اعلم أنّ التاء قد زيدت في أوّل الفعل المضارع تقول للمذكّر: أنت "تقومُ" فيدُلّ على الخطاب، وتقول للمُؤنَّثة: أنتِ "تقومين" فيدُلّ على الخطاب والتّأنيث وتقول للغائبة: هي "تقومُ" وهما "تقومان" فيدُلّ على التّأنيث، وإن قلت: أنتما "تقومان" فإن كانا مُذَكَّرَيْن دَلّت على الخطاب، وإن كانا مُؤنَّثين دلّت على الخطاب والتأنيث، وإن كان مُذكّرًا ومُؤنَّثًا دَلّت على الخطاب، لأنّ التّأنيث إذا اختلط بالتّذكير غُلّب التّذكير وبطل علامة التّأنيث.
وقد زيدت التّاءُ في آخر الفعل الماضي لتدلّ على تأنيث الفاعل نحو: "قامتْ" هندٌ، و"طُرِدَتِ" الكلابُ.
وقد زيدت التّاءُ في أوّل الاسم، قالوا: "تَرْتُبٌ" فليس يخلو أن يكون وزنه "تَفْعُل" أو "فَعْلُل" وفَعْلُلٌ ليس في الكلام، لأنّه لا يوجد على وزن "جَعْفُرٍ"، وإذا بطل هذا دلّ على أنّه "تَفْعُل"، فأمّا من قال "تُرْتُب" فالتّاء أيضًا زائدةٌ؛ لأنّه قد ثبت زيادتها في "تَرْتُبٍ"، والحرف لا يكون أصلًا في بناء زائدًا في بناء آخر وهما لمعنًى واحد. فأمّا من قال: "تُرْتَبٌ" فلا
[ ٢٥٥ ]
يخلو أن يكون "تُفْعَلا"، أو "فُعْلَلا"، وعند سيبويه ليس في الأصول "فُعْلَلٌ" على مثال "جُعْفَرٍ"، وإذا بطل هذا ثبت أنّه "تُفْعَل"، وإن شئت أن تقول: قد ثبت زيادتها في "تَرْتُبٍ" فينبغي أن تكون زائدة في "تُرْتَبٍ"، لأنّ معناهما واحد، وإن شئت أن تقول: هذا كلّه مشتقٌّ من الشّيء الرّاتب، والرّاتب لا تاء في أوّله فينبغي أن تكون التاء زائدة.
وممّا يجري مجرى هذه المسألة قولهم لضرْبٍ من الشّجر "تَنْصُبٌ" و"تُنْضَبٌ" الكلام فيه كالكلام فيما تقدّم.
وأمّا: "تَتْفُلَةٌ" فدخول تاء التأنيث على الكلمة قد أبطل وزن الفعل فعلى هذا القياس ينبغي أن تكون التّاء أصلًا، فإن قيل فقد زعمتم أنّه ليس في الكلام مثال "جعْفُر" قيل لا يُسْتَنْكَرُ أن يجيء مع التأنيث البناءُ مخالفًا للأصول ألا تراهم قد قالوا: "قَلَنْسُوَةٌ" "فَعَنْلُوَةٌ" مُلْحَقٌ بـ" فَعَلُّلَةٍ" فـ"تَنْضُبَةٌ" على هذا "فَعْلُلَةٌ"، و"قَلَنْسُوَةٌ" على هذا مشتقّة من "قَلَسَ" والنّون زائدة، وإن أخذته من "قَلْنَسَ" فهي "فَعْلُوَةٌ"، وكذلك يجيء
[ ٢٥٦ ]
البناء مع ياء النّسب مخالفًا للأصول ألا تراهم قالوا: "أيْبُلِيٌّ" وزنه "فَيْعُلِيّ"، و"أيْيُلٌ" ليس في الكلام، لأنّه ليس في الكلام مثال "فَيْعُلٍ" فدلَّ على أنّ ياء النِّسبة وتاء التأنيث قد تُغيّران البناء عن الأصول.
فأمّا "تُدْرَأ" فلا يخلو أن تكون "تُفْعَلًا" أو "فُعْلَلًا"، وفُعْلَلٌ ليس عند سيبويه فثبت أنّه "تُفْعَلٌ" فالتّاء على هذا زائدة، وإن أخذته من "دَرَاتُ" عنه فالتّاء زائدة.
