الحذف في كلام العرب على ضربين أحدهما يجب عن علّة والثّاني يحذف تخفيفًا. فأمّا الحذف الذي يجب عن علّة فإنّه ينقاس ويطّرد أين وجدت علّته أوجبت حذفه.
[ ٣٧٣ ]
فمن الحذف الذي يجب عن علّة أنّ الفعل الماضي إذا كان على ثلاثة أحرف وانفتحت فاؤه، وعينه، ولامه. وفاؤه واو فإنّ الواو تسقط منه في المضارع نحو: "وَعَدَ يَعِدُ"، و"وَزنَ يَزِنُ" و"وَرَدَ يَرِدُ" و"وَجَدَ يَجِدُ"؛ وإنّما أسقطوها من "يَعِدُ" لأنّهم استثقلوا وقوعها بين ياء وكسرة فقال قوم ثقل عليهم الخروج من ياء إلى واو بعدها كسرة كما ثقل عليهم الخروج من كسر لازم إلى ضمّ لازم، فلأجل هذا أسقطوها فقالوا: "يَعِدُ"، و"يَزِنُ" و"يَرِدُ" و"يَجِدُ".
ولمّا أسقطوها مع الياء أسقطوها مع جميع حروف المضارعة قالوا: "تَعِدُ" و"نَعِدُ" و"أعِدُ"؛ وإنّما أسقطوها في جميع حروف المضارعة لأنّها مساوية للياء في كونها حرف مضارعة، والعلّة في إسقاطها هي وقوعها بين الياء والكسرة يدلّك على ذلك أنّها إذا زالت الكسرة بعدها صحّت ولم تسقط نحو قولهم: "وَجِلَ يوْجَلُ" و"وَحِلَ يَوْحَلُ" و"وَسِنَ
[ ٣٧٤ ]
يَوْسَنُ" و"وَجِرَ يَوْجَرُ" و"وَضُأ يَوْضُؤُ".
ويضبط هذا كلّه قوله تعالى: (لم يلد ولم يولد) سقطت الواو من (يلد) لوقوعها بين ياء وكسرة، وثبتت في قوله تعالى (ولم يولد) لوقوعها بين ياء وفتحة، وكذلك لو قلت: "يُوعَدُ" و"يُوزَنُ" و"يُورَدُ" لثبتت الياء لوقوع الفتحة بعدها.
فإن قيل فقد قالوا: "وَجَدَ يَجُدُ" فقد سقطت الواو وبعدها ضمّة قيل له: هذه الضّمّة عارضة، وإنّما جاءت الضّمّة بعد أن سقطت الواو، والأصل فيه: "يَوْجِدُ" فسقطت الواو لوقوعها بين الياء والكسرة، ثمّ ضمّ قومٌ على
[ ٣٧٥ ]
طريق الشّذوذ فقالوا: "يَجُدُ"، والأكثر والأفصح هو الكسر.
ولو كانت الضمّة بعد الواو توجب إسقاطها إذا تقدّمتها الياء لوجب سقوطها في قولهم: "يَوْضَؤُ" وهذا لا يجيزه أحد.
فإن قيل: فلم استثقلوا وقوعها بين ياء وكسرة؟ ولم يستثقلوا وقوعها بين ياء وضمّة، والضّمّة أثقل؟
قيل له: الكسرة ياء صغيرة فكأنّ الواو وقعت بين ياءين فثقلت عليهم، وفي "يَوْضُؤُ" وقعت بين ياء وضمّة، والضّمّة من الواو فلم تستثقل الضّمّة بعدها كاستثقال الكسرة، فإن قيل فقد قالوا: "وَهَبَ يَهَبُ" و"وَطِئَ يَطَأُ" و"وَسِعَ يَسَعُ" فأسقطوها وبعدها فتحة.
[ ٣٧٦ ]
قيل له: الأصل فيه "يَوْهِبُ" و"يَوْسِعُ" و"يَوْطِئُ" فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم انفتحت العين لأجل حروف الحلق وهي الهاء في "يَهَبُ" والهمزة في "يطأ" والعين في "يَسَعُ"، وكذلك قالوا: "وَضَعَ يَضَعُ" والأصل فيه "يَوْضِعُ" فسقطت الواو لما قلنا، ثمّ انفتحت العين لأجل الحلق، وكذلك قولهم "يَدَعُ" الأصل فيه: "يَوْدِعُ" فسقطت الواو لما قلنا ثمّ انفتحت العين لأجل حرف الحلق.
