تنوب عن الأفعال أسماء تسمى أسماء الأفعال، وهي تعمل عمل الأفعال وتكون مبنية، وبعضها سماعي وبعضها قياسي، وهناك ما يسمى أسماء الأصوات، وهي مبنية أيضًا.
وللتوكيد نونان تلحقان فعل الأمر والفعل المضارع، ولهما أحكام من حيث موضعهما وما يحذف لهما وغير ذلك.
[ ٦٠ / ١ ]
أسماء الأفعال والأصوات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أسماء الأفعال والأصوات].
أسماء الأفعال أي: الاسم الذي وضع علمًا على الفعل فلا يسمى شخص باسمه، هذا معنى قوله: (أسماء الأفعال) فهي أسماء جعلت للأفعال، مثل ما تقول: هذا زيد، هذا عمرو، هذا خالد، يوضع اسم للفعل، وهو على ثلاثة أقسام: ما وضع للأمر، وما وضع للماضي، وما وضع للمضارع.
[ ٦٠ / ٢ ]
أسماء الأفعال
قال المصنف: [ما ناب عن فعل كشتان وصه هو اسم فعل وكذا أوه ومه] قال رحمه الله تعالى: (ما ناب عن فعل) ثم قيد هذه النيابة بمثال فقال: (كشتان وصه) فليس المقصود كل ما ناب عن فعل؛ لأن اسم الفاعل ينوب عن الفعل، والمصدر ينوب عن الفعل، وليس كنيابة شتان عنه، وقد قال ابن مالك في أول الألفية: (وكنيابة عن الفعل بلا تأثر) لأجل أن يخرج اسم الفاعل؛ فإنه نائب مناب الفعل، لكنه يتأثر بالعوامل، تقول مثلًا: أنا مكرم زيدًا، فمكرم نابت عن كلمة (أكرم) لكنها تتأثر بالعوامل، والمراد هنا ما ناب عن فعل ولم يتأثر بالعوامل، ولهذا قيد ذلك بالمثال بقوله: (كشتان وصه).
شتان: اسم فعل ماض؛ لأنه بمعنى: افترق، وصه: اسم فعل أمر بمعنى: اسكت، ونحن نقول بدل (صه) باللغة العامية: أص، فهي محرفة من (صه) وليست مقتضبة من (اسكت) فلا يقال: إن أصل (أص): اسكت؛ لأنه إذا قلنا بهذا لزم حذف التاء والكاف وإبدال السين صادًا، لكن إذا قلنا: إنها نائبة عن (صه) فهو أقرب.
وقوله: (أوه) اسم فعل مضارع بمعنى: أتوجع.
(ومه) اسم فعل أمر بمعنى: اكفف عن الشيء.
إذًا: شتان للماضي، وصه للأمر، وأوه للمضارع، ومه للأمر.
[ ٦٠ / ٣ ]
كثرة ورود اسم الفعل في الأمر وقلته في الماضي والمضارع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما بمعنى افعل كآمين كثر وغيره كوي وهيهات نزر] قوله: (وما بمعنى افعل) وهو اسم فعل الأمر (كآمين كثر) آمين معناها: استجب، فهي هنا اسم فعل أمر، لكنها بالنسبة لله ﷿ نقول: اسم فعل دعاء، ولا نقول: أمر؛ لأن الله ﷾ لا يوجه إليه الأمر، إذ إن الأمر هو طلب الفعل على سبيل الاستعلاء.
وعليه نقول في إعراب آمين: اسم فعل أمر مبني على الفتح، لكنه يسكن إذا وقف عليه.
وقوله: (وغيره) أي: غير الذي بمعنى افعل، وهو يشمل اسم الفعل الماضي واسم الفعل المضارع، (كوي وهيهات نزر) (وي) بمعنى: أعجب، ويقول المؤلف: إنها قليلة، مع أنها وردت في القرآن كثيرة، قال تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢].
(وهيهات) بمعنى: بعد، كقوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٣٦].
فهيهات: اسم فعل ماض بمعنى (بعد) مبني على الفتح، وهيهات الثانية توكيد لها، واللام في قوله: «لِمَا تُوعَدُونَ» قالوا: إنها زائدة.
و(ما) فاعل مبني على السكون في محل رفع، و(توعدون) صلته، أي: هيهات هيهات الذي توعدونه، وقد جاءت بدون اللام في قول الشاعر: فهيهات هيهات العقيق ومن به وهيهات خل بالعقيق نواصله الشاهد: أنه عداه إلى الفاعل بدون لام.
