ننتقل الآن إلى حديث المصنف عن باب الظرف بنوعيه: ظرف الزمان وظرف المكان.قال المصنف (بَابُ ظَرْفِ اَلزَّمَانِ وَظَرْفِ اَلْمَكَانِ ظَرْفُ اَلزَّمَانِ هُوَ اِسْمُ اَلزَّمَانِ اَلْمَنْصُوبُ بِتَقْدِيرِ "فِي" نَحْوَ اَلْيَوْمِ، وَاللَّيْلَةِ، وَغَدْوَةً، وَبُكْرَةً، وَسَحَرًا، وَغَدًا، وَعَتَمَةً، وَصَبَاحًا، وَمَسَاءً، وَأَبَدًا، وَأَمَدًا، وَحِينًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) أما قوله وما أشبه ذلك أيها الأحباب فكل اسم يدل علي الزمان إذا تضمن معني في فهو ظرف زمان كل اسم، ولذلك أغني عن ذلك قوله وما أشبه ذلك، سواء ذكره من ضمن الأشياء أم لم يذكره، كلما دلت الكلمة الزمان بشرط أن تتضمن معنى في، فهي ظرف زمان، انظروا إلى كلمتين سافرت يوم الجمعة، وانظروا إلى كلمة يوم في قول الله ﷿؟ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا؟ [الإنسان:٧] وفرق بينهما أيهما هو الظرف؟ لابد أن تكون الكلمة متضمنة معنى في، فأي هاتين الكلمتين متضمنة لمعنى في، في قولك سافرت يوم الخميس أو في قول الله ﷿؟ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا؟ أما قولك سافرت يوم الخميس فهي ظرف لأنها كأنك قلت سافرت في يوم الخميس وأما قوله ﷾ يخافون يومًا ليس المقصود أنهم يخافون في اليوم نفسه، وإنما هم يخافون اليوم نفسه، يخافون اليوم نفسه، لذلك لابد أن تنتبه إلى أن هذه الأسماء الدالة على الزمان إذا لم تتضمن معنى في فإنها لا تعرب ظرفًا بل تعرب على حسب موقعها من الإعراب مثلًا تقول يوم الجمعة يوم مبارك ما تعرب واحدة منها على أنها ظرفًا بل تقول يوم الأولى مبتدأ ويوم الثانية خبر، فانتبهوا لهذا بارك الله فيكم، قال الله ﷿؟ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ؟ [الإسراء:١] ليلًا هنا منصوبة على الظرفية
[ ٢٤٢ ]
الزمانية وقال الله ﷿؟ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَامَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ؟٤٥؟ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا؟ [غافر:٤٥]
هذان ظرفا زمان وقال سبحانه؟ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا؟ [مريم:١١] بكرة وعشيا كل واحد منهما ظرف زمان وقال الله ﷿؟ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ؟ [القمر:٣٤] انتبهوا سحر تدل على الزمان هنا ولكنها ليست ظرف زمان لكونها مجرورة بالباء، لكن يمكن أن تقول جئت يوم الجمعة سحر، أو السحر باعتبار أنها ظرف زمان، وفيها كلام طويل في كلمة سحر بعضهم يرى يعني يجعلها ممنوعة من الصرف، وبعضهم لا يمنعها من الصرف، بعضهم يمنع كلمة سحر من الصرف ويشترط لها طبعًا شروطًا وبعضهم ما يمنعها.
وما دمنا ذكرنا الممنوع من الصرف فنحن نسينا شيئًا ما ذكرناه في باب الممنوع من الصرف تذكرته فيما أو ذكرني بعض أحبابنا الحاضرين، وهو أننا لم نذكر من الممنوع من الصرف الممنوع لعلتين العالمية والعجمة، فنذكره الآن تطوعًا وإن كان قد ذهب وقته لكن لا بأس من ذكره، الممنوع من الصرف للعالمية والعجمة، يشترط فيه لمنعه من الصرف أن يكون علمًا في لغة العجم فإن لم يكن علمًا عندهم حتى لو كان لفظًا أعجميًا وسميت به فإنه لا يمنع، فلو سميت مثلًاُ شخصًا بكلمة لجام، لجام هذه كلمة أعجمي، فإنك لا تمنعها من الصرف لأنها ليست علمًا عندهم، أما كلمة إبراهيم وإسماعيل وما شاكل ذلك فهذه أعلام أعجمية.
