عناصر الدرس
* عمل أفضل التفضيل ومسألة الكحل
* شرح الترجمة. النعت. ـ
* حد التابع وعدده وعامله
* حد التعت وفوائده.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فلا زال الحديث في باب: أَفْعَلِ التَّفْضِيْلِ.
وقفنا عند آخر مسألة وهي: هل يرفع أفعل التفضيل الاسم الظاهر أم لا؟ أجمعوا على أن أفعل التفضيل يرفع الضمير المستتر، هذا في جميع لسان العرب .. لغات العرب أنه يرفع ضميرًا مستترًا، فإذا قلت: زيدٌ أعلمُ من محمدٍ أو من بكرٍ، حينئذٍ أعلمُ هذا خبر وأفعل التفضيل، وفيه ضمير مستتر يعود إلى المبتدأ، لماذا؟ لأن أفعل التفضيل قلنا: هذا صفة، صفة معناها أنها مشتقة، فإذا كان كذلك فيها شبه بالفعل، حينئذٍ الضمير يكون مستترًا فيها يرجع إلى سابقه.
إذًا: أجمعوا على أنه يرفع الضمير المستتر وهذا عام في جميع اللغات، وهل يرفع الظاهر أم لا؟ وإذا رفع الظاهر هل يرفع الظاهر مطلقًا أو في بعض المواضع؟ هذا فيه خلاف عن العرب، فبعضهم يرفعه به مطلقًا، ويقول: مررتُ برجلٍ أفضلَ منهُ أبوهُ، مررتُ برجلٍ: مررتُ فعل وفاعل، وبرجلٍ اسم مجرور، وأفضلَ بالفتح على أنه صفة ممنوع من الصرف، أفضلَ منه أبوه، فتخفض أفضل بالفتحة على أنه صفة لرجل، وترفع الأب على الفاعلية، مررتُ برجلٍ أفضلَ، أفضلَ هذا صفة مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف، وأبوه هذا فاعل مرفوع به، وهذا قليل .. لغة قليلة حكاها سيبويه، وأكثرهم يوجب رفع أفضل في ذلك على أنه خبر مقدم وأبوهُ مبتدأ مؤخر، يعني: يقول: مررت برجل أفضلَ؟ لا، أفضلُ منه أبوه، فصار أفضلُ هذا خبر مقدم، وأبوهُ مبتدأ مؤخر بالرفع، إذًا: إذا فُتح صار أبوهُ مرفوعًا بأفضل، وإذا رفع حينئذٍ صار خبرًا مقدمًا وأبوه مبتدأ مؤخر، وفاعِلُ أفعَل حينئذٍ يكون مستترًا عائدًا عليه، يعني: إذا رفعنا أفضلُ منه أين فاعل أفعل التفضيل أفضل؟ نقول: ضمير مستتر يعود على السابق، وأكثر العرب لا يرفعون بأفعل الاسم الظاهر إلا في مسألة واحدة التي عنوَن لها الناظم هنا: كَلَنْ تَرَى فِي النَّاسِ مِنْ رَفِيقِ: وبعضهم يعنون لها بمسألة الكُحْل، وهذا سيأتي في الشرح.
[ ٨٨ / ١ ]
إذًا: الأصل في أفعل التفضيل أنه لا يرفع إلا ضميرًا مستترًا، ولا يرفع اسمًا ظاهرًا ولا ضميرًا بارزًا إلا ما حُكي في لسان العرب من قلة، بعضهم حكم عليها بالشذوذ، فحينئذٍ نقول: لا يرفع الاسم الظاهر ولا الضمير البارز إلا شذوذًا، ولذلك الناظم قال: وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ قليل، ويحتمل أنه أراد بـ نَزْرٌ هنا أنه شاذ، وسواء كان قليلًا أو نزرًا أو شاذًا لا يقاس عليه لضعفه. حكى سيبويه مررتُ برجلٍ أكرمَ منهُ أبوهُ على الطريقة السابقة التي ذكرناها، فأما رفعه الضمير المستتر فلأن العمل فيه ضعف لا يظهر أثره لفظًا فلا يحتاج إلى قوة العامل؛ لأنه قد يقال: لماذا رفع ضميرًا مستترًا، ولم يرفع اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا بارزًا وكلٌ منهما فاعل؟ نقول: فرق بين الضمير المستتر وبين الاسم الظاهر، أما الضمير المستتر فرفعه لأن العمل فيه ضعيف لا يظهر أثره لفظًا، يعني: العمل في أفعل التفضيل .. لأنه لا يحمل على الفعلِ ولا يحمل على اسم الفاعل؛ لكونه لا يؤنث ولا يفرد ولا يثنى ولا يجمع كما سبق في باب الصفة المشبهة، حينئذٍ له قوة أن يرفع الضمير المستتر، وهو في نفسه ضعيف، إذًا: لا يقوى على رفع الاسم الظاهر، وأما الضمير المستتر فلا يحتاج إلى قوة العامل، وأما عدم رفعه الظاهر فلأنه ضعيف الشبه باسم الفاعل، من جهة أنه في حال تجريده لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع، وهذا إذا لم يحسن أن يقع موقعه فعلٌ بمعناه، وأما إذا كان كذلك فهي التي قال فيها الناظم:
وَمَتَى عَاقبَ فِعْلًا فَكَثِيرًا ثَبَتَا
إذًا: يكون قليلًا أو شاذًا أو نزرًا إذا لم يصلح أن يقع في محله فعلٌ، حينئذٍ العمل .. رفع الاسم الظاهر يكون شاذًا.
وأجمعوا على أنه لا ينصب المفعول به مطلقًا .. بالإجماع، أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به، هذا أمرٌ مجمع عليه، لماذا؟ لأن ما نصب من المشتقات إنما حمل على اسم الفاعل، واسم الفاعل إنما نصب لكونه حمل على الفعل مباشرة، إذًا: هذه لا تشبه اسم الفاعل التي هي أفعل التفضيل، حينئذٍ نقول: لا ينصب المفعولَ به وهذا أمر مجمع عليه.
وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ، نَزْرٌ يعني شاذ، ورَفْعُهُ: مبتدأ، وهو مضاف إلى فاعله، والضمير هنا يعود إلى أفعل التفضيل، والظَّاهرَ مفعول به للمصدر ونَزْرٌ هذا خبر، والمراد به أنه شاذ، وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ، ومراده بالظاهر هنا المصرح الملفوظ به، حينئذٍ يشمل الاسم الظاهر كأبوهُ مثلًا أو الضمير البارز؛ لأنه ظاهر كما سبق في حكم الفاعل هناك، وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ المراد به المصرح به، فيشمل الضمير البارز المنفصل كما يدخل فيه نحو: زيد وأبوه، وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ، ثم قال: هذه لغة، قلنا قليلة وهي شاذة، واللغة الكثيرة التي عليها الاعتماد في لسان العرب، ويمكن القياس عليها، بل هو مطرد:
وَمَتَى عَاقبَ فِعْلًا فَكَثِيرًا ثَبَتَا
مَتَى هذا اسم شرط ظرف معلق بـ عَاقبَ، عَاقبَ فعلٌ ماضي فعل الشرط، وفِعْلًا: عَاقبَ هو، أي: أفعل التفضيل، فِعْلًا: مفعول به، فَكَثِيرًا ثَبَتَا: الفاء واقعة في جواب الشرط، وثَبَتَا الألف للإطلاق وكَثِيرًا هذا حال من الضمير المستتر في ثَبَتَا.
[ ٨٨ / ٢ ]
إذًا: إذا صح أن يحل محل أفعل التفضيل فعلٌ وصح التركيب حينئذٍ صح أن يرفع فاعلًا، لكن هذه اللغة لجميع العرب، وهي أن أفعل يرفع الظاهر، ولكن ذلك مشروط بأن يكون معاقبًا لفعلٍ.
قال الشارح: لا يخلو أفعل التفضيل من أن يصلح لوقوع فعل بمعناه موقعه أوْ لا.
إما أن يصلح أن يقع في محله فعل من جنسه: أفضل، يفضلُ، أحسن يحسنُ، أكرمَ يكرمُ من جنسه. أولى، فإن لم يصلح لوقوع فعل بمعناه موقعه لم يرفع ظاهرًا، وإنما يرفع ضميرًا مستترًا، نحو: زيدٌ أفضلُ من عمروٍ، أفضل فيه ضمير مستتر يعود على زيد. ففي أفضل ضمير مستتر عائد على زيد، فلا تقل: مررت برجل أفضلَ منهُ أبوهُ بفتح أفضلَ إلا على الرفع فيجوز على أنه خبر مقدم، وأبوه مبتدأ مؤخر.
