يصاغ أفعل التفضيل مما يصاغ منه التعجب، ويمتنع فيما يمتنع فيه التعجب، ويتوصل إلى ما امتنع فيه التفضيل بما يتوصل به إلى التعجب، وأفعل التفضيل قد يكون مجردًا من أل أو محلى بها أو مضافًا إلى محلى بها، وتختلف أحكامه من حيث الإفراد والتذكير ونحوهما بحسب ذلك.
[ ٤٨ / ١ ]
أفعل التفضيل
[ ٤٨ / ٢ ]
تعريف أفعل التفضيل
يعني: أفعل الذي في الغالب للتفضيل، وهذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، وذلك لأن أفضل تارة تكون صفة مثل: أعرج، وأبيض، وأحمر وما أشبهها، وتارة تكون فعلًا، مثل: أقدم، وأحكم، وأكرم، وما أشبهها.
وأفعل التفضيل: هو كل اسم دال على التفاضل بين شيئين، إما في محمود وإما في مذموم ولا تظن أن معنى أفعل التفضيل أبلغ الإحسان والخير، بل هي من التفضيل الذي هو الزيادة في قبح أو حسن.
فإذا قلت: هذا أبيض من هذا، فهذا تفضيل في ممدوح.
وإذا قلت: هذا أقبح من هذا، فهذا تفضيل في مذموم، والمؤلف لا يعني المفاضلة بالمعنى إنما بالصيغة.
[ ٤٨ / ٣ ]
ما يصاغ منه أفعل التفضيل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [صغ من مصوغ منه للتعجب أفعل للتفضيل وأب اللذ أبى].
فـ (صغ) فعل أمر، والأمر للوجوب على قاعدة النحويين، وليس الوجوب الذي يأثم به الإنسان.
وقوله: (من مصوغ منه للتعجب) أي: مما يصاغ منه فعل التعجب.
وقوله: (أفعل) مفعول لصغ.
و(للتفضيل) أي: لتفضيل شيء على شيء.
وفي قول المؤلف: (من مصوغ منه للتعجب) إحالة على ما سبق في باب التعجب حيث قال: [وصغهما من ذي ثلاث صرفا قابل فضل تم غير ذي انتفا وغير ذي وصف يضاهي أشهلا وغير سالك سبيل فعلا] إذًا: فلنرجع إلى ما سبق، ونقول، القاعدة أن ما جاز أن يصاغ منه فعل التعجب جاز أن يصاغ منه اسم التفضيل، وما لا فلا؛ لأنه قال: (وأب اللذ أبي) فـ (أب) فعل أمر، يعني: امنع، وهو مبني على حذف الألف والفتحة قبلها دليل عليها، وفاعله مستتر وجوبًا تقديره أنت.
واللذ: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب، وهي لغة في (الذي).
فلا يصاغ اسم التفضيل من الفعل الرباعي ولا من فعل (عسى) لكونه جامدًا، ولا من فعل (مات) لكونه غير قابل للتفاوت.
أما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٧٢] فإن (أعمى) الأولى خبر لكان، والثانية خبر للضمير، وهما بمعنى اسم الفاعل (عم).
و(أضل سبيلًا) خبر لمبتدأ محذوف، يعني وهو أضل سبيلًا.
وكذلك لا أقول: شماغ غانم أحمر من شماغ عبد الرحمن؛ لأن الوصف منه على أفعل.
وهذا الشرط الأخير فيه خلاف، والصحيح أنه جائز، تقول: هذا حبر أسود من هذا.
وتقول: هذا البساط أحمر من هذا البساط.
وتقول: هذا أصفر من هذا، فالصواب جوازه.
فإذا قال قائل: إذا أجزتموه التبس التفضيل بالصفة.
قلنا: لا لبس، فالذي يبين المعنى ذكر المفضل عليه.
فأنا لم أقل: هذا البساط أسود فقط، أو أحمر فقط، إنما قلت: هذا البساط أحمر من هذا البساط.
إذًا فـ (من) هي التي تعين أنه اسم تفضيل، والذين منعوا ليس عندهم شبهة إلا أنه يلتبس هذا بهذا، ونحن نقول: إن اللبس يزول بتقدير (من) أو وجودها.
فإذا قلت: زيد أمرض من عمرو على أنه مبني من (مرض) فلا يجوز.
وزيد عُني بالأمر، فـ (عني) مبني للمجهول.
وإذا قلت: زيد أعنى من عمرو بالأمر، فلا يجوز؛ وكذلك إذا كنت وأنا أريده من (اعتنى)، فلا يجوز أيضًا؛ لأنه زائد على الثلاثي.
إذًا اسم التفضيل يصاغ مما يصاغ منه فعل التعجب.