يشترطون شرطًا ثانيًا هو أن يكون إما ثلاثة أحرف فأكثر، وثلاثة أحرف لابد أن يكون متحرك الوسط، أما إن كان ساكن الوسط فإنه لا يمنع من الصرف ثلاثي ساكن الوسط نحو هود ولوط هذه ليست ممنوعة من الصرف وإنما هي مصروفة قولًا واحدًا ويشترط في منع العلم الأعجمى من الصرف شرطان:
[ ٢٤٣ ]
الشرط الأول: أن يكون علمًا في لغة العجم.
الشرط الثاني: أن يكون على الأقل ثلاثة أحرف متوسطا أو وسطها متحرك فإن كان وسطها ساكن فإنه لا يمنع من الصرف.
ثم نعود إلى موضوعنا ما الذي ذهب بنا إليه كلمة سحر، انظر إلى قول الله ﷿؟أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ؟ [يوسف:١٢] فكلمة غدًا هنا منصوبة على الظرفية الزمانية صباحًا ومساءً كما ذكر المصنف لم ترد في القرآن الكريم ولكنه ورد قول الله ﷿؟ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا؟ [العاديات:٣] وصبحًا وصباحًا متقاربان وكل واحدة منهما ظرف زمان.
كلمة مساء وردت في حديث الرسول ﷺ في حديث أم سلمة ﵂ قالت (كانت ليلتي التي يصير إليّ فيها رسول الله ﷺ مساء يوم النحر) مساء يوم النحر فذكر كلمة مساء هنا وهي كلمة منصوبة على الظرفية كلمة أبدًاَ لم ترد في القرآن الكريم على أنها ظرفيه ويمكن أن تقول لا أفعله أبدًا لا أفعل ذلك أبدًا يعني مدى الدهر وهذا هو معناه.
أما أمدًا فمعناها كما ذكر صاحب اللسان الغاية، كالمدى فيقال ما أمدك؟ أي ما منتهى أمرك، ما أمدك؟ يعني ما منتهى أمرك، قال وفى التنزيل قول الله ﷿؟ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ؟ [الحديد: ١٦] قال الأمد في هذه الآية ليس ظرف زمان، بل هو فاعل لقوله طال لأنه طبعًا لم يقصد منها معنى في، لم يقصد معنى في والأبد والأمد متقاربان، من الناحية الدلالية.
ورد في القرآن الكريم لفظ حين منصوبًا على الظرفية قال الله ﷿؟ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ؟ [البقرة: ١٧٧] .
[ ٢٤٤ ]
فهذا لفظ من الألفاظ التي ذكرها المصنف على أنها أسماء زمان وتنصب على الظرفية الزمانية وذلك أكرر، وأكرر، وأكرر لا تنسوا كل هذه الألفاظ إذ لم تكن بمعني في فليست ظرف زمان وإن كانت بمعني في أو متضمنة لمعني في فهي حينئذ منصوبة على الظرفية الزمانية وقد انتهينا من الظرف الزمان فننتقل بعده بعون الله تعالى بعون الله تعالى إلى ظرف المكان قال المصنف (وَظَرْفُ اَلْمَكَانِ هُوَ اِسْمُ اَلْمَكَانِ اَلْمَنْصُوبُ بِتَقْدِيرِ "فِي" نَحْوَ أَمَامَ، وَخَلْفَ، وَقُدَّامَ، وَوَرَاءَ، وَفَوْقَ، وَتَحْتَ، وَعِنْدَ، وَمَعَ، وَإِزَاءَ، وَحِذَاءَ، وَتِلْقَاءَ، وَثَمَّ، وَهُنَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) هذه أو هذا تعداد لظروف المكان أو للأسماء التي تدل على المكان وتنصب على الظرفية وهذا هو القسم الثاني من المفعول فيه أو من ظرفي الزمان والمكان، طبعًا المصنف عرّفه هنا بقوله هو اسم المكان المنصوب بتقدير في اسم المكان يخرج كل لفظ لا يدل على المكان وقوله بتقدير في لابد أن يكون مقدرًا في أن يكون متضمنًا لمعنى في.
