قد يتسلط عامل واحد على معمولين أو ثلاثة، وهذا كثير في اللغة، كما في باب ظن وأخواتها، لكن تسلط عاملين على معمول واحد هو الغريب، ويسمى بالتنازع، وقد اختلف البصريون والكوفيون فيما يعمل وما يهمل من العاملين.
[ ٣٤ / ١ ]
التنازع في العمل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [التنازع في العمل.
إن عاملان اقتضيا في اسم عمل قبل فللواحد منهما العمل والثان أولى عند أهل البصره واختار عكسًا غيرهم ذا أسره] ورود عامل على معمولين ليس بغريب، وقد مر في باب ظن وأخواتها -مثلًا- عامل واحد وارد على معمولين، مثل: ظننت الرجل قائمًا، فتجد أن ظن هنا وردت على معمولين: الرجل، وقائمًا، كذلك باب كسا وأعطى تقول: أعطيت المجتهد جائزة، فأعطى واردة على معمولين: المجتهد وجائزة.
وقد يتعدى عامل واحد إلى ثلاثة معمولات، لكن هل يرد عاملان على معمول واحد؟ هذا ما نحن فيه في هذا الباب: أنه يتوارد معمولان على معمول واحد.
ويسمى هذا: باب التنازع في العمل، فكأن هذين العاملين تنازعا العمل فكل واحد يقول: العمل لي، فما الحكم؟ قبل أن نبدأ بالحكم نأتي بالمثال، تقول: أكرمت ووعظت زيدًا، (زيدًا) هنا مفعول لأكرم ولوعظ، فكل من العاملين يطلب زيدًا فمن نرضي منهما؟ هل نقول: إنه مفعول لأكرم أو مفعول لوعظ؟ قال المؤلف ﵀: إن عاملان اقتضيا في اسم عمل قبل فللواحد منهما العمل قوله: (عاملان): إعرابها عند الكوفيين مبتدأ خبره (اقتضيا)؛ لأن الكوفيين يجوزون أن يلي أداة الشرط اسم.
والبصريون يقولون: لا يمكن أن يلي أداة الشرط اسم، فيقولون: عاملان: فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، والتقدير: إن اقتضى عاملان في اسم عمل.
وقوله (في اسم): متعلق باقتضى.
عمل: مفعول اقتضى، ولكنه لم تظهر عليه الفتحة، نقول: هذا له وجهان: الوجه الأول: أن يكون المؤلف ﵀ مشى على لغة ربيعة؛ لأن ربيعة يقفون على المنصوب بالسكون فيقولون: أكرمت زيد، ولا يقولون: أكرمت زيدًا، بخلاف بقية العرب.
الوجه الثاني: المؤلف لم يقف عليه بالألف من أجل الروي؛ لأن الشعر ضرورة تصد الإنسان عما يريد.
قبل: صفة لعاملان، أي: أنهما سبقا عليه.
(فللواحد منهما العمل) أي: وليس للاثنين؛ لأنه لا يمكن أن يرد عاملان على معمول واحد، فالعمل لواحد فقط.
وظاهر كلام النحويين عدم ذلك لو كان العاملان مترادفين، مثل أن تقول: قام ووقف زيد، فلا يمكن أن تقول: زيد فاعل لقام ووقف؛ لأنهما عاملان لا يمكن أن يكون لهما معمول واحد، بل لا بد أن تجعل العمل لواحد منهما.
فما الذي يكون له العمل السابق أو اللاحق؟ كل منهما له مزية، فالسابق له فضل التقدم، واللاحق له فضل التوالي مع المعمول، ومن ثم اختلف النحويون في ذلك، فقال المؤلف: (والثانِ أولى عند أهل البصره واختار عكسًا غيرهم ذا أسره) الأسرة: الجماعة أو القوة.
إذًا: اختلف النحويون في هذه المسألة: فمنهم من قال: العمل للأول، ومنهم قال: العمل للثاني.
فالذين قالوا: العمل للأول هم الكوفيون؛ لتقدمه، والذين قالوا: العمل للثاني هم البصريون؛ لقربه من المعمول.
قوله: (والثان أولى عند أهل البصرة): الثان: مبتدأ.