وقد زيدت التّاء مع الواو في "عَنْكَبوتٍ" و"رَهَبُوتٍ" و"رَغَبوتٍ" و"رَحَموتٍ"
[ ٢٥٧ ]
وقد زيدت التّاء في "سَنْبَتَةٍ" وهي القطعة من الدَّهْر يقولون: مرّت عليه سنْبَتَةٌ من الدَّهْر. و"سَنْبَةٌ" من الدّهر في معناها؛ فهذا يدلّ على زيادتها.
وقد زيدت مع الألف في جمع التّأنيث قالوا: "مُسْلِماتٌ" و"صالحاتٌ". وقد زيدت في "افْتَعَلَ" وما تصرف منه نحو: "اقْتَطَعَ" و"احْتَمَلَ".
وقد زيدت مع السّين في "اسْتَفْعَلَ" وما تصرَّف منه نحو: "اسْتَخْرَجَ" و"مُسْتَخْرِج" و"اسْتِخْراجٌ".
وقد زيدت في "التَّفْعيل" نحو: "التَّقْطيع" و"التَّكْسير" و"التَّنْبيت".
وقد زيدت في "تَفَعَّلَ" وما تصرَّف منه نحو: "تكَسَّرَ".
وفي "تفاعَلَ" وما تصرَّف منه نحو: "تعامى" و"تخازَرَ" و"تغافَلَ" و"تعاشى".
وقد زادوها في "التِّفْعال" نحو: "التِّطْواف" و"التِّرْداد" و"التّرْماءِ".
[ ٢٥٨ ]
وقد زادوها في "التّفعال" نحو: "التِّجْفاف" و"التِّمْثال".
وقد زادوها في آخر الاسم للتّأنيث نحو: "بقرةٍ" و"شجرةٍ".
وهذه التّاء يبدلونها في الوقف والخطّ هاء فيقولون "طَلْحَهْ" و"شَجَرَهْ"، وكذلك إن أضافوها إلى اسم ظاهر قالوا: "شجرة زيدٍ" كتبوها بالهاء ووقفوا عليها بالهاء؛ لأنّ الاسم الظّاهر ينفصل ويقوم بنفسه فصارت طرفًا، والأطراف ممّا يلحقها التّغيير، فلذلك صُوِّرتْ هاءً.
فإن أضفتها إلى المضمر كتبتها تاءً فقلت: "شَجَرَتي" و"بقرتُكَ" و"ثَمَرَتُهُ"؛ وإنّما كتبوها مع المضمر تاء لأنّ المضمر لا ينفصل ويقوم بنفسه بل يتّصل بما قبله ويصير كالجزء منه، فصارت التّاء حشوًا في الكلمة، وإنّما قلبوا منها في الخطّ والوقف هاءً، ليُفَرَّقَ بينها وبين التّاء التي تلحقُ الفعل في
[ ٢٥٩ ]
"ضَرَبَتْ"، وقال قومٌ لِيُفَرَّقَ بينها وبين الأصليّة في "بَيْتٍ" و"قُوتٍ"، وقال قومٌ ليُفَرَّق بينها وبين التّاء التي تلحق مع الألف في الجمع في "مُسْلِماتٍ" وبابه.
وقد تلحق التّاء في تأنيث الجماعة في نحو: "قُضاةٍ" و"خُيوطةٍ" وحجارةٍ و"ذِكارةٍ" فأمّا طَيء وأهل اليمن فإنّهم يُثْبِتونها تاء
[ ٢٦٠ ]
فيقولون: "مُسْلِمَتْ" و"قائِمَتْ" قال الشاعر:
بل جَوْزِتَيْهاءَ كظهر الحَجَفَتْ
ونادى منادي النّبيِّ ﷺ يوم فتح مكّة: (يا أهل سورة البقرتْ) فقال المجيب: (والله ما أحفظ منها آيتْ)
فأمّا ما ورد في التّنزيل من كتبهم (رحمتْ) و(نِعْمتْ)
[ ٢٦١ ]
و(سُنَّتْ) و(ابْنَتْ) و(امْرَأتْ) فيجوز أن يكون أخذوا باللّغتين فكتبوا بعضًا بالهاء وبعضًا بالتّاء، ويجوز أن يكون المملي وصل كلامه فكتب الكاتب على لفظه حملًا للوقف على الوصل.
وقد بيّنا أنّ الياء والواو والألف لا تكون أصلًا فيما زاد على الثّلاثة إلّا أن يكون في الكلمة تكريرٌ أو يدلّ دليلٌ على زيادتها.
ولا تزاد هذه الحروف ولا شيء من حروف الزّيادة في أوّل الكلمة إلاّ في الأسماء المشتقّة من الفعل نحو: "مُدَحْرِجٍ".
