ص:
١٦٤ - كَكَانَ: (كَادَ) وَ(عَسَى) لكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهذَيْنِ خَبَرْ (^١)
ش:
أفعال هذا الباب تدخل علَى المبتدأ والخبر فتعمل عمل كَانَ؛ بدليل: انتصاب ما بعد مرفوعها فِي قول العرب: (عسى الغُوَيْرُ أبْؤُسًا)، و(عسيت صائمًا).
وإِطلاق المقاربة عليها كلها: من باب تسمية الكل باسم الجزء؛ إِذ منها:
ما يدل علَى قرب الخبر؛ كـ (كاد)، و(كرب)، و(أوشك).
وما يدل علَى الرّجاء؛ كـ (عسَى)، و(حرَى)، و(اخلولق).
وما يدل علَى الشّروع؛ كـ (أنشأ)، و(طفق)، و(جعل)، و(أخذ)، و(علق).
أَو أطلق عليها المقاربة؛ لأنَّ الرّجاء والشّروع فِي الفعل: فيه مقاربة أيضًا؛ كما ذكره البعلي فِي "شرح جمل الجرجاني".
والخبر فِي هذا الباب جعلة قعلية والفعل مضارع؛ نحو: (كاد زيد يموت)، و(عسى عمرو أن يأتي).
وإنما جعل مضارعًا وَلَم تلحق هذه الأفعال بـ (كان) من كل وجه؛ لأَنَّها جامدة غالبًا، فجعلت قسمًا علَى حدة.
وشذ غير المضارع:
* كالماضي: فِي قول ابن عباس رضي اللَّه تعالَى عنهُما: (فجعلَ الرّجل إِذا لم يخرج .. أرسل رسولا).
_________________
(١) ككان: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. كاد: قصد لفظه: مبتدأ مؤخر. لكن: حرف استدراك. ندر: فعل ماض. غير: فاعل ندر، وغير مضاف. ومضارع: مضاف إليه. لهذين: جار ومجرور متعلق بقوله: خبر الآتي. خبر: حال من فاعل ندر، وقد وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة التي تقف على المنصوب المنون بالسكون، كما يقف سائر العرب على المرفوع والمجرور المنونين.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وقيل: الخبر: (إِذا لم يخرج).
* وكاسم الفاعل فِي قول الشّاعرِ:
لَا تُكثِرَنْ إِنِّي عَسَيتُ صَائِمًا (^١)
فالتّاء: اسمها، و(صائمًا): خبرها كما سبق.
وقولُ الآخرِ:
فَأُبتُ إِلَى فَهمٍ وَما كِدتُ آئِبًا (^٢)
_________________
(١) عجز بيت وصدره: أَكثرتَ في العَذلِ مُلِحًّا دَائِمًا قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في "منحة الجليل" ١/ ٣٢٤: قال أبو حيان: هذا البيت مجهول، لم ينسبه الشراح إلى أحد. اهـ قال ابن هشام: طعن في هذا البيت عبد الواحد في كتابه "بغية الآمل ومنية السائل"، فقال: هو بيت مجهول، لم ينسبه الشراح إلى أحد، فسقط الاحتجاج به. ولو صح ما قاله .. لسقط الاحتجاج بخمسين بيتًا من كتاب سيبويه، فإن فيه ألف بيت عرف قائلوها، وخمسين بيتًا مجهولة القائلين. اهـ. وقيل: إنه لرؤبة بن العجاج، وقد بحثت ديوان أراجيز رؤبة فلم أجده في أصل الديوان، وهو مما وجدته في أبيات جعلها ناشره ذيلًا لهذا الديوان مما وجده في بعض كتب الأدب منسوبًا إليه، وذلك لا يدل على صحة نسبتها إليه أكثر مما تدل عليه عبارة المؤلف لكتاب الأدب الذي نقل عنه. اللغة: العذل: الملامة. ملحا: اسم فاعل من ألح يلح إلحاحًا؛ أي: أكثر. الإعراب: أكثرتَ: فعل وفاعل. في العذل: جار ومجرور متعلق بأكثر. ملحا: حال من التاء في أكثرت مؤكدة لعاملها. دائمًا: صفة للحال. لا تكثرن: لا: ناهية، والفعل المضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة في محل جزم بلا، ونون التوكيد حرف مبني على السكون لا محل له، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت. إني: إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها. عسيت: عسى: فعل ماض ناقص، وتاء المتكلم اسمه. صائمًا: خبره، والجملة من عسى واسمها وخبرها في محل رفع خبر إن. الشاهد: قوله: (عسيت صائمًا)؛ حيث أجرى (عسى) مجرى (كان) فرفع بها الاسم ونصب الخبر، وجاء بخبرها اسمًا مفردًا، والأصل أن يكون خبرها جملة فعلية فعلها مضارع، ومثل هذا البيت قولهم في المثل: (عسى الغوير أبؤسًا).