فأمّا قولهم: "يَذَرُ" فالأصل فيه "يَوْذِرُ" فسقطت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، ثم فتحت إتباعًا لـ"يَدَعُ" ليزاوجوا يبن الكلمتين، ويُتْبِعوا الأولى الثانيةَ.
فأمّا مصدر هذا الفعل فإن خرج على أصله صحّت الواو، لكون الفتحة بعدها على: "فَعْلٍ" نحو: "وَعْدٍ" و"وَزْنٍ".
فأمّا إذا جاء المصدر على: "فِعْلَة" نحو: "عِدَة"، و"زِنَة" وأصله: "وِعْدَة" و"وِزْنَة" فإنّ هذا يُعَلُّ لأمرين:
[ ٣٧٧ ]
أحدهما: استثقالًا للكسرة في الواو.
والثّاني: أنّ هذه الواو قد اعتلّت في الفعل، والفعل والمصدر كالشّيء الواحد، فإذا خرج المصدر على غير أصله جاز أن يسري إليه الإعلال من فعله، فأُعِلّت لهذا الوجه أيضًا حملًا للمصدر على الفعل.
ووجه الإعلال فيها أنّهم لمّا استثقلوا الكسرة في الواو نقلوها إلى ما بعدها، فلمّا انكسر ما بعدها سكنت هي، ثمّ أسقطت وهي ساكنة.
وإنّما استثقلوا الحركة فيها لأمرين:
أحدهما: لئلا يسقطوا حرفًا وحركة.
والثّاني: أنّهم لو أسقطوها متحرّكة لاحتاجوا إلى ألف الوصل، لأنّ الذي بعدها ساكن، والسّاكن لا يبدأ به.
ووجه ثالث: وهو أنّهم إذا أسقطوا حرفًا وجب أن يبقوا ما يدلّ عليه، فنقلوا الكسرة إلى ما بعد الواو لتكون الكسرة دالّة على الواو السّاقطة، ولمّا سقطت الواو عوّضوا منها تاء التأنيث في آخر الكلمة فقالوا: "عِدَة" و"زِنَة"، وعلى هذا قالوا: "وَجَهَ" "يَجِهُ" "جِهَةً"، والأصل فيه: "وِجْهَة" ففعلوا ما ذكرته.
[ ٣٧٨ ]
فأمّا قوله تعالى: (ولكلّ وجهة) فقد طعنوا به في هذا الفصل وقالوا: خرج المصدر مصحَّحًا.
والجواب عن هذا من وجهين: أنّ العرب إذا أعلّت شيئًا جاز أن يخرج بعضه مصحّحًا ليكون منبِّهًا على الأصل الذي أعلّ.
والثّاني: أنّ هذا اسم للقبلة المتوجَّه إليها وليس بمصدر.
وقد جاءت حروف من "فَعِلَ" فاؤها واو بنوا مستقبله على: "يَفْعِلُ" لتسقط الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فعلوا ذلك كلّه فرارًا من ثقل الواو فقالوا: "وَرِمَ يَرِمُ"، والأصل: "يَوْرِمُ"، و"وَلِيَ يَلِي" والأصل: "يَوْلِي" و"وَمِقَ يَمِقُ" والأصل: "يَوْمِقُ"، و"وَرِثَ يَرِثُ" والأصل: "يَوْرِثُ"، وهي حريفات معدودة وكلّ هذا ليس بمقيس.
وإذا كان الماضي على فَعَلَ وفاؤه ياء فإنّها تصحّ في المستقبل، لأنّ الكسرة التي بعدها من جنسها فلا تستثقل كما تستثقل الكسرة بعد الواو قالوا: "يَمَنَه يَيْمِنُهُ" و"يَسرَهُ يَيْسِرُهُ" و"يَعَرَ الجدي يَيْعِرُ" إذا صاح.
[ ٣٧٩ ]
فإن كان الفعل على: "فَعِلَ يَفْعَلُ" وفاؤه ياء فإنّها تصحّ أيضًا قالوا: "يَئِسَ يَيْأسُ"، وقد جاء على طريق الشّذوذ: "يَئِسَ يَئِسُ" فأسقطوا الياء تشبيهًا بالواو، وهذا شاذٌّ لا يلتفت إليه.
