٦٣٥ - للفعل توكيد بنونين هما كنوني اذهبن واقصدنهما
٦٣٦ - يؤكدان افعل ويفعل آتيا ذا طلب أو شرطا إما تاليا
٦٣٧ - أو مثبتا في قسم مستقبلا وقل بعد ما ولم وبعد لا
٦٣٨ - وغير إما من طوالب الجزا وآخر المؤكد افتح كابرزا
لتوكيد الفعل نونان: ثقيلة وخفيفة، ونظرهما ب (اذهبن واقصدنهما) ومثل ذلك في التنزيل قوله تعالى:﴾ ليسجنن وليكونا من الصاغرين ﴿[يوسف/٣٢].
ويؤكد بهما من الأفعال فعل الأمر نحو: اضربن، والمضارع المستقبل وهو قوله:
ويفعل آتيا
لكن بشرط كونه في الغالب طلبا، أو شرطا ل (إن) مقرونة ب (ما) أو جواب قسم مثبتا.
أما فعل الطلب فتوكيده جائز، وذلك أن يكون أمرا نحو: ليقومن زيد، أو نهيا نحو قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلا﴾ [إبراهيم/٤٢] أو تخصيصا كقول الشاعر: [من البسيط]
٥٦٥ - هلا تمنن بوعد غير مخلفة كما عهدتك في أيام ذي سلم
[ ٤٣٩ ]
أو متمنيا، كقول الآخر: [من الطويل]
٥٦٦ - فليتك يوم الملتقى تريني لكي تعلمني أني امرؤ بك هائم
[٢٤٠] أو استفهاما، كقول الآخر//: [من المتقارب]
٥٦٧ - وهل يمنعني ارتيادي البلا د من حذر الموت أن يأتين
وقول الآخر: [من الكامل]
٥٦٨ - أفبعد كندة تمدحن قبيلا
وقول الآخر: [من الطويل]
٥٦٩ - فأقبل على رهطي ورهطك نبتحث مساعينا حتى ترى كيف نفعلا
وأنا الشرط بـ (إما) فتوكيده بالنون جائز أيضا؛ قال الله تعالى: ﴿فإما تثقفنهم في الحرب﴾ [الأنفال/ ٥٧] وقوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة﴾ [الأنفال/ ٥٨].
وقد تخلو من التوكيد بهما كما في قول الشاعر: [من المتقارب]
٥٧٠ - فإما تريني ولي لمة فإن الحوادث أودى بها
[ ٤٤٠ ]
وقال الآخر: [من البسيط]
٥٧١ - يا صاح إما تجدني غير ذي جدة فما التخلي عن الخلان من شيمي
وأما جواب القسم: فإذا كان مضارعا مثبتا مستقبلا وجب توكيده باللام والنون معا، إن كان غير مقرون بحرف تنفيس، ولا مقدم المعمول نحو: والله لأفعلن، وإلا فباللام، لا غير، كما في قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى/ ٥] وقوله تعالى: ﴿ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾ [آل عمران/ ١٥٨].
ولو كان الجواب مضارعا منفيا لم يؤكد، ولو كان بمعنى الحال أكد باللام دون النون لأنها مختصة بالمستقبل، وذلك نحو: والله ليفعل زيد الآن، ولا يجوز ليفعلن.
ومنع البصريون هذا الاستعمال استغناء عنه بالجملة الاسمية المصدرة بالمؤكد كقولك: والله إن زيدا ليفعل الآن، وأجازه الكوفيون ويشهد لهم قراءة ابن كثير قوله تعالى: ﴿لأقسم بيوم القيامة﴾ [القيامة/ ١]. وقول الشاعر، أنشده الفراء: [من الطويل]
٥٧٢ - لئن يك قد ضاقت عليكم بيوتكم ليعلم ربي أن بيتي واسع
وأما المضارع من غير ما ذكر قلا يؤكد بالنون إلا إذا كان بعد (ما) الزائدة، دون (إن) أو منفيا بـ (لم) أو (لا)، أو كان شرطا لغير (إما)، أو جزاء فإنه حينئذ يقل توكيده بها بالإضافة إلى توكيده فيما سبق.