حينئذٍ تكون الجملة في محل خفض، وإذا كان كذلك حينئذٍ إذا فتحنا أفضلَ صار فيه ضمير مستتر أو لا؟ إذا قلنا: برجلٍ أفضلَ منهُ أبوهُ، بأفضلَ، هل فيه ضمير مستتر أو لا؟ ليس فيه ضمير، لماذا؟ لأن أبوه هو الفاعل، طيب. إذا رفعنا على التصحيح أفضلُ منهُ أبوهُ، فيه ضمير مستتر أو لا؟ في ضمير مستتر، حينئذٍ في المثال الأول أفضلَ لم يتحمل أفضلَ ضميرًا مستترًا، وفي الثاني صار متحملًا لضمير مستتر، في الأول –أفضلَ- صار النعت بالمفرد: برجلٍ أفضلَ، أفضلُ منهُ أبوه النعت صار جملة اسمية، أفضلُ منهُ أبوهُ، مبتدأ وخبر في محل خفض صفة لرجل. فترفع أبوهُ بأفضلَ إلا في لغة ضعيفة حكاها سيبويه، فإن صلح لوقوع فعل بمعناه موقعه صح أن يرفع ظاهرًا قياسًا مطردًا، لكن ذلك مشروطٌ بماذا؟ وذلك في كل موضع وقع فيه أفعلُ بعد نفيٍ أو شبهه، وكان مرفوعه أجنبيًا مفضلًا على نفسه باعتبارين، هذه ثلاثة شروط ويزاد عليها اشرط رابع: أن يكون أفعل صفة لاسم جنس، بهذه الشروط الأربعة صح أن يرفع اسمًا ظاهرًا على أنه فاعلٌ له، وإذا تخلف واحد منها، حينئذٍ رجعنا إلى الأصل، وهو أنه شاذٌ أن يرفع به الاسم الظاهر. أن يرفع ظاهرًا قياسًا مطردًا، في كل موضع وقع فيه أفعل بعد نفي أو شبهه، شبه النفي هو الاستفهام والنهي.
قال في شرح التسهيل: لم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بأفعلَ إلا بعد نفي، يعني: لم يسمع في لسان العرب .. طبعًا هذا استثناء، يعني: إذا قيل: بأن أفعل التفضيل رفع اسمًا ظاهرًا، هذا صار خروجًا عن القياس، وإذا كان كذلك حينئذٍ اللفظ الذي سُمع أو التركيب الذي سُمع يستنبط منه الشروط، ثم لا يقاس عليه غيره، فيقال: الذي سُمع هو بعد نفي، لكن جاء في لسان العرب أنه يعامل شبه النفي مقام النفي، كما سبق في باب كان وأخواتها .. تفتأ وزال ونحوها.
قال: لم يرد هذا الكلام المتضمن ارتفاع الظاهر بأفعل إلا بعد نفي .. ثم قال: ولا بأس باستعماله بعد نهي أو استفهام فيه معنى النفي، يعني: من باب الاستحسان، ولذلك قالوا: نفي أو شبهه، المراد بشبه النفي الاستفهام الذي فيه معنى النفي وكذلك النهي، كقوله: لاَ يكُنْ غيرُكَ أَحبَّ إِليهِ الخَيرُ مِنْهُ إِلَيكَ، وهَلْ فِي النَّاسِ رَجُلٌ أَحقُّ بهِ الحمدُ مِنهُ بمُحْسِنٍ لاَ يَمُنُّ؟ هذان مثالان لشبه النفي على ما ذكره ابن مالك في شرح التسهيل.
[ ٨٨ / ٣ ]
إذًا: كل موضع وقع فيه أفعلُ بعد نفي أو شبهه .. هذا الشرط الأول، والثاني: كان مرفوعه أجنبيًا، سبق أن الأجنبي والذي لا يعتبر أجنبيًا العبرة فيه بالضمير، إن كان مجردًا عن الضمير قيل بأنه أجنبي، وإذا كان متلبسًا بضمير هو مباشرة أو مضاف إلى ما فيه ضمير يعود إلى الموصوف حينئذٍ قلنا: هذا ليس بأجنبي، وهنا اشترط أن يكون مرفوعه أجنبي، بمعنى: أنه ليس متلبسًا بضمير يعود على الموصوف، فإن تلبس بضمير، حينئذٍ قلنا: المسألة ليست مستكملة للشروط. وكان مرفوعه أجنبيًا، يعني: غير ملابس لضمير الموصوف، أي: غير عائدٍ على المفضل.
الثالث: مفضلًا على نفسه باعتبارين، يعني: الفاعل الذي رفعه أفعلُ التفضيل يكون هو متحد الذات، ثم له حلان، في حال أفضلُ منه في حال أخرى، سبق أن المفضل والمفضل عليه لابد وأن يكونا ذاتين، يعني: منفصلين لا يكونا متحدين، هذا استثناء مما سبق، وهذا مما أضعف المسألة، حينئذٍ ننظر فيه كالمثال الذي ذكره: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَحْسَنَ فيِ عَيْنِهِ الكُحْلُ مِنْهُ في عَيْنِ زَيْدٍ، مَا: هذا نفي، رَأَيْتُ رَجُلًا: رَجُلًا هذا اسم جنس، أَحْسَن نعت له، فيِ عَيْنِهِ: متعلق بقوله: أَحْسَنَ، أَحْسَنَ هو أفعل التفضيل، والكُحْلُ هو الاسم الظاهر الذي رفعه أحسن، نحن نقول: الاسم الظاهر الذي يرفعه أحسن، أو أفعل التفضيل يكون مفضلًا على نفسه باعتبارين، حينئذٍ "الكحل في عين زيد أفضل منه في عين غيره"، الكحل هو هو، الكحل لو وضعه زيد في عينه أجمل وأحسن من الكحل نفسه لو وضعه آخر.
[ ٨٨ / ٤ ]
إذًا: المفضل والمفضل هو الكحلُ، لكن باعتبارين: فضلتَ كحلًا على كحلٍ، كحلًا في عين زيد على كحلٍ في عين عمروٍ مثلًا، والمفضل والمفضل عليه هو الكحلُ نفسه، يعني: النظر إلى الكحل لا إلى العين، وإنما الكحلُ نفسه، نقول: هذا مفضل باعتبارين، هو ذات واحدة، لكن نظر فيها إلى جهتين: كونه في عين رجلٍ وفي عين زيدٍ، ولذلك قيل: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحلُ منه في عينِ زيدٍ، الكحل هذا مفضل في عينِ زيد، ومفضل عليه في عينِ غير زيدٍ، إذًا: عينان، عين زيد وعين غيره، هو في عينِ زيد أفضل من عينِ غيره، بقطع النظر عن غيره، هذا مبالغة في الحسن، أنه لا يوازيه أحد؛ لأن الكحل جمال وزينة، إذًا: مفضلًا على نفسه باعتبارين، يعني: بين ذات واحدة باعتبار حالين، وعبارتهم موهمة التي هي: مفضلة على نفسه باعتبارين، والأولى أن يقال: ذاتٌ واحدة باعتبار حالينِ، يعني: الكحلُ في عين زيد والكحلُ في عين غيره، والكحلُ هو الكحلُ، هو المفضل والمفضل عليه، إذًا: هذه ثلاثة شروط، إن وجدت حينئذٍ نقول: استوفت المسألة شروطها، زاد بعضهم قيدًا، وهو أن يكون أفعل صفة لاسم جنس ليكون أفعل التفضل معتمدًا عليه، ولم يكف النفي كما في اسم الفاعل؛ لأنه لم يقو قوته، ولهذا لا ينصب المفعول به بخلاف اسم الفاعل، وإنما اشترطوا النفي ليكون أفعل التفضيل بمعنى الفعل فيعمل عمله، كل هذه كما ذكرناه سابقًا؛ كل ما كان فرعًا في العمل لابد من شروط من أجل أن تقربه إلى الفعل، كاشتراط النفي واشتراط أن يكون مفضلًا على نفسه باعتبارين، وأن يكون مرفوعه أجنبي .. كل هذا من أجل أن يقرب من الفعل، وإلا الأصل عدم العمل.
إذًا: اشتراط النفي ليكون أفعل التفضيل بمعنى الفعلِ فيعمل عمله، مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَحْسَنَ فيِ عَيْنِهِ الكُحْلُ مِنْهُ في عَيْنِ زَيْدٍ، إذًا: الكحلُ هو المرفوع .. هو الاسم الظاهر، وهنا أفعل التفضيل عَاقبَ فِعْلًا، يعني: صلح أن يقع في محله فعلٌ، أحسنُ يحسُنُ، ما رأيتُ رجلًا يحسنُ في عينه الكحلُ منه في عين زيد صح التعبير وصح التركيب، فالكحلُ مرفوع بأحسن لصحة وقوع فعلٍ بمعناه موقعه. نحو: ما رأيتُ رجلًا يحسن في عينه الكحلُ كزيدٍ، ومثل قوله ﷺ: ﴿ما من أيامٍ أحبَّ إلى الله فيها الصومُ﴾، أحبَّ الصومُ، الصوم هذا فاعل، ورافعه أحب، وهو اسم تفضيل، هنا الصومُ مفضلٌ على نفسه في حالين، الذات واحدة، الصيام في هذه الأيام أفضل من الصيام في غيرها، إذًا: أيامٌ وأيام والصومُ هو المفضل باعتبار حالين، إيقاع الصومِ في هذه الأيام العشر أحبُّ من إيقاعها في غيرها، فالصوم هو عينه، كالكحل الذي في عين زيد وغيره.