[ ٤٨ / ٤ ]
يصاغ أفعل التفضيل مما لم تتوفر فيه الشروط بالمجيء بأشد وشبهها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما به إلى تعجب وصل لمانع به إلى التفضيل صل] في البيت تقديم وتأخير كما سيظهر، فـ (ما) اسم موصول مبتدأ، و(به) جار ومجرور متعلق بوصل، فالتقدير: وما وصل به إلى تعجب.
وقوله: (لمانع) متعلق بوصل.
وقوله: (به إلى التفضيل صل)، (به) جار ومجرور متعلق بصل.
والتقدير على هذا: صل به إلى التفضيل، وجملة (صل) في محل رفع خبر مبتدأ.
وتركيب البيت: وما وصل به إلى التعجب لمانع صل به إلى التفضيل، كأنه يقول: القاعدة: أنه يتوصل إلى التفضيل فيما لا يصاغ منه بأشد وشبهها.
فإذا كان لا يجوز أن تقول: هذا البساط أحمر من هذا البساط، فيجوز: هذا أشد حمرة.
وبعد ما قلنا: إنه لا يجوز أن أقول: فلان أعنى بهذا الأمر من فلان؛ أقول: أشد عناية به.
وكما قلنا إنه لا يجوز: فلان أموت من فلان؛ فيجوز: أشد موتًا، وهنا نفس الشيء فلا تفاوت؛ ولهذا يقول ابن مالك: (يخلف ما بعض الشروط عدما)، أي: لا كل الشروط، فأنت إذا قلت: أشد موتًا، لا يمكن أن يصح على أن المراد الموت نفسه.
لكن معناه: أشد نزعًا عند نزع الروح.
وإذا قلت: فلان أشد عمى من فلان.
فالعمى واحد وليس فيه تفاضل.
والمهم أنه إذا أردنا أن نتوصل إلى تفضيل مما لا يصاغ منه أفعل التفضيل نأتي بأشد أو شبهها.
[ ٤٨ / ٥ ]
أفعل التفضيل المجرد أو المضاف إلى نكرة يلزم الإفراد والتذكير
ثم قال: [وأفعل التفضيل صله أبدًا تقديرًا أو لفظًا بمن إن جردا وإن لمنكور يضف أو جردا ألزم تذكيرًا وأن يوحدا] الأحسن في قوله: (بمن) من حيث الإملاء أن تكتب الباء وحدها، و(من) وحدها والسبب: أن (من) حرف مستقل، يعني: بهذا الحرف.
وقوله: (أفعلَ التفضيل)، أفعل: منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده، وهذا من باب الاشتغال، وهذا النصب راجح.
يقول المؤلف: إذا جرد اسم التفضيل من (أل) فلابد أن يتصل به (من) لفظًا أو تقديرًا، فتقول: زيد أفضل من عمرو، وكذلك يلزم اسم التفضيل المجرد من (أل) الإفراد والتذكير، وكذلك المضاف إلى نكرة فتقول: زيد أفضل رجل هنا، وهند أفضل امرأة هنا، مع أن هندًا مؤنث، وأفضل مذكر، لكنه مضاف إلى نكرة.
والزيدان أفضل رجلين هنا.
والزيدون أفضل قوم هنا والهندان -يعني: امرأتين اثنتين- أفضل امرأتين هنا.
وكذلك: الهندات أفضل نساء هنا.
فالقاعدة هنا: أنه إذا جرد اسم التفضيل من (أل)، أو أضيف إلى نكرة لزم فيه أمران وهما: الإفراد والتذكير.
ولذا قال ابن مالك: [وإن لمنكور يضف أو جردا ألزم تذكيرا وأن يوحدا].
قال ابن مالك: [وتلو أل طبق وما لمعرفه أضيف ذو وجهين عن ذي معرفة].
يعني: أن المعرف بأل يكون طبق الموصوف، أو المخبر عنه؛ فتقول: زيد هو الأفضل، وهند هي الفضلى، والزيدان هما الأفضلان، والهندان هما الفضليان، والهندات هن الفضليات.
فالمحلى بأل من اسم التفضل حكمه أن يطابق الموصوف -سواء كان خبرًا أو استفهامًا- في كل حال: مذكرًا كان أو مؤنثًا، مثنىً أو مفردًا أو مجموعًا.
ثم قال: (وما لمعرفه أضيف ذو وجهين عن ذي معرفه)، أي: ما أضيف لمعرفة فإنه ذو وجهين، بمعنى: يجوز فيه المطابقة، وعدم المطابقة، فتقول: هند فضلى النساء، وهند أفضل النساء، فالأول مطابق، والثاني غير مطابق.
وكذلك تقول: الزيدان أفضل الرجال، غير مطابق.
والزيدان أفضلا الرجال، مطابق.