أما توكيده بعد (ما) الزائدة فله شيوع في الكلام لم يتقدمها (رب)، فمن ذلك قولهم: (بعين ما أرينك) و(بجهد ما تبلغن) وقولهم في المثل: [من الطويل]
[ ٤٤١ ]
٥٧٣ - ومن عضة ما ينبتن شكرها
وقول الشاعر: [من الطويل]
٥٧٤ - قليلا به ما يحمدنك وارث إذا نال مما كنت تجمع مغنما
وإنما كان لهذا التوكيد شيوع من قبل أن (ما) لما لازمت هذه المواضع أشبهت
[٢٤١] عندهم لام// القسم، فعاملوا الفعل بعدها معاملته بعد اللام.
فإن تقدمت على (ما) (رب) لم يؤكد الفعل بعدها إلا فيما ندر من نحو قول الشاعر: [من المديد]
٥٧٥ - ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات
وقولهم: (ربما يقولن ذلك) حكاه سيبويه ﵀ لأن (ربما) تصير الفعل بعدها ماضي المعنى.
[ ٤٤٢ ]
وأما توكيده بعد (لم) فنادر أيضا لأنه مثل الواقع بعد (ربما) في مضي معناه، قال الراجز: [من الرجز]
٥٧٦ - يحسبه الجاهل ما لم يعلما شيخا على كرسيه معمما
وأما توكيده بعد (لا) النافية فقليل، ومن حقه أن يكون أكثر من توكيده بعد (لم) لشبهه إذ ذاك بالنهي، قال الشاعر: [من الطويل]
٥٧٧ - فلا الجارة الدنيا لها تحلينها ولا الضيف منها إن أناخ محول
ومنه قوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال/ ٢٥].
ومنهم من زعم أن هذا نهي على إضمار القول، وليس بشيء، فإنه قد أكد الفعل بعد (لا) النافية في الانفصال كما في البيت المذكور فتوكيده بها مع الاتصال أقرب لأنه أشبه بالنهي.
وأما توكيده إذا كان شرطا لغير (إما) أو جزاء فقليل، أنشد سيبويه: [من الكامل]
٥٧٨ - من يثقفن منهم فليس بآيب أبدا وقتل بني قتيبة شافي
[ ٤٤٣ ]
وأنشد أيضا قول الكميت في توكيد الجزاء: [من الطويل]
٥٧٩ - فمهما تشأ منه فزار تغطكم ومهما تشأ منه فزارة تمنعا
أراد: (تمنعن) مؤكدا بالنون الخفيفة ثم أبدلها ألفا للوقف.
وجاء توكيد المضارع في غير ما ذكر على غاية من الندور، ولذلك لم يتعرض لذكره في هذا المختصر، قال الشاعر: [من الخفيف]
٥٨٠ - ليت شعري وأشعرن إذا ما قربوها منشورة ودعيت
ألي الفوز أم علي إذا حو سبت إني على الحساب مقيت
وأندر من ذلك توكيد اسم الفاعل لشبهه بالمضارع، أنشد أبو الفتح قول رؤبة: [من الرجز]
٥٨١ - أريت إن جاءت به أملودا مرجلا ويلبس البرودا
أقائلن أحضروا الشهودا
ولما فرغ من ذكر ما يدخله نون التوكيد على اختلاف أحواله أخذ في بيان ما ينشأ عن دخولها من التغيير، فقال:
وآخر المؤكد افتح كبارزا
فعلم أن حق المؤكد بها أن يفتح، لأنهم جعلوا الفعل معها بمنزلة (خمسة عشر)
[٢٤٢] في التركيب، فبنوه معها على الفتح صحيحا كان// كـ (ابرزن واضربن ولا تحسبن) أو معتلا كـ (اخشين وارمين واغزون).