إذًا: نأخذ من هذا البيت قاعدة وهي: أن أسماء الأفعال إذا كانت بمعنى الطلب فهي كثيرة، وبمعنى الماضي والمضارع قليلة.
نرجع إلى كلمة (آمين)؛ لأننا نقولها في كل صلاة، ففيها لغة (أمِين)، وهي لغة صحيحة لكنها قليلة جدًا.
و(آمِّين) لا يصح؛ لأنه يختلف المعنى، لأن (آمِّين) بمعنى: قاصدين، قال تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢].
ونسمع بعض الذين يؤمنون يقولون: أمِين، وهي لغة لكنها قليلة، والأفصح بالمد: آمين، ولهذا قال الفقهاء: يحرم تشديد ميمها، فإن فعل بطلت صلاته؛ لأنك إذا شددته صارت بمعنى: قاصدين، فتتكلم بكلام لا يجوز في الصلاة فتبطل صلاتك.
[ ٦٠ / ٤ ]
مجيء اسم الفعل من الظرف والجار والمجرور
قوله: (والفعل من أسمائه عليك) الفعل: مبتدأ.
من أسمائه: جار ومجرور خبر مقدم.
وعليك: مبتدأ مؤخر، والجملة خبر المبتدأ.
أي: من أسماء الأفعال عليك، تقول: عليك زيدًا، بمعنى الزم زيدًا، ونحن نقول بالعامية: عليك به، أي: الزمه.
عليك: اسم فعل أمر بمعنى: الزم، وبني على الفتح مراعاة للشكل؛ لأن (عليك) شكلها جار ومجرور فتبقى هكذا.
إذًا (عليك): اسم فعل أمر مبني على الفتح، وفيه ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت، والكاف هذه من بنية الفعل.
زيدًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
قوله: (وهكذا دونك) دونك أيضًا من أسماء الفعل، و(دونك) أصلها ظرف، وليس أصلها اسم فعل، بل أصلها ظرف وهو دون مضافًا إلى كاف الخطاب، لكنها تستعمل اسم فعل أمر بمعنى: خذ، تقول: دونك الكتاب، أي: خذه، (مع إليك) كذلك إليك أصلها جار ومجرور، إلى: حرف جر، والكاف اسم مجرور، ولكنها تستعمل اسم فعل أمر بمعنى تنحَّ، أي: ابعد عني، نقول: إليك عني فإني عنك مشغول، أي: تنحَّ عني.
وقد ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد -وهو كتاب لـ ابن القيم على اسمه بدائع فوائد، ليس مبوبًا، بل كلما طرأ عليه فائدة كتبها في هذا الكتاب، ولكنه كتاب جيد- ذكر بحثًا في حَمِدَ ومَدَحَ وكيف أن العرب فرقت بينهما، وجعلت هذا له معنى وهذا له معنى، مع أن الحروف واحدة وأطال كما هي عادته ﵀، طويل النفس في هذا الأمر أتى بالعجب العجاب -وشيخه هو ابن تيمية - ولكنه كما قال القائل: تألق البرق نجديًا فقلت له إليك عني فإني عنك مشغول كان مشغولًا بما هو أهم من مباحث النحو ﵀، فقد كان مشغولًا في مناظرة الفلاسفة والمناطقة وأهل الكلام، وغيرهم، كما يعلم من كتاباته ﵀ وجزاه خيرًا.
فالحاصل أن قوله: إليك عني أي: تنحَّ عني.
إعراب: دونك الكتاب: دونك: اسم فعل أمر مبني على الفتح، والفاعل مستتر وجوبًا تقديره أنت.
الكتاب: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة في آخره.
وإليك مثلها.
[ ٦٠ / ٥ ]
مجيء اسم الفعل من المصدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كذا رويد بله ناصبين ويعملان الخفض مصدرين].
(رويد) تأتي مصدرًا، قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٧]، وتأتي اسم فعل، تقول: رويد زيدًا، أو رويدك زيدًا، وفي هذه الحال تكون اسم فعل أمر، وكذلك (بله) ولكنها تستعمل أحيانًا مصدرًا، وإذا استعملت مصدرًا فإنها لا تكون اسم فعل، بل تكون مصدرًا مضافًا إلى ما بعده، ولهذا قال: (ويعملان الخفض مصدرين).