إذًا: إذا أضيف لمعرفة جاز فيه الوجهان وهما: المطابقة، وعدمها، وهو الإفراد والتذكير.
فصار اسم التفضيل الآن لا يخلو من الأحوال التالية: الأول: أن يكون مجردًا من أل والإضافة، أو مضافًا إلى نكرة، فالواجب فيه الإفراد والتذكير.
الثاني: أن يكون محلى بأل، فيجب فيه المطابقة.
الثالث: أن يضاف لمعرفة، فيجوز فيه الوجهان.
قال ابن مالك: [هذا إذا نويت معنى مِنْ وإن لم تنو فهو طبق ما به قرن].
معنى (طبق) أي: مطابق لموصوفه أو ما كان خبرًا عنه، أقول مثلًا: هذا الرجل الأفضل، وهذه المرأة الفضلى.
وهذان الرجلان الأفضلان، وهاتان المرأتان الفضليان.
وهؤلاء الرجال الأفضلون، وهؤلاء النساء الفضليات.
فما كان فيه (أل) فهو طبق بكل حال.
والمضاف إلى معرفة من أسماء التفضيل يجوز فيه وجهان: أحدهما: المطابقة، الثاني: عدم المطابقة وهو الإفراد، مثال ذلك تقول: محمد رسول الله أفضل الأنبياء، فاطمة فضلى نساء العالمين نسبًا.
وتقول: الزيدان أفضل الرجال، أو أفضلا الرجال، وطلبة العلم أفضل طلبة في الدنيا.
لكن شرط المؤلف في هذا أنه إذا نويت معنى (من)، وإن لم تنو معنى (من) فهو طبق ما به قرن.
فإذا نويت معنى (من) يجوز الوجهان، وإن لم تنو معنى (من) فإنه يجب المطابقة.
فأنت إذا قلت: محمد رسول الله أفضل الأنبياء، معلوم أنك نويت معنى (من) أي: أفضل من جميع الأنبياء، وطلبة العلم الشرعي من جميع الطلبة في الدنيا.
فإن لم تنو معنى (من) وإنما نويت مطلق الفضل؛ فإنه يجب أن يكون مطابقًا لما اقترن به، فتقول مثلًا: فلان أعدل الناس، وما قصدك أنه أعدل من جميع الناس، لكنه قصدك أنه حاز قصب الفضل بالعدل.
وتقول: زيد وعمرو أعدلا بني فلان، فهنا ليس المقصود أعدل من بني فلان، فهذا لا يصح؛ لأنهما من بني فلان، لكن قصدك أنهما عادلا بني فلان.
ومنه قولهم: الأشج والناقص أعدلا بني مروان، فالأشج عمر بن عبد العزيز، والناقص يزيد بن معاوية، وسمي ناقصًا لأنه كان مقتصدًا في العطايا.
والناس لا يسلم منهم أحد، إن أكثر العطاء قالوا: مبذر، وإن اقتصد قالوا: ناقص.
والمقصود أنهما عدلان، لا أنهما أعدل من جميع الناس، أو أعدل من كل بني مروان.
[ ٤٨ / ٦ ]
كلام ابن عقيل في شرح ما يصاغ منه أفعل التفضيل وما يشترط فيه
[ ٤٨ / ٧ ]
ما يصاغ منه أفعل التفضيل
قال ابن مالك: [صغ من مصوغ منه للتعجب أفعل للتفضيل وأب اللذ أبى].
قال ابن عقيل: [يصاغ من الأفعال التي يجوز التعجب منها للدلالة على التفضيل وصف على وزن أفعل، فتقول: زيد أفضل من عمرو، وأفهم من خالد، كما تقول: ما أفضل زيدًا! وما أفهم خالدًا! وما امتنع بناء فعل التعجب منه امتنع بناء أفعل التفضيل منه، فلا يبنى من فعل زائد على ثلاثة أحرف كدحرج، واستخرج].
إذا أراد شخص أن يذكر فضل فلان على فلان في الدحرجة، فيقول: فلان أشد دحرجة من فلان.
وكذلك المثال الثاني: فلان أشد استخراجًا من فلان.
قال ابن عقيل: [ولا من فعل غير متصرف كنعم وبئس!].
هذه (نعم) من التي إذا فات فيه الشرط فليس له بديل، لكن بالإمكان أن تقول: نعم أفضل القوم فلان.
قال ابن عقيل: [ولا من فعل لا يقبل المفاضلة، كمات وفني، ولا من فعل ناقص ككان وأخواتها].
ولكن قد يصاغ من مات وفني إذا كان المراد سرعة الموت مثلًا، أو سرعة فنائه أو ما أشبه ذلك، فيمكن أن يقال: ما أفناه أي: ما أسرع فنائه، وما أموته أي: ما أسرع موته.
وهذا قد يقال: بدون واسطة، ولكن المشهور على كلام المؤلف أنه يؤتى بالواسطة.
