قال الْمُصَنِّف - يرحمه الله - (باب المفعول به وهو الاسم المنصوب الخ)
يتعلق به شيئان:
أحدهما: تعريفه:
إذ هو في اللُّغَة: ما وقع عليه فعل الفاعل.
وأما في الاصطلاح فما قاله الْمُصَنِّف: (الاسم المنصوب الذي يقع به الفعل) .
فبقَيْد (الاسم) يخرج: الفعل والحرف.
وبقَيْد (المنصوب) يخرج: المرفوع والمخفوض.
وبقَيْد (ما يقع عليه فعل الفاعل) يخرج: غيره كالفاعل، والمفعول المطلق وغيرهما.
واستُشْكِل قول الْمُصَنِّف (يقع به الفعل) .
وأحسن الأجوبة في ذلك ما ذكره الرَّمْلي في [شرحه] عن بعضهم: أنه وقع في بعض نُسخ الآجروميّة (الاسم المنصوب الذي يقع عليه الفعل) بدلًا عن (به) . وبهذا يَزيلُ الإشكال وتَسْلَم العبارة.
وأما الثاني:
فهو في عِلَّة البدء بالمفعول به في باب المنصوبات حَيْثُ إِن الأولى هو البدء بالمفعول المطلق - الْمُسَمَّى بالمصدر - لأنه هو المفعول حقيقة، قاله ابن هشام، والسيوطي في [الهمع] وجماعة.
[ ٨٩ ]
قوله: (نحو قولك: ضربت زيدًا، وركبت الفرس)
فيه تمثيل بمثلين على المفعول به:
أولهما:
كلمة (زيدًا) في جملة (ضربت زيدًا) .
إذ إعرابها:
ضربت: فعل وفاعل.
زيدًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
وثانيهما:
كلمة (الفرس) في جملة (ركبت الفرس) .
إذ إعرابها:
ركبت: فعل وفاعل.
الفرس: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره.
وفي كلا المثالين تتضح القيود الثلاثة في التعريف، حَيْثُ إِن كلمة (زيدًا) و(الفرس) اسمٌ منصوبٌ قد وقع على (زَيْدٍ) فعل الضرب، ووقع على (الفرس) فعل الركوب.
قوله: (وهو قسمان: ظاهر ومضمر)
يتعلق به شيئان:
أولهما:
دليل تقسيم المفعول إلى ظاهر ومضمر هو: الاستقراء التام قاله السيوطي في [الهمع]، وذكر الأزهري في [التصريح] اتفاق النحاة على ذلك.
والثاني:
يتعلق بمعنى كلمة (ظاهر)، وكلمة (مضمر) وسبق.
قوله: (فالظاهر ما تقدم ذكره)
يعني: من المثلين السابقين (ضربت زيدًا، وركبت الفرس) إذ كلمة (زيدًا والفرس) دَلَّتا على مُسَمَّاهما دون قَيْد (تكَلُّم) أو (خطاب) أو (غيبة) - وهذا وهو الاسم الظاهر كما سبق -.
قوله: (والمضمر قسمان: متصل ومنفصل)
سبق التفريق بين الضمائر المتصلة كالياء في (ضربني) ونا في (ضربنا) ونحوهما، حَيْثُ إِنَّ الضمير المتصل هو: ما لا يصح البدء به، ولا يأتي بعد (إلاّ) خلافًا للمنفصل فيصح البدء به ومجيئه بعد (إلاّ) .
قوله: (فالمتصل اثنا عشر وهي: ضربني، وضربن الخ)
عَدّها الْمُصَنِّفُ اثنا عشر، وسبق التدليل على صحة هذا العَدّ.
وأولها: ياء الْمُتَكَلِّم. ومثالها: (ضربني) والنون السابقة لها هنا تُسَمَّى بـ (نون الوقاية) لأنها تصل بين الفعل وبين ضمير الْمُتَكَلِّم، وتقي الفعل أن ينكسر، وتجعله متصلًا بالضمير فسُمِّيَت (نون الوقاية) .
وثانيها: ضمير (نا) للْمُتَكَلِّمين أو الْمُتَكَلِّم الْمُعَظِّم نفسه.
[ ٩٠ ]
وثالثها: كاف الخطاب للمفرد. ومثالها: (ضَرَبَكَ)، وهي مبنية على الفتح.
ورابعها: كاف المخاطبة المفردة، وهي مبنية على الكسر.
وخامسها: كاف الخطاب للمثنى، وهي مبنية على الضم. ومثالها: (ضربكما) .
وسادسها: كاف الخطاب للْمُتَكَلِّمين، وهي مبنية على الضم. ومثالها: (ضربكم) .
وسابعها: كاف الخطاب للْمُتَكَلِّمات من النساء، وهي مبنية على الضم. ومثالها: ضربكن.
وثامنها: هاء الغيبة للمفرد، وهي مبنية على الضم. ومثالها: ضَرَبَهُ.
وتاسعها: ضمير الغيبة للمفردة وهي مبنية على الفتح. ومثالها: ضَرَبَها.
وعاشرها: ضمير الغيبة للمثنى، وهي مبنية على الضم. ومثالها: ضربهما.
حادي عشر: هاء الغيبة للجمع الذكور، وهي مبنية على الضم. ومثاله: ضربهم.
الثاني عشر: هاء الغيبة للإناث، وهي مبنية على الضم. ومثالها: ضربهن.
والضمائر السابقة المتصلة يُقَال فيها: هي مبنية على كذا - بحسب ما سبق- في مَحَلّ نَصْب مفعول به.
مثاله:
ضربكما مُحَمَّدٌ.
فـ (ضرب): فعل ماضٍ مبني على الفتح، و(الكاف) ضمير خطاب متصل مبني على الضم في مَحَلّ نَصْب مفعول به، و(ما) للدلالة على التثنية.
و(مُحَمَّدٌ): فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
قوله: (والمنفصل اثنا عشر وهي: إياي الخ)
سبق التدليل على صحة هذا العدد، وأهل التحقيق من اللُّغَة يذهبون إلى أن الضمير هو (إيَّا)، وما اتصل به كان للدلالة على التكَلُّم أو الخطاب أو الغيبة.
مثاله:
(إياي) حَيْثُ إِنها تشمل شيئين:
أولهما:
الضمير المنفصل وهو (إيَّا) .
والثاني:
الضمير المتصل الدال على الْمُتَكَلِّم المفرد وهو (الياء) .
وذهب الجمهور إلى أن كلمة (إياي) و(إيانا) وغيرهما ضمير منفصل في كاملها.