حمدًا لك اللهم كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على من أرسله الله رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
أيها الأخوة الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نواصل الحديث بإذن الله تعالى في شرح ما يتيسر من الآجرومية، وقد وصلنا إلى باب البدل من أبواب التوابع، قال المصنف رحمه الله تعالى
(بَابُ اَلْبَدَلِ، إِذَا أُبْدِلَ اِسْمٌ مِنْ اِسْمٍ أَوْ فِعْلٌ مِنْ فِعْلٍ تَبِعَهُ فِي جَمِيعِ إِعْرَابِهِ) .
لم يعرّف البدل أيضًا، والبدل يعرّفه بعضهم في قوله: هو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة، أما قوله التابع فيدخل فيه جميع التوابع، وأما قوله المقصود بالحكم فيخرج جميع التوابع ما عدا العطف؛ لأن العطف التابع مقصود بالحكم تقول جاء محمد وعلى يعني أن عليًا مقصود بالحكم وهو المجيء.لكن كيف نخرج العطف؟ نخرجه بقولنا بلا واسطة، لأن العطف إنما يقصد المعطوف بواسطة حرف العطف، يعني قولنا في تعريف العطف هناك قلنا هو التابع الذي يتوسط بينه وبين متبوعه واحدٌ من حروف العطف هنا ما في توسط لا يوجد توسط، هذا تعريف البدل.
قال المصنف (إِذَا أُبْدِلَ اِسْمٌ مِنْ اِسْمٍ أَوْ فِعْلٌ مِنْ فِعْلٍ تَبِعَهُ فِي جَمِيعِ إِعْرَابِهِ) أما اسم من اسم فلا إشكال، أما قوله فعل من فعل فهذا فيه إشكال يسير ذلك أنه ليس كل الأفعال يصلح فيها هذا؛ لأن الأفعال قسمان قسم منها معرب وقسم منها مبني، فالذي يصلح معنا طبعًا هنا هو الفعل المضارع، أما فعل الأمر فهو مبني سيبقى على حاله، وأما الفعل الماضي فهو مبني اتفاقًا سيبقى على حاله.
قال المصنف (وهو) يعني البدل (وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ بَدَلُ اَلشَّيْءِ مِنْ اَلشَّيْءِ، وَبَدَلُ اَلْبَعْضِ مِنْ اَلْكُلِّ، وَبَدَلُ اَلِاشْتِمَالِ، وَبَدَلُ اَلْغَلَطِ، نَحْوَ قَوْلِكَ "قَامَ زَيْدٌ أَخُوكَ، وَأَكَلْتُ اَلرَّغِيفَ ثُلُثَهُ، وَنَفَعَنِي زَيْدٌ عِلْمُهُ، وَرَأَيْتُ زَيْدًا اَلْفَرَسَ"، أَرَدْتَ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ اَلْفَرَسَ فَغَلِطْتَ فَأَبْدَلْتَ زَيْدًا مِنْهٌ) هذا كله كلام المصنف وقد قسم لنا في هذا الفصل البدل بأنواعه الأربعة.
أما النوع الأول: وهو قوله بدل الشيء من الشيء، فهذا أفضل من تعبير بعضهم بقوله بدل الكل من الكل، ذلك لأنهم يكرهون دخول "أل" على كلمة كل وعلى كلمة بعض، فقوله بدل الشي من الشيء طيب، ولكنه ﵀ وقع في الأمرين في النوع الثاني فقال: بدل البعض من الكل، بعضهم يهرب من هذا فيقول بدل بعض من كل، هذا يمشى قليلًا ولكنه ليس بذاك أيضًا.
[ ٢٢٦ ]
وعلى كل حال لماذا يمنعون دخول "أل" على كل بعض السبب في هذا يا أيها الأحباب أن هذين اللفظين من الألفاظ الملازمة للإضافة فإذا لم تكن مضافة فإنها تكون منونة فيمتنع دخول أو اجتماع "أل" والإضافة، اجتماع "أل" والإضافة، من أجل هذا منعوا دخول ما منعوها يعني استضعفوا دخول "أل" على كل وعلى بعض، أما النوع الثالث وهو بدل الاشتمال، وأما النوع الرابع فهو بدل الغلط.