وقول الشاعر .. أنشدهُ سيبويه:
مَرَرْتُ عَلَى وَادِي السِّبَاعِ وَلاَ أَرَى كَوَادِي السِّبَاعِ حِينَ يُظْلَمُ وَادِيَا
أَقَلَّ بِهِ رَكْبٌ أَتَوْهُ تئيةً وَأَخْوَفَ إِلاَّ مَا وَقَى اللهُ سَارِيَا
فـ (رَكْبٌ) مرفوع بـ (أَقلَّ). فقول المصنف: وَرَفْعُهُ الظَّاهِرَ نَزْرٌ إشارة إلى الحالة الأولى التي انتفى منها شرط من الشروط السابقة، وَمَتَى عَاقبَ فِعْلًا فَكَثِيرًا ثَبَتَا.
[ ٨٨ / ٥ ]
قال ابن هشام: والأصل: أن يقع هذا الظاهر بين ضميرين؛ -هذا مهم في المسألة-، الأصل أن يقع هذا الظاهر بين ضميرين: أولهما للموصوف، وثانيهما للظاهر، كالمثال الذي ذكرناه: ما رأيتُ رجلًا أحسنَ في عينهِ الكحلُ منه، انظر الكحلُ هو الفاعل، سبقه "في عينه" ضمير، وجاء بعده "منهُ" ضمير.
إذًا: وقع بين ضميرين، والأصل أن يقع هذا الظاهر بين ضميرين: أولهما للموصوف: في عينهِ .. رجلًا، وثانيهما: للظاهر .. منهُ أي: الكحلُ، وقد يحذف الضمير الثاني، وتدخل (من) إما على الاسم الظاهر، أو على محله، أو على ذي المحل؛ فتقول: من كحلِ عين زيد، ما رأيتُ رجلًا أحسن في عينهِ الكحلُ من كحل عينِ زيدٍ، يعني: حذفت الضمير منه، منه احذف الضمير، فتقول: من عينِ زيدٍ.
أو من عينِ زيدٍ، أو من زيدٍ؛ فتحذف مضافًا أو مضافين، المراد: أنه قد يحذف الضمير الثاني، فتحذف مضافًا أو مضافين، وقد لا يؤتى بعد المرفوع بشيء؛ لا يأتي بعد المرفوع شيء البتة، الكحلُ ويكتفى به: ما رأيتُ كعينِ زيدٍ أحسن فيها الكحلُ، وقالوا: ما أحدٌ أحسنُ به الجميل من زيدٍ، والأصل: ما أحدٌ أحسنُ به الجميل من حسن الجميل بزيدٍ، ثم إنهم أضافوا الجميل إلى زيدٍ لملابسته إياه، ثم حذفوا المضاف؛ ومثله في المعنى مثال الناظم الذي ذكره .. البيت الثاني: والأصل ولاية الفضل بالصديق، ثم من فضل الصديق ثم من الصديق.
كَلَنْ تَرَى فِي النَّاسِ مِنْ رَفِيقِ أَوْلَى بِهِ الْفَضْلُ مِنَ الصِّديقِ
كَلَنْ: الكاف هذه داخلة على محذوف كقولك: لَنْ حرف نفي، إذًا وقع نفيًا، سبق الكلام نفي هذا أول الشروط.
تَرَى فِي النَّاسِ، تَرَى أنتَ فِي النَّاسِ هذا متعلق بترى، مِنْ رَفِيقِ ترى رفيقًا، من زائدة دخلت على مفعول ترى، مِنْ رَفِيقٍ هذا اسم جنس، إذًا: تقدم، رفيق نكرة اسم جنس، أَوْلَى: هذا أفعل التفضيل، يقع نعت لرفيق، مِنْ رَفِيقِ أَوْلَى، أَوْلَى نعت لرفيق، أَوْلَى بِهِ: بِهِ جار ومجرور متعلق بأولى، والضمير يعود إلى الرفيق، الْفَضْلُ هذا فاعل أولى.
إذًا: أَوْلَى هنا رفع اسمًا ظاهرًا، استوفى الشروط أو لا؟ نعم، استوفى الشروط: أولًا: تقدمه نفي، ثانيًا: قال: الْفَضْلُ هذا أجنبي لم يتلبس بضميرٍ يعود إلى الموصوف، ثالثًا: تقدمه اسم جنس "رفيق"، رابعًا: مفضلٌ هو ذاتٌ واحدة، مفضلٌ على نفسه باعتبارين: الفضلُ في الصديق هذا أولى من الفضل في غيره، لو نظرنا إلى الفضل نفس الفضل عين الفضل من حيث هو وجوده في الصديق هذا أولى من وجوده في غيره، أَوْلَى بِهِ الفَضْلُ مِنَ الصَّدَّيقِ، مِنَ الصَّدَّيقِ جار ومجرور متعلق بأولى، والأصل: أَوْلَى بِهِ الفَضْلُ مِنَ الصَّدَّيقِ، والشروط تامة وهو: تقدُّم النفي وهو لن، والفاعل الأجنبي من الموصف، وهو مفضل على نفسه باعتبار محلين.
[ ٨٨ / ٦ ]
يعني: الفضل محله أبو بكر، الصديق المراد به أبو بكر، وغير أبي بكر هذا محل للفضل، فالفضلُ ننظر إليه باعتبارين، الفضل نفسه، مفضل ومفضل عليه، ننظر للفضل باعتبار كونه في أبي بكر والفضل في غيره، لا شك أنه أولى في أبي بكر، فالمنظور إليه هو الفضل من حيث هو، ثم ننظر إلى المحلين: أبي بكر وغيره، إذًا: فضل شيء الذات واحدة، هذا خلاف الأصل، الأصل في التفضيل أن يكون ثم ذاتين: زيدٌ أكرمُ من عمروٍ، لابد زيد وعمرو كلٌ منهما مباين للآخر، لكن إذا اتحدا زيدٌ أكرم من زيد هذا لا يصلح، اتحاد المحل نقول: هذا فاسد .. يفسد أفعال التفضيل؛ لأن المراد بها اشتراك وزيادة، اشتراك في أصل الوصف مع الزيادة، وهنا ليس فيه ذلك، ولكن هذه المسألة مستثناة يعني: خروج عن أصل، ولذلك قيدت بهذه الشروط، فإذا انتفى منها شرط، حينئذٍ نقول: لا يجوز الرفع.
كَلَنْ تَرَى فِي النَّاسِ مِنْ رَفِيقِ أَوْلَى بِهِ الفَضْلُ مِنَ الصَّدَّيقِ
إذًا: الخلاصة نقول: أصله تغاير المفضل والمفضل عليه ذاتًا، وهنا اتحدا ذاتًا فحصل في معناه التفضيلي ضعفٌ، ولذلك اشترطت الشروط السابقة.
الخلاصة نقول: أفعل التفضيل يرفع ضميرًا مستترًا بإجماع .. محل وفاق، ولا ينصب مفعولًا به بإجماع، وهل يرفع اسمًا ظاهرًا أم لا؟ أكثر العرب: لا؟ أنه لا يرفع، وإن رفعوا به اسمًا ظاهرًا فحينئذٍ قيدوه بشروطٍ لأنه خارج عن الأصل، ولذلك نظر الناظم إلى شرطٍ واحد، وهو أهمها: وَمَتَى عَاقبَ فِعْلًا فَكَثِيرًا ثَبَتَا هذا الأصل لابد منه، ثم بقية الشروط مأخوذة من المثال كعادته ﵀ يذكر المثال ومن المثال نأخذ الأحكام.
قال في شرح الكافية: أجمعوا على أنه لا ينصب المفعولَ به، فإن وجد ما يوهم جواز ذلك جُعل نصبه بفعل مقدر يفسره أفعل، نحو: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» [الأنعام:١٢٤] ذكرنا هذا مرارًا، الله أَعْلَمُ: أَعْلَمُ حَيْثُ، حَيْثُ ظاهرها أنها مفعول به لأعلم، فحينئذٍ نقول: لا، الله أَعْلَمُ .. يعلم حيثُ، فحيث هذا إن صح أنها مفعول به، وإن سبق معنا أنها ملازمة للظرفية المكانية ولا تخرج عنها .. لا تتصرف، فحينئذٍ على مثال الناظم هنا وَالشَّأنُ لاَ يُعتَرضُ المثَالُ: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ» [الأنعام:١٢٤]، يَعْلَمُ حَيْثُ، فحيث هذه منصوبة مفعول به لفعل مقدر، يفسره أعلم، لماذا لا ينصب بأعلم نفسها؟ لأن أعلم لا تنصب مفعولًا به؛ لأن الذي ينصب إما أن يكون اسم فاعل أو محمولًا على اسم الفاعل، إما أن يكون اسم فاعل واسم الفاعل يكون محمولًا على الفعل، وإما أن يكون محمولًا على اسم الفاعل، أفعل التفضيل لا هذا ولا ذاك، «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» [الأنعام:١٢٤]، فحيثُ هنا مفعول به لا مفعول فيه، وهو في موضع نصب بفعل مقدر يدل عليه أعلم.