(٢) تخريج الشاهد: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
[ ١ / ٤٥٥ ]
أَي: فرجعت إِلَى فَهم -بفتح الفاء: اسم قبيلة- وما كدت آئبًا؛ أَي: فرجعت راجعًا.
* وكالجملة الاسمية فِي قولِ الآخرِ:
وَقَد جَعَلَتْ قَلوصُ بَنِي زِيَادٍ مِنَ الأَكْوَارِ مَرْتَعُهَا قَرِيْبُ (^١)
_________________
(١) والبيت من كلمة، اختارها أبو تمام في حماسته، وأولها قوله: إذا المرء لم يحتَلْ وقد جدَّ جدُّه أضاع وقاسى أمره وهو مدبر وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٣، وابن عقيل ٥٨/ ١/ ٣٢٥، والأشموني: ٢٣١/ ١/ ١٢٨ وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٧، والإنصاف: ٥٤٤، وشرح المفصل: ٧/ ١٣، ١١٩ والعيني: ٢/ ١٦٥، والخزانة: ٣/ ٥٤، ٤/ ٩٠، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي: ٨٣. المفردات الغريبة: أبت: رجعت. فهم: اسم قبيلته، وأبوها فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان. تصفر: تخلو، والمراد هنا تتأسف وتحزن على إفلاتي منها بعد أن ظنوا أنهم قد قدروا عليَّ، وكان ذلك بعد أن أفلت من بني لحيان، وقد أحكموا خطة ليوقعوا به عندما كان يشتار عسلًا من فوق جبل. المعنى: رجعت إلى قبيلتي فهم وما كدت أعود إليها بعد مفارقتي لها، وكثير من القبائل مثلها تركتها وهي تتحسر وتتأسف على تركي لها. الإعراب: فأبت: الفاء عاطفة، أبت: فعل وفاعل. إلى فهم: متعلق بأبت. وما: الواو: حالية، ما: نافية. كدت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. آئبًا: خبر كاد، والجملة في محل نصب على الحال. وكم: خبرية، تفيد التكثير، في محل رفع مبتدأ. مثلها: مضاف إليه وهو تمييز كم، وها: مضاف إليه ثانٍ. فارقتها: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل رفع خبر كم. وهى: الواو حالية، والضمير بعدها مبتدأ. تصفر: فعل مضارع، والفاعل: هي، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره، في محل نصب على الحال. الشاهد: قوله: (وما كدت آئبًا)؛ حيث أعمل كاد عمل كان، وجاء خبرها اسمًا مفردًا، وحكم مجيء خبر كاد اسمًا مفردًا شاذ، لا يقاس عليه، لأن الأصل في خبرها أن يكون جملة فعلية، فعلها مضارع، وبعض النحاة أنكروا رواية البيت على الوجه السابق، وزعموا أن الرواية الصحيحة (وما كنت آئبًا).
(٢) التخريج: البيت بلا نسبة في تخليص الشواهد ص ٣٢٠، وخزانة الأدب ٥/ ١٢٠، ٩/ ٣٥٢، والدرر ٢/ ١٥٢، وشرح التصريح ١/ ٢٠٤، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٣١٠، وشرح شواهد المغني ص ٦٠٦، والمقاصد النحوية ٢/ ١٧٠، وهمع الهوامع ١/ ١٣٠. اللغة: القلوص: الناقة الفتية. بنو زياد: اسم قبيلة. الأكوار: جمع كور وهو القطيع الضخم من الإبل، وبيت النحل. المرتع: مكان الرعي الخصيب. المعنى: لقد صارت نوق بني زياد الفتية ترعى قريبًا من القطيع، أو قريبًا من بيوت النحل والزنابير، كناية عن قرب المرعى من مساكن القبيلة.
[ ١ / ٤٥٦ ]
فـ (قلوص): اسم (جعل)، و(مرتعها قريب): مبتدأ وخبر فِي محل نصب خبر جعلت.