قوله: (وما لما تنوب عنه من عمل لها) أي: أن اسم الفعل يعمل عمل الفعل البليغ واسم له، فإن كان لازمًا فهو لازم، وإن كان متعديًا فهو متعد، فمثلًا: صه، لازم؛ لأنه بمعنى اسكت، واسكت فعل لازم، فلا يتعدى إلى مفعول.
و(دونك الكتاب) متعد؛ لأنه بمعنى: خذ، فيكون ناصبًا لمفعوله.
يقول المؤلف: (وأخر ما لذي فيه العمل) المشار إليه في قوله: (وأخر ما لذي) أسماء الأفعال، أي: أخر ما لأسماء الأفعال فيه العمل، أي: أن مفعولها لا يتقدم عليها، فمثلًا: دونك زيدًا، لا يصح أن تقول: زيدًا دونك.
وإذا قال قائل: يرد عليكم قوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٤] فإن (كتابَ) مقدم على (عليكم)، وعليكم اسم فعل بمعنى: الزموا.
أجاب عنه المانعون فقالوا: (كتابَ) مفعول لفعل محذوف دل عليه (عليكم)، والتقدير: الزموا كتاب الله، ومجيء (عليكم) كتأكيد له.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واحكم بتنكير الذي ينون منها وتعريف سواه بين].
(سواه) أي: سوى ما ينكر، أي: إذا أتيت باسم الفعل منونًا فهو عام، وإن أتيت به غير منون فهو خاص، مثلًا: سألني سائل في أثناء الدرس فقلت له: صهْ، فسأل سؤالًا آخر، فإنه لا يكون مخالفًا؛ لأن (صهْ) تعني اسكت عن هذا الكلام فقط؛ لأنها معرفة، فإن قلت: صهٍ، بالتنوين، فالمعنى: اسكت عن كل شيء، وهذا لا يعرفه إلا صاحب النحو.
إذًا: الفرق بين ما يراد به العموم وما يراد به الخصوص: إن نونت فهو للعموم، وإن لم تنون فهو للخصوص.
واحد مثلًا في الدرس وكان يتلفت، إن فتح الباب التفت، وإن تحرك أحد التفت، وإن أحد حرك المسجل التفت، وإن فتح الكتاب التفت، وقلت له: مهْ، فالمعنى: اكفف عن هذا الفعل المعين الذي فيه تشاغل عن الدرس.
وأما إذا قلت: مهٍ، فالمعنى: اكفف عن كل شيء، أي: لا تحرك شيئًا حتى الكتاب الذي معك، ولهذا يمكن أن يعرف المدرس هل فهم الطالب أم لا بهذه الطريقة، فإذا قال له: صهٍ، ثم سكت عن هذا الكلام وجاء بكلام آخر، فإنه يكون غير ممتثل، أما إذا قلت له: صهْ، ثم أتى بكلام آخر فإنه يكون ممتثلًا.
[ ٦٠ / ٦ ]
أسماء الأصوات
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وما به خوطب ما لا يعقل من مشبه اسم الفعل صوتًا يجعل كذا الذي أجدى حكاية كقب والزم بنا النوعين فهو قد وجب] قوله: (وما به خوطب ما لا يعقل).
ما: مبتدأ، خبره: يجعل.
صوتًا: مفعول يجعل الثاني مقدم، أي: الذي خوطب به ما لا يعقل.
و(ما): نائب فاعل خوطب، أي: ما خوطب به الذي لا يعقل يجعل صوتًا من مشبه اسم الفعل.
مثاله: أن تقول للبعير: حي، أي: قم، وإخ، أي: ابرك، وتقول للغنم: اخس، أي: امشي، وتقول للحمار إذا أردت زجره: حر، وإذا أردته يقف: أش ونحو ذلك.
قوله: (كذا الذي أجدى حكاية) أي: أفاد حكاية (كقب) قب يقولون: إنه صوت السيف إذا جعل في الجعبة، وعندنا نسميها: طق، أما إذا وقع الشيء من فوق فنقول: دق.
هذا أيضًا يقول المؤلف: إنه يجعل حكمه حكم اسم الفعل.
قوله: (والزم بنا النوعين فهو قد وجب).
النوعان هما: أسماء الأصوات، وما أجدى حكاية، فكله يلزم بناؤه؛ لأنه ينوب مناب الفعل بدون تأثر بالعوامل، وقد سبق أن من أسباب البناء أن تكون الكلمة نائبة مناب الفعل بدون تأثر بالعوامل.
[ ٦٠ / ٧ ]
نونا التوكيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [نونا التوكيد للفعل توكيد بنونين هما كنوني اذهبنَّ واقصدنهما].