[ ٨٨ / ٧ ]
وقال أيضًا -في تعدية أفعل التفضيل بحروف الجر-: وجملة القول في ذلك: أن أفعل التفضيل إذا كان من متعدٍ بنفسه دالٍ على حبٍّ أو بغضٍ عُدِّى باللامِ إلى ما هو مفعول في المعنى، وبإلى إلى ما هو فاعل في المعنى، نحو: المؤمن أحبُّ للهِ من نفسهِ، هذا تعدى إلى ما هو مفعول في المعنى، وهو أحبُّ إلى الله تعدى إلى الفاعل من غيره، وإن كان من متعدٍ بنفسه دالٍ على علمٍ عدي بالباء، نحو: زيدٌ أعرفُ بي وأنا أدرى بهِ، إذا كان متضمنًا لمعنى العلم تعدى بالباء، وإن كان من متعدٍ بنفسهِ غير ما تقدم عُديَ باللامِ، نحو: هو أطلبُ للثأرِ وأنفع للجار، وإن كان من متعد بحرف جر عدي به لا بغيره، يعني: إذا كان مشتقًا مأخوذًا من فعل يتعدى بحرف جر عدي بهِ لا بغيره، نحو: هو أزهدُ في الدنيا، الزهُد يتعدى بـ (في)، هو أزهدُ في الدنيا وأسرع إلى الخيِر: «وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ» [آل عمران:١٣٣]، وأسرع إلى الخيرِ، وأبعدُ من الإثمِ، وأحرصُ على الحمدِ، وأجدرُ بالحلمِ، وأحيدُ عن الخنى. حينئذٍ نقول: هذه أسماء التفضيل تعدت بحروف مختلفة، بناء على ماذا؟ بناء على الفعل الذي اشتق منه، إذا اختص الفعل بحرف يتعدى به، فإذا أخذنا منه أفعل التفضيل حينئذٍ عُديَ بمثل ذلك الحرف، ولفعل التعجب من هذا الاستعمال ما لأفعل التفضيل، نحو: ما أحبَّ المؤمن لله، وما أحبَّه إلى الله، وما أعرفهُ بنفسه، وأقطعهُ للعوائق، وأغظهُ لطرفه، وأزهدهُ في الدنيا، وأسرعهُ إلى الخير، وأحرصهُ عليه، وأجدرهُ به انتهى كلامه. وهذا فصل نفيس يكتب بماء الذهب، يفيدك في التفسير.
قال رحمه الله تعالى: التَّوَابِعُ .. النَّعْتُ:
يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الاَسْمَاءَ الأُوَلْ نَعْتٌ وَتَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ
التَّوَابِعُ جمع تابع، والتابع في اصطلاح النحاة: هو عبارة عن الكلمات التي لا يمسها الإعراب إلا على سبيل التبع لغيرها، هذا من حيث العلامة، يعني: لا يأتيها الإعراب ولا يمسها الإعراب إلا على جهة التبعية لغيرها، لماذا رفعناه؟ باعتبار متبوعه، لماذا نصبناه؟ باعتبار متبوعه، لماذا جررناه؟ باعتبار المتبوع، إذًا: لا يمسه الإعراب إلا باعتبار المتبوعِ على سبيل التبع لغيره.
وأما في اصطلاحهم فالمراد بالتابع هو المشارك لما قبله في إعرابهِ مطلقًا، وقد حده ابن عقيل بهذا الحد، الاسم المشارك لما قبله في إعرابه مطلقًا، الاسم هذا جنس يشمل كل الأسماء سواءٌ شارك في الإعراب ما قبلها أو لا، وقوله المشارك لما قبله في إعرابه هذا يشمل سائر التوابع: النعت والتوكيد والعطف .. عطف البيان والنسق والبدل دخلت فيها؛ لأنها مشاركة لما قبلها في الإعراب، فالنعت مرفوع إن كان متبوعه مرفوعًا، ومنصوبٌ إن كان متبوعه منصوبًا، ومخفوضٌ إن كان متبوعه مخفوضًا .. وهكذا الباقي.
[ ٨٨ / ٨ ]
إذًا: دخلت سائر التوابع، وكذلك دخل خبر المبتدأ؛ لأنه مشارك لما قبله في إعرابه: تقول: زيدٌ قائمٌ، زيدٌ: مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة، وقائمٌ خبره مرفوع ورفعه ضمة، أينما حل المبتدأ ومعه خبرٌ حينئذٍ يكون حكمُهُ حكمَهُ ما لم يدخل عليه ناسخ، حينئذٍ هل يكون الثاني تابعًا للأول، يصدق عليه أنه من التوابع؟ لا، نحن نقول: التابع هو الذي لا يمسه الإعراب إلا على سبيل التبع .. انتبه لهذا المعنى، حينئذٍ زيدٌ قائمٌ، قائمٌ هذا مرفوع، مثل المبتدأ، لا يوجد مبتدأ ولم يسبقه ناسخ ومعه خبر ليس بمرفوع، لا يوجد، إذًا: متابع له كما أنه لا ينفك النعتُ عن متابعة منعوته، جاء زيدٌ الفاضلُ مثلهُ، تغير زيد رأيتُ زيدًا تغير معه الفاضل الفاضلَ، مررت بزيدٍ الفاضلِ يدور معه، إذا نُصِب نصب معه، إذا رفع رفع معه إذا خفض خفض معه مثله الخبر.
إذًا: من حيث كونه متابعًا مشاركًا لما قبله في الرفعِ فهو مثله، لكن قال: مطلقًا؛ لأن الخبر وإن شارك المبتدأ إلا أنه لا يشاركه مطلقًا؛ لأن المبتدأ قد يدخل عليه ناسخ فحينئذٍ ينفك الخبر من حيث الإعراب عن المبتدأ، زيدٌ قائمٌ كان زيدٌ قائمًا انفك عنه، إن زيدًا قائمٌ، إذًا: انفك ليس مطلقًا، بخلاف النعت، النعت لا يمكن أن يوجد النعت مرفوعًا والمنعوت منصوبًا أو العكس، وإنما مثله في أي تركيب من تراكيب العرب فالنعت تابعٌ لمنعوته رفعًا ونصبًا وخفضًا، وأما الخبر فلا، يُفصَّلُ فيه فيقال: الخبر إن لم يدخل ناسخٌ على المبتدأ فحكمهُ حكمهُ، وإن دخل عليه ناسخٌ فحينئذٍ لا، انفصل عنه، إذًا: ليس مطلقًا، كذلك الحال إذا قيل: رأيت زيدًا راكبًا، راكبًا هذا مثل: جاء زيدٌ الفاضلُ ورأيتُ زيدًا الفاضلَ، حينئذٍ نقول: النعت تابع لمنعوته في حالة النصب: رأيتُ زيدًا الفاضلَ، فهو منصوب مثله، ورأيتُ زيدًا فاضلًا، فاضلًا هذا حال .. مثله، هل هو تابع له مطلقًا، أو أنه في بعض التراكيب دون بعض؟ لا شك أنه الثاني، وإن كان مشاركًا لما قبله في إعرابه في حال نصب صاحب الحال، الحال نقول: شارك ما قبلهُ متى؟ إذا كان صاحب الحال منصوبًا، إذًا: شاركهُ، لكن نقول: مطلقًا أخرجنا الحال، لماذا؟ لأن صاحب الحال لا يكون دائمًا منصوبًا، إذا قلت: رأيتُ زيدًا راكبًا، راكبًا هذا حال، وهو مشارك لما قبله في الإعراب .. لصاحب الحال لكون كل منهما منصوبًا. جاء زيدٌ راكبًا، مررتُ بزيدٍ راكبًا، بقي الحال منصوبًا وصاحب الحال انتقل من النصب إلى الرفع، ومن الرفع إلى الخفض ولم ينتقل معه الحال.
إذًا: ليس مطلقًا، شاركه في بعض الأحوالِ، وهو إذا كان صاحب الحالِ منصوبًا، وفارقه فيما عدى ذلك، ومثله التمييز إذا كان صاحبهُ منصوبًا فهو منصوبٌ مثله، لكن قد يكون مرفوعًا وقد يكون مجرورًا والحكمُ حكمهُ.
