ومررت بالغازي". وهنا قدر إبدال الكسرة قبل الياء كما فعل ذلك بالواو.
ومثله ما ذهب إليه سيبويه من أن "أخوك" واخواته حركات العينات فيها تابعةٌ للحركات المقدرة في لاماتها، إذ أصله "أخوٌ" بفتح الخاء، ويجمع على (أفعالٍ) و(أفعالٌ) جمع: (فعلٍ) بفتح العين كـ "علمٍ وأعلام، وجبل وأجبال" ثم ضمت العين، وكسرت إتباعًا للضمة والكسرة المقدرتين.
وكذا يقدر الاتباع في (أخاك)، ويحكم بأن فتحة الخاء غير فتحة: "أخوٍ" حملًا لحالة النصب على الرفع والجر.
قال:
"فضلٌ. تبدل التاء من فاء" الافتعال وفروعه إن كانت واوًا أو تاءً غير مبدلةٍ من همزة.".
قلت:
إذا بنيت (إفتعل) مما فاؤه واو، أو ياء فإنك تقلب الواو والياء تاءً ويدغمهما في تاء افتعل وذلك نحو: "اتزن يتزن" فهو: "متزن"، والأصل: "إوتزن، وموتزن" تفعل به ما ذكرنا.
وكذلك: "اتسر ومتسرٌ ويتسر" من: "اليسر" أو من: "اليسار". () والعلة في ذلك أنهم لو لم يقلبوهما تاءً لزمهم قلب الواو ياءً إذا انكسر ما قبلها نحو: "إتزن
[ ٢١٢ ]
وايتزن" في الأمر وألفًا إذا انفتح ما قبلها في لغ من يقول: "يا جل"، وذلك نحو: "يأتزن ثم ترد إلى الواو. وإذا انضم ما قبلها نحو: "موتزن" وكذلك حكم الياء في التغيير خلا أنها تثبت بعد الكسر، فلما رأوا مصيرهم إلى تغييرهما لتغيير ما قبلهما قلبوهما إلى الحرف جاد يتغير ما قبله في التصغير، وهو التاء لأنه قريب المخرج من الواو، وفيه همسٌ يناسب لينهما، وأيضًا يقصدوا بذلك موافقة لفظه لما بعده فيقع الإدغام ويرتفع اللسان بهما ارتفاعةً واحد.
واعلم أن من العرب من يجري ذلك على أصله من غير إبدال، ويحتمل من التغيير ما يحتمله أولئك.
وقوله: "من تاء الإفتعال وفروعه" يريد نحو: "الاتعاد، والاتسار وفروعه، هي الماضي، والمستقبل، والأمر، والنهي، واسم الفاعل، والمفعول.
ولا إشكال في أنها فروعه إذ المصدر هو الأصل عند البصري.
وقوله: "أو تاء غير مبدلةٍ من همزةٍ" يريد أنك لو بنيت (افتعل) من "أكل" لقلت:
[ ٢١٣ ]
"إتكل" فقلبت الهمز الثانية وهي الفاء ياء لسكونها، وانكسار ما قبلها؛ ووجب القلب لاجتماع الهمزتين فهذه الياء لا تبدل تاءً، لأن هذا البدل إنما يجب بدخول همزة الوصل عليها، وذلك غير واجبٍ فيها، ولا مطرد في تصاريفها، إنما يلزم في هذا المثال. وإذا لم تكن أصلًا، ولا لازمة، لم يجز ابدالها لأن الابدال في الياء الأصلية قليل؛ إنما يكثر في الواو، وجاء في الياء تشبيهًا بالواو، وإذا قل في الياء الأصلية لم يجز في الياء العارضة.
وقال الخوارزمي: وإنما أبدل لإجراء الياء مجرى الواو كما ألحقت الواو بالياء في "خطوات" ساكنة الطاء تشبيهًا. () وذلك لأنك لو حركتها لانقلبت الياء واوًا لانضمام ما قبلها، وإذا كانت الياء لا تكاد تبدل من الياء، فكيف إذا كانت منقلبةً عن همزةٍ؟
قال:
"وتبدل تاء الافتعال تاء بعد التاء وتدغم فيها، ودالًا بعد الدال الذال أو الزاي،
[ ٢١٤ ]
وطاءً بعد الطاء أو الظاء، أو الصاد، أو الضاد، وتدغم في إبدالها الظاء والدال، أو يظهران، وقد تجعل مثل ما قبلها من ظاءٍ، أو ذالٍ، أو حرف صغيرٍ، وقد تبدل دالًا بعد الجيم.".
قلت:
إذا بنيت (افتعل) من: "تزد" قلت: "اتزد" وأصله: "ايتزد" فأبدلت الياء تاء وأدغمت في التاء.