والثان هنا أصله بالياء، ولهذا نقول: إنه مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف.
وأولى: خبره.
عند أهل البصرة: عند: متعلق بأولى، وهو ظرف مضاف إلى (أهل)، وأهل: مضاف، والبصرة: مضاف إليه.
واختار: الواو: حرف عطف، اختار: فعل ماض.
عكسًا: مفعول به.
غيرهم: غير: فاعل مرفوع، وهو مضاف، والضمير في محل جر مضاف إليه.
ذا أسرة: حال من غيرهم، أي: حال كونهم.
مثال ذلك: قام وقعد زيد، فالبصريون يقولون: قام: فعل ماض، وفاعله مستتر جوازًا تقديره هو يعود على زيد.
قعد: فعل ماض.
وزيد: فاعل.
والكوفيون يقولون: قام: فعل ماض، وقعد: فعل ماض أيضًا، وفي قعد ضمير مستتر يعود على (زيد).
وزيد: فاعل قام؛ لأنه الأول، لأننا إذا قلنا: إن (زيد) فاعل (قعد) فرتبته التقديم على الضمير المستتر في قعد، فيكون الضمير هنا عائدًا على متأخر لفظًا متقدم رتبة.
فالبصريون يقولون: في (قام) ضمير عائد على زيد، وزيد متأخر لفظًا ورتبة، فمن هذه الناحية يكون الكوفيون أقرب إلى القواعد من البصريين؛ لأن الضمير عندهم عاد على متأخر لفظًا متقدم رتبة، وهذا شائع كثيرًا في اللغة العربية، وهؤلاء عاد الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وهذا قليل في اللغة العربية، لكنه يأتي أحيانًا أن يكون الضمير عائدًا على متأخر لفظًا ورتبة، وقد قال فيه ابن مالك ﵀: (وشذ نحو زان نوره الشجر).
[ ٣٤ / ٢ ]
إعمال المهمل من العاملين في ضمير ما تنازعاه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه والتزم ما التزما كيحسنان ويسيء ابناكا وقد بغى واعتديا عبداكا] قوله: (أعمل) الخطاب لقارئ هذه الألفية، وهو فعل أمر، وفاعله مستتر وجوبًا تقديره أنت.
المهمل: مفعول أعمل.
في ضمير: جار ومجرور متعلق بأعمل، وهو مضاف إلى (ما) الذي هو اسم موصول، أي: أعمل المهمل في ضمير الذي.
تنازعاه: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول (ما).
قوله: (والتزم ما التزما) أي: التزم ما التزم من مطابقة الضمير للظاهر في الإفراد والتذكير وغير ذلك.
ومعنى البيت: أننا نعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه، ثم ضرب مثالًا فقال: (كيحسنان ويسيء ابناكا وقد بغى واعتديا عبداكا) أتى بمثال ينطبق على رأي الكوفيين ورأي البصريين، فقوله: (يحسنان ويسيء ابناكا) على رأي البصريين؛ لأنهم يعملون الثاني، ولذلك وجد الضمير في الأول، إذًا نقول: يحسنان: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والألف فاعل.
ويسيء: الواو: حرف عطف، يسيء: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
ابناكا: فاعل يسيء، وهو مضاف والكاف مضاف إليه، والألف للإطلاق.
وقوله: (وقد بغى واعتديا عبداكا)، على رأي الكوفيين: بغى: فعل ماض مبني على فتح مقدرة على آخره، واعتديا: فعل ماض وفاعل.
عبداكا: فاعل (بغى) مرفوع بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، وهو مضاف إلى الكاف، والألف للإطلاق.
وخلاصة الكلام: أولًا: أنه لا غرابة أن يتعدى فعل واحد إلى أكثر من معمول.
ثانيًا: إذا تعدد العامل والمعمول واحد فهذا يسمى التنازع؛ لأن كل واحد من العاملين ينازع الآخر في هذا المعمول، فما الذي يعمل؟ في هذا خلاف بين العلماء: فالكوفيون قالوا: يعمل الأول لسبقه، والبصريون قالوا: يعمل الثاني لقربه.
