أراد: فقد أفرس راعي الكواعب وحق أبي، ويجوز أن يكون (أضاف الأب إلى راعي) وهو يعني نفسه.
وقد يغني عن الفعل بعدها دليل فيحذف، كما حذف بعد لمّا، ويوقف عليها، كقولك: أزفَ الشُّخوصُ وكأن قد. قال النابغة:
أزِف التَّرُحُّل غير أن ركابنا لَمّا تَزُل برحالنا وكأنْ قد
أي: وكأن قد زالت.
ص: وترادفها هل، وتساوي همزة الاستفهام فيما لم يصحب نافيا، وما لم يطلب به تعيين، ويكثر قيام "مَنْ" مقرونة بالواو مقام النافي فيجاء غالبا بإلا قصدا للإيجاب، وقد يقصد بأيّ نفي، فيعطف على ما في حيزها بولا. ولأصالة الهمزة استأثرت بتمام التصدير، فدخلت على الواو والفاء وثم، ولم يدخلن عليها، ولم تُعَد بعد أم، بخلاف هل وسائر أخواتها، ويجوز ألا تعاد هل لشبهها بالهمزة في الحرفية، وأن تعاد لشبهها بأخواتها في عدم الأصالة، وقد تدخل عليها الهمزة فتتعين مُرادفةُ قد، وربما أبدلت هاؤها همزة.
ش: هل حرف استفهام، تجيء مع الماضي بمعنى قد، كقوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) قال المفسرون: المعنى: قد أتى على الإنسان حين من الدهر. وللاستفهام حرفان: الهمزة وهل.
فالهمزة يستفهم بها عن التصديق، كقوله: أزيد قائم؟ وأقام عمرو؟ عن التصور لطلب التعيين، كقولك: أزيد قام؟ وأعمرا كلمت؟
وتدخل على النفي لتقرير أو توبيخ أو تمن أو نحو ذلك، كما سبق التنبيه عليه في باب: لا لنفي الجنس.
[ ٤ / ١٠٩ ]
وأما هل فيستفهم بها عن التصديق الموجب لا غير، ولذلك قبح: هل زيد قام؟ وهل عمرا ضربت؟. وامتنع: هل زيد قائم أو عمرو؟.
وإلى كون هل للاستفهام الموجب الإشارة بقوله: وتساوي همزة الاستفهام فيما لم يصحب نافيا، ولم يطلب فيه تعيين.
وكثيرا ما يعدى الاستفهام عن أصله فيؤتى به في مقام الإنكار والجحد، فيجرى مجرى النفي. فمما جاء من ذلك بالهمزة قوله تعالى: (أهم يَقْسِمون رحمة ربك) وبهل في قوله تعالى: (وهل نجازي إلا الكفور) وبمتى كقولهم في مقام الجَحْد: متى قلت هذا؟ وبأين نحو ما حكى الكسائي: أين كنت لتنجو مني. أي ما كنت لتنجو مني. وبكيف كقراءة عبد الله. (كيف يكون للمشركين عهدٌ عند الله) وقد جاء ذلك بمَنْ مقرونة بالواو وبعدها إلا في الغالب لقصد الإيجاب، كقوله تعالى: (ومَن يرغبُ عن ملَّة إبراهيم إلا مَنْ سَفِه نفسه) المعنى: وما يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه. ومثله: (ومَن يقنطُ من رحمة ربه إلا الضالون).