[ ٢٦٢ ]
فإن كانت الميم والهمزة في أوّل كلمة وبعدها أربعة أصول كـ"مَرْزَجوشٍ"، لأنه كـ"عَضْرَفوطٍ" و"قَرْطَبوسٍ" ووزنه "فَعْلَلُولٌ"، و"إصْطَبْلٌ" كـ"جِرْدَحْلٍ" وزنه "فِعْلَلٌّ"، فأما "يَسْتَعورٌ" فوزنه "فَعْلَلُولٌ" الياءُ أصل؛ لأنّ بعدها أربعة أصولًا فهو كـ"عَضْرَفوطٍ" فهذا حكم هذه الحروف، فأمّا "إنْقَحْلٌ" من قول الشاعر:
لمّا رأتني خَلَقًا إنْقَحْلا
فوزنه "إنْفَعْل" فالهمزة والنّون زائدتان في أوّله، وهذا شاذٌّ؛ لأنّه ليس بمشتقٍّ من فعل، لأنّ الاسم الجاريَ على الفعل يجوز أن يتوالى في أوّله زائدتان كـ"منطلِقٍ" وقد مضى ذكرُه وسيبويه يقول في الشيء الشّاذّ: هو
[ ٢٦٣ ]
شاذٌّ، ويقول في موضع آخر: لم يأت من هذا شيءٌ، لأنه لم يعتدَّ بما ورد منه لقلّته ونزارته. ويدلّك على صحّة ما قاله أنّ العرب تقول: قَلّما جاءني زيدٌ وتستعمله على ضربين:
تارةً تريد: ما جاءني زيدٌ فيكون نفيًا عامًّا ويكون على هذا لم يأته.
وتارةً يكون قد جاء مجيئًا قليلًا فلا يُعْتَدُّ به ويجعله كالنّفي العامّ.
فقد بان لك أنّ القليل في كلام العرب قد يُجعل بمنزلة ما لم يكن، ويُنْفى نفيًا عامًّا فهذا يُعَضِّد ما قاله سيبويه وذهب إليه.
فأمّا قولهم "أُرْجُوانٌ" فإن اشتققته من "الأَرْج" وهو سطوع الرّائحة فوزنه: "فُعْلُوانٌ"، وإن اشتققته من "رجا يرجو" فوزنه "أُفْعُلانٌ"، وإن أخذته من "رَجَنَ" فوزنه "أُفْعُوالٌ".
فأمّا "أرْوَنانٌ" فقد حمله سيبويه على الأكثر بأن جعل الهمزة زائدة والألف والنون في آخره كذلك؛ لأن هذا طريق الكثرة، ووزنه على هذا التّأويل "أفْعَلانٌ"، ثمّ نظر نظرًا ثانيًا ووجد العرب تقول:
[ ٢٦٤ ]
"يومٌ أرونانٌ" أي شديدٌ ويقولون: "اللهم اصرف عنّا رَوْنَ هذا الأمر" أي شدّته، فعلى هذا وزن الكلمة "أفْعَلالٌ"، وإن اشتققت الكلمة من "رنا يرنو" إذا أدام النظر فيكون قد قُدِّمت اللام على العين فوزن الكلمة على هذا "أفْلُعانٌ"، وإذا اشتققت الكلمة من "الرَّنَّة" وهو الصَّوت فوزن الكلمة "أفْوَعالٌ" الهمزة في أوّله زائدة، والواو بين الفاء والعين زائدة، لأنّ أصل الكلمة "رَنَنَ" فهذه ثلاثة أوجه في الاشتقاق.
"مِرْآةٌ": "مِفْعَلَةٌ" من رأيْتُ.
فأمّا اسم المفعول من الثّلاثيّ إذا كانت لامه ياء فـ "مفْعُولٌ" كـ"مَضروب" و"مَذْكور" تقول: رأيته فهو "مَرْئِيٌّ" ورميْتُه فهو "مَرْمِيٌّ" والأصل فيهما: "مَرْؤُويٌ" و"مَرْمُويٌ" فلمّا اجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسّكون قلبوا الواو ياءً، وأدغموا الأولى في الثانية، وكسروا ما قبل الياء الأولى لتتمكّن فقالوا: "مَرْئِيٌّ" و"مَرْمِيٌّ" فهذا على وزن "مَضْروبٍ" لأنّه بعدد حروفه.
