٥٢٠ - بالنفس أو بالعين الاسم أكدا مع ضميرٍ طابق المؤكدا
٥٢١ - واجمعهما بأفعلٍ إن تبعا ما ليس واحدًا تكن متبعا
اعلم أن التوكيد نوعان: لفظي ومعنوي. فأما اللفظي فسيأتي ذكره. وأما المعنوي فهو: التابع الرافع احتمال تقدير إضافة إلى المتبوع، أو إرادة الخصوص بما ظاهره العموم.
ويجيء في الغرض الأول بلفظ (النفس والعين) مضافين إلى ضمير المؤكد، مطابقًا له في الإفراد والتذكير وفروعهما، تقول: جاء زيد نفسه، فترفع بذكر (النفس) احتمال كون الجائي رسول زيد أو خبره أو نحو ذلك، ويصير به الكلام نصا على ما هو الظاهر منه، وكذا إذا قلت: لقيت زيدًا عينه.
ولفظ توكيد (النفس والعين) في توكيد المؤنث كلفظهما في توكيد المذكر، كقولك: جاءت هند نفسها، وكلمتها عينها.
أما في توكيد الجمع فيجمعان على (أفعل) كقولك: جاء الزيدون أنفسهم، وكلمت الهندات أعينهن، وكذا في توكيد المثنى على المختار، كقولك: جاء الزيدان أنفسهما، ولقيتهما أعينهما، ويجوز فيهما أيضًا الإفراد والتثنية، وكذا كل مثنى في المعنى مضاف إلى متضمنه يختار فيه لفظ الجمع على لفظ الإفراد، ولفظ الإفراد على لفظ التثنية.
فألول: كقوله تعالى: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) [التحريم /٤].
[ ٣٥٧ ]
والثاني: كقول الشاعر: [من الطويل]
٤٥٩ - حمامة بطن الواديين ترنمي سقاك من الغر الغوادي مطيرها
والثالث: كقول الآخر: [من الرجز]
٤٦٠ - ومهمهين قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسين
قطعته بالسمت لا بالسمتين
ويجيء التوكيد المعنوي في الغرض الثاني بلفظ (كل وكلا وكلتا وجميع وعامة)
[١٩٧] على ما يعرب عنه قوله: //
٥٢٢ - وكلا اذكر في الشمول وكلا كلتا جميعًا بالضمير موصلا
٥٢٣ - واستعملوا أيضًا ككل فاعله من عم في التوكيد مثل النافله
يعني أن الذي يذكر في التوكيد المقصود به التنصيص على الشمول، ورفع احتمال أن يراد باللفظ العام الخصوص هو الألفاظ المذكورة، مضافة إلى ضمير المؤكد، مطابقًا له.
فأما (كل) فيؤكد بها غير المثنى مما له أجزاء يصح وقوع بعضها موقعه، نحو قولك: جاء الجيش كله، والقبيلة كلها، والقوم كلهم، والنساء كلهن، فترفع بذكر المؤكد احتمال كون الجائي بعض المذكورين.
وأما (كلا وكلتا) فيؤكد بهما المثنى، نحو قولك: جاء الزيدان كلاهما، والهندان كلتاهما.
[ ٣٥٨ ]
وأما (جميع وعامة) فإنهما بمنزلة (كل) معنًى واستعمالا، تقول: جاء الجيش جميعه أو عامته، والقبيلة جميعها أو عامتها، والقوم جميعهم أو عامتهم، والنساء جميعهن أو عامتهن.
وأغفل أكثر النحويين التنبيه على التوكيد بهذين الاسمين ونبه عليهما سيبويه.