وإذا كان الفعل على "أفْعَلَ" وأخبر المتكلّمُ عن نفسه بالمضارع فإنّه يجب أن يقول: "أكرمتُ فأنا أُأَكْرِمُ" و"أحسنتُ فأنا أُأَحْسِنُ"، لأنّ حرف المضارعة ينبغي أن يزيد على حرف الماضي.
وإن كان الماضي ثلاثة صار المضارع أربعة نحو: "ضرب يَضْرِبُ"، فإذا كان الماضي على أربعة صار المضارع على خمسة نحو: "دَحْرَجَ يُدَحْرِجُ" وأنا "أدَحْرِجُ" فكما تقول في "دَحْرَجَ" أنا "أُدَحْرِجُ" فكذلك ينبغي أن يقول: "أكْرَمْتُ" فأنا "أُأَكْرِمُ" إلاّ أنّه ثقل عليهم أن تجتمع همزتان في كلمة واحدة، ولم يجدوا بدًّا من إسقاط إحداهما، ولم يجز أن يسقطوا
[ ٣٨٠ ]
الأولى، لأنّها حرف المضارعة وهي مضمومة، فأسقطوا الثانية وهي المفتوحة، لأنّها بإزاء الدّال من "أُدَحْرِجُ" فقال المتكلّم: "أنا أُكْرِمُ" فصار المضارع على أربعة أحرف لنقصان الهمزة التي كانت في ماضيه، و"أدحرج" على خمسة، لأنّه لم يسقط منه شيء.
ولمّا أسقطوا الهمزة في فعل المتكلّم أسقطوها في جميع الحروف المضارعة فقالوا: "نُكْرِمُ" و"تُكْرِمُ" و"يُكْرِمُ"، حتّى يتّفق لفظ الفعل ولا يختلف تصريفه، ولو خرج على أصله لقال: "يُؤَكْرِمُ" و"تُؤَكْرِمُ" و"نُؤَكْرِمُ".
ولمّا حذفوها في الفعل المضارع حذفوها في اسم الفاعل والمفعول، لأنّها مشتقّان منه فقالوا: "مُكْرِمٌ" والأصل "مُؤَكْرِمٌ" لأنّه على وزن "مُدَحْرِجٌ".
فأمّا المصدر فلم يسقطوا منه شيئًا قالوا: "إكْرامٌ" و"إحْسانٌ"، وهذا يدلّ على أنّ المصدر ليس بمشتقّ من الفعل، لأنّه لو كان مشتقًّا من الفعل لسقطت منه الهمزة كما سقطت من اسم الفاعل والمفعول نحو: "مُكْرِم" و"مُكْرَم" لمّا كانا مشتقَّيْن من الفعل.
وقد ردُّوا هذه الهمزة في بعض متصرّفات الفعل في ضرورة الشّعر ليدلّوا على الأصل قال الشّاعر:
[ ٣٨١ ]
فإنّه أهل لأن يُؤَكْرَما
وردّوها مع الياء في اسم المفعول قال الشاعر:
كراتُ غلام في كساء مُؤَرْنَب
وكان ينبغي أن يقول: "مُرْنَبِ" و"لأن يُكْرَما"؛ وإنّما استجازوا ردّها في هذه المواضع، لأنّها ليست الموضع الذي يجب إسقاطها فيه، لأنّ العلّة
[ ٣٨٢ ]
التي أوجبت إسقاطها هو مجامعتها لهمزة المتكلّم، وأحد لا يردّها مع همزة المتكلّم.
فأمّا قولهم: "أوْعَدَ يُوعِدُ" فقد اعترضوا به فقالوا: لِمَ لَمْ تسقط الواو لوقوعها بين ياء وكسرة كما سقطت من "يَعِدُ" وبابه؟
قيل له عن هذا الاعتراض جوابان أحدهما: أنّ الواو لم تقع بين ياء وكسرة، لأنّ الأصل فيه: "يُؤَوْعِدُ" فالهمزة قد حالت بين الواو والياء وإن سقطت من اللّفظ فهي مراعاة في المعنى، يدلّك على مراعاتها أنّ الشاعر له أن يردّها كما ردّها في قوله: "يُؤَكْرما".
والوجه الثّاني: أنّه قد أسقط همزة، فلو أسقطوا الواو لأجحف بالكلمة، لأنّه يسقط حرفين متلاصقين.