واستغربه المصنف، قال فِي "الكافية" (^١):
وخبرٌ: (مرتعُها قَريبُ) لـ (جَعلَتْ) وبيتهُ غَريبُ
ومنه حكاية ثعلب ﵀: (عسَى زيد قائمٌ).
فقيل: اسم (عسَى): ضمير، وجملة (زيد قائم): خبر أيضًا.
وإِلَى هذه الشّواهد ونحوها أشار بقوله: (نَدَر غيرُ مُضَارِعٍ لهَذَينِ خَبَر)؛ أَي: ندر مجيء خبر (كاد)، و(عسَى) ونحوهما غيرُ مضارع.
ويشترط فِي المضارع الواقع خبرًا لغير عسَى: أَن يرفع ضميرًا يعود علَى الاسم؛ لأنَّ مرفوع أفعال هذا الباب إِما متلبس بالفعل الواقع خبرًا، أَو بشارع فيه، فَلَا بد من ضمير فِي خبرها يعود عليه لتحقق ذلك؛ نحو: (كاد زيد يقوم) ولَا يقال: (كاد زيد يقوم أبوه) ونحو ذلك؛ إِذ لا يقارب أحد فعل غيره ولَا يشرع فيه.
وأما قوله:
وقَدْ جَعلتُ إِذا مَا قُمتُ يُثقِلُنِي ثَوبِي فَأَنهَضُ نَهضَ الشَّارِبِ الثَّمِلِ (^٢)
_________________
(١) الإعراب: وقد: الواو: بحسب ما قبلها، قد: حرف تحقيق وتقريب. جعلت: فعل ماض ناقص من أفعال الشروع، والتاء: للتأنيث. قلوص: اسم جعلت مرفوع بالضمة. بني. مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. زياد: مضاف إليه مجرور بالكسرة. من الأكوار: جار ومجرور متعلقان بقريب. مرتعها: مبتدأ مرفوع بالضمة، وها: ضمير متصل في محل جر مضاف إليه. قريب: خبر مرتع مرفوع بالضمة. وجملة (وقد جعلت): بحسب ما قبلها، أو ابتدائية لا محل لها. وجملة (مرتعها قريب): في محل نصب خبر جعلت. الشاهد: قوله: (جعلت قلوص مرتعها قريب)؛ حيث جاء خبر (جعلت) جملة اسمية.
(٢) شرح الكافية الشافية ١/ ٤٤٩.
(٣) التخريج: البيت لعمرو بن أحمر في ملحق ديوانه ص ١٨١ - ١٨٢، وخزانة الأدب ٩/ ٣٥٩، ٣٦٢، ولأبي حية النمري في ملحق ديوانه ص ١٨٦، والحيوان ٦/ ٤٨٣، وشرح التصريح ١/ ٢٠٤، وشرح شواهد الإيضاح ص ٧٤، والمقاصد النحوية ٢/ ١٧٣، ولابن أحمر أو لأبي حية النمري
[ ١ / ٤٥٧ ]
فليس (ثوبي) فاعل (يثقلني)، بَلْ بدل اشتمال من التاء في (جعلت)، وفاعل (يثقلني): ضمير يعود علَى الثّوب؛ لأنَّ التّقدير: وقد جعل ثوبي يثقلني؛ إِذ البدل هو المقصود بالحكم.
وأما خبر عسَى فيجوز أَن يرفع ظاهرًا؛ كقولِهِ:
ومَاذَا عَسَى الحَجَّاجُ يَبلُغُ جُهْدُهُ (^١)
_________________
(١) = في الدرر ٢/ ١٣٣، ولأبي حية أو للحكم بن عبدل في شرح شواهد المغني ٢/ ٩١١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٠٥، وشرح التصريح ١/ ٢٠٦، ومغني اللبيب ٢/ ٥٧٩، والمقرب ١/ ١٠١. اللغه والمعنى: يثقلني: يجهدني ويتعبني. أنهض: أقوم. الثمل: السكران. الإعراب: وقد: الواو: حسب ما قبلها، قد: حرف تحقيق. جعلت: من أفعال الشروع، والتاء: ضمير في محل رفع اسم جعل. إذا: ظرف يتضمن معنى الشرط. ما: زائدة. قمت: فعل ماض، والتاء: فاعل. يثقلني: فعل مضارع مرفوع، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره هو يعود على الثوب. ثوبي: بدل اشتمال من التاء في جعلت، وهو مضاف. والياء: في محل جر بالإضافة. فأنهض: الفاء: حرف عطف، أنهض: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. نهضَ: مفعول مطلق منصوب، وهو مضاف. الشارب: مضاف إليه مجرور. الثمل: نعت الشارب مجرور. وجملة (جعلت ): معطوفة على ما قبلها، أو استئنافية. وجملة (قمت ): في محل جر بالإضافة. وجملة (يثقلني): لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم. وجملة (أنهض ): الفعلية معطوفة على جملة لا محل لها من الإعراب. الشاهد فيه: قال العيني في المقاصد النحوية ٢/ ٦٨٦: الاستشهاد فيه في قوله: (ثوبي)؛ فإنه بدل من اسم (جعلتُ) كما ذكرنا، وذلك لأن من الشرط أن يكون (جعل) رافعًا لضمير الاسم، ويكون التقدير: وقد جعلت ثوبي يثقلني عند قيامي. فافهم.