وأنشد الشيخ شاهدًا على التوكيد بـ (جميع) قول امرأة من العرب ترقص ابنها: [من الرجز]
٤٦١ - فداك حي خولان جميعهم وهمدان
وكل آل قحطان والأكرمون عدنان
وقوله:
مثل النافله
بعد التنبيه على أن (عامة) من ألفاظ التوكيد بقوله:
واستعملوا أيضًا ككل فاعله من عم في التوكيد مثل النافله
يعني به: أن عد (عامة) من ألفاظ التوكيد مثل النافلة، أي: الزائد على ما ذكره النحويون في هذا الباب، فإن أكثرهم أغفله، وليس هو في حقيقة الأمر نافلة على ما ذكروه، لأن من أجلهم سيبويه؛ رحمه الله تعالى؛ ولم يغفله.
٥٢٤ - وبعد كل أكدوا بأجمعا جمعاء أجمعين ثم جمعا
٥٢٥ - ودون كل قد يجيء أجمع جمعاء أجمعون ثم جمع
يجوز أن يتبع (كله) بأجمع و(كلها) بجمعاء و(كلهم) بأجمعين و(كلهن) بجمع، لزيادة التوكيد، وتقريره، تقول: جاء الجيش كله أجمع، والقبيلة كلها جمعاء، والزيدون كلهم أجمعون، والهندات كلهن جمع، قال الله تعالى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) [الحجر /٣٠].
وقد يغني (أجمع وجمعاء وأجمعون وجمع) عن (كله وكلها وكلهم وكلهن) وهو قليل.
[ ٣٥٩ ]
وقد يتبع (أجمع) وأخواته بـ (أكتع وكتعاء وأكتعين وكتع) وقد يتبع (أكتع) وأخواته بـ (أبصع وبصعاء وأبصعين وبصع) فيقال: جاء الجيش كله أجمع أكتع أبصع، [١٩٨] والقبيلة كلها جمعاء كتعاء بصعاء، والقوم كلهم // أجمعون أكتعون أبصعون، والهندات كلهن جمع كتع بصع.
وزاد الكوفيون بعد (أبصع) وأخواته أبتع وبتعاء وأبتعين وبتع. ولا يجوز أن يتعدى هذا الترتيب. وقد شذ قول بعضهم: (أجمع أبصع) وأشذ منه قول آخر: (جمع بتع). وربما أكدوا بأكتع وأكتعين، غير مسبوقين بـ (أجمع، وأجمعين) ومنه قول الراجز: [من الرجز]
٤٦٢ - يا ليتني كنت صبيًا مرضعا تحملني الذلفاء حولا أكتعا
إذا بكيت قبلتني أربعا إذا ظللت الدهر أبكي أجمعا
وفي هذا الرجز إفراد (أكتع) عن (أجمع) وتوكيد النكرة المحدودة، والتوكيد بـ (أجمع) غير مسبوق بـ (كل) والفصل بين المؤكد والمؤكد، ومثله في التنزيل: (ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن) [الأحزاب /٥١].
٥٢٦ - وإن يفد توكيد منكورٍ قبل وعن نحاة البصرة المنع شمل
مذهب الكوفيين أنه يجوز توكيد النكرة المحدودة، مثل: يوم وليلة وشهر وحول، مما يدل على مدة معلومة المقدار. ولا يجيزون توكيد النكرة غير المحدودة، كحين ووقت وزمان، مما يصلح للقليل والكثير، لأنه لا فائدة في توكيدها.
ومنه البصريون توكيد النكرة، سواء كانت محدودة، أو غير محدودة، وهذا معنى قوله:
وعن نحاة البصرة المنع شمل
أي: عم، لما يفيد توكيده من النكرات، ولما لا يفيد. وقول الكوفييون أولى بالصواب، لصحة السماع بذلك، ولأن في توكيد النكرة المحدودة فائدة كالتي في توكيد المعرفة، فإن من قال: صمت شهرًا، قد يريد جميع الشهر، وقد يريد أكثره، ففي قوله احتمال. فإذا قال: صمت شهرًا كله، ارتفع الاحتمال، وصار كلامه نصًا على مقصوده.