نبدأ بها واحدًا واحدًا قال الله ﷿؟ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ؟١؟ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ؟ [إبراهيم:١-٢] إلى صراط العزيز، العزيز مضاف إليه الحميد صفة، الله بدل، ليش ما جعلنا لفظ الجلالة صفة ثانية؟ قال لأنه لفظ جامد ولا يصح إلا مع تأويله بمشتق فنحن نجعله بدلًا، فإذًا هذا بدل كلٍ من كل؟ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ؟١؟ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ؟ طبعًا في بدل كل من كل لا يلزم وجود ضمير يربط بين البدل والمبدل منه والمبدلِ منه قال الشاعر:
أقسم بالله أبو حفصٍ عمر
عمر بدل كل من كل من أبي حفص وهذا ليس فيه ضمير وليس فيه رابط لا يوجد بينه رابط وكذلك في الآية التي ذكرناها قبل قليل هذا هو النوع الأول وهو ما يسمى ببدل كلٍ من كل أو بدل الكل من الكل معًا أو كما ذكر المصنف هنا بدل الشيء من الشيء بدل الشيء عامة من الشئ عامة.
[ ٢٢٧ ]
النوع الثاني من أنواع البدل: هو بدل بعض من كل، بدل البعض من الكل أو بدل بعض من كل لا يلزم فيه أن يكون البدل أقل من المبدل منه ولا مساويًا له ولا أكثر ما يلزم ما لك أن تقول مثلًا: أكلت الرغيف ثلثه، فيكون أقل أو أكلت الرغيف نصفه أو أكلت الرغيف ثلثيه لا مانع، هذا هو بدل بعض من كل.
يقولون منه قول الله ﷿؟ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ؟ [المائدة: ٧١] على الكلام الذي قلناه على اعتبار أن الواو هي الفاعل وأن قوله سبحانه كثيرٌ هذا بدل منه.
اشترطنا أو نشترط في بدل البعض من الكل أو بدل بعض من كل وجود ضمير يربط بين البدل والمبدل منه لابد، قد يكون هذا الضمير ظاهرًاَ كما في قول الله ﷿ الذي ذكرناه قبل قليل؟ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ؟ وقد يكون مقدرًا ومنه قول الله ﷿؟ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؟ [آل عمران: ٩٧] من بدل من الناس، ولا يوجد رابط هنا ولكنه يقدرونه بأن التقدير والله أعلم من استطاع إليه منهم سبيلا يعني من الناس.
النوع الثالث: هو بدل الاشتمال.
أولًا: ما الفرق بين بدل البعض وبدل الاشتمال، بدل البعض هو جزء واضح من المبدل منه أما بدل الاشتمال فليس واضحًا ولكنه مشتملًا عليه أو له علاقة به، يعني إما أن يكون كالبعض منه، وإما أن يكون مشتملًا عليه، تقول مثلًا أعجبني محمد علمه هذا العلم ليس جزءًا من محمد، ولكنك تقول قطعت محمدًا يده اليد جزء منه هذا بدل بعض من كل، أعجبني محمد عمله هذا العلم ليس مشتملًا، أعجبني محمد ثوبه، هذا يقولون بدل اشتمال لأنه كالجزء منه ليس جزءًاَ منه أعجبني محمد سيارته، وما شاكل ذلك، إذا كان كالبعض أو له علاقة به ولكنه ليس بعضًا حقيقيًا منه فإن هذا هو المسمى ببدل الاشتمال، هذا هو النوع الثالث وهو ما يسمى ببدل الاشتمال.
[ ٢٢٨ ]
أما النوع الرابع: فهو البدل أو ما يسميه بعضهم ببدل الغلط، وقد سماه ابن هشام ﵀ بالبدل المباين، البدل المباين، وعلل لتسميته هذه بأنه قد يرد في يعني بأن الأصل أن الغلط هذا لا يمكن أن يكون في كلام الفصحاء، والكلام المعتد به؛ فلذلك سماه البدل المباين يعني المخالف لما قلبه، وقال: لا يخلو الكلام؛ لأنه وزعه أيضًا توزيعات أخرى قال: قد يسمى بدل النسيان، وقد يكون بدل الغلط أو نحو ذلك، وانظر إلى كلام ابن هشام ﵀ قال: أقسمه ثلاثة أقسام لأنه لابد أن يكون مقصودًا بالحكم.
