستثنى بـ (إلا) من وجوب النصب وجواز الوجهين مع ترجيح الإبدال في المنقطع والمتصل على التفصيل السابق كذلك يُعطى لـ (غير)؛ فتقول: قام القوم غيرَ زيدٍ، غيرَ هذا منصوب على الاستثناء، وحكمُ النصب واجب؛ لأن الكلام تامّ موجب. بنصبِ غير وجوبًا، كما تقولُ: "قام القوم إلا زيدًا"، بنصب زيد، فتقول: "ما قام أحد غيرُ زيد"، ما إعراب غير؟ بدل .. غير زيد بدل مما سبقَ، بدل بعض من كل، واجب الرفع أو جائزه؟ جائز، لماذا؟ لأنه تامّ منفي، والتامّ المنفي يجوزُ فيه الوجهان: النصبُ على الاستثناء وهو مرجوح، والإبدال بالرفع أو النصب أو الخفض، كما تقولُ "ما قام أحد إلا زيدًا"، فتقول "ما قام غيرُ زيدٍ"، ما إعراب غير؟
فاعل، حينئذٍ يكون استثناءً مفرغًا، فترفعُ (غير) وجوبًا، كما تقول: ما قام إلا زيدٌ برفعه وجوبًا، وتقول: "ما قام أحدٌ غيرَ حمارٍ، أو غيرُ حمار" .. يجوزُ فيه الوجهان عند بني تميم، وعند الحجازيين يتعين النصب، إذن ما قام أحدٌ غيرَ وجوبًا عند الحجازين وجوازًا عند التميميين .. بنصب (غير) عند غير بني تميم، وبالإتباع عند بني تميم كما تفعل في قولك: " ما قام أحدٌ إلا حمارٌ وإلا حمارًا.
[ ٦١ / ١٨ ]
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين !!!
[ ٦١ / ١٩ ]