فأمّا قولهم: "أسّس يُؤسِّسُ" فإنّ هذه الهمزة لا يجوز أن تسقط، لأنّ الحرف الذي بعدها قد أعلَّ بالإدغام فلا يجوز أن تسقط الهمزة لئلا يُعَلَّ حرفان متلاصقان، وإذا أخبر المتكلّم عن نفسه في هذا الفعل قال: "أنا أُؤَسِّسُ" فقلب الهمزة الثانية واوًا قلبًا خالصًا لانفتاحها وانضمام ما
[ ٣٨٣ ]
قبلها كما قلبها في "جُؤَن" فقال: "جُوَنٌ" لأنّه لو ليّنها لجعلها بين الهمزة والألف، والألف لا يكون قبلها ضمّة فكذلك ما يقرب منها.
وأمّا ما حذف للجزم والوقف أو لالتقاء السّاكنين فالياء والواو والألف، فمثال حذفها للجزم: "لم يَرْمِ" و"لم يَغْزُ" و"لم يَسْعَ"، والجازم إنّما يحذف حركة الحرف الصّحيح ألا تراك تقول: "هو يضرب"؟ فالباء حرف الإعراب، والضّمّة فيها علامة الرّفع، فإذا دخل الجازم قلت: "لم يضربْ" فأسقط الضّمّة وبقيت الباء ساكنة.
فأمّا حرف العلّة في نحو: "يَرْمِي" و"يَغْزُو" و"يَسْعَى" فإنّ الضّمّة لا تظهر
[ ٣٨٤ ]
في الألف، لأنّ الألف يستحيل حركتها، وتستثقل الضّمّة في الياء والواو، فصار المستثقل بمنزلة المستحيل، فلمّا لم تظهر الحركة التي يسقطها الجازم في هذه الحروف جعلوا هذه الحروف معاقبة للحركة فأسقطوها كما أسقطوا الحركة.
وإن كان الشّاعر يجوز له أن يردّ الضّمّة في الياء والواو فيقول: "يغزُوُ" و"يَرْمِيُ" لمّا دعته الضّرورة إلى الرّدّ إلى أصل مهمل ومثل هذا لا يقاس عليه، ولا يكسر به قياس.
ولمّا أسقطوا هذه الحروف بالجزم شبّهوا الوقف بالجزم فقالوا: "ارْمِ" و"اسْعَ" و"اغْزُ" فأسقطوا هذه الحروف في الوقف تشبيهًا بالجزم.
وكذلك أسقطوها لالتقاء السّاكنين في قولهم: "لم يَبِعْ" و"لم يقُلْ" و"لم يَخَفْ" فإن تحرّك السّاكنُ الأخير لساكن بعده لم ترجع هذه الحروف السّاكنة، لأنّ الحركة لالتقاء السّاكنين لا يعتدّ بها؛ وإنّما لم يعتدَّ بها لأنّ
[ ٣٨٥ ]
السّاكن الأخير عارِضٌ تقول: "لم يبع الثّوبَ" و"لم يقل الحقَّ" و"لم يخف اللهَ"، ألا ترى أنّك تقول: "لم يبع ثوبًا" و"لم يخف زيدًا" و"لم يقل حقًّا" فلا يلقى السّاكن ساكنًا بعده؟ فعلمت أنّ دخوله عارضٌ.
فإن قيل: فما علامة الجزم في قوله: "لم يبع الثّوب"؟
قيل له سكون العين، لأنّ الحركة لا يعتدُّ بها، فلمّا لم يُعْتَدَّ بها صارت الكسرة في العين كالمعدومة، وكذلك لو قلت: "بِعِ الثّوب" فعلامة الوقف فيها سكون العين، لأنّ الحركة لالتقاء السّاكنين لا يعتدُّ بها، ولو اعتُدَّ بها لرجعت الحروف التي سقطت لالتقاء السّاكنين.
وكذلك قولهم: "هذا قاضٍ" و"مررت بقاضٍ" والأصل فيه: "قاضِيٌ" في الرّفع و: "قاضِيٍ" في الجرّ، فاستثقلوا الضّمّة والكسرة على الياء الخفيفة التي قبلها كسرة فأسقطوها، فبقيت الياء ساكنة، والتّنوين بعدها ساكن، فاجتمع ساكنان: الياء والتّنوين، فأسقطت الياء لالتقاء السّاكنين، وكانت أولى بالإسقاط، لأنّ قبلها كسرة تدلّ عليها وتغني عنها، ولم يجز أن يحرّكوها، لأنّهم قد فرّوا من حركتها، ولم يجز أن يحرّكوا التّنوين لالتقاء السّاكنين، لأنّ التنوين إنّما يحرَّك لساكن بعده لا لساكن قبله.