قوله: (نونا التوكيد).
أي: هذان نونا التوكيد، وقال: (نونا التوكيد) لأنهما اثنتان: ثقيلة وخفيفة، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢]، «لَيُسْجَنَنَّ» هذه شديدة، «وَلَيَكُونًا» خفيفة، وقال تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق:١٥]، فقوله: «لَنَسْفَعًا» فيه نون توكيد خفيفة.
والتوكيد معناه: التقوية.
قال رحمه الله تعالى: للفعل توكيد بنونين هما كنوني اذهبنَّ واقصدنهما (اذهبنَّ)، هذه نون توكيد مشددة، (واقصدنهما) نون توكيد خفيفة.
إذًا: فنونا التوكيد هما عبارة عن حرفين أو نونين تلحقان آخر الفعل، إحداهما مشددة وتسمى: الثقيلة، والثانية ساكنة وتسمى: الخفيفة.
[ ٦٠ / ٨ ]
ما يؤكد بنوني التوكيد من الأفعال
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يؤكدان افعل ويفعل آتيا ذا طلب أو شرطًا اما تاليا أو مثبتًا في قسم مستقبلًا وقل بعد ما ولم وبعد لا] قول المؤلف: (للفعل توكيد)، لا يشمل كل فعل، ولهذا قال: (يؤكدان افعل) إشارة لفعل الأمر، (ويفعل) إشارة إلى الفعل المضارع، وعليه فالماضي لا يؤكد بنون التوكيد، إنما يؤكد بقد مثلًا، أما نون التوكيد فلا يؤكد بها، فلا تدخل نون التوكيد إلا على فعلين فقط هما: المضارع والأمر، أما الأمر فأطلق المؤلف وقال: (يؤكدان افعل)، وظاهره بدون شرط ولا قيد، تقول: اضرب واضربن، وقم وقومن، واركب واركبن، وعلى هذا فقس.
إذًا: فعل الأمر يجوز توكيده وعدمه بدون شرط ولا قيد، أما الفعل المضارع فقيده فقال: [ويفعل آتيا ذا طلب أو شرطًا اما تاليا أو مثبتًا في قسم مستقبلا وقل بعد ما ولم وبعد لا وغير إما من طوالب الجزا وآخر المؤكد افتح كابرزا].
إذًا: الأفعال بالنسبة لنون التوكيد تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم لا يمكن أن يؤكد بها، وهو الماضي.
وقسم يجوز أن يؤكد بها مطلقًا، وهو الأمر.
والقسم الثالث -وهو المضارع- فيه تفصيل، وقد قالوا: إنها تجري فيه الأحكام الخمسة: واجب، وقريب من الوجوب، وممتنع، وقليل، وأقل.
قوله: (وآخر المؤكد افتح) آخر: مفعول مقدم.
وافتح: فعل أمر، أي: افتح آخر المؤكد.
ثم قال: (كابرزا) الألف منقلبة عن نون التوكيد والأصل: ابرزن.
ويؤخذ من المثال أنه لا بد أن تتصل نون التوكيد بالفعل لفظًا وتقديرًا، مثل قوله تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ [الهمزة:٤]، ومثل قوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت:٥٠].
أما إذا لم تتصل النون بالفعل فإنه لا يبنى على الفتح، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، وهناك قال: «لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي»، والفرق أن «لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي»، باشرت الفعل لفظًا وتقديرًا، و«لَيَقُولُنَّ اللَّهُ»، لم تباشره تقديرًا، إذ إن بينها وبين الفعل أشياء محذوفة.
[ ٦٠ / ٩ ]
متى يؤكد الفعل المضارع بنوني التوكيد
قوله: (آتيا ذا طلبٍ) أي: إذا جاء المضارع ذا طلب، والمضارع إذا اقترنت به اللام يكون ذا طلب، مثل: لا تضربَن، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف:٢٣]، فهذا طلب، والطلب فيه هو النهي؛ لأن النهي طلب الكف.
وتقول: لتقومن يا زيد، هذا طلب لأنه أمر.
وتقول: هل تقومن يا زيد؟ هذا أيضًا طلب؛ لأنه استفهام، والاستفهام: طلب الإفهام.
إذًا: هذا معنى قوله: (ذا طلب).
قوله: (أو شرطًا اما تاليا) أيضًا: إذا أتى شرطًا تاليًا لإما، وإما هذه هي إنْ الشرطية اقترنت بها (ما) الزائدة المؤكدة، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦].