[ ٤٤٤ ]
وقد يمنع من فتح ما قبل النون مانع، فيصار إلى غيره، وقد نبه على ذلك بقوله:
٦٣٩ - واشكله قبل مضمر لين بما جانس من تحرك قد علما
٦٤٠ - والمضمر احذفنه إلا الألف وإن يكن في آخر الفعل ألف
٦٤١ - فاجعله منه رافعا غير اليا والواو ياء كاسعين سعيا
٦٤٢ - واحذفه من رافع هاتين وفي واو ويا شكل مجانس قفي
٦٤٣ - نحو اخشين يا هند بالكسر ويا قوم اخشون واضمم وقس مسويا
المراد بالمضمر اللين: ألف الاثنين وواو الجماعة ويا المخاطبة.
واعلم أن الفعل متى أسند إلى أحد هذه الضمائر: وجب تحريك آخره بمجانس الضمير فيفتح قبل الألف يضم قبل الواو ويكسر قبل الياء.
وإن كان آخره معتلا: فإن أسند إلى الواو أو الياء حذف الآخر وليت الواو ضمة والياء كسرة ما لم يكن الآخر ألفا فيليان فتحة وذلك نحو: هم يغزون ويرمون ويسعون، وأنت تغزين وترمين وتسعين.
وإن أسند إلى الألف فلا حذف، بل يفتح آخره فقط إن كان واوا أو ياءً، نحو: يغزوان ويرميان ويسعيان، ويرد إلى ما انقلب عنه، ويفتح إن كان ألفا، نحو: غزوا ورميا ويسعيان ويرميان ويرضيان. وإلى هذا الإشارة بقوله:
وإن يكن في آخر الفعل ألف
فاجعله منه رافعا غير اليا والواو ياءً كاسعين سعيا
أي: فاجعل الآخر من الفعل ياء، إن كان رافعا غير واو الضمير ويائه، وهو الرافع الألف ونحوه مما عرض له عود الألف إلى ما انقلبت عنه، كالرافع نون الإناث نحو: تسعين، والمجرد من الضمير البارز حال توكيده بالنون نحو: اسعين.
وإنما أوجب جعل الألف ياء، لأن كلامه في الفعل المؤكد بالنون وهو المضارع والأمر، ولا تكون الألف فيهما إلا منقلبة عن ياء غير مبدلة كـ (يسعى)، أو مبدلة من واو، كـ (يرضى)، لأنه من الرضوان. وبسط القول في ذلك موضعه في باب التصريف.
واعلم أن الفعل المسند إلى أحد الضمائر المذكورة، أعني: الألف والواو والياء، متى أكد بالنون التقى فيه ساكنان: أولهما الضمير وثانيهما النون الخفيفة أو المدغم من النون الثقيلة.
[ ٤٤٥ ]
فإن كان المسند إليه الألف لم يضر التقاؤهما لخفة الألف وشبهها قبل النون بالفتحة، وسواء في ذلك ما آخره صحيح نحو: هل تضربان؟ أو معتل نحو: هل تغزوان، [٢٤٣] // وترميان وتسعيان. والأمر كالمضارع نحو: اضربان واغزوان وارميان واسعيان.
وإن كان المسند إليه الواو أو الياء لم يكن القرار على التقاء الساكنين، بل يجب المصير إلى الحذف، أو التحريك. فإن كان آخر الفعل حرفا صحيحا أو واوا، أو ياء حذف الضمير، وأقرت الحركة التي كانت قبله مكانه لتدل عليه وذلك نحو: يا زيدون هل تضربن وتغزن وترمن؟ ويا هند هل تضربن وتغزن وترمين؟. وإلى هذا أشار بقوله:
والمضمر احذفنه إلا الألف
أي: احذف لنون التوكيد واو الضمير وياءه.