فإذا كان الضمير ضمير رفع فإنه يضمر في المهمل منهما، فإن أهملت الأول على رأي البصريين فأعمله في الضمير، وإن أهملت الثاني فكذلك أعمله في الضمير، والمثال الذي ذكره ابن مالك واضح.
[ ٣٤ / ٣ ]
حذف الضمير غير المرفوع من العامل الأول المهمل إذا أعمل الثاني
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولا تجئ مع أول قد أهملا بمضمر لغير رفع أوهلا بل حذفه الزم إن يكن غير خبر وأخرنه إن يكن هو الخبر] أي: إذا كان الضمير ليس فاعلًا ولا نائب فاعل فلا تأت به مع الأول إذا أهملته، بل احذفه، إلا أن يكون خبرًا، مثال ذلك: أكرمت وضربت زيدًا.
العامل (ضربت)، والأول مهمل، فلا يجوز أن تقول: أكرمته وضربت زيدًا؛ لأن هذا الضمير ليس أصله المبتدأ والخبر، بل هو ضمير مفعول به فضلة في الكلام، فيجب أن يحذف إذا أعملنا الثاني.
وإن أعملت الأول وقلت: أكرمت وضربت زيدًا، وأنت تريد إعمال الأول، فهنا تأتي بالضمير المفعول به، فتقول: أكرمت وضربته زيدًا.
مثال آخر: علمت به ومررت بزيد، هذا لا يصح؛ لأنه لا يجوز أن تأتي مع الأول بالضمير إذا أعملت الثاني.
أما لو قلت: علمت ومررت به بزيد فهذا يجوز؛ لأنك إذا أعملت الأول فأضمر في الثاني.
وخلاصة القول: أنه إذا كان الضمير عمدة -وهو الفاعل ونائب الفاعل- فإنه يجب الإتيان به، سواء أعملت الأول أو أعملت الثاني.
ومثاله قول ابن مالك: (كيحسنان ويسيء ابناكا وقد بغى واعتديا عبداكا) وإن كان الضمير فضلة فإن أعملت الثاني فلا تأت به في الأول، وإن أعملت الأول فأت به في الثاني، ولهذا قال: (ولا تجئ مع أول قد أهملا بمضمر) أي: بضمير (لغير رفع أوهلا) إعراب البيت: لا: ناهية.
تجئ: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، والفاعل مستتر وجوبًا تقديره أنت.
معْ أول: معْ: ظرف، وهو مضاف، أول: مضاف إليه.
أهمل: فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو.
بمضمر: جار ومجرور متعلق بتجئ.
لغير رفع: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمضمر، وغير: مضاف، ورفع: مضاف إليه.
ويجوز أن يكون (لغير رفع) متعلق بأوهل، وتكون جملة (أوهل) صفة لمضمر، والمعنى: لمضمر أوهل لغير رفع.
قال: (بل حذفه الزم إن يكن غير خبر)، أي: الزم حذف الضمير غير المرفوع، إذا أعملت الثاني، ولا يصح أن نأتي به؛ لأنه فضلة.
(وأخرنه إن يكن هو الخبر)، أي: أخر المفعول الذي يطلبه الفعل الأول إذا أعملت الثاني.
مثاله: ظنني وظننت زيدًا عالمًا إياه، ظن تحتاج إلى مفعولين، وكلاهما عمدة؛ لأن أصل المفعولين في ظن وأخواتها مبتدأ وخبر، والمبتدأ والخبر عمدة، فلا بد من الإتيان بهما جميعًا؛ لأنك لو أعطيت الفعل الثاني المفعولين وتركت الأول فقد حذفت مفعولين هما عمدة، وهذا لا يجوز، وإن أضمرت فلا يجوز أيضًا؛ لأن الضمير لا يمكن أن يأتي في الأول إذا أعمل الثاني، إذًا لم يبق علينا إلا أن نؤخره ولا نجعله ضميرًا متصلًا.
المثال يقول: ظنني وظننت زيدًا عالمًا إياه، والظاهر أن العرب من أولها إلى آخرها لم تنطق بمثل هذا الكلام، لكن النحويين ﵏ يفرضون مسائل فرضية كما يفرض الفقهاء أيضًا مسائل فرضية.