فقوله: (ترينَّ) فعل مضارع أتى بعد إما الشرطية، وأصل إما الشرطية: إنْ.
الثالث: قوله: (أو مثبتًا في قسم مستقبلًا) أي: أو جاء مثبتًا في قسمٍ مستقبلًا، ونزيد شرطًا رابعًا: غير مفصول عن لامه.
فلابد أن يكون مثبتًا، بعد قسم، مستقبلًا، غير مفصول عن لامه، فإذا تمت هذه الشروط الأربعة أكد المضارع وجوبًا، قال الله تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة:٤]، وقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧].
فقوله: (لتبعثن) فعل مضارع مثبت.
وفي قسم، وهو قوله: (وربي) وهو مستقبل وغير مفصول عن لامه.
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر:١٢]، (ليولن) هذه مثبتة، في قسم، مستقبل، غير مفصول عن لامه.
فخرج بقوله: (مثبتًا) إذا كان منفيًا؛ لأنه إذا كان في قسم لكنه منفي فإن نون التوكيد لا تدخل عليه، كقوله: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ) [الحشر:١٢]، فلم يقل: (لا ينصرنّهم) بل قال: (لا ينصرونهم) بدون توكيد؛ لأنه منفي، وكذلك قال: (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم)، ولم يؤكدها، فلم يقل: لا يخرجنّ.
وخرج بقوله: (مستقبلًا) كما لو قلت: والله لأضربك الآن، فلا يجوز أن تقول: لأضربنَّك؛ لأنه غير مستقبل، وكذلك لا يجوز: والله لأكرمنَّك أمس، وقال بعض النحويين: يجوز أن تقول: والله لأضربنك الآن.
واشترطنا الشرط الرابع وهو: أن يكون غير مفصول من لامه، فإن فصل من لامه فإنه لا تلحقه نون التوكيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران:١٥٨]، فاللام في قوله: (لإلى الله) للتوكيد، لكنه ما قال: (لإلى الله تحشرُنَّ)؛ لأنه فصل من لامه بالجار والمجرور (لإلى الله تحشرون).
أذًا: إذا تمت الشروط الأربعة وجب التوكيد، وإذا انتفى واحد امتنع التوكيد، فلو قال قائل: إن أكرمتني لفي البيت أكرمنك، فهذا خطأ؛ لأنه فصل بين لام التوكيد وبين الفعل.
وإن قلت: إن أكرمتني لا أهيننك، لم يصح؛ لأنه منفي، والنفي لا يمكن أن يجتمع مع نون التوكيد.
ولا بد أن يكون ذا قسم مستقبلًا.
قوله: (وقل بعد ما ولم وبعد لا).
أي: أنه يقل توكيده في هذه المواضع، وهي (بعد ما) والمقصود (ما) الزائدة في غير الشرط، مثاله: إذا قلت: بعين ما أراك، فهو أولى؛ ولكنه يصلح أن تؤكد فتقول: بعين ما أرينك، إلا أنه قليل.
(ولم) مثل: لم يقومن زيد، فإنه يجوز لكنه قليل، والأفصح: لم يقم زيد.
(وبعد لا) مثل: لا يقومن زيد، تريد أن تنفي قيامه، فهذا قليل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
وكوننا نقول إنه قليل وهو موجود في القرآن، في النفس منه شيء، لأن القليل معناه أنه ضعيف في اللغة العربية، والصواب: أنه بعد (لا) ليس قليلًا؛ لأنه موجود في القرآن وهو أفصح شيء.
قوله: (وغير إما من طوالب الجزاء).
أي: غير إما من أدوات الشرط؛ لأن طوالب الجزاء هي أدوات الشرط، مثل: إن تقومن أكرمك، فهذا قليل، والأكثر: إن تقم أكرمك.
فتبين بهذا أن الفعل المضارع يؤكد أحيانًا، ولا يؤكد أحيانًا، فتارة يجب التوكيد بأربعة شروط: أن يقع جوابًا لقسم، مثبتًا، مستقبلًا، غير مفصول بينه وبين اللام بفاصل، ويمتنع إذا اختل شرط من ذلك، وإن شئت فقل: يمتنع توكيده في كل حال لا يؤكد فيها أي: لم يوجد فيها سبب يقتضي التوكيد.
ويكون كثيرًا بعد إما من طوالب الجزاء، ومثاله قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء:٢٣]، ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ [الأنفال:٥٧]، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ [مريم:٢٦]، وهو كثير، ويقل بعد أدوات الشرط غير إما، وبعد ما، ولم، ولا.