فالأول: إن لم يكن مقصودًا ألبتة ولكن سبق اللسان إليه فهو بدل الغلط، إذا قلت رأيت زيد الفرس، أنت ما تقصد أن تقول زيد ولكن سبق إليه لسانك ثم استدرجت مباشرة فقلت الفرس فهذا غلط أخطأت فذكرت كلمة زيد فاستثنيت مباشرة، النوع الثاني أن يكون الأول مقصودًا ولكن بعدما تكلمت بعدما قلت رأيت زيدًا تبين لك أنه ليس مقصودًا فحولت إلى كلمة الفرس هذا يسمى ببدل النسيان، وإن كان كل واحد منهما مقصودًا أنت قصدت أن تقول زيد ثم أعرضت عن كلمة زيد فقلت فلان، مثلًا رأيت زيدًا محمدًا فأنت قصدت كلمة زيد لكنك أضربت عنها يعني أعرضت عن الكلام بها ولا تريد إثبات رؤيتك له ولا نفيها لكنك قصدت ذكرها فهذا يسمى ببدل الإضراب، والثلاثة كلها يشملها قول المصنف- أعني ابن هشام ﵀- بما سماه بالبدل المباين، البدل المباين وعلى كل هذه الثلاثة أمور يصلح التطبيق على المثال القائل رأيت زيدًا الفرس، فإن كنت ما تقصد إلا أن تقول الفرس ولكن سبق لسانك إلى كلمة زيد فهذا بدل غلط وإن كنت يعني قلت رأيت وأنت تقصد زيد لكن بعدما ذكرتها تبين لك أنها ليس المقصود بها هذا الحكم وإنما أنت تقصد أنك رأيت الفرس ولم ترَ زيدًا فهذا يسمى ببدل النسيان، أما إن كنت قصدت الاثنين معًا فهذا يسمى ببدل الإضراب إن كان قصدهما واضحًا أو متماثلًا.
[ ٢٢٩ ]
بالمناسبة يا إخواني البدل والمبدل منه لا يلزم تطابقهما في التعريف ولا في التذكير ولا في التأنيث ولا في شيء إلا في الإعراب، يعني لا يلزم إذا كان الأول معرفة يكون الثاني معرفة أو إذا كان الأول نكرة يكون الثاني نكرة أو إذا كان الأول مذكر يكون الثاني مذكرًا لا يلزم، لا يلزم وانظروا إلى قول ﷿؟ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؟٥٢؟ صِرَاطِ اللَّهِ؟ [الشورى: ٥٢-٥٣] صراط هذه نكرة الأول والثاني صراط الله معرفة بالإضافة وانظر إلى العكس في قول الله ﷿؟ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ؟١٥؟ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ؟ [العلق:١٥-١٦] الناصية الأولى معرفة بـ "أل" والثانية نكرة ولا يلزم كما ذكرت لكم إذا كان الأول مذكرًا أن يكون الثاني مذكرًا، بل يمكن أن تبدل المؤنث بالمذكر والمذكر بالمؤنث إلى آخره، والمفرد من المثنى والمثنى من المفرد؛ لأن المقصود بالحكم هو البدل، فلا يهمك في المتقدم أيًاَ كان نوعه، اللهم إلا أنك تراعي رحمك الله وبارك فيك تراعي حركة الإعراب، فالبدل لابد أن يأخذ حركة إعراب المبدل منه رفعًا ونصبًا وجرًا وجزمًا أيضًا قال الشاعر:
فأصبحت أنى تأتها تستجر بها تجد حطبًا جزلًا ونارًا تأججا
فأصبحت أنى تأتها تستجر بها، تستجر هذا بدل من تأتي وكل واحد منهما فعل مضارع مجزوم، كل واحد منهما فعل مضارع مجزوم، وهذا آخر ما نقوله في باب البدل.
[ ٢٣٠ ]