(ظننت زيدًا عالمًا) فعل استوفى مفعولين، بقي معنا (ظنني) فهي تطلب مفعولين أيضًا؛ لأن (ظن) لا بد لها من مفعولين هما المبتدأ والخبر، فالمفعول الأول: الياء في (ظنني)، والمفعول الثاني (إياه).
و(إياه) لا بد أن يأتي بعد، ولهذا قال: (وأخرنه إن يكن هو الخبر)، والياء في (ظنني) هو المبتدأ، و(إياه) هو الخبر، فتقول: ظنني وظننت زيدًا عالمًا إياه.
الإعراب: ظن: فعل ماض، والنون للوقاية، والياء مفعول أول.
وظننت: الواو: حرف عطف، ظننت: فعل وفاعل، زيدًا مفعول أول، عالمًا: مفعول ثان لظن الثانية لأننا أعملناها.
إياه: مفعول ثان لظن الأولى، فيؤتى بالضمير.
وقوله: (ظنني إياه) أي: ظنني ذلك العالم، فيكون معنى الجملة: أنني ظننت زيدًا عالمًا وظنني زيد عالمًا، فإياه أي: ذلك العالم، ولم يتقدم مرجع للضمير، لكن أخذ من المعنى.
ولو قيل: ظنني وظننت زيدًا عالمًا، بدون: (إياه)، فالمعنى: ظنني عالمًا وظننته عالمًا، وكذلك: ظنني وظنت زيدًا قائمًا، أي: ظنني قائمًا، وأنا ظننت أنه قائم، هذا هو المتبادر.
لكن نقول: لا بد أن يأتي المبتدأ والخبر؛ لأنهما عمدة.
قالوا: ولو قلت: ظنني وظننت زيدًا عالمًا عالمًا، لكان الكلام ركيكًا من جهة.
ومن جهة أخرى: يظن أن عالمًا الثانية توكيد لفظي للأولى، لكن إذا قلت: ظنني وظننت زيدًا عالمًا إياه، زال الإشكال، لكن يبقى: كيف ظنني إياه؟ المتبادر من الضمير ظنني إياه أي: ظنني نفسه.
وهنا تأتي مسألة السفسطة، وهي أن كل واحد من المسفسطين يقول: أنا أنت وأنت أنا، وقد ذكرنا لكم قصتهم، وأنهم إذا أرادوا النوم ربط كل واحد منهم حبلًا برجله يخالف حبل رجل صاحبه لكيلا يغلط إذا أصبح.
وخلاصة القول: إذا أعملنا الثاني فإننا لا نضمر في الأول إلا الضمير الذي هو الفاعل أو نائب الفاعل، أو ضميرًا يكون عمدة، ونأتي بالخبر بعد الجملة الثانية وبعد استيفائها مفعوليها، فنقول: ظنني وظننت زيدًا عالمًا إياه، ولا يصح أن نقول: ظنني إياه وظننت زيدًا عالمًا، ولهذا قال المؤلف: (بل حذفه الزم إن يكن غير خبر وأخرنه إن يكن هو الخبر) ولو قلت: ضربته وأكرمت زيدًا.
فإنه لا يصح؛ لأن الضمير هنا فضلة فيجب حذفه، فأقول: ضربت وأكرمت زيدًا.
أما: ضربت وأكرمته زيدًا، فإنه صحيح لأنه إذا أعملنا الأول أجزنا أن نعمل الثاني في الضمير.
قال ﵀: [وأظهر ان يكن ضمير خبر الغير ما يطابق المفسرا] هذا البيت والذي بعده قرأناه على شيخنا عبد الرحمن بن السعدي عدة مرات وعجزنا عن فهمه وتركيبه، وتمثلنا بقول الشاعر: إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع وكفى بنا أن نعرف معنى البيتين الأوليين، وأما ما ذكره هنا يقول: وأظهر ان يكن ضمير خبرا لغير ما يطابق المفسرا نحو أظن ويظناني أخا زيدًا وعمرًا أخوين في الرخا فنقول: الحمد لله على رخائه ونعمته أننا لم نكلف بمعرفة هذين البيتين.
[ ٣٤ / ٤ ]