قال ابن عقيل: [ولا من فعل منفي نحو: ما عاج بالدواء وما ضرب].
أي: فتأتي بمصدر الفعل المتعجب منه بعد أشد أو أشدد، فتقول: ما أشد عدم عيجه بالدواء، وما أشد عدم ضربه فلانًا، والظاهر أن عاج لا تأتي إلا منفية، أما ضرب فقد تأتي في سياق الإثبات.
قال ابن عقيل: [ولا من فعل يأتي الوصف منه على أفعل نحو: حمر وعور، ولا من فعل مبني للمفعول، نحو: ضُرِب وجُنَّ، وشذ منه قولهم: هو أخصر من كذا، فبنوا أفعل التفضيل من اختُصر وهو زائد على ثلاثة أحرف ومبني للمفعول.
وقالوا: أسود من حلك الغراب، وأبيض من اللبن؛ فبنوا أفعل التفضيل شذوذًا من فعل الوصف منه على أفعل].
ولكن الصحيح جواز بناء أفعل التفضيل من فعل الوصف منه على أفعل، وقد ورد في بعض الألفاظ (ماؤه أبيض من اللبن) يعني: حوض النبي ﵊، والمشهور (أشد بياضًا).
وكذلك أيضًا يقال: هذا أسود من هذا، وهذا أعرج من هذا، أي: أشد عرجة.
قال ابن مالك: [وما به إلى تعجب وصل لمانع به إلى التفضيل صل] قال ابن عقيل: [تقدم في باب التعجب أنه يتوصل إلى التعجب من الأفعال التي لم تستكمل الشروط بأشد ونحوها.
وأشار هنا إلى أنه يتوصل إلى التفضيل من الأفعال التي لم تستكمل الشروط بما يتوصل به في التعجب، فكما تقول: ما أشد استخراجه، تقول: هو أشد استخراجًا من زيد، وكما تقول: ما أشد حمرته، تقول: هو أشد حمرة من زيد].
فائدة: المصدر ينتصب في باب التعجب على أنه مفعول به، وهنا ينتصب على أنه تمييز؛ لأنه جاء بعد اسم التفضيل.
[ ٤٨ / ٨ ]
أفعل التفضيل المجرد لابد من اتصاله بمن لفظًا أو تقديرًا
قال ابن مالك: [وأفعل التفضيل صله أبدًا تقديرًا أو لفظًا بمن إن جردا] قال ابن عقيل: (لا يخلو أفعل التفضيل عن أحد ثلاثة أحوال: الأول: أن يكون مجردًا.
الثاني: أن يكون مضافًا.
الثالث: أن يكون بالألف واللام.
فإن كان مجردًا فلا بد أن تتصل به (من) لفظًا أو تقديرًا جارة للمفضل عليه، نحو: زيد أفضل من عمرو، ومررت برجل أفضل من عمرو.
وقد تحذف (من) ومجرورها للدلالة عليهما، كقوله تعالى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف:٣٤]، أي: وأعز منك نفرًا.
وفهم من كلامه: أن أفعل التفضيل إذا كان بأل أو مضافًا لا تصحبه من، فلا تقول: زيد الأفضل من عمرو، ولا زيد أفضل الناس من عمرو.
وأكثر ما يكون ذلك إذا كان أفعل التفضيل خبرًا كالآية الكريمة ونحوها، وهو كثير في القرآن، وقد تحذف منه وهو غير خبر، كقوله: دنوت وقد خلناك كالبدر أجملا فظل فؤادي في هواك مضللا فأجمل أفعل تفضيل وهو منصوب على الحال من (التاء) في دنوت، وحذفت منه (من)، والتقدير: دنوت أجمل من البدر وقد خلناك كالبدر].
في الحاشية يقول: ربما جاء بعد أفعل التفضيل المقترن بأل أو المضاف (من)، كما في قول الأعشى: ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر وكما في قول سعد: نحن بغرس الوادي أعلم منا بركض الجياد.
وقوله: (وإنما العزة للكاثر)، يعني: للغالب في كثرة الحصى، ولما كان العرب أميين لا يعرفون الحساب كانوا يعدون بالحصى ويضبطون، فيقال: أحصاه، وأصله: عده بالحصى، من: أحصيت الشيء، يعني: ضبطت عده؛ لأنهم كانوا يضبطون العدد بالحصى.