[ ٨٨ / ٩ ]
إذًا: الاسم المشارك لما قبله في إعرابه، هذا دخل فيه سائر التوابع وخبر المبتدأ، نحو: زيدٌ قائمٌ، وحال المنصوب: ضربتُ زيدًا مجردًا شاركه في إعرابه، ويخرج بقولك: مطلقًا الخبر وحال المنصوب، فإنهما لا يشاركان ما قبلهم في إعرابه مطلقًا، بل في بعض أحواله، وهو إذا كان صاحب الحال منصوبًا، وأما في الرفع والخفض ففارقه، وكذلك الخبر إنما يشارك المبتدأ فيما إذا لم يدخل عليه ناسخ، وأما إذا دخل عليه ناسخ فلا. بخلاف التابع فإنه يشارك ما قبله في سائر أحواله من الإعراب، نحو: مررت بزيدٍ الكريمِ، ورأيت زيدًا الكريمَ، مررتُ بزيدٍ الكريمِ هنا شاركه مطلقًا، ورأيت زيدًا الكريمَ، مررتُ بزيدٍ الكريمِ، زيدٍ الكريمِ، الكريم هذا نعت، ومنعوته زيد، وهو مخفوضٌ مثله، كل منهما مخفوض، انتقل زيد صار منصوبًا رأيتُ زيدًا الكريم انتقل معه مباشرة، جاء زيدٌ الكريمُ، الكريمُ بالرفع لماذا؟ لأن منعوته مرفوع، إذًا: يدور معه رفعًا ونصبًا وخفضًا.
[ ٨٨ / ١٠ ]
إذًا: الاسم المشارك لما قبله في إعرابه مطلقًا، المشارك لما قبله في إعرابه نقول: مطلقًا لإخراج الخبر وحال المنصوب، وحال المنصوب يعني: دون حال المرفوع والمجرور؛ لأنه خارج لأنه غير مشارك، والتمييز كذلك مثله في حال النصب، بقي ماذا؟ يرد عليه شيء واحد التعريف هنا سبَّبَ خللًا له وهو تعدد الخبر، الخبر الثاني: وَأَخْبَرُوا بِاثْنَيْنِ أَوْ بِأَكْثَرَا، الخبر الثاني يوافق السابق .. الخبر الأول مثلهُ، إذا كان مرفوعًا حينئذٍ صار مرفوعًا، وإذا كان منصوبًا منصوبًا، وإذا كان مخفوضًا مخفوضًا، هذا حلوٌ حامضٌ، هذا مبتدأ وحُلوٌ بضم الحاء، حُلوٌ فُعْلٌ .. حامضٌ، حلوٌ هذا خبر أول، وحامضٌ خبر ثاني، إن هذا حلوٌ حامضٌ، كان هذا حلوًا حامضًا، ظننتُ هذا حلوًا حامضًا .. معه يدور، الثاني مع الأول، أما الأول فيتغير، فنحن أخرجنا الأول فقط بقولنا: مطلقًا؛ لأنه مباين لما قبله غير مشارك له، لكن الثاني موافق للخبر الأول، فهو يدور معه رفعًا ونصبًا، ولا يكون خفضًا، حينئذٍ تقول: هذا حلوٌ حامضٌ، حامضٌ هذا تابع للسابق مثله مرفوع، إذا رفع رفع، وإذا نصب نصب، لا يكون مرفوعًا وهو منصوب، ولا العكس، حينئذٍ نتحاج إلى إخراجه، ولذلك نقول: الأولى أن يعرف بأنه: المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد غير خبرٍ، ولو زيد غير خبر على قوله مطلقًا لا إشكال، يعني: تقول: الاسم المشارك لما قبله في إعرابه مطلقًا غير خبرٍ، ما في إشكال، الحدود ليست توقيفية، وأما المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجددِ غير خبر، معنى الحاصل المتجدد أنه كلما تغير الإعراب للسابق بسبب تغير التراكيب يتغير الاسم اللاحق بنفس ذلك التغير .. كما ذكرناه سابقًا، فخرج به ثلاثة أمور: خبر المبتدأ، إذ لو تغير المبتدأ بالنواسخ لم يتغير الخبر بنفس تغيره .. خرج به، لم يتغير بنفس تغيره بل بشيء مغاير، لو رفع: كان زيدٌ تغير الخبر، لكن لا بتغير المبتدأ، كان المبتدأ مرفوعًا والخبر مرفوعًا، زيدٌ قائمٌ، ثم قلت: كان زيدٌ قائمًا، لم يتغير الخبر هنا بتغير المبتدأ، وخرج المفعول الثاني، فإنه لو تغير إعراب المفعول الأول بأن صار نائب فاعل، كما في: أُعطيَ زيدٌ درهمًا، تغير الأول ولم يتغير المفعول الثاني، وخرج الحال المنصوب كما ذكرناه سابقًا. غير خبر: خرج به الخبر الثاني، فيما إذا تعددت الأخبار، نحو: الرمانُ حلوٌ حامضٌ، إذًا: التعريف هذا أجود من سابقه، وإن زيد على السابق مطلقًا غير خبر كذلك لا إشكال.
قال الناظم:
يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الاَسْمَاءَ الأُوَلْ نَعْتٌ وَتَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ
يَتْبَعُ: هذا فعل مضارع، فِي الإِعْرَابِ: جار ومجرور متعلق به، الأَسْمَاءَ: هذا مفعول به، الأُوَلْ: نعت له، نَعْتٌ: هذا فاعل يَتْبَعُ، يَتْبَعُ نَعْتٌ، وما عطف عليه: تَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ .. يَتْبَعُ في الإِعْرَابِ الأَسْمَاءَ الأُوَلْ السابقة، الأَسْمَاءَ الأُوَلْ أفاد قوله الأُوَلْ: أن هذه تكون تابعة، وأن المتبوع لا يتقدم على تابعهِ كما سيأتي.
[ ٨٨ / ١١ ]
يَتْبَعُ فِى الإِعْرَابِ: ما المراد بالإعراب؟ يعني: في الرفعِ والنصبِ والخفضِ، الأثر الظاهر .. أثرٌ ظاهرٌ أو مقدرٌ يجلبهُ العامل في آخر كلمة أو ما نزل منزلة الآخر، والأثر الظاهر قلنا: يكون حرفًا ويكون حركة، يكون وجودًا ويكون عدمًا، يكون تقديريًا ولفظيًا ومحليًا، هذه كلها داخلة في قوله: يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ أي: وجودًا وعدمًا، قد يعدم الإعراب، مثل ماذا؟ أُورِد على الناظم هنا: يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ قامَ قامَ زيدٌ، لاَ لاَ أَبُوحُ بحِبِّ بَثْنَةَ )، قامَ قامَ زيدٌ، قام الأول فعل ماضي، وقامَ الثاني توكيد لفظي، هل أتبعه في الإعراب؟ ليس عندنا إعراب هنا، هنا بناء، ليس عندنا إعراب، لاَ لاَ أَبُوحُ، لا الثانية هذه توكيد، أين الإعراب؟ ليس عندنا إعراب.
إذًا: يتبعه في الإعراب وجودًا وعدمًا، لابد أن نوسع الدائرة، فنقول: الإعراب المراد به وجودًا وعدمًا، ليدخل المبني فيما إذا أكد الفعل أو أكد الحرف، فتوكيد الفعل اللفظي بإعادته مرة ثانية .. إعادة اللفظ بعينه مرة ثانية، وكذلك إذا أعيد الحرف مرة ثانية نقول: هذا توكيد لفظي، الثاني من الفعل والحرف لم يتبع الأول في الإعراب؛ لأنه غير معرب.
إذًا: يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ، الإعْرَابِ أي: وجودًا وعدمًا؛ ليشمل: قامَ قام زيدٌ، ولاَ لاَ أَبُوحُ بحِبِّ بَثْنَةَ، ويشمل كذلك عطف النسق، إذا لم يكن للمعطوف عليه إعرابه كالجملة المستأنفة، العطف .. عطف النسق حينئذٍ نقول: هذا تابع لما سبق، الجملة المستأنفة قد يعطف عليها، حينئذٍ نقول: هذا ليس له محلٌ من الإعراب، المعطوف على ما لا محل له من الإعرابِ لا محل له من الإعراب، وكيف تبعه؟ نقول: لم يتبعه وجودًا، وإنما تبعه عدمًا، إذًا: لابد من توسيع الدائرة.
وعطف النسق إذا لم يكن للمعطوف عليه إعرابٌ كالجملة المستأنفة، وكذا المراد بالإعراب وما يشبه الإعرابَ، سيأتينا في باب المنادى هناك: يا زيدُ الفاضلُ، الفاضلُ هذه حركة بناء تابع لزيد، وزيدٌ مبني على الضم، فاضلُ بني أعطي حركة زيد، لكن هذه الحركة ليست حركة إعراب، وإنما هي حركة إتباع، هل يدخل فيه؟ نعم يدخل فيه، سيأتينا هذا بحثه. ويا سعيدُ كرزُ، كذلك بضم كرزُ. بضم الفاضلُ وكرزُ إتباعًا لضمة زيدُ وسعيدُ، فإن تبعيتهما في الضم لا في الإعراب.