[ ٣٦٠ ]
فلو لم يسمع من العرب لكان جديرًا بأن يجوز قياسًا، فكيف به واستعماله ثابت، كقوله: [من الرجز]
٤٦٣ - تحملني الذلفاء حولا أكتعا
وقول الآخر: [من الرجز]
٤٦٤ - إنا إذا خطافنا تقعقعا قد صرت البكرة يومًا أجمعا
وقول الآخر: [من البسيط]
٤٦٥ - لكنه شاقه أن قيل ذا رجب يا ليت عدة حول كله رجب
٥٢٧ - واغن بكلتا في مثنى وكلا عن وزن فعلاء ووزن أفعلا
لا يؤكد المثنى فيما سمع من العرب إلا بالنفس، أو بالعين، أو بكلا في التذكير، أو بكلتا في التأنيث. وأجاز الكوفيون في القياس أن يؤكد المثنى في التذكير باجمعين، وفي [١٩٩] التأنيث // بجمعاوين، مع اعترافهم بكونه لم ينقل عن العرب. وأشار ابن خروف إلى أن ذلك لا مانع منه.
وعندي أن ثم ما يمنع منه، وهو أن من شروط استعمال المثنى جواز تجريده من علامة التثنية، وعطف مثله عليه.
وعلى هذا لا ينبغي أن يجوز: جاء زيد وعمرو أجمعان، لأنه لا يصح أن تقول: جاء أجمع وأجمع، لأن المؤكد بأجمع كالمؤكد بكل في كونه لابد أن يكون ذا أجزاء، يصح وقوع بعضها موقعه، فلو قلت: جاء الجيشان أجمعان لم يأبه القياس.
٥٢٨ - وإن تؤكد الضمير المتصل بالنفس والعين فبعد المنفصل
٥٢٩ - عنيت ذا الرفع وأكدوا بما سواهما والقيد لن يلتزما
[ ٣٦١ ]
إذا أكد ضمير الرفع المتصل بالنفس أو بالعين فلابد من توكيده قبل بضمير منفصل، كقولك: قوموا أنتم أنفسكم، فلو قلت: قوموا أنفسكم لم يجز.
وإذا أكد بغير النفس والعين من ألفاظ التوكيد المعنوي لم يلزم توكيده بالضمير المنفصل، تقول: قوموا كلكم، ولو قلت: قوموا أنتم كلكم لكان جيدًا حسنًا.
وأما ضمير غير الرفع فلا فرق بين توكيده بالنفس أو بالعين، وبين توكيده بغيرهما في عدم وجوب الفصل بالضمير المنفصل، تقول: رأيتك نفسك، ومررت بك عينك، كما تقول: رأيتهم كلهم، ومررت بهم كلهم، وإن شئت قلت: رأيتك إياك نفسك، ومررت بك أنت عينك، فتؤكد بالمعنوي، بعد التوكيد باللفظي.
٥٣٠ - وما من التوكيد لفظي يجي مكررًا كقولك ادرجي ادرجي
لما انتهي كلامه في التوكيد المعنوي أخذ في الكلام على التوكيد اللفظي فقال:
وما من التوكيد لفظًا يجي مكررًا
يعني: أن التوكيد اللفظي هو تكرار معنى المؤكد بإعادة لفظه، أو تقويته بمرادفه، لفصل التقرير، خوفًا من النسيان، أو عدم الإصغاء، أو الاعتناء، وأكثر ما يجيء مؤكدًا لجملة، وقد يؤكد المفرد. فالأول كقوله:
ادرجي ادرجي
ومثله قول الشاعر: [من الهزج]
٤٦٦ - أيا من لست أقلاه ولا في البعد أنساه
لك الله على ذاك لك الله لك الله
وكثيرًا ما تقترن الجملة المؤكدة بعاطف، كقوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين * ثم ما أدراك ما يوم الدين) [الانفطار /١٧ - ١٨] وقوله تعالى: (أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى) [القيامة /٢٣ - ٢٤].
[٢٠٠] والثاني: ما // يؤكد به اسم أو فعل أو حرف.
أما الاسم: فكقولك: جاء زيد زيد، وقوله تعالى: (كلا إذا دكت الأرض دكًا دكا) [الفجر /٢١]. ومنه قولك: (أنت بالخير حقيق قمن).