وقد يجيء نفي بأيّ فيعطف على ما في حيزها بولا، كقول الشاعر:
فاذهب فأيُّ فتى في الناس أحْرَزَه عن حَتْفه ظُلَمٌ دُعْجٌ ولا جَبَل
واعلم أن أصل أدوات الاستفهام الهمزة لأنها تأتي في الإيجاب والنفي، ويستفهم بها عن التصور وعن التصديق، ولكونها أصل أدوات الاستفهام،
[ ٤ / ١١٠ ]
والاستفهام له صدر الكلام، استأثرت عن أخواتها بتمام التصدير، فدخلت على العواطف من الواو والفاء وثم، ولم يدخلن عليها، فلا يقال: قد قام زيد، فأقام أخوه؟ كما يقال: فهل قام أخوه؟ وإنما يقال: قد قام زيد، أفقام أخوه؟ كما قال تعالى: (أو لم يهدِ للذين يرثون الأرض): (أفلم يَيْئَس الذين آمنوا): (أثُمّ إذا ما وقع آمنتم به) وهو عند سيبويه على التقديم والتأخير، إيثار الهمزة الاستفهام بتمام التصدير. وفي امتناع دخول العواطف عليها مع مساواتها لهل في صحة عطف ما هي فيه على ما قبله، شاهد على صدق قول سيبويه.
وقد حمل الزمخشري بعض ما جاء من ذلك في القرآن الكريم على إضمار المعطوف عليه، فقال في قوله تعالى: (أو كُلّما عاهدوا عهدا) و: (أفكلما جاءكم رسول) (تقديره: أكفروا وكلما عاهدوا، وأكفرتم فكلما جاءكم رسول)، وهو إضمار لا دليل عليه، ولا يفتقر تصحيح الكلام إليه.
ولاسئثار الهمزة بتمام التصدير لم تعد بعد أم المتصلة ولا المنقطعة، تقول: أدبس في الإناء أم عسل؟ وأزيد خارج أم عمرو مقيم؟ وليس لك أن تعيد الهمزة بعد أم، كما تعيد الجار للتوكيد في نحو: أبزيد مررت أم بعمرو، لأنها لما لم تقع للتأسيس بعد العاطف كانت عن وقوعها للتوكيد بعده أبعد.
وأما هل فيجوز فيها مع أم المنقطعة ألا تعاد، استغناء بدلالة العاطف على التشريك، نحو: هل قام زيد أم خرج عمرو، ويجوز أن تعاد توكيدا، لأنه لا يمتنع دخول العاطف عليها نحو: هل قام زيد أم هل خرج عمرو؟ وقال الله
[ ٤ / ١١١ ]
تعالى: (هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلماتُ والنورُ، أم جعلوا لله شركاء) فجمع بين الاستعمالين.
فإن قلت: كيف صح الجمع بين هل وأم المنقطعة، والنحويون يقولون: إنها تفيد الاستفهام والإضراب معا؟ قلت يتجه ذلك على أن تكون "أم" دالة على الإضراب الوضع، وعلى الاستفهام إذا لم يذكر بعدها بالالتزام العرفي، فإنها لا تدخل إلا على جملة استفهامية، فصار لفظها مشعرا بالاستفهام، فيجوز إظهاره بعدها على الأصل، ويجوز إضماره استغناء بدلالة أم.
فأما قوله: "ويجوز في هل ألا تعاد لشبههما بالهمزة في الحرفية، وأن تعاد لشبهها بأخواتها بعدم الأصالة" فكلام غير محقق، فإن عدم إعادة "هل" بعد "أم" مثل عدم إعادة الهمزة في كونه على وفق الدليل، فلا فائدة في قياس جواز أحدهما على جواز الآخر، وإعادة هل بعد أم ليست مثل إعادة أخواتها في أسماء الاستفهام، فإن هل تعاد توكيدا كما سبق، وغيرها يعاد تأسيسا إذا قصد معناه، وإذا لم يقصد معناه لم يذكر، تقول: متى قام زيد؟ أم متى خرج عمرو؟ إذا أضربت عن الاستفهام عن وقت قيام زيد، إلى الاستفهام عن وقت خروج عمرو أو نحو ذلك.
وقد تدخل الهمزة على هل فتتعين أن تكون المرادفة لقد، كقول الشاعر:
سائِلْ فوارسَ يَرْبُوع بِشَدَّتنا أهَلْ رأوْنا بقاع القُفِّ ذي الأكَم
وقد تبدل هاؤها همزة، فيقال: أل قام زيد؟ مكان هل قام زيد؟