[ ٤٨ / ٩ ]
أفعل التفضيل المجرد أو المضاف لنكرة يلزم التذكير والوحدة
قال ابن عقيل: [ويلزم أفعل التفضيل المجرد الإفراد والتذكير، وكذلك المضاف إلى نكرة، وإلى هذا أشار بقوله: وإن لمنكور يضف أو جردا ألزم تذكيرًا وأن يوحدا فتقول: زيد أفضل من عمرو وأفضل رجل، وهند أفضل من عمرو وأفضل امرأة، والزيدان أفضل من عمرو وأفضل رجلين، والهندان أفضل من عمرو وأفضل امرأتين، والزيدون أفضل من عمرو وأفضل رجال، والهندات أفضل من عمرو وأفضل نساء، فيكون أفعل في هاتين الحالتين مذكرًا ومفردًا، ولا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع.
[ ٤٨ / ١٠ ]
أفعل التفضيل المحلى بـ (أل) يطابق ما قبله
قال ابن مالك: [وتلو أل طبق وما لمعرفه أضيف ذو وجهين عن ذي معرفه هذا إذا نويت معنى من وإن لم تنو فهو طبق ما به قرن] قال ابن عقيل: (إذا كان أفعل التفضيل بأل لزمت مطابقته لما قبله في الإفراد والتذكير وغيرهما، فتقول: زيد الأفضل، والزيدان الأفضلان، والزيدون الأفضلون، وهند الفضلى، والهندان الفضليان، والهندات الفضل أو الفضليات).
ولا يجوز عدم مطابقته لما قبله، فلا تقول: الزيدون الأفضل، ولا الزيدان الأفضل، ولا هند الأفضل، ولا الهندان الأفضل، ولا الهندات الأفضل.
ولا يجوز أن تقترن به (من)، فلا تقول: زيد الأفضل من عمرو، فأما قوله: ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر فيخرج على زيادة الألف واللام، والأصل: ولست بأكثر (منهم)، أو جعل منهم متعلقًا بمحذوف مجرد عن الألف واللام، لا بما دخلت عليه الألف واللام والتقدير: ولست بالأكثر أكثر منهم.
قول المؤلف: (أو يحمل على زيادة الألف واللام والأصل: ولست بأكثر منهم إلخ) هو تأويل من المؤلف لأجل سلامة القاعدة؛ لأن القاعدة: أن (من) لا تدخل على المحلى بأل.
ولكن لو قيل: إنها تأتي على سبيل الندرة والقلة لكان أولى، أما أن نتكلف ونقول: (أل) زائدة، أو أن هناك اسم تفضيل مجردًا من أل؛ فلا داعي له.
قال ابن عقيل: [وأشار بقوله: (وما لمعرفة أضيف إلخ) إلى أن أفعل التفضيل إذا أضيف إلى معرفة وقصد به التفضيل جاز فيه وجهان: أحدهما: استعماله كالمجرد فلا يطابق ما قبله، فتقول الزيدان أفضل القوم، والزيدون أفضل القوم، وهند أفضل النساء، والهندان أفضل النساء، والهندات أفضل النساء.
والثاني: استعماله كالمقرون بالألف واللام؛ فتجب مطابقته لما قبله، فتقول: الزيدان أفضلا القوم، والزيدون أفضلوا القوم، وأفاضل القوم، وهند فضلى النساء، والهندان فضليا النساء، والهندات فضل النساء، أو فضليات النساء.
ولا يتعين الاستعمال الأول خلافًا لـ ابن السراج.
وقد ورد الاستعمالان في القرآن: فمن استعماله غير مطابق قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦]].
ولو طابق لقال: ولتجدنهم أحرصي الناس على حياة.
قال ابن عقيل: [ومن استعماله مطابقًا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام:١٢٣]].
ولو لم يطابق لقال: أكبر مجرميها.
قال ابن عقيل: [وقد اجتمع الاستعمالان في قوله ﷺ: (ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون).
فالذين أجازوا الوجهين قالوا: الأفصح المطابقة، ولهذا عيب على صاحب الفصيح في قوله: (فاخترنا أفصحهن)، قالوا: فكان ينبغي أن يأتي بالفصحى، فيقول: فصحاهن.
فإن لم يقصد التفضيل تعينت المطابقة، كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، أي: عادلا بني مروان.
وإلى ما ذكرناه من قصد التفضيل وعدم قصده أشار المصنف بقوله: (هذا إذا نويت معنى من البيت) أي: جواز الوجهين -أعني: المطابقة وعدمها- مشروط بما إذا نوى بالإضافة معنى (من)، أي إذا نوى التفضيل، وأما إذا لم ينو ذلك فيلزم أن يكون طبق ما اقترن به.
قيل: ومن استعمال صيغة أفعل لغير التفضيل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، وقوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء:٥٤]، أي: وهو هين عليه، وربكم عالم بكم، وقول الشاعر.
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل أي: لم أكن بعجلهم.
وقوله: إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتًا دعائمه أعز وأطول أي: دعائمه عزيزة طويلة.