وقوله: "ودالًا بعد الآل أو الذال" يريد أنك لو بنيت من: "درأ" أي: "دفع" (افتعل) من: "ذكر" قلت: "ادكر"، وأصله: "اذتكر".
والعلة في ذلك أن الدال والذال حرفان مهجوران والتاء حرف مهموس وبينهما تنافٍ وتنافر في الصوت فأبدلوا التاء دالًا لأنها من مخرجها رغبة تجانس الصوت وفرارًا من تنافره.
وقوله: "وطاءً بعد الطاء أو الظاء، أو الصاد أو الضاد" يعني أنك إذا بنيت (افتعل) مما فاؤه طاءً أو ظاءً، أو صادًا أو ضادًا، أبدلت من التاء طاءً، وذلك نحو: "اطرد" وأصله: "اطترد" و"اضطرب" وأصله: "اضترب"، و"اصطبر".
[ ٢١٥ ]
وأصله: "اصبر"؛ فعل ما ذكرنا من الابذال، لأن هذه الحروف من حروف الاستعلاء وهي مطبقة، والتاء حرف مهموس منفتح غير مستعل، فكرهوا التلفظ بحرف وقبله معاقبه فابدلوا من التاء طاء لأنهما من مخرج واحدٍ، ألا ترى أنه لو كان الاطباق والطاء لكانت دالًا، ولولا جهر الدال لكانت تاءً فمخرج هذه الحروف واحدٌ، لكن تمر أحوال تفرق بينهما كالجهر والاطباق والهمس في الطاء، إطباق واستعلاء وتوافق ما قبله فقلبوا التاء طاء ليتوافق الصوت، ولا يتنافر.
وكذلك الصاد قالوا في "مصدر: مزدر": أبدلوا من الصاد الزاي لأنها أختها في المخرج والصفير وموافق الدال في الجهر.
[ ٢١٦ ]
وقالوا في: "سراط: صراط" وفي: "سويق: صويق" طلبًا للمجانسة.
وقالوا: "عالم" بالامالة لذلك أيضًا.
وهنا تنبيهٌ: وهو أن هذا الابدال فيما وجب حتى صار الأصل فيه مرفوضًا لا يتكلم به، كما لا يتكلم بالأصل في: "قامَ وباعَ" وشبههما، ولا () وتأته إلا شاذًا.
وقوله: "وتدغم في بدلها الظاء والذال، أو يظهران. يعني: إن من العرب من إذا بنى (افتعل) ما فاؤه ظاء معجم أبدل التاء طاء غير معجمة ثم تبدل من الظاء التي هي فاءٌ طاء أيضًا لما بينهما من المقاربة ثم يدغمها في الطاء المبدلة من تاء الافتعال، فيقول: "اطلم" بالظاء غير المعجمة، وأصلهُ: "اظتلم" ثم: "اظطلم" ثم: "اطلم" ولا يفعلون ذلك مع الصاد والضاد لئلا يزيل الادغام صغير الصاد، وتفشي الضاد.
وكذلك إذا بنيت (افتعل) من: "الذكر" فأبدلت من التاء دالا.
[ ٢١٧ ]
ومنهم من يبدل من الذال دالًا، ويدغم الدال في الدال فيقول: "ادكر".
وقوله: "أو يظهران"
يعني: يظهر الظاء والدال، وهو المشهور.
وقوله: "وقد تجعل مثل ما قبلها من ظاءٍ، أو ذالٍ، أو حرف صغير".
يريد: أن منهم من يبدل تاء الافتعال إلى لفظ ما قبلها من الطاء والدال، أو حرف الصفير، فيقول: "اطلم واصبر" وقرى: "أن يصلحا" في: "أن يصطلحا" و"ازجر".
وهنا تنبيه: وهو أنه لا يجوز قلب الصاد أو الراء إلى لفظ ما بعدهما، وذلك لأن فيهما صفيرًا يذهبه الادغام، ولذلك يستضعف الكل قراءة أبي عمر: "نغفر لكم" بادغام الراء في اللام لأن الادغام يزيل التكرير الذي قبلها.
[ ٢١٨ ]
وقوله: "وقد يبدل دالًا بعد الجيم".
يريد: "اجدمعوا" في: "اجتمعوا" وهو ظاهر.
قال:
"فضل. إن كانت الياء أو الواو عين فعلٍ لا لنعجبٍ، ولا مصرفٍ من: "عور" ونحوه، أو عين اسم غير جار على فعل مصحح أوله ميمٌ زائدة غير مكسورة، أو مصدر على: إفعال أو: استفعال أبدل منها إن لم تكن حرف لينٍ، ولم تعل اللام أو تضاعف".