وقد شبّهوا بهذه الحروف النّون في خمسة أمثلة من الفعل وهي "تفْعَلين" و"تفعلان" و"يفعلان" و"يفعلون" و"تفعلون" فقد أسقطوا النّون في هذه للجزم كما أسقطوا حروف العلّة، وإنّما شبّهوها بحروف العلّة، لأنّ الحركة فيها إنّما هي لسكونها وسكون ما قبلها، فلم يعتدّ بحركتها لمّا كانت لالتقاء السّاكنين، فصارت كأنّها ساكنة، فأشبهت حروف العلّة لأجل الغنّة التي فيها، ولأنّها تكون ضميرًا في المؤنّث إذا قلت: "يَضْرِبْنَ"
[ ٣٨٦ ]
كما تكون الواو والياء ضميرًا في "تضربينَ" للمؤنث، و"تضربون" للمذكر، وتكون إعرابًا في هذه الأمثلة الخمسة كما تكون الواو والياء والألف إعرابًا في قولك: "الزّيدان" و"الزّيدون" و"الزَّيْدَيْنِ"، وتكون علامة تدلّ على التّثنية والجمع إذا قلت: "يَقْمْنَ جواريك" كما تكون الألف والواو علامة للتثنية والجمع إذا قلت: "يقومان أخواك" و"يقومون إخوتك"، فلمّا أشبهت النّون لحروف العلّة من هذه الوجوه أسقطوها في الجزم والوقف، كما أسقطوا حروف العلّة فقالوا: "اضربي" و"اضربا" و"اضربوا"، وقالوا في الجزم: "لم تضربي" و"لم تضربا" و"لم تضربوا".
إذا كان الثّلاثيّ يتعدّى إلى مفعول فاسم الفاعل منه: "فاعِلٌ" واسم المفعول منه: "مَفْعُولٌ" نحو: "ضارِب" و"مَضْرُوب" و"راحِم" و"مَرْحُوم".
فإن كان فاء الفعل ياء أو واوًا صحّتا في اسم الفاعل واسم المفعول تقول: "يَمَنْتُ زيدًا" فأنا "يامِنٌ" وهو: "مَيْمُونٌ" و"وَعَدْتُهُ" فأنا: "واعِدٌ" وهو "مَوْعُودٌ".
وإن كان لام الثّلاثيّ معتلّة فلا يخلو أن تكون ياء أو واوًا، فإن كانت ياء فإنّك تقلب من الواو التي قبل الياء ياء في اسم المفعول وتدغمها في الياء الأخيرة، وتكسر لها ما قبلها لتتمكّن الياء تقول رَمَيْتُه فهو "مَرْمِيٌّ" وسَقَيْتُهُ فهو: "مَسْقِيٌّ"، والأصل فيه: "مَرْمُويٌ" و"مَسْقُويٌ" ليكون على وزن مضروب من الصّحيح، فلمّا اجتمعت الواو والياء وسبقت الأولى بالسّكون
[ ٣٨٧ ]
قلبت الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية، وكسرت عين الكلمة، ليتمكّن القلب فقلت: "مَرْمِيٌّ" و"مَسْقِيٌّ".
فإن كانت اللّام واوًا أدغمت الأولى في الثانية فصارت واوًا مثقّلة فقلت غَزَوْتُهُ فهو "مَغْزُوٌّ"، ودَعَوْتُهُ فهو: "مَدْعُوٌّ"، وضممت ما قبل الواو لتصحَّ وتتمكّنَ. وهذا هو الأصل المقيس.
[ ٣٨٨ ]
وقد قلبوا في بعض هذا الواو الأخيرة ياء، ثم قلبوا الواو الأولى ياء وأدغموها في الثّانية، وكسروا لها ما قبلها لتصحّ فقالوا: "سناها الغيثُ فهي مَسْنِيَّةٌ" ومكانٌ "مَسْنِيٌّ" وهو من "سَنا" "يَسْنُو" إذا سقى، والجيّد مكانٌ: "مَسْنُوٌّ"، وأرضٌ "مَسْنُوَّةٌ"، ويقال: رجل "مَعْدِيٌّ" عليه وهو من عدا يعدُو كما قال:
أنا اللّيثُ مَعْدِيًّا عليّ وعاديا
والجيّد: مَعْدُوٌّ.