وهل ينقاس ذلك أم لا؟ قال المبرد: ينقاس، وقال غيره: لا ينقاس، وهو الصحيح، وذكر صاحب الواضح: أن النحويين لا يرون ذلك، وأن أبا عبيدة قال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، إنه بمعنى هين، وفي بيت الفرزدق وهو الثاني: إن المعنى عزيزة طويلة.
وأن النحويين ردوا على أبي عبيدة ذلك، وقالوا: لا حجة في ذلك له).
الأمثلة الذي ذكر المؤلف كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، هذا الصحيح أنه على بابه، والكل عليه هين، لكنه أراد أن يخاطب هؤلاء المنكرين للبعث بأمر ظاهر عقلًا، وهو أن الإعادة أهون من الابتداء، أي: فكيف تبصرون ما هو أهون في عقولكم ومحسوسكم ثم تنكرون الأسهل مع قولكم: إن الإعادة أهون من الابتداء، مثل قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]، ومعلوم أن هؤلاء المكذبين على ضلال وأن الرسول على هدى.
كذلك ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ [الإسراء:٥٤]، فالصحيح أنه على بابه، وأنه أعلم بنا من أنفسنا، وليس المعنى عالم بكم فقط، بل هو أعلم بكم ﷾.
وكذلك أيضًا قول الشاعر: لم أكن بأعجلهم، يعني: ليست بأعجل القوم، وليس المعنى: ولست بعجلهم، والمعنى: لست بأول من يمد يده، لأن ذلك دليل على شرهه ونهمته، وأنه لا يتمالك نفسه حتى يقال له: تفضل.
وكذلك أيضًا قوله: (إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتًا دعائمه أعز وأطول).
أي: ليس هو أعز وأطول من كل شيء، إنما قصده أعز وأطول من البيوت الأخرى، والعزة معروفة، و(أطول) من الطول المعنوي يراد به التفضيل.
[ ٤٨ / ١١ ]
حكم تقديم من ومجرورها على أفعل التفضيل
قال ابن مالك: [وإن تكن بتلو من مستفهما فلهما كن أبدا مقدما كمثل ممن أنت خير ولدى إخبار التقديم نزرا وردا] (وإن تكن بتلو من مستفهما)، (إن) شرطية، واسم تكن ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، وخبرها قوله: (مستفهمًا)، يعني: وإن تكن مستفهمًا بتلو (من)، أي: بحيث يكون الذي بعد (من) اسم استفهام فإنها تقدم عليه مع مجرورها، فالذي بعد (من) يأتي في آخر الجملة، كما تقول: الرجل خير من المرأة، فـ (من المرأة) أتت بآخر الجملة؛ لأنها تأتي بعد ذكر المفضل، وتقول: الشتاء أبرد من الصيف.
فإذا كان ما بعد (من) اسم استفهام فماذا نصنع؛ لأنه إن بقي في مكانه تركنا القاعدة، وهي: أن الاستفهام له الصدارة؟ يقول المؤلف: (فلهما كن أبدًا مقدمًا).
الضمير (هما) يعود على مِنْ والاستفهام؛ وجملة (فلهما كن أبدًا مقدمًا) جواب الشرط وهو قوله: (إن تكن).
وهذا البيت يذكر فيه المؤلف ﵀ قاعدة وهي: إذا كان المفضل عليه اسم استفهام فإنه يجب أن يتقدم ويكون في صدر الجملة، والعلة في ذلك أن الاستفهام له الصدارة، مثاله: (ممن أنت خير؟) فهذا استفهام.
والجواب مثلًا: أنا خير من فلان.
فلما كان المفضل عليه اسم استفهام وجب أن يقدم على أفعل التفضل مع من، فتقول: ممن أنت خير؟ وكذلك تقول: ممن أنت أطول؟ وممن أنت أغنى؟ وممن أنت أعلم؟ وما أشبه ذلك، وسيكون جواب المسئول: من فلان مثلًا، يعني: أنا خير، أو أطول، أو أعلم، أو أغنى من فلان.
قال ابن مالك: [ولدى إخبار التقديم نزرًا وردا].
يعني: إن جاء في جملة خبرية فإن التقديم نزر، أي: قليل، فتقول مثلًا: عمرو من زيد خير، والمعنى: عمرو خير من زيد، لكنها جاءت مقدمة، وهذا يكون نزرًا قليلًا في اللغة العربية، وهل ينقاس؟ الظاهر أنه لا ينقاس، وأنه إن وجد عن العرب فهو مقصور على السماع.
وإعراب (نزرًا) حال من فاعل (ورد) مؤول.
قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: [وإن تكن بتلو من مستفهما فلهما كن أبدا مقدما كمثل ممن أنت خير ولدى إخبار التقديم نزرا ورد تقدم أن أفعل التفضيل إذا كان مجردا جيء بعده بمن جارة للمفضل عليه نحو: زيد أفضل من عمر ومن ومجرورها معه بمنزلة المضاف إليه من المضاف، فلا يجوز تقديمهما عليه كما لا يجوز تقديم المضاف إليه على المضاف، إلا إذا كان المجرور بها اسم استفهام، أو مضافًا إلى اسم استفهام؛ فإنه يجب حينئذ تقديم من ومجرورها، نحو: ممن أنت خير؟ ومن أيهم أنت أفضل؟ ومن غلام أيهم أنت أفضل؟ وقد ورد التقديم شذوذًا في غير الاستفهام، وإليه أشار بقوله: (ولدى إخبار التقديم نزرًا وردا)، ومن ذلك قوله: فقالت لنا أهلًا وسهلًا وزودت جنى النحل بل ما زودت منه أطيب والتقدير: بل ما زودت أطيب منه].
جنى النحل هو العسل.
وهذا اسم طيب شيق، لكن لو أقول: إنه قيء الزنابير، يصبح غير محبوب.
قال ابن عقيل: [وقول ذي الرمة يصف نسوة بالسمن والكسل: ولا عيب فيها غير أن سريعها قطوف وأن لا شيء منهن أكسل والتقدير: وأن لا شيء أكسل منهن، وقوله: إذا سايرت أسماء يومًا ظعينة فأسماء من تلك الظعينة أملح التقدير: فأسماء أملح من تلك الظعينة].
[ ٤٨ / ١٢ ]
متى يرفع أفعل التفضيل اسمًا ظاهرًا
قال المؤلف ﵀: [ورفعه الظاهر نزر ومتى عاقب فعلًا فكثيرًا ثبتا].
قوله: (نزر) أي: قليل، وقيل: إنه لا يجوز وإنه شاذ، وهذا مذهب ابن هشام ﵀ في القطر، قال: إنه لا يرفع الظاهر إلا في مسألة واحدة وهي مسألة الكحل، أما ابن مالك ﵀ فيرى أنه ممكن لكنه قليل، ولذا قال: [ورفعه الظاهر نزر ومتى عاقب فعلًا فكثيرًا ثبتا].
يعني: أنه يرفع الضمير المستتر ولا يرفع الظاهر إلا قليلًا وسيأتي في الشرح.
وقوله: [ومتى عاقب فعلًا فكثيرًا ثبتا].
(عاقب فعلًا) أي صار بمعنى الفعل؛ بحيث يحل الفعل محله؛ لأن معنى (عاقب الشيء)، صار في مكانه، فإذا صح أن يحل محله فعل فحينئذ يجوز أن يرفع الظاهر.
ومثاله: [كلن ترى في الناس من رفيق أولى به الفضل من الصديق].
(لن) حرف نفي ونصب واستقبال.
ترى: فعل مضارع.
في الناس: جار ومجرور.
من رفيق: من: حرف جر زائد، (رفيق) مفعول لترى، يعني: لن ترى رفيقًا.
وقوله: [أولى به الفضل].
أولى: صفة لرفيق.
(الفضل): فاعل (أولى) مع أنه اسم تفضيل، لكن لما كان الفعل يحل محله صح أن يرفع الفاعل؛ لأن المعنى: لن ترى في الناس رفيقًا أولى به الفضل، أي: يولى به الفضل.
وقوله: [من الصديق].
هذا هو المفضل عليه، وهو الصديق ﵁، فيقول: لا ترى في الناس رفيقًا أولى به الفضل من هذا الرفيق، ومثل مسألة الكحل وهي: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فقوله: أحسن بمعنى: يحسن، أي: يحسن في عينه الكحل، فكان معاقبًا بالفعل الذي هو (يحسن)، وصح أن يرفع الظاهر، والمسألة فيها خلاف: فمنهم من يقول: إنه لا يرفع الظاهر مطلقًا.
ومنهم من يقول: يرفعه في هذه المسألة إذا عاقب الفعل.
ومنهم من يقول: إنه يرفعه مطلقًا وهذا هو الأقرب؛ لأنه إذا كان بمعنى الفعل ويدل على الزيادة والفضل، فلا شيء يمنع من أن يكون رافعًا للظاهر.
ثم هو أيضًا يرفع ضميرًا مستترًا تقديره (هو)، والذي تقديره هو استتاره جائز وليس بواجب.
قال ابن مالك: [ورفعه الظاهر نزر ومتى عاقب فعلًا فكثيرًا ثبتا كلن ترى في الناس من رفيق أولى به الفضل من الصديق].
قال ابن عقيل: (لا يخلو أفعل التفضيل من أن يصلح لوقوع فعل بمعناه موقعه أو لا.