قلت:
يعني أنه متى كانت الواو والياء عين فعلٍ نحو قولك: "أعان، وأبان" قلبتا ألفًا، والأصل: "أعون، وأبين" لأنهما من: "العون، والبيان" فنقلت الحركة التي فيها إلى الساكن قبلهما وقلبها ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلهما الآن.
ونقل عبد القاهر عن شيخه أنه استضعف هذا إذ يؤدي إلى أن يكون الوزن: (أفعل) بفتح الهمزة والفاء وسكون العين، وهو بناء معدوم فلا يحمل عليه. واختار أن تكون الهمزة أدخلت على الماضي بعد حصول القلب فيه، فبقي على حاله.
وهذا فيه نظر؛ إذ يلزمه أن يكون الوزن: (أفعل) بفتح الهمزة، والفاء، وهو بناء معدومٌ، وقد وقع فيما فر منه. ومما يضعفه عندي قول النحاة: وأن "أغليت المرأة،
[ ٢١٩ ]
وأجودت، وأطبت، واستحوذ، واستتيست الشأ".
إنما يصح ذلك وشبهة منبهة على أن أصل: "أقام، أعاذ، واستقام، واستعاد: أقوم، وأعوذ، واسقتوم، واستعوذ".
وقوله: "لا لتعجب" يعني أن فعل التعجب لا تقلب عينه.
تقول: "ما أقوله، وما أبيعه" وإنما لم تقلب لوجهين:
[ ٢٢٠ ]
الأول: أنه لما لم تنصرف تصرف الأفعال لم يدخلوه الاعلال، بل أجروه في الصحة مجرى الأسماء.
والثاني: أنهم قصدوا الفرق بين (أفعل) في التعجب، وبينه في غيره مما كان معتل العين، وكان في التعجب أحق بالتصحيح لشبهه بالأسماء ويدلك على ضعفه في الفعلية ذهاب الأكثرين إلى أنه لا يجوز استعمال المصدر معه، وأنه لا يحول بينه وبين مفعوله بالجار والمجرور قيدًا يحط عن درجه آبٍ، ولصحته ذهب الكوفيون إلى أنه اسم.
وقوله: "ولا مصرف من عور ونحوه." يريد أن "عور" صح وإن تحركت واوه وانفتح ما قبلها لأنه في معنى: "اعور"، فجعل مثله في الصحة حيث وافقه في المعنى.
والمصرف منه هو المضارع، واسم الفاعل، والكفعول كـ: "تعور وعاور ومعمورة
[ ٢٢١ ]
عينه. ومثله: "ازدجروا، وواجتوروا" صححا حيث كانا بمعنى: "تزاوجوا وتجاوروا".
وهنا تنبيه:
وهو أن من قال عار (فأعله أو [اراد]) أن يعل ما تصرف منه على قياس مثليه فيقول: "تعار، واستعار، وعاى" بالهمز.
وقوله: "أو عين فعلٍ جارٍ على فعلٍ مصحح، أوله ميم مكسورة.
يعني نحو: "مقال، ومتاع، ومقام" بضم الميم. والأصل: "مقول، ومبيع، ومقوم" فنقلت الحركة إلى الساكن قبلها، وقلبت العين ألفًا.
واحترز بقوله: "غير جارٍ على فعلٍ مصحح عن: "معورٍ من: "عور" فإنه يجب تصحيحه لصحة: "عور".
واحترز بقوله: "أوله ميم مكسورة" عن "مخيط، ومقولٍ" وإنما صح ذلك لأنه من: "مقوال، ومخياط" ولو اعتل هذا لالتقى ألفان، فلم يكن بد من حذف أحدهما فيقال: "مخاط، ومقال" وحينئذ لا يعلم أيهما (فعال أو مفعل).
وقوله: "أو مصدر (افعال واستفعال) يعني نحو: "اقامة واستقامةٍ" والأصل: "اقوام، واستقوام" كـ "اخراجٍ" فالتقى ألفان: الأولى المنقلبة عن العين لاعتلالها.
[ ٢٢٢ ]
ومن كلامهم أن الاعلال يؤنس بالاعلال، فوزنها: (إفالة) واستفالة" فنقول على الأول في مثلهما من: "وأيت: إوائةٌ واستوائة" بهمزةٍ".
وعلى الثاني: "إوايةٌ واستوايةٌ" بألفٍ.
نعم؛ لو خففت الهمزة الأولى لقلبتها ألفًا لسكونها، وانفتاح ما قبلها فيتفق اللفظ حينئذٍ على المذهبين.
وقوله: "أُبدل منهما إن لم يجانس حركتها مجانسها بعد نقلها إلى الساكن قبلها".