[ ٦٠ / ١٠ ]
أحكام اتصال الفعل المسند إلى الضمائر بنوني التوكيد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واشكله قبل مضمر لين بما جانس من تحرك قد علما والمضمر احذفنه إلا الألف وإن يكن في آخر الفعل ألف فاجعله منه رافعًا غير اليا والواو ياء كاسعين سعيا واحذفه من رافع هاتين وفي واو ويا شكل مجانس قفي نحو اخشين يا هند بالكسر ويا قوم اخشون واضمم وقس مسويا] إذا كان الفعل معتلًا بالألف، فإما أن يرفع ظاهرًا، وإما أن يرفع ضميرًا، فإن رفع ظاهرًا قلبت الألف ياءً، مثل: يسعى، تقول: ليسعين زيد، فهنا قلبت الألف ياءً لتظهر الفتحة عليها.
وإذا رفع ضميرًا غير الواو والياء قلبت الألف ياءً، مثل: لتسعين، فهنا رفع ضميرًا مستترًا وجوبًا تقديره: أنت، ومثل: ليسعيانِّ، فهنا رفع ضميرًا بارزًا وهو ألف الاثنين، وهذا هو معنى قول المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن يكن في آخر الفعل ألف فاجعله منه رافعًا غير اليا والواو ياء كاسعين سعيا).
فأما إذا كان الفعل المعتل رافعًا للياء أو الواو فإن ألفه تحذف، كما قال المؤلف: (واحذفه من رافع هاتين)، وهما: الواو والياء، فإذا رفع الفعل المعتل بالألف واوًا أو ياء وجب حذف الألف، ولهذا قال: (واحذفه) أي: الألف (من رافع هاتين) وهما: الواو، والياء، مثل: لتسعون يا قوم، الآن الفعل رافع للواو، أين ذهبت الألف؟ حذفت ولم تبق، قال الله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٦].
فحذفت الألف لأن الفعل رفع واوًا.
وكذلك إذا رفع ياءً يحذف الألف، قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم:٢٦]، فهنا ألف الفعل حذفت، والياء الموجودة هي الفاعل.
قوله: (وفي واو ويا شكل مجانس قفى) أي: الواو المرفوعان بالفعل المعتل بالألف يكون فيهما شكل مجانس لهما، والذي يجانس الواو الضمة، والذي يجانس الياء الكسرة.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:٦]، وقال في الياء: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم:٢٦].
والخلاصة: أنه إذا كان الفعل معتلًا بالألف، فإن رفع الواو أو الياء حذفت الألف، وشكلت الواو بالضمة، والياء بالكسرة.
وإن رفع غير الواو والياء: فإن الألف تقلب ياء، مثل: ليسعين زيد، أو لتسعيانِّ، فهنا قلبت الألف ياء.
والفعل المعتل بالواو والياء تحذف كما مر.
قال رحمه الله تعالى: (نحو اخشين يا هند بالكسر ويا قوم اخشون واضمم وقس مسويا) ذكرنا أن الفعل المعتل بالواو والياء تحذف الواو، وتحذف الياء، فتقول في يرمي: يرمُن، وتقول في ياء المخاطبة: ترمِن؛ وإذا حولناها إلى فعل غير مؤكد سنتبين، تقول: في يرمي مسندًا إلى واو الجماعة بدون توكيد: يرمون، فحذفت الياء، فإذا أكدت حذفت واو الجماعة لأجل التقاء الساكنين، فتقول: هل ترمُن يا قوم؟ وفي التأنيث إذا أسندته إلى ياء المخاطبة تقول: ترمين، لكن في التوكيد تحذف الياء فتقول: ترمِنَّ.
وفي المثال: (تخشون الله) حذفت الألف وبقيت واو الجماعة، وعندما تؤكد هذا الفعل تحذف نون الرفع، ونون التوكيد حرف مشدد -أي: أوله ساكن- وحينئذٍ لا بد أن نحرك الواو بحركة مجانسة، فنقول: لتخشوُن الله، فإذا أسند الفعل المعتل بالألف إلى واو الجماعة فإن الألف تحذف، وإذا أسند إلى ياء المخاطبة فإن الألف تحذف، وإذا أسنده إلى ألف الاثنين فإن الألف تنقلب ياء: تخشيان الله، فإذا أدخلنا نون التوكيد حذفنا نون الرفع وحركنا ما قبل نون التوكيد بحركة مجانسة للواو والياء.