إذًا: الإعراب وجودًا وعدمًا، الإعرابُ وما يشبههُ، والمراد كذلك ما يشمل الظاهر والمحلي والتقديري، فدخل نحو: هذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ هذا مثال مشهور، أكثر العرب على "خَرِبٌ" بالرفع، هذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، خَرِبٍ هذا نعت لـ (جُحْرُ)، هذَا مبتدأ، جُحْرُ خبر، وهو مضاف .. جُحْرُ ضَبٍّ مضافُ إليه، خَرِبٍ أكثر ما نقل "خَرِبٌ" بالرفعِ، لكن نقل كذلك بالخفضِ، حينئذٍ نقول: الإعراب تقديري، تبعه أو لا؟ هنا يرد السؤال يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الأَسْمَاءَ الأُوَلْ، خَرِبٍ تبع جُحْرُ أم لا؟ تبعه.
هذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، خَرِبٍ بالخفض، تبعه أم لا؟ تبعه، لكن باعتبار الإعراب التقديري، إذًا: الإعراب يدخل فيه جنس أنواع الإعراب، وهو المحلي والتقديري والظاهر.
[ ٨٨ / ١٢ ]
يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الاَسْمَاءَ، الاَسْمَاءَ سيأتي أن البدل .. وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفعْلِ، سيأتي.
إذًا: الناظم خص بكون الإتباع هنا يكون بالأسماء، هل هو احترازٌ عن الأفعال فلا يُتبع الفعلُ ولا يُتبع الحرفُ؟ لأنه سيأتي: قام قامَ زيدٌ، لا لا أبوحُ، أُتبع الحرف وأُتبع الفعلُ قام قامَ، هل هو تخصيص أو أغلبي؟ أغلبيٌ، إذًا: التوكيد والبدل وعطف النسق قد تتبع غير الاسم، وإنما خص الأسماء بالذكر لكونها الأصل في ذلك.
يَتْبَعُ فِي الإِعْرَابِ الأَسْمَاءَ الأُوَلْ: هذا فيه إشارة إلى منع تقديم التابع على المتبوعِ، وأجازه بعضهم؛ أجاز بعضهم تقديم الصفة على الموصوف، إذا كان لاثنين أو جماعةٍ، وقد تقدم أحد الموصوفينِ: قامَ زيدٌ العاقلانِ وعمروٌ، قامَ زيدٌ وعمروٌ العاقلانِ، هذا جاء على الأصل، هل يجوز أن يتقدم؟ جاء العاقلانِ زيدٌ وعمروٌ؟ لا، على الصحيح، وأجاز بعضهم، لكن بعضهم فصل، قال: إن وقع بين اثنين أو جماعة وهو نعت لهم أو لهما جاز وإلا فلا، وهذا ليس بصحيح فاسد هذا؛ لأن المنعوت كالشيء الواحد، جاء زيدٌ وعمروٌ العاقلانِ، العاقلان هذا نعت لزيد وعمرو، حينئذٍ صار المنعوت في المعنى كالشيء الواحد فلا يجزأ، لا يفصل بينهما، وهذا نقول: هذا فاسد. وأجاز الكوفيون تقديم المعطوف بشرطه وسيأتي معنا في عطف النسق أنه يجوز التقديم، والصواب أنه لا يجوز، نَعْتٌ وَتوْكِيدٌ وَعَطْفٌ والعطف يشمل اثنين: عطف البيان وعَطْفٌ النسق، والبدل، هل الترتيب مراد عند الناظم هنا؟ أم الترتيب باعتبار النظم: نَعْتٌ وَتوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ؟
هو مشى على هذا، نعتٌ بوَّبَ النعت، ثم بوَّبَ للتوكيد، ثم عطف البيان، ثم عطف النسق، ثم البدل آخر باب، بهذا الترتيب، إذًا: جرى على ما سار عليه، لكن عند البيانيين ترتيب معين: إذا اجتمعت هذه كلها لا يقدم فيها التوكيد على النعت، لا تقدم يعني هكذا بالمزاج، وإنما تقدم ما هو أولى عندهم، وهذا سبق مرارًا معنا في الجوهر المكنون وغيره.
يُبدأ عند اجتماع التوابع بالنعتِ، ثم بعطف البيان، ثم بالتوكيد ثم بالبدل ثم بالنسق، هذا المشهور عند البيانين، وهذا مقررٌ عندهم، فيقال: جاء الرجلُ الفاضلُ أبو بكرٍ نفسهُ أخوكَ وزيدٌ، جاء الرجلُ: الرجل هذا خارج عن القسمة، الفاضلُ: نعته، أبو بكرٍ: عطف بيان، نفسهُ: توكيد، أخوكَ: بدل، وزيدٌ هذا عطف نسق، لكن هذا استحسان ليس على جهة الإيجاب.
[ ٨٨ / ١٣ ]
والتابع على خمسة أنواع: النعت والتوكيد وعطف البيان وعطف النسق والبدل، واختلف النحاة في العامل في التابع، ما هو على خلاف طويل عريض. وللنحاة خلاف في العامل في التابع، فأما النعت والتوكيد وعطف البيان فمذهب الجمهور: أن العامل في كل واحد منهما هو العامل في المتبوع، النعت العامل في المتبوع هو العامل في النعت، هذا هو الصحيح، فإذا قلت: جاءَ زيدٌ الفاضلُ، جاءَ: فعلٌ ماضي، وزيدٌ فاعل، والفاضلُ هذا نعت لزيد مرفوع، ونعت المرفوع مرفوع، زيد مرفوع بماذا؟ بجاءَ، والفاضلُ مرفوع بماذا؟ بجاءَ أيضًا، هذا المراد بكون العامل في التابع هو العامل في المتبوع، أن: زيدٌ الفاضلُ، زيدٌ مرفوع بجاءَ، كذلك الفاضلُ مرفوع بجاء، هذا مراد الجمهور بكون العامل في التابع، هو عين العامل في المتبوع.
إذًا: النعت والتوكيد وعطف البيان العامل متحد، الذي عمل في المتبوع هو العامل في التابع، هذا مذهب الجمهور. وذهب الخليل والأخفش: إلى أن العامل في كل واحدٍ منها تبعيته لما قبله؛ التبعية مشهورة عند النحاة، الآجرومية يذكرونها كثير، وهي عامل ضعيف لا يعول عليه؛ لأنها معنوي، وسبق أن العامل المعنوي، وهو ما لا حظ للسان فيه ضعيفٌ في أصله، ولولا أنه لم يوجد في المبتدأ إلا الابتداء والتجريد في باب الفعلِ لما قيل بهما، لكن أُلجئَ النحاة إلى القول بهما في هذين البابين من باب الضرورة .. ما يوجد عامل لفظي. فلا يعدل إلى العامل المعنوي إلا عند تعذر وجود العامل اللفظي -انتبه لهذا-، فالتبعية التي هي أمر معنوي، التبعية فعلك أنت، يعني: إذا قلت: جاءَ زيدٌ الفاضلُ، أنت ذكرت الفاضل من أجل أن يكون تابعًا لزيد، هذا هو العامل، هذا ضعيف، ولذلك نقول هناك: جعلك الاسم أولًا لتخبر عنه ثانيًا، هو وصف لك أنت، العامل المعنوي في الأصل وصف لك أنت، وأنت شيء خارج عن اللفظ، العوامل منسوب إليها العمل وإن كانت هي أعراض، وإن كان الإنسان له حكاية أو له عمل في نفس العوامل، ولذلك ابن مضاء له رسالة في الرد على النحاة، يقول: فكرة العامل هذه خيالية، هذه خزعبلات لا أصل لها، لماذا؟ يقول: ما في شيء اسمه عامل ويعمل نصب ورفع، أنت إذا قلت: إن زيدًا قائمٌ، تستطيع تقول: إن زيدًا قائمًا، إن زيدٌ قائمٌ، إن زيدٍ قائمٍ .. أنت الذي تتحكم ليس العامل! يقول: ما في شيء اسمه عامل، إذا قلت: "إنَّ" هو عمل بنفسه كأنك جعلت له قوة وهو لفظ، هو حروف هواء لا يقدم ولا يؤخر، كيف تجعل له قوة ومعنى في نفسه، ثم يرفع وينصب؟ لا، لكن هذا جوابه سهل أن المسألة اصطلاحية فقط، نظرية العامل هذه مسألة اصطلاحية، وإلا في الأصل نعم صحيح، قد يتحكم الإنسان في: جاءَ زيدًا، رأيتُ زيدٍ تستطيع تتحكم أنت.
إذًا إذا قلت: إن زيدًا قائمٌ، أنت الذي نصبت وأنت الذي رفعت، و"إنَّ" هذه علامة لنصبك بعد إنَّ ولرفعك بعد إنَّ، كلام مقبول معقول؛ لكن قال المتأخرون بعد ابن مضاء كلامه لا يلتفت إليه، مع كون كلامه له وجاهة.
إذًا: ذهب الخليل والأخفش إلى أن العامل في كل واحد منها هي تبعيته لما قبله، وهي أمر معنوي، وأما البدل فمذهب الجمهور أن العامل فيه محذوفٌ مماثل للعامل في المبدل منه.