يعني: أن العين في: "أقام، ومقامٍ" متحركةٌ بالفتح وهي واوٌ وغير خفي أن تكون الفتحة لا تجانس الواو، وإنما مجانسها الضمة؛ وكذلك الياء في: "باع ومباعٍ"، وهي مفتوحة، ومجانسها الكسرة.
والضمير في: "قبلها" يعود إلى العين، والضمير في "مجانسها" يعود إلى الحركة إذ الفتحة تجانس الألف، وهي بعضها، وقد تقدم الكلام على المعتل بما فيه كفايةٌ.
وقوله: "إن لم تكن حرف لينٍ، ولم تعل اللام أو تضاعف".
يعني: إن لم يكن الساكن حرف لين نحو: "قاول، وعود، وزين، " وذلك لأنه لو اعتل بالسكون لالتقى ساكنان فيقضي إما إلى حذف أحدهما، أو قبله، والحذف متعذرٌ، والقلب أيضًا يوجب لها تغييرًا بعد تغيير، ولأنهما يفتحان إذا سكن ما قبلهما كما في "غني، وطي".
ويحترز بقوله: "ولم يعل اللام" ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فلو أعلت العين لاجتمع إعلالان ولم يكن بدٌ من تغيير آخر ويحترز بقوله: "ولم يضاعف" عن "اسواد" لأنه لو أعل تحركت السين وحذفت فلا ندري أهو: (إفعال أو فعل) وهذا واضح.
[ ٢٢٣ ]
قال:
"وتحذف واو: مفعول، ويفعل بعينه ما ذكر، وإن كانت ياء وقت الإبدال بجعل الضمة المنقولة منها كسرة".
قلت:
قوله: "وتحذف واو مفعول" وهو قول سيبوبه: وذلك نحو: "مقول، ومعدر" والأصلل: "مقوول ومعدوو" بوزن: "مضروب" فلما قصد أعلاله حملًا على أعلال الفعل نقلت الضمة من الواو التي هي الواوان: العين والزائدة، وذهب سيبوبه إلى أن المحذوفة الزائدة، والوزن (مفعل) وتمسك بوجوه:
[ ٢٢٤ ]
الأول: حذف الزائد أولى من حذف الأصل إذ لم يخل الحذف بمعنى والمحافظة على الأصول أولى، وهنا لم يخل إذ بمعنى إذ ليس في اللفظ بينهما فرق بل ذلك أمر حكمي تقديري، والمعنى مفهوم من التقديرين فإذا تعارضا، وتساويا في عدم الاخلال كان حذف الزائد أولى.
والثاني: أن الأصل في هذا المثال أن تدل الحركة في العين والميم على اسم المفعول كما في اسم الفاعل نحو: "مقيمٍ" وملومٍ"، وإنما قصدوا بزيادة الواو الفرق يحصل بحذف أيهما كان، وفي حذف الزائد اقرار الأصل، فكان أولى.
والثالث: أن المحذوف لو كان الأصل لقيل: مبيوع، إذ لا حاجة إلى قلب الواو ياءً.
والرابع: أنه ليس في مذهب سيبويه إلا نقل الحركة والحذف.
ومذهب الأخفش النقل والحذف وابدال الضمة كسرة.
ومهما قل التغيير كان أولى.
وذهب الأخفش إلى أن المحذوفة الأصلية، والوزن: (معول)، واحتج بأن الزائدة لمعنى فيجب أن يحذف ما قبله قياسًا على ياء المنقوص، والف المقصور إذا
[ ٢٢٥ ]
نوتا، وهذه قاعدة مطردة في الساكنين إذا التقيا وجب تغيير الأول، إما بحذف كما تقدم، أو بالتغيير نحو: "قامت المرأة، ولم يقم الرجل".
قال ألو عثمان المازني: "وكلا القولين حسن جميل، ومذهب أبي الحسن الأخفش أقيس من جهة قاعدة الحذف للأول إذا وليه ساكنٌ، ومذهب سيبويه أقل كلفة وعملًا.".
وهما تنبيهان:
الأول: أن كل واحد منهما خالف أصله في هذه المسألة.
أما سيبويه فإن الأصل عنده إذا اجتمع ساكنان والأول منهما حرف لينٍ حذف الأول منهما، وقد رأيت كيف خالف ذلك ها هنا وحذف الثاني.
أما الأخفش فإن الأصل عنده أن الفاء إذا كانت مضمومة وبعدها ياء أصلية قلبت واوًا لانضمام ما قبله محافظة على الضمة وقد رأيت كيف خالف ذلك هنا فقلبت الضمة كسرة.
[ ٢٢٦ ]