(٢) التخريج: البيت كما نسبه ياقوت للبرج التميمي، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي قد ألزمه البعث إلى المهلب بن أبي صفرة لقتال الأزارقة، فهرب منه إلى الشام. وقد نسبه العيني، والشيخ خالد الأزهري إلى الفرزدق. انظر شرح العيني بذيل حاشية الصبان: ١/ ٢٦٤ وشرح التصريح: ١/ ٢٠٥، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٥، والأشموني: ٢٤٦/ ١٣٠، وهمع الهوامع: ١/ ١٣١ والدرر اللوامع: ١/ ١٠٨، والعيني: ٢/ ١٨٠، وليس في ديوان الفرزدق، والشاهد صدر بيت، وعجزه: إذا نَحْنُ جَاوَزْنَا حَفِيرَ زِيَاد
[ ١ / ٤٥٨ ]
برفع (جهد) علَى رواية، و(ذا) فِي قوله: و(ماذا عسَى): ملغاة لا موصولة؛ لانتفاء كون الجملة خبرية هنا.
تنبيه:
لم يجز سيبويه فِي نحو: (أَن يقوم) أَن يكونَ خبرًا فِي هذا الباب؛ فالفعلِ فِي نحو: (عسَى زيد أَن يقوم) مضمن معنَى قارب؛ أَي: (قارب زيد أَن يقوم)؛ لأنَّ هذه الأفعال ألحقت بـ (كان) كما علم.
وإِذا حذفت (كَانَ) .. يبقَى ما بعدها مبتدأ وخبرًا، وهذا لا يستقيم هنا لو قلت: (زيد أن يقوم)؛ لأنَّ فيه الإِخبار بالمعنَى عن اسم العين.
بخلاف: (عسَى زيد يفعل) بدون (أَن)؛ فيجوز كونه خبرًا.
والجمهور: علَى أنه خبر ولو اقترن بـ (أن)؛ لأنَّ العرب تخبر عن اسم العين بالمصدر علَى سبيل المبالغة؛ كـ (زيدٌ عدلٌ).
أَو أنه علَى حذف مضاف؛ أَي: (عسَى أمر زيد القيام)، فيكون إِخبارًا لمصدر عن مصدر.
_________________
(١) المفردات الغريبة: جهده، الجهد: الطاقة والوسع. حفير زياد: هو موضع على خمس ليالٍ من البصرة. وزياد هو ابن أبي سفيان أخو معاوية، وكان واليًا على العراق. المعنى: ما الذي يرجو الحجاج أن يناله منا إذا نحن جاوزنا هذا الموضع، وأصبحنا في أمن من اللحاق بنا؟ والاستفهام إنكاري أي: إنه لا يرجى له شيء مما يريد. الإعراب: ماذا: اسم استفهام في محل رفع مبتدأ. عسى: فعل ماضٍ ناقص. الحجاج: اسمه. يبلغ: فعل مضارع وفاعل. جهده: مفعول به، والهاء: مضاف إليه على رواية النصب. أما على رواية الرفع فجهده فاعل يبلغ مرفوع بالضمة الظاهرة، والهاء: مضاف إليه، وجملة يبلغ جهده: في محل نصب خبر عسى. الشاهد: قوله: (عسى الحجاج يبلغ جهده)؛ رفع المضارع الواقع خبرا لـ (عسى) وهو (يبلغ) اسمًا ظاهرًا مضافًا إلى ضمير عائد إلى اسم عسى، وهو (جهده)، وهذا سائغ في عسى من دون أخواتها على رأي الجمهور. وبعضهم يرى أن (جهدَه) بالنصب مفعول (يبلغ)، والفاعل يعود إلى الحجاج، فلا شاهد إذًا، على رواية النصب.