فإن كانت عين الثّلاثيّ ياء نحو: "باع" و"خاط" فإنّ اسم المفعول منه
[ ٣٨٩ ]
يجيءُ على: "مَبْيُوع" و"مَخْيُوط" وقد قالوا: "طَعامٌ مزيوتٌ"، فبنو تميم يصحّحون الياء ولا يستثقلون الضّمّة فيها فيقولون: "مَخْيُوط" و"مَكْيُول" و"مَبْيُوع" و"مَزْيُوت" فيستمرّون على أصلهم.
فأمّا أهل الحجاز فيستثقلون الضّمّة في الياء ويقولون: قد أعللنا الفعل من هذا واسم الفاعل، فينبغي أن نعلّ اسم المفعول.
واختلف النّحويّون في كيفيّة الإعلال وفي الحرف السّاقط في اسم المفعول فكان الخليل وسيبويه ينقلان ضمّة الياء من: "مَبْيُوع" إلى الباء فتنضمّ الباء وتكسن الياء، وبعد الياء السّاكنة واو مفعول ساكنة فيجتمع ساكنان: الواو والياء ولا يجوز الجمع بينهما فيسقطان واوَ مفعول، ويقولان: الزّائد أحقّ بالإسقاط إذا كان لا بدّ من إسقاط، وتبقى الياء ساكنة وقبلها ضمّة وهي مجاورة للطّرف فيقلبان من الضّمّة قبلها كسرة لتصحّ ولا
[ ٣٩٠ ]
تنقلب واوًا فيقولان: "مَبِيعٌ" و"مَخِيطٌ" فوزن الكلمة على مذهبهما: "مَفْعِل".
وكان أبو الحسن الأخفش يقول: الأصل: "مَكْيُول" فاستثقلوا الضّمّة في الياء فنقلوها إلى الكاف فسكنت الياء، وقبلها ضمّة، وبعدها واو مفعول ساكنة، فاجتمع ساكنان: الواو والياء، ولا يجوز الجمع بينهما فيقلب من ضمّة الكاف كسرة ثم يسقط الياء لالتقاء السّاكنين فتصادف الواو السّاكنة كسرة الكاف فتنقلب ياء فيصير: "مَخِيطٌ" و"مَبِيعٌ"، فوزن الكلمة على هذا: "مَفِيلٌ".
قال أبو الحسن: وإنّما أسقطت عين الكلمة وإن كانت أصلًا، لأنّها ليست لمعنى، وأقررت واو مفعول، لأنّها دخلت لمعنى، وما دخل لمعنى فهو أولى بالإقرار، ألا ترى أن الياء في: "قاضٍ" و"غازٍ" أسقطناها لمّا كانت لغير معنى، وأقررنا التّنوين لمّا كان لمعنى فكذلك حذفت عين الكلمة لمّا كانت لغير معنى، وأقررت الزّائد لمّا كان لمعنى.
[ ٣٩١ ]
وإن كان عين مفعول واوًا فقد اتّفق بنو تميم وأهل الحجاز على إعلاله، لأنّهم استثقلوا واوين وضمّة، لأنّ الضّمّة بمنزلة الواو فقالوا: صغت الخاتم فهو: "مَصُوغٌ"، وقلت الحقّ فهو: "مَقُولٌ"، والأصل: "مَصْوُوغٌ" و"مَقْوُولٌ" فنقلوا الضّمّة من الواو إلى الصّاد من: "مَصْوُوغ" وإلى القاف من "مَقْوُول" فانضمّت الصّاد والقاف فاجتمع واوان ساكنان، فأسقط الخليل وسيبويه الواو الثّانية، لأنّها الزّائدة، وأقرّا الأولى، لأنّها عين الكلمة فصار اللّفظ: "مَقُولًا" و"مَصُوغًا" فوزن الكلمة عندهما: "مَفُعْل".
وكان أبو الحسن يسقط الأولى وهي عين الكلمة ويبقي الثّانية فوزن الكلمة عنده: "مَفُول".
وربّما شذّ شيءٌ من هذا فخرج على الأصل تنبيهًا على الأصل الذي انتقلوا عنه قالوا: "مِسْكٌ مَدْوُوفٌ" و"ثوبٌ مَصْوُونٌ"، وهذا قليل لا يقاس عليه.
[ ٣٩٢ ]