[ ٨٨ / ١٤ ]
وذهب المبرد: إلى أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه، يعني: سوى بين الجميع، والصحيح هو أن العامل في البدلِ على نية تكرار العامل، بمعنى أن العامل ليس هو عين الأول خلاف السابق، جاءَ زيدٌ الفاضلُ، الفاضلُ قلنا: هذا مرفوع بجاء، العامل في المتبوع هو عين العامل في التابع، وأما في البدل فلا، فعلى نية تكرار العامل، إذا قلت: جاء زيدٌ أخوكَ، على أن أخوكَ بدل، كأنك قلت: جاء زيدٌ جاء أخوكَ؛ لأنه في الغالب أن المبدل منه في نية الطرح، فإذا كان في نية الطرح صار معرضًا عنه، وإذا صار معرضًا عنه لا يمكن أن يجمع بين البدل والمبدل منه في عاملٍ واحد، وهذا يأتي في المحل، والمراد هنا التعميم.
أن العامل في البدل هو العامل في المبدل منه .. هذا قول المبرد، واختاره ابن مالك، تسوية بينه وبين النعت، وأما عطف النسق: جاء زيدٌ وعمروٌ، فمذهب الجمهور: أن العامل فيه هو العامل في المعطوف عليه، لكنه عمل بواسطة حرف العطف: جاء زيدٌ وعمروٌ، عمروٌ مرفوع، ما الذي رفعه؟ نقول: جاء، مثل: جاء زيدٌ الفاضل، لكن هنا بواسطة حرف العطف، وقيل: حرف العطف؛ وقيل: عامل مقدر، لكنه عمل فيه بواسطة حرف العطف؛ وقيل: العامل هو حرف العطف، وقيل: العامل محذوف.
فَالنَّعْتُ تَابِعٌ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ بِوَسْمِهِ أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ
هذا تعريف وشروع من الناظم في بيان النعت، وهو أول التوابع.
فَالنَّعْتُ: الفاء هذه فاء الفصيحة، النعتُ اصطلاحًا .. في اصطلاح النحاة.
قوله: النَّعْتُ، النعت هل هو مغاير للصفة؟ أم أنهما متغايران؟ ابن القيم له بحث نفيس في بدائع الفوائد على أن ثم فرقًا بين النعت والصفة، وخص النعت بما يتغير، والوصف والصفة بما يثبت، العلم ثابت، والفضلُ ثابت مثلًا، حينئذٍ هذا يسمى صفةً، وأما ما يكون قابلًا للتغير كقامَ وضربَ، ضارب وقائم، نقول: هذا نعت، ولذلك يقول: نعوتُ الرب وصفاته كثيرٌ هكذا؛ لأن بينهما فرق.
إذًا: النعت ويقال له الوصف والصفة، وقيل: النعت خاص بما يتغير والوصف والصفة لا يختصان به، يعني: كل نعت صفة ولا عكس، يعني: الصفة والوصف أعم من النعت، يشمل ما يتغير وما لا يتغير، نحو: عالم وفاضل.
وفي القاموس: النعت والوصف مصدران بمعنى واحد، وأن الصفة تطلق مصدرًا بمعنى الوصف واسمًا لما قام بالذات كالعلم والسواد.
إذًا: في القاموس وهو كتاب مرجع لغة؛ أن النعت والصفة بمعنى واحد، وإذا فُصِّل بين النعت والصفة حينئذٍ نحتاج إلى نقل، وإلا يصير من قبيل الاصطلاح، إذا فرق مفرق بينهما إما أن يثبته لغةً، وإما أن يدعي أنه اصطلاح، إذا قال: هذا هو لسان العرب، لابد من إثباته، وإذا قيل: بأنه اصطلاح لا إشكال فيه.
فَالنَّعْتُ -اصطلاحًا- تَابِعٌ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ بِوَسْمِهِ أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ
[ ٨٨ / ١٥ ]
قال ابن عقيل: عرف النعت بأنه التابع المكمل متبوعه ببيان صفة من صفاته، تعبير الناظم فيه نوع صعوبة. التابع المكمل، التابع جنس يشمل جميع التوابع الخمسة السابقة. المكمل متبوعه، هذا أتى به بيانًا لقول الناظم: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ، والذي سبق هو المتبوع، مُتِمٌّ أي: مكملٌ مَا سَبَقْ ببيان صفة من صفاته، بِوَسْمِهِ: يعني: بتعليمه، والوسم هو العلامة، والعلامة هنا بكونه إما موضحًا وإما مخصصًا، يعني: دل على معنى في المتبوع، وهذا المعنى مكمل له، ثم أفاد إما تخصيصًا وإما إيضاحًا، كما سيأتي. إذًا: التابع هذا جنس، والمكمل متبوعه هذا أراد به بيان قول الناظم: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ؛ لأن النعت متمم لمنعوته.
ببيان صفة من صفاته: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ كَرِيمٍ، رجلٍ: هذا جار ومجرور متعلق بمررت، كريمٍ: هذا النعت، مكملٌ للمنعوت وهو رجل، ببيان صفة من صفاتهِ وهو الكرم، لو قيل: مررتُ برجلٍ هل يعرف أنه كريم؟ الجواب: لا، إذًا: لا يعرف أنه كريم.
إذًا: قوله: كَرِيمٍ تمم به المعنى السابق، فحينئذٍ نقول: النَّعْتُ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ يعني: الذي سبق، وهو المنعوت، بِوَسْمِهِ جار ومجرور متعلق بقوله مُتِمٌّ، وذكر الصبان أنها سببية، يعني: بسبب وسمه، حصل التتميم بسبب وسمه. الباء سببية والوسم يطلق بمعنى العلامة -في الأصل- يطلق بمعنى العلامة، وعليه -على هذا- يقدر مضاف أي: بإفهام وسمه، أنه يفهم وسمه، أي: علامته، ويطلق يعني: الوسم بمعنى المصدر، وهو الوسم بالسمة وهي العلامة، فحينئذٍ لا يقدر على هذا القول، ومعنى العبارة، -عبارته فيها غموض-، ومعنى العبارة: تابعٌ مكملٌ لمتبوعه بسبب دلالته على معنىً في متبوعهِ أو في سببي متبوعهِ، وهذا يدل على عناية ابن عقيل بالمعنى أكثر من اللفظ؛ لأنه أتى بما أتى به الصبان، مكمل متبوعه ببيان صفة من صفاته، مكمل لمتبوعه بسبب دلالته على معنى في متبوعه، وهذا لا شك أن النعت يدل على معنىً يقيد به أو يوضح المنعوت.
بِوَسْمِهِ أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ: هذا بين فيه قسمي النعت، وأنه قد يكون النعت حقيقيًا وقد يكون سببيًا، إذا كان حقيقيًا فهذا أراده بقوله: بِوَسْمِهِ.
أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ: وسم الذي اعتلق به يعني: تعلق بالنعت الأصلي، فحينئذٍ صار النعت لما بعده لا لما قبله، لو قال مثلًا: مررتُ بزيدٍ الفاضلِ أبوهُ، لو قلت: مررتُ بزيدٍ الفاضلِ، الفاضلِ هذا متمم لزيد؛ لأن زيد فاضل وغير فاضل، فإذا قلت: الفاضلِ تممت السابق، طيب إذا قلت: مررتُ بزيدٍ الفاضلِ أبوهُ، الفضل وصف لمن؟ لزيد أو لأبي زيد؟
لأبي زيد. إذًا: رجع على شيء تعلق به، أو وسم ما اعتلق به، ما الذي اعتلق؟ أبوه، يعني: تعلق به كونه معمولًا له، وهو الذي يسمى سببيًا، أَوْ وَسْمِ، يعني: تعليم وإيضاح وكشف معنى الذي اعتلق به، والذي اعتلق به هو مرفوعه كما سيأتي.