[ ٢٤٥ ]
هناك عدد من الألفاظ ذكرها المصنف لكن بعض هذه الأصناف مبني وبعضها معرب فالمبني طبعًا سيكون في محل نصب ومن المبنيات كلمة حيث فإنها تأتي دائمًا مبنية على الضم في أغب كلام العرب ومن ذلك قول الله ﷿؟ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ؟ [الأنعام: ١٢٤] وحيث هنا ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب، من الألفاظ التي ذكرها المصنف كلمة أمام، قال الله ﷿؟ بَلْ يُرِيدُ الْأِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ؟ [القيامة:٥] فأمام هنا منصوبة على الظرفية المكانية ومن الظروف التي ذكرها أيضًا كلمة خلف ومن شواهدها قول الله ﷾؟ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ؟ [فصلت:٢٥] خلف هنا منصوبة على الظرفية ومنها أيضًا كلمة بين ويمكن أن تمثل لكلمة بين بقولك محمد بين عليّ وعبد الله يعني في هذا المكان.
من الظروف التي ذكرها أيضًا كلمة وراء قال الله ﷿؟ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا؟ [الحديد: ١٣] فوراء هنا منصوبة على الظرفية المكانية وقال ﷾؟ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ؟ [يوسف: ٣٦] ففوق هنا لفظ من الألفاظ الدالة على المكان وهو منصوب على الظرفية المكانية.
شاهد تحت قول الله ﷿؟ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ؟ [الفتح:١٨] تحت هذه تدل على المكان وهي منصوبة على الظرفية المكانية.
[ ٢٤٦ ]
أما عند فمن شواهدها قول الله ﷿؟ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ؟ [النحل:٩٦] عند تدل على الظرفية المكانية وقد جاءت هنا أو هي اسم مكان وقد جاءت هنا منصوبة على الظرفية المكانية بالمناسبة كلمة فوق وتحت وعند ودون والجهات الست كلها كل ما يدل على الجهات الست هذه الأصل فيها أن تكون منصوبة على الظرفية ولا تخرج عن ذلك إلا إلى الجر بمن فقط يعني ما تقع مبتدأ ولا خبرًا ولا فاعلًا ولا مفعولًا به ولا فاعل الجهات الست وأول ودون هذه تنصب على الظرفية في الغالب أو تأتي مجرورة بمن فهي متصرفة تصرفًا جزئيًا، وليست متصرفة تصرفًا تامًا أما كلمة مع فقد اختلف فيها أهي حرف فيكون ما بعدها مجرورًا بهذا الحرف أو هي اسم على أنها ظرف والصواب والله أعلم أنها ظرف وما بعدها مجرور بالإضافة، ولا تقطع عن الإضافة إلا ويعوض عن الإضافة بالتنوين ومن ذلك مما وردت فيه ظرفًا مضافًا قول الله ﷿؟ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ؟ [آل عمران:٤٣] فهي هنا منصوبة على الظرفية وهي ظرف مكان أما تلقاء فمن شواهدها قول الله ﷿؟ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ؟ [الأعراف:٤٧] فتلقاء هنا منصوب على الظرفية.
ثَم يقولون هي إشارة إلى المكان البعيد ولا تأتي إلا منصوبة على الظرفية ثَم، غير ثُم، ثُم حرف عطف وثَم ظرف مكان ويشار به إلى المكان البعيد، ومن ذلك قول الله ﷿؟وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ؟ [الشعراء:٦٤] .
[ ٢٤٧ ]
أما، هنا لها عدة ألفاظ إن كنت تشير إلى القريب تقول هنا فهي إشارة إلى المكان القريب وقد تضيف إليها اللام والكاف فتقول هناك أو هنالك، هناك مكان متوسط، وهنالك مكان بعيد، ولكنها في كل الأحوال إشارة إلى المكان، ومن ذلك قول الله ﷿؟ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ؟ [الأعراف:١١٩] فهذا ما يتعلق بالظروف التي ذكرها المصنف رحمنا الله وإياه.
[ ٢٤٨ ]