قوله (باب مخفوضات الأسماء)
يتعلق به شيئان:
أولهما:
تعريفها لغة؛ إذ هي مأخوذة من الخفض وهو ضد الارتفاع، تقول: هذا مكان منخفض أي غير مرتفع وفيه سُفْل.
والثاني:
في قول الْمُصَنِّف: (مخفوضات الأسماء) دلالة على أن الخفض خاص بالأسماء وسبق.
قوله: (المخفوضات ثلاثة أقسام: مخفوض بالحذف ومخفوض بالإضافة وتابعٌ للمخفوض)
يتعلق به شيئان:
أولهما:
تعيينه المخفوضات بأنها ثلاثة. ودليله الاستقراء كما قاله ابن هشام وغيره، إلا أن بعضهم زاد قسمًا رابعًا، وهو المخفوض بالمجاورة، ويمثلون له بقول القائل: (هذا جحرُ ضبٍّ خَرِبٍ) . فكلمة (خَرِب) مجرورة بالكسرة الظاهرة على آخرها لمجاورتها لما خفض بالإضافة وهو المضاف إليه.
إلا أن الجمهور من النحاة على أن كلمة (خرب) صفة فهي داخلة في التوابع.
والثاني:
ذكره للأقسام الثلاثة:
أولها:
المخفوض بالحرف أي بحروف الجر وسبقت. وتأتي.
وثانيها:
المخفوض بالإضافة، أي عِلَّة خفضه الإضافة.
ومثاله:
كلمة (ضب) في قولك: (هذا جُحرُ ضبٍّ)، لأن كلمة (جحر) مضاف و(ضب) مضاف إليه.
وليُعْلم أن الإضافة لا تجتمع مع شيئين:
أولهما: (ال) لان الإضافة تعريف كما سبق، و(ال) تعريف كما سبق، ولا يجتمع في الكلمة تعريفان.
والثاني: التنوين وسبق، لأن وجود التنوين في الكلمة يدل على كمالها في الاسمية، والإضافة تدل على نُقْصان الكلمة، فلا يجتمع في الكلمة نُقْصان وتمام.
وثالثها:
[ ١٠٩ ]
المخفوض بالتبعية، وسبقت التوابع الخمسة من النعت والعطف والبدل وغيرها ولذا لم يذكرها الْمُصَنِّف بعد ذلك تفصيلًا واقتصر على تفصيل الكلام فيما يتعلق بالقسمين الأولين.
قوله: (فأما المخفوض بالحرف فهو ما يُخفض بمن وإلى الخ)
فيه ذكر للقسم الأول وهو المخفوض بحرف الجر وسبقت حروف الجر ذكرًا وأعادها الْمُصَنِّف هنا للمناسبة.
أولها:حرف (مِنْ) الدال على معنى الابتداء.
كقولك: ذهبتُ من البيت إلى المدرسة، أي كان ابتداء ذهابك البيت.
ثانيها: حرف (إلى) الدال على الغاية.
كقولك: ذهبتُ من البيت إلى المدرسة، أي كان غاية ذهابك المدرسة.
وثالثها: حرف (عَنْ) الدال على معنى المجاوزة.
تقول: ذهبت عن المكان بعيدًا. إذا جاوزته ذاهبًا.
ورابعها: حرف (على) الدال على الاستعلاء.
تقول: كنت على الفرس واقفًا، أي عاليًا فوقه.
وخامسها: حرف (في) الدال على الظرفية.
كقولك: في المسجد مصاحفُ عِدَّة. فدلَّ على أنَّ المسجد ظرف مكان للمصاحف.
وسادسها: حرف (رُبَّ) الدال على التقليل.
كقولك: رُبَّ مجتهد أخفق. تُقلِّل إخفاقه.
وسابعها: حرف الباء الدال على الالتصاق وغيره.
كقولك: أخذت بالكتاب واضعًا إياه أمامي، إذا حصل التصاق يدك به.
وثامنها: حرف الكاف الدال على التشبيه.
كقولك: عَمْرٌو كزَيْدٍ قوةً، إذا شبهته به.
وتاسعها: حرف اللام الدال على الاختصاص أو الْمِلكية.
مثال الاختصاص: كقولك: هذا المفتاح لهذا الباب. أي يخصه.
ومثال الْمِلكية: قولك: الكتاب لِزَيْدٍ، أي مُلكًا ومِلكيّة.
وعاشرها: حروف القسم وهي الواو والباء والتاء.
كقولك:تاللهِ لأجتهدنَّ في العلم حتى أبلغ ذراه.
وقولك: باللهِ يا زَيْدُ أعطني الدواة لأكتب العلم.
وكقولك: واللهِ ليَريَن الله مني خيرًا في ميدان العلم.
حادي عشر: حرف الواو المتعلقة برُبَّ.
[ ١١٠ ]
كقول امرئ القيس: (وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سُدُولَه) أي ورُبَّ ليلٍ، فالواو تدل على رُبَّ وهي مُقَدَّرة بعدها. ولذلك قيل واو رُبَّ.
ثاني عشر: حرف (مُذْ ومُنْذُ) وهي تدخل على ظرف الزمان كيوم وشهر وسنة وساعة.
مثاله:
مُذْ يومٍ لم أطعم لحمًا، وكقولك: منذ سنةٍ لم أقرأ كتابًا.
قوله: (وأما ما يُخفض بالإضافة فنحو: الخ)
يتعلق به شيئان:
أولهما:
ذكر القسم الثاني وهو المخفوض بالإضافة وذكر الْمُصَنِّف عليه مثالًا وهو (غلام زَيْدٍ) .
إعرابه:
غلام: مضاف مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
وزَيْدٍ: مضاف إليه مخفوض بالكسرة الظاهرة على آخره. وجملة (غلام زَيْدٍ) في مَحَلّ رَفْع خبر لمبتدأ تقديره (هذا) .
وأما الثاني:
فهو ذكر قسمين للمخفوض بالإضافة:
أولهما:
ما يُقَدَّر باللام ويدل على أحد معنيين: الاختصاص أو المِلكية وسبقا. وتقديره في جملة (غلام زَيْدٍ) أي غلام لِزَيْدٍ اختصاصًا أو ملكيةً.
وأما الثاني:
فما يُقَدَّر بـ (مِنْ) وهي بمعنى التبعيض هنا، وضابطه هو أن يكون المضاف جزءًا من المضاف إليه.
مثاله:
(هذا ثوبُ خَزٍّ)، إِذْ التقدير: (هذا ثوبٌ من خزٍّ)، والخز نوع من أنواع الثياب وكذلك قوله: (خاتم حديد)، إذ الخاتم نوع من أنواع الحديد هنا.
وإلى ما سبق أشار الْمُصَنِّفُ بقوله: (فالذي يُقَدَّر باللام الخ) .
وينضاف إلى القسمين السابقين قسمًا ثالثًا تُقَدَّر فيه (في) المتعلقة بالمتعلقة بالظرفية وسبق التمثيل عليها. وذهب جماعة من النحاة إلى الاقتصار على القسمين السابقين لصلاحية الاستغناء بهما عن (في) .
وبهذا نكون قد انتهينا من شرح متن الآجرومية، نسأله سبحانه التوفيق والسداد، وصل اللهم وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١١١ ]