ففهم أنهما يحذفان لنون التوكيد مع الفعل الصحيح والمعتل، لكن بشرط ألا يكون حرف العلة ألفا، بدليل نصه على حكمه.
وإن كان آخر المسند إلى الواو والياء ألفا حذفت كما سبق، ثم حرك لأجل النون الياء بالكسرة، والواو بالضمة نحو: اخشيين يا هند، واخشون يا قوم.
وإلى هذا أشار بقوله:
واحذفه من رافع هاتين (البيت).
٦٤٤ - ولم تقع خفيفة بعد الألف لكن شديدة وكسرها ألف
مذهب سيبويه ﵀: أن افعل المسند إلى الألف لا يجوز توكيده بالنون الخفيفة، لأن لا سبيل عنده إلى تحريكها ولا إلى الجمع بينها وبين الألف قبلها؛ لأنه لا يجتمع ساكنان في غير الوقف إلا والأول حرف لين والثاني مدغم.
وذهب يونس إلى جواز توكيد الفعل المسند إلى الألف بالنون الخفيفة مكسورة.
قال الشيخ ﵀: ويمكن أن يكون من هذا قراءة ابن ذكوان قوله تالى: ﴿ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ [يونس/ ٨٩].
[ ٤٤٦ ]
يعني: بناء على كون (الواو) للعطف و(لا) للنهي، ويجوز أن تكون (الواو) للحال، و(لا) للنفي، والنون علامة الرفع.
وقوله:
وكسرها ألف
يعني: أن النون الشديدة إذا وقعت بعد الألف كسرت، وإن كانت في غير ذلك مفتوحة، فعلوا ذلك مع الألف فرارا من اجتماع الأمثال.
٦٤٥ - وألفا زد قبلها مؤكدا فعلا إلى نون الإناث أسندا
تزاد قبل نون التوكيد ألف، إذا أكدت فعلا مسندا إلى نون الإناث للفصل بين الأمثال. وذلك نحو: اضربنان وارمينان واخشينان واغرينان.
وقد فهم من قوه:
ولم تقع خفيفة بعد الألف
أن سيبويه لا يجيز الحاق الخفيفة في الفعل المسند إلى نون الإناث لأنه يلزم قبلها الألف.
ومذهب يونس والكوفيين: جواز ذلك لكن بشرط كسرها في الوصل نحو: اضربنان زيدا.
٦٤٦ - واحذف خفيفة لساكن ردف وبعد غير فتحة إذا تقف [٢٤٤] //
٦٤٧ - واردد إذا حذفتها في الوقف ما من أجلها في الوصل كان عدما
٦٤٨ - وأبدلنها بعد فتح ألفا وقفا كما تقول في قفن قفا
تحذف نون التوكيد الخفيفة، وهي مرادة لأمرين:
أحدهما: أن يلحقها ساكن، كقول الشاعر: [من الخفيف]
٥٨٢ - لا تهين الفقير علك أن تر كع يوما والدهر قد رفعه
[ ٤٤٧ ]
لأنها لما لم تصلح للحركة عوملت معاملة حرف اللين، فحذفت لالتقاء الساكنين على حد قولك: يرمي الرجل، ويغزو الغلام.
الثاني: أن يوقف عليها تالية ضمة أو كسرة فإنها إذا ذاك تحذف، ويرد ما كان حذف لأجل لحاقها، كقولك: في نحو اخرجن يا هؤلاء، واخرجن يا هذه: اخرجوا، واخرجي.
أما إذا وقف عليها تالية فتحة فإنها تبدل ألفا كما في التنوين، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿لنسفعن بالناصية﴾ [العلق/ ١٥] ﴿لنسفعا﴾.
قال النابغة الجعدي: [من الطويل]
٥٨٣ - فمن يك لم يثأر بأعراض قومه فإني ورب الراقصات لأثارا
وقد تحذف هذه النون لغير ما ذكر في الضرورة كقول الشاعر: [من المنسرح]
٥٨٤ - اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس
[ ٤٤٨ ]