فإن لم يصلح لوقوع فعل بمعناه موقعه لم يرفع ظاهرًا، وإنما يرفع ضميرًا مستترًا نحو: زيد أفضل من عمرو، ففي (أفضل) ضمير مستتر عائد على زيد، فلا تقول: مررت برجل أفضل منه أبوه، فترفع أبوه بـ (أفضل) إلا في لغة ضعيفة حكاها سيبويه].
هذا الجائز وهو معنى قول ابن مالك: (ورفعه الظاهر نزر)، فتقول: مررت برجل أفضل منه أبوه، لا يصلح أن نجعل (أبوه) مبتدأ؛ لأن (أفضل) صفة لرجل.
فإذا قلنا: برجل أفضلُ منه أبوه، صح، والتقدير: برجل أبوه أفضل منه، والسبب أن أفضل في الأول صارت صفة لرجل.
وفي هذا دليل على أن هذه المسألة تستثنى من القاعدة: وهي أن كل ضمير يكون تقديره هو فهو مستتر جوازًا، إلا هذه المسألة؛ فإنه ضمير مستتر وجوبًا؛ لأنه لا يحل محله فعل.
قال ابن عقيل: [فإن صلح لوقوع فعل بمعناه موقعه صح أن يرفع ظاهرًا قياسًا مطردًا؛ وذلك في كل موضع وقع فيه أفعل بعد نفي أو شبهه].
يعني: وقع فيه أفعل التفضيل بعد نفي أو شبهه، وشبه النفي هو: النهي والاستفهام الإنكاري.
قال ابن عقيل: [وكان مرفوعه أجنبيًا مفضلًا على نفسه باعتبارين].
قوله: (أجنبيًا) يعني: غير عائد إلى المفضل؛ لأنك إذا قلت: مررت برجل أفضل من زيد، فكلمة أفضل فيها ضمير يعود على رجل، لكن هنا لابد أن يكون المرفوع أجنبيًا، فلا يعود على المفضل.
وقوله: (مفضلًا) أي: ذلك الأجنبي (على نفسه باعتبارين)، فالتفضيل هنا بين ذات واحدة باعتبار حالين.
قال ابن عقيل: [نحو: ما رأيت رجلًا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فـ (الكحل) مرفوع بـ (أحسن) لصحة وقوع فعل بمعناه موقعه، نحو: ما رأيت رجلًا يحسن في عينه الكحل كزيد].
نطبق الشروط على هذا المثال الذي ذكره الشارح رحمه الله تعالى، فتقدم نفي بـ (ما) و(أحسن) اسم تفضيل، وكان المفروض أن يتحمل ضميرًا يعود على (رجلًا)؛ لكنه رفع ظاهرًا أجنبيًا عن المفضل عليه.
وقوله: (الكحل) مفضل ومفضل عليه، فهو مفضل في عين زيد، ومفضل عليه في عين غيره.
فإذًا: الكحل فضل على نفسه باعتبارين، فهو في حال كونه في عين زيد مفضل، وفي حال كونه في عين غيره مفضل عليه.
وممكن أن نجعله على غير الكحل، فمثلًا: ما رأيت رجلًا أحسن على رأسه الشماغ منه على رأس زيد، وما رأيت مجلسًا أحسن في جداره اللون الأزرق منه في جدار البيت، فالمهم أن هذا ليس خاصًا بالكحل، فكأن العلماء ﵏ مثلوا به لظهوره وسهولته.
قال ابن عقيل: [وقوله ﷺ: (ما من أيام أحب إلى الله فيها الصوم منه في عشر ذي الحجة)].
الحديث لم يرد بهذا اللفظ، إنما ورد بلفظ العمل الصالح، وعلى تقدير أن هذا هو اللفظ فلنطبق فيه الشروط؛ فالنفي حاصل بـ (ما) و(أحب) صفة لأيام، وفاعلها الصوم، فهو أجنبي من المفضل.
ويمكن أن يكون نائب فاعل؛ لأن الحقيقة أن الصوم مفعول وليس بفاعل، لكن مر علينا أن اسم التفضيل لا يصاغ من اسم المفعول، إلا أن يقال: هذا شاذ لكونه صيغ من فعل مبني للمجهول.
قال ابن عقيل: [وقول الشاعر، أنشده سيبويه: مررت على وادي السباع ولا أرى كوادي السباع حين يظلم واديا أقل به ركب أتوه تئية وأخوف إلا ما وقى الله ساريا فـ (ركب) مرفوع بـ (أقل)، فقول المصنف: (ورفعه الظاهر نزر) إشارة إلى الحالة الأولى.
وقوله: (ومتى عاقب فعلًا) إشارة إلى الحالة الثانية] ا.
هـ.
إذًا: قول ابن مالك: (رفعه الظاهر) يشمل الفاعل ونائب الفاعل؛ ولهذا لم يقل: (ورفعه الفاعل).
[ ٤٨ / ١٣ ]