[ ٨٨ / ١٦ ]
فَالنَّعْتُ تَابعٌ مُتِمٌّ، قوله: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ: هذا فيه تفسيران، بني عليه طعن في التعريف، أولًا -كما عرفه الأشموني-: بأنه المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب المقام، المراد بقوله: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب المقام، وعليه يشمل كل أنواع الأسباب التي من أجلها يؤتى بالنعت، التي يعبر عنها بأغراض النعت، بعضهم وصلها إلى ثمانية، بعضهم إلى عشرة، بعضهم إلى خمسة عشر .. إلى آخره، وإن كان أصلهما .. مدارهما التوضيح والتخصيص، ويزاد عليها الذم والترحم والتعميم والإبهام .. هذه الأغراض كلها داخلة في قوله: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ، فهو المفيد ما يطلبه المتبوع بحسب المقام، إن احتاج المقام إلى أن يوضح المتبوع أُتي بالنعت موضحًا، إن احتاج المقام أن يؤتى بتخصيصٍ للمتبوع أتي بالنعت مخصصًا، إن احتاج المقام أن يؤتى بنعتٍ لذم المتبوع أتي به على غرض الذم، وهكذا الترحم، وهكذا التعميم وهكذا الإبهام ونحو ذلك، بحسب المقام، متى ما احتجنا إلى الذم جئنا بالنعت متممًا لما سبق على وجه الذم، ومتى ما احتجنا الترحم جئنا بالنعت متممًا لما سبق على وجه الترحم، فاللفظ عام يشمل جميع أغراض النعت، مُتِمٌّ مَا سَبَقْ، هذا المشهور في شرح عبارة الناظم وعليها الأشموني وأكثرهم، لكن ابن هشام في الأوضح ما ارتضى هذا، قال: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ أي: مكملٌ بتوضيحِ أو تخصيصِ ما سبق، خصه بغرضين: توضيح وتخصيص، وهذان لا شك أنهما غرضان للنعت، وعليه قال: فَالْحَدُّ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لأنه خرج ما إذا جيء بالنعت ذمًا، أو ترحمًا أو تعميمًا أو إبهامًا وعدَّ عليه، عدَّ عليه أشياء كثيرة تركها الحدُّ، حينئذٍ يكون غير جامع، والجواب سهل، نقول: التخصيص والتوضيح هذا أهم، وأعلى درجات النعت أن يؤتى به إما موضحًا وإما مخصصًا، وما عدا هذين الشيئين فهو قليل نادر، حينئذٍ يكون الحكم على الكثير، فلا اعتراض على الناظم، ثم قد يقال: بأن الذم والترحم والتعميم؛ هذه كلها فيها توضيحٌ أو تخصيصٌ وزيادة، إذًا: لم تخرج عن التوضيح والتخصيص فلا إشكال، لا اعتراض على الناظم.
إذًا: المعنى الثاني في تفسير قوله: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ أي: المكملُ الموضحُ للمعرفة والمخصص للنكرة كما سيأتي.
وهذا تفسير قاصرٌ لخروج سائر الأغراض غير التوضيح والتخصيص، فيكون التعريف غير جامع، وأجيب بأن التوضيح والتخصيص أشهر أغراض النعت، وما عداهما نادر، أو يجاب بأن كل ما ذكر انتقادًا للناظم داخلٌ تحت التوضيح والتخصيص، حينئذٍ تقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هذا للمدحِ، فهو توضيحٌ وزيادة. أَعُوذُ بالِلهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، هذا توضيح وزيادة وهو الذم. إذًا: يشمل الجميع وهذا حسن.
النَّعْتُ تَابِعٌ مُتِمٌّ مَا سَبَقْ: يعني: مكمل لمتبوعه، بِوَسْمِهِ: عرفنا بِوَسْمِهِ، أي: بوسم مَا سَبَقْ، أي: بصفة مَا سَبَقْ، يعني: بدلالته على صفة مَا سَبَقْ.
[ ٨٨ / ١٧ ]
أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ، أَوْ وَسْمِ: هذا معطوف على قوله: بِوَسْمِهِ، يعني: معطوف على المجرور والمعطوف على المجرور مجرور، مَا: وَسْمِ مضاف ومَا مضاف إليه بمعنى الذي، اعْتَلَقْ به، اعْتَلَقْ هذا فعل ماضي، والمراد اعْتَلَقْ أي: تعلق، بكونه معمولًا للنعتِ، فحينئذٍ نقسم النعت إلى نوعين: نعت حقيقي ونعت سببي.
شرح التعريف: قوله: تابع جنس، ومتم ما سبق: أخرج البدل والنسق، لأنهما لا يتمان متبوعهما لا بإيضاح ولا تخصيص، أي: لم يقصد بهما ذلك أصالةً، فلا ينافي عروض الإيضاح بالبدل، بل ولعطف النسق في بعض الصور.
وبِوَسْمِهِ أَوْ وَسْمِ مَا بِهِ اعْتَلَقْ مخرج لعطف البيان والتوكيد؛ لأنهما شاركا النعت في إتمام ما سبق؛ لأن الثلاثة تكمل دلالته، وترفع اشتراكه واحتماله، إلا أن النعت يتممه بدلالته على معنى في المتبوع، أو فيما كان متعلقًا به، والتوكيد والبيان ليسا كذلك؛ لأن البيان عين الأول، والتوكيد المعنوي كذلك، وكذلك اللفظي، و"كل وأجمع" سيأتي بيانهما.
والنعت يكون مخصصًا ويكون موضحًا، والمراد بالتوضيح رفع الاشتراك، والمراد بالتخصيص تقليل الاشتراك، التوضيح يكون للمعرفة، والتخصيص يكون للنكرة، حينئذٍ التخصيص حصل بتقليل الشيوع، إذا قلت: مررتُ برجلٍ كريمٍ، رجل كريم، رجل ما زال هو نكرة، لكن لما قلت: كريمٍ، حينئذٍ قل، أخرجت البخيل، ثم إذا قلت: برجل كريم هل تعرَّف؟ لم يتعرَّف، بقي الرجل من هو؟ ما ندري من هو، وإنما يصدق عليه أنه وصفه كريم، وهذا يصدق على زيد وعمرو وخالد .. إلى آخره، إذًا لم يحصل له تعريف، وإنما حصل له تقليل اشتراك فقط؛ لأن لفظ رجل يشترك فيه البخيل والكريم، فإذا قلت: برجلٍ كريم أخرجت الأكثر، وبقي القليل وهو الكريم، حينئذٍ نقول: كريم هذا مقلل للشيوع.
إذًا: التوضيح رفع الاشتراك اللفظي في المعارف، ويكون بعد المعرفة، والتخصيص: تقليل لاشتراك المعنوي في النكرات، وذكر ابن عقيل هنا خمس أغراض للنعت: أن يكون للتخصيص: مررتُ بزيدٍ الخياط، هل هذا المثال مسلَّم؟ على المشهور لا، هو ما ذكر التوضيح، ولعله يقصد بالتخصيص هنا التوضيح، قد يكون هذا مراده، لكن ليس هذا المشهور عند النحاة، النحاة: أن يكون النعت بعد المعرفة مفيدًا للتوضيح، تقول: جاء زيدٌ العالمُ، إذا عندك زيد جاهل وعالم، فإذا وصفته بالعلم، تقول: جاء زيدٌ العالمُ، حينئذٍ تعين .. رُفِع الاشتراك، كان زيد مشترك بين الجاهل وبين العالم، فإذا قلت: جاء زيدٌ العالم، فحينئذٍ حصل رَفعٌ للاشتراك اللفظي في المعارف .. بعد المعارف، وأما التخصيص فهو تقليل للاشتراك، ويكون بعد النكرات، لو قال: مررتُ برجلٍ خياطٍ، قلنا: برجلٍ خياط هذا حصل نوع تخصيص. وللمدح: نحو: مررتُ بزيدٍ الكريمِ، ومنه قوله تعالى: «بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحِيمِ» [الفاتحة:١]، الْرَّحمَنِ هذا نعت للفظ الجلالة، والْرَّحِيمِ: هذا نعتٌ ثاني، أو نعتُ النعت، ونعت النعت هذا فيه خلاف، يعني: لا ينعتُ النعت مع وجود المنعوت .. قاعدة: لا يُنعتُ النعت مع وجود المنعوت، يأتينا إن شاء الله.
[ ٨٨ / ١٨ ]
وللذم: مررتُ بزيدٍ الفاسقِ، ذم هذا، مررتُ بزيدٍ السارق اللئيم، هذا كله ذم، «فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» [النحل:٩٨]، الرَّجِيمِ هذا نعت للشيطان، ما المراد به؟ مدح؟ لا، المراد به الذم .. مرجوم. وللترحم: مررتُ بزيدٍ المسكين، المسكين: اللهم عبدك المسكين، هذا ترحم.
وللتأكيد: أمسِ الدابرُ لا يعود، أمسِ الدابرُ، الدابرُ هذا نعت لأمس، أمس هو الدابر، ولكن جيء بالنعت من باب التوكيد، ومنه: «فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ» [الحاقة:١٣]، وَاحِدَةٌ هذا توكيدٌ لـ نَفْخَةٌ.
ومن أغراضه التعميم: إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين، الطائعين وعطف عليه العاصين، هذا فيه تعميم، لو قال: إن الله يرزق عباده عمَّ، لكن هذا جاء من باب تأكيد العموم.
والترحم: وهذا ذكره: اللهم عبدك المسكين، والإبهام: تُصُدِّقَ بصدقةٍ قليلةٍ أو كثيرة.
والتفصيل: مررتُ برجلين عربي وعجمي.
إذًا: يؤتى بالنعت للأغراض المذكورة وغيرها، لكن أصلها هو التوضيح والتخصيص، وكلها ترجع إلى هذين المعنيين.
وهذان المعنيان وما ذكر من أغراض النعت داخلة في قوله: مُتِمٌّ مَا سَبَقْ، يعني: مفيدٌ معنى في المتبوع، إما على جهة التوضيح في المعارف أو التخصيص في النكرات.
ثم شرع في بيان أحكام كلٍّ من النوعين: النعت الحقيقي والنعت السببي.
ونقف على هذا.
والله أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين !!!
[ ٨٨ / ١٩ ]