فإن كانت لام الثّلاثيّ واوًا وبنيت منه مفعولًا أدغمت الواو الأولى في
[ ٢٦٥ ]
الثانية تقول: غَزَوْتُه فهو "مَغْزُوٌّ" ونَحَوْتُه فهو "مَنْحُوٌّ".
وربّما استثقلوا في بعض هذا اجتماع الواوين مع الضّمّة قبلهما فقلبوا بدل الواو المشدّدة ياء مشدّدة فقد قالوا: "مَرْضِيٌّ" وسناها المطرُ يسْنوها فهي "مَسْنِيَّةٌ" إذا سقاها، والأصل: "مَرْضُوٌّ" و"مَسْنُوَّةٌ".
وأكثر ما يكون هذا القلب في الجموع، لأنّهم يستثقلون أن يجمعوا بين ثقل الجمع وثقل الواوين.
وهذا الذي يجتمع في آخره واو مثقّلة وقبلها ضمّة ثلاثة أقسام:
إمّا أن يكون جمعًا نحو: "عاتٍ" و"عُتُوٌّ".
أو يكون مصدرًا نحو: عتا يعتو "عُتُوًّا" وعسا يعْسوا "عُسُوًّا".
أو يكون اسم مفعول نحو: "مَغْزُوٌّ" و"مَسْنُوٌّ".
والقلب للجمع لازمٌ للعلّة التي ذكرتها وإنّما شذّ منه شيءٌ يسير خرج
[ ٢٦٦ ]
مُصَحَّحًا ليدلّ على الأصل الذي انتقل عنه قالوا: "نَحْوٌ" و"نُحُوٌّ" و"بَهْوٌ" و"بُهُوٌّ" و"أبٌ" و"أُبُوٌّ"، و"نَجْوٌ" و"نُجُوٌّ" وهو السّحاب.
وأمّا المصدر فيجيءُ مصحَّحًا على أصله قالوا: عتا يعتو "عُتُوًّا" فإنْ سُمِع فيه شيء قد قلب فإنّما شبّهوه بالجمع.
فأمّا اسم المفعول فالجيّد فيه التّصحيح "مَغْزُوٌّ" و"مَسْنُوٌّ"، فإن قلب منه شيءٌ فإنّما شبّهوا اسم المفعول باسم الفاعل نحو: "غازٍ" فلمّا قلبوا الواو ياءً في اسم الفاعل قلبوها في اسم المفعول.
ولك في القلب طريقتان في "عُتِيٍّ" إذا كان جمعًا و"مَسْنِيٍّ":
أحدهما: أن تقول قد ثبت أنّه ليس في الأسماء العربيّة اسم في آخره واو قبلها ضمّة، فإذا أدّى قياسٌ إلى هذا قلبوا من الضّمّة كسرة ومن الواو
[ ٢٦٧ ]
ياء، ألا تراهم قالوا في جمع "قَلَنْسُوَةٍ: قَلَنْسٍ"؟ والأصل: "قَلَنْسِوٌ" قال الشاعر:
لا مهل حتّى تلحقي بعَبْسِ أهل الرِّياطِ البيض والقَلَنْسِ
وقالوا: "عَرْقُوَةٌ" و"عَرْقٍ" قال الشاعر:
حتّى تفُضِّي عَرْقِيَ الدُّلِيّ
[ ٢٦٨ ]
والأصل: "عَرْقُوٌ". وقالوا: "دَلْوٌ" و"أدْلٍ"، و"حَقْوٌ" و"أحْقٍ" والأصل "أدْلُوٌ" و"أحْقُوٌ" على وزن "أفْلُسٍ" فقلبوا من الضمة قبل الواو كسرة حتى تنقلب الواو ياء.
فإذا ثبت هذا شبّهوا الواو الأولى من "عُتُوّ" و"مَسْنُوّ" بالضمّة فقلبوها ياء كما يقلبون الضمّة كسرة فصار "عُتِيوٌ" و"مَسْنِيوٌ" فلمّا اجتمع الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون قلبوا من الواو ياء وأدغموا الأولى في الثانية.
فأمّا الطريقة الثانية فيقولون: الواو الأولى ساكنة فلا يعتدّون بها من هذا الوجه، لأنّها ساكنة فتصير الواو الثّانية كأنّها قد وليت الضمّة فيقلبون الواو الأخيرة ياء، ثم تجتمع الواو والياء، والأولى ساكنة فيقلبون من الواو ياء ثم يدغمون الأولى في الثانية فيقولون: "مَسْنِيٌّ" و"عُتِيٌّ" و"دُلِيٌّ" و"حُقِيٌّ".