[ ٦٠ / ١١ ]
لا تقع النون الخفيفة بعد الألف
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولم تقع خفيفة بعد الألف لكن شديدة وكسرها ألف] سبق أن نون التوكيد خفيفة وثقيلة وهي المشددة، فالخفيفة لا تقع بعد الألف أبدًا؛ لأنها ساكنة، والألف ساكنة، فلا يمكن أن تجتمعا، فإذا قلت لرجلين تخاطبهما: لتتبعان، فلابد أن تشدد النون، ولا تأت بها خفيفة، ولهذا قال: (لكن شديدة وكسرها ألف) أي: كسر الشديدة مألوف، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩].
ونقول في إعرابها: لا: ناهية.
تتبعان: فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والألف: فاعل، والنون للتوكيد، وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين.
ونقول في إعراب (لتتبعانِّ): اللام: جواب القسم.
تتبعان: فعل مضارع مرفوع بالنون المحذوفة لتوالي الأمثال، والألف فاعل، والنون للتوكيد، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
إذًا: النون الخفيفة لا تقع بعد الألف لسكونها، فإذا قال قائل: وكذلك النون المشددة أولها ساكن، فلماذا لا نحركها بالكسرة؟ قالوا: لأنه لو حركناها بالكسر لاشتبهت بنون المثنى مثل: تقومانِ، ولاشتبهت بنون الإعراب.
[ ٦٠ / ١٢ ]
زيادة ألف قبل نون التوكيد إذا أكد الفعل المتصل بنون النسوة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وألفًا زد قبلها مؤكدا فعلًا إلى نون الإناث أسندا] قوله: (زد قبلها) أي: قبل نون التوكيد المشددة.
أي: إذا أكدت الفعل المسند إلى نون النسوة فزد ألفًا ثم ائت بنون التوكيد، مثاله: تقول للنسوة: لا تضربن، فهذه النون هي نون النسوة؛ لأن لا: ناهية.
وتضربن: فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم لاتصاله بنون النسوة، فإذا أردت أن أؤكد هذا الفعل آتي بألف بعد نون النسوة، ثم آتي بنون التوكيد: لا تضربنانِّ.
فقوله: (وألفًا زد قبلها) أي: قبل نون التوكيد الشديدة (مؤكدًا فعلًا إلى نون الإناث أسندا) أي: أسند إلى نون الإناث، فنأتي بالفعل مسندًا إلى النون، ثم بعد ذلك بالألف، ثم نون التوكيد، والألف هنا قالوا: نجيء بها للفصل بين نون النسوة ونون التوكيد الشديدة؛ لئلا تجتمع ثلاث نونات في محل واحد، مع أنه هكذا نطق العرب، لكن تعليل النحويين هكذا: لئلا تجتمع ثلاث نونات في مكان واحد.
[ ٦٠ / ١٣ ]
حذف نون التوكيد الخفيفة إذا وليها ساكن
قال المصنف رحمه الله تعالى: [واحذف خفيفة لساكن ردف وبعد غير فتحة إذا تقف].
إذا جاء بعد نون التوكيد الخفيفة حرف ساكن وجب أن تحذف؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع ساكنان، فلا بد أن تحذف نون التوكيد، مثال ذلك: إذا قلت: اضربَنْ الرجل، فالنون الآن ساكنة؛ لأن نون التوكيد الخفيفة ساكنة، والهمزة في (الرجل) ساكنة، فلا بد أن تحذف النون فتقول: اضربَ الرجل.
اضرب: فعل أمر مبني على الفتح، ولماذا لا نقول: اضربِ الرجل، بالكسرة بل نقول: اضربَ الرجل؟ لأن نون التوكيد الخفيفة ساكنة، وإذا وقع بعدها ساكن فإنها تحذف، فإذا قلت: ادخلَنْ المسجدَ، فهذه نون توكيد خفيفة، وبعدها همزة المسجد ساكنة، فلا تقول: ادخلَنْ المسجد، بل تقول: ادخلَ، وتحذف النون.
فإن كانت النون شديدة (ادخلَنَّ المسجدَ) فتبقى النون، قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح:٢٧].
ومنه قول الشاعر: لا تهين الفقير علك أن تركع يومًا والدهر قد رفعه لا: ناهية ونصب الفعل معها.
وعلك: لغة في لعل.
علك أن تركع يومًا، أي: أن تذل وتنزل، والدهر قد رفعه، وهذه حكمة عظيمة، فإن هذا ممكن أن يقع، وهو كثير، يمكن اليوم أن يكون فقيرًا يسأل، ثم ما يلبث أن تكون أنت الفقير وجئت تسأله.