[ ٣٦٢ ]
وأما الفعل: فأكثر ما يجيء مؤكدًا فعلا مع فاعله: ظاهرًا كان، نحو: قام زيد قام زيد، أو مضمرًا، نحو: قام أخواك قاما، ونحو: قم قم إلى زيدٍ.
وقد يجيء مؤكد الفعل خاليًا عن الفاعل، وقد اجتمع الأمران في قول الشاعر: [من الطويل]
٤٦٧ - فأين إلى أين النجاء ببلغتي أتاك أتاك اللاحقون احبس احبس
وأما الحرف: فسيأتي الكلام على توكيده.
٥٣١ - ولا تعد لفظ ضميرٍ متصل إلا مع اللفظ الذي به وصل
لا يجوز أن يؤكد الضمير المتصل بإعادته مجردًا، لأن ذلك يخرجه عن حيز الاتصال إلى الانفصال، بل معمودًا بمثل ما اتصل به كقولك: عجبت منك منك، ومررت بك بك.
٥٣٢ - كذا الحروف غير ما تحصلا به جواب كنعم وكبلى
حروف الجواب: (نعم وبلى وأجل وجير وإي ولا) لصحة الاستغناء بها عن ذكر المجاب به هي كالمستقل بالدلالة على معناه، فيجوز أن تؤكد بإعادة اللفظ من غير اتصاله بشيء آخر، كقولك لمن قال: أتفعل كذا؟ نعم نعم، أو لا لا، والأولى توكيده بذكر مرادفه، كقولك: بدل نعم نعم أجل نعم، أو أجل جير، كما قال الشاعر: [من الطويل]
٤٦٨ - وقلن على الفردوس أول مشربٍ أجل جير إن كانت أبيحت دعاثره
وأما الحرف غير الجوابي فلكونه كالجزء من مصحوبه لا يجوز في الغالب أن يؤكد إلا ومع المؤكد مثل الذي مع المؤكد أو مرادفه، كقولك: إن زيدًا إن زيدًا فاضل، وفي الدار في الدار زيد.
فإن شئت قلت: إن زيدًا إنه فاضل، وفي الدار فيها زيد، فتعمل الحرف المؤكد بضمير ما اتصل بالمؤكد لأنه بمعناه، قال الله تعالى: (ففي رحمة الله هم فيها خالدون) [آل عمران /١٠٧].
[ ٣٦٣ ]
وقد يفرد الحرف غير الجوابي في التوكيد، ويسهل ذلك كونه على أكثر من حرف واحد، نحو (كأن) في قول الراجز: [من الرجز]
٤٦٩ - حتى تراها وكأن وكأن أعناقها مشددات بقرن
وإذا كان على حرف واحد كانت إعادته مفردًا في غاية من الشذوذ والقلة، كقول [٢٠١] الشاعر: // [من الوافر]
٤٧٠ - فلا والله لا يلفى لما بي ولا للما بهم أبدًا دواء
فلو كان المؤكد مغايرًا في اللفظ للمؤكد كان الشذوذ أقل، كقول الشاعر: [من الطويل]
٤٧١ - فأصبحن لا يسألنه عن بما به أصعد في علو الهوى أم تصوبا
فأكد عن بـ (الباء) لأنها هنا بمعناها، كما هي في نحو قوله تعالى: (ويوم تشقق السماء بالغمام) [الفرقان /٢٥] وقول الشاعر: [من الطويل]
[ ٣٦٤ ]
٤٧٢ - فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله فليس له من ودهن نصيب
٥٣٣ - ومضمر الرفع الذي قد انفصل أكد به كل ضميرٍ اتصل
يؤكد بضمير الرفع المنفصل الضمير المستتر، كقوله تعالى: (اسكن أنت وزوجك الجنة) [البقرة /٣٥]، والضمير المتصل: مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا، نحو: فعلت أنت، ورأيتني أنا، ومررت به هو.
[ ٣٦٥ ]