الشاهد قوله: (لا تهين الفقير) فإن أصله: (لا تهينن الفقيرَ) قد يقول قائل: أنتم عللتم بأنه التقى ساكنان فلماذا لا تكسرونها وتقولون: لا تهيننِ الفقير، أو ادخلنِ المسجد؟ وفي الحقيقة أن هذا يثقل عليكم، لكنهم يقولون: إن نون التوكيد لا تأتي مكسورة إلا إذا كانت بعد ألف، وهذه ليست بعد ألف، وقد ذكرت أن بعض المسائل النحوية مهما علل النحوي فيها فلا يستطيع أن يتخلص.
فنقول: المرجع في هذا هو السماع.
[ ٦٠ / ١٤ ]
تحذف النون الخفيفة عند الوقف بعد الضمة والكسرة
قوله: (وبعد غير فتحة إذا تقف) أي: واحذفها أيضًا بعد غير الفتحة إذا وقفت، ومعلوم أن النون يفتح ما قبلها دائمًا، أي: يبنى الفعل معها على الفتح، سواء كانت شديدة أو خفيفة، قال تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢].
لكن إذا كان الذي قبلها غير مفتوح، وذلك إذا كان مضمومًا وإذا كان مكسورًا، مثال المضموم: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران:١٨٦]، فالذي قبلها مضموم، ومثال المكسور: لتفهمِن يا هند، فالذي قبلها مكسور، وأصبح (لتفهميننَّ) كما سبق، فهنا إذا كان الذي قبلها مضمومًا، أو مكسورًا ووقفت عليها فإنها تحذف، فتقول مثلًا: يا هند لتفهمِ، يا قوم لتسمعُ، لكن يقول: [واردد إذا حذفتها في الوقف ما من أجلها في الوصل كان عدما] أي: إذا حذفتها فاردد ما كان محذوفًا لأجلها التوكيد عند الوصل، وعلى هذا فإذا وقفنا نرد الياء، ونرد الواو، ونقول: يا هند لتفهمي، ونقول: يا قوم لتسمعوا.
إذا قال قائل: ما يدرينا أن الفعل مؤكد؟ نقول: لأنه إذا جاءت اللام الواقعة في جواب القسم فإنه يجب تأكيده، فإذا لم نجد النون عرفنا أن هناك حذفًا بالتغيير، وأن النون أصلها موجودة بالتأكيد، كذلك لو لم يكن مؤكدًا لوجب أن تأتي نون رفع، ولقلنا: يا هندُ لتفهمين، ويا قوم لتسمعون، فلما لم تأت نون الرفع ووجد ما يقتضي التوكيد -وهي اللام الموطئة للقسم- علمنا أن هناك نون توكيد لكنها حذفت، ولما حذفت وجب أن نرد ما حذف من أجلها في الوصل؛ لأن ما حذف من أجل الوصل حذف لوجودها، فإذا زالت رجعت، ولهذا قال: [وأبدلنها بعد فتح ألفا وقفًا كما تقول في قفن قفا].
وتقول: في اضربن: اضربا، الضمير يعود على الألف المبدلة عن نون التوكيد الخفيفة، أما الثقيلة فلا، الثقيلة تقول: اضربنَّ، أو اضربنْ، وأما الخفيفة فتقلب ألفًا.
والخلاصة: أن نون التوكيد تتبع الفعل إما وجوبًا، وإما جوازًا بقلة، وإما جوازًا بكثرة، على حسب التفصيل السابق، وقد ذكرنا مثالًا ينبني عليه حكم شرعي، فإذا قلت على مذهب أبي حنيفة: والله أصومُ، وجب عليك الكفارة، مع أنك قد صمت؛ لأنه لا يمكن أن تحذف نون التوكيد مع القسم، فيكون المعنى: والله لا أصوم.
فإذا أردنا أن نصحح الكلام على اللغة العربية صار التقدير: والله لا أصومُ، ولكن سبق لنا أن بعض أهل العلم قال: إن هذا وإن كان مقتضى القواعد العربية لكن الأيمان تحمل على العرف، فالإنسان إذا قال: والله غدًا أصوم، فيقتضي معنى كلامه: أنه يصوم، ولا يخطر في باله أن المعنى: لا يصوم.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُف﴾ [يوسف:٨٥]، التقدير: والله لا تفتأُ.
[ ٦٠ / ١٥ ]