[ ١ / ٤٥٩ ]
وقول المصنف (خَبَرْ) وقع حالًا من قوله (غيرُ) وقف عليه بحذف الألف.
واللَّه الموفق
ص:
١٦٥ - وَكَوْنُهُ بِدُونِ أَنْ بَعْدَ عَسَى نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا (^١)
ش:
يعني: وكون الخبر بعد عسَى مجردًا من أن قليل؛ فالكثير: اقترانه بها؛ لأنَّ (عسَى) للترجي، ولَا يكون إِلَّا مستقبلًا وإِن تخلص الفعل للاستقبال وفي القرآن ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾، ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾.
ومن القليل قولُ الشّاعرِ:
عسَى الكَربُ الّذي أَمسَيتُ فِيهِ يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ (^٢)
_________________
(١) وكونه: الواو عاطفة، وكون: مبتدأ، وهو مصدر كان الناقصة فيحتاج إلى اسم وخبر سوى خبره من جهة الابتداء، وكون مضاف، والضمير مضاف إليه وهو اسمه، وخبره محذوف، أي: وكونه واردًا. بدون: جار ومجرور متعلق بذلك الخبر المحذوف، ودون مضاف. وأن: قصد لفظه: مضاف إليه. بعد: ظرف متعلق أيضًا بذلك الخبر المحذوف، وبعد مضاف. وعسى: قصد لفظه: مضاف إليه. نزر: خبر المبتدأ الذي هو قوله: كونه. وكاد: الواو عاطفة، وكاد قصد لفظه: مبتدأ أول. الأمر: مبتدأ ثان. فيه: جار ومجرور متعلق بقوله: عكس الآتي. عُكِسا: فعل ماض مبني للمجهول، والألف للإطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الأمر، والجملة من (عُكِس) ونائب فاعله: في محل رفع خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره: في محل رفع خبر المبتدأ الأول.
(٢) التخريج: هذا بيت من قصيدة، قالها هدبة بن خشرم العذري، وهو في الحبس، وقد روى أكثر هذه القصيدة أبو علي القالي في أماليه، وروى أبو السعادات بن الشجري في حماسته أكثر مما رواه القالي، وأول هذه القصيدة: طربت وأنت أحيانا طروبُ وكيف وقد تعلَّاك المشيبُ؟ يجدَّ النأي ذكرك في فؤادي إذا ذهلت على النأي القلوبُ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٦، وابن عقيل: ٨٦/ ١/ ٣٢٧، والأشموني: ٢٣٤/ ١/ ١٢٩ وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٦، والكتاب لسيبويه: ١/ ٤٧٨، والمقتضب: ٣/ ٧٠ والجمل
[ ١ / ٤٦٠ ]
وأما (كاد) .. فالأمر فيها بالعكس؛ فالكثير: تجرد خبرها من (أَن)؛ لأنَّ (كاد): تدل علَى الحال؛ بدليل: امتناع دخول حرف التّنفيس عليها، و(أن): للاستقبال كما ذكر .. فيتنافيا.
قال تعالَى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾.
وقد يحمل (^١) علَى عسَى فيقترن بها؛ كحديث: "كاد الحسد أَن يغلب القدر"، و"كاد الفقر أَن يكونَ كفرًا"، وقول أنس: "فما كدنا أَن نصل إِلَى منازلنا"، وقول عمر ابن عبد العزيز: "ما كدت أَن أصلي العصر حتَّى كادت الشّمس أَن تغرب".
وقول الشّاعر:
كادت الشّمس أَن تفيظ عليه (^٢)
_________________
(١) = للزجاجي: ٢٠٩، والمرزباني: ٤٨٣، وشرح المفصل: ٧/ ١١٧، ١٢١، والمقرب: ١٧ والخزانة: ٤/ ٨١، والعيني: ٢/ ١٨٤، والمغني: ٢٧٠/ ٢٠٣، ٩٨٣/ ٧٥٤ وشرح السيوطي لأبيات المغني: ١٥٢. المفردات الغريبة: الكرب: الهمّ والغمّ. أمسيت: يروى بفتح التاء وضمّها، والمراد صرت. فرج: أي كشف للكرب والغم. المعنى: عسى هذا الخطب الذي ألمَّ بي أن يكشفه اللَّه تعالى عن قريب. الإعراب: عسى: فعل ماضٍ ناقص. الكرب: اسم عسى. الذي: صفة للكرب. أمسيت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. فيه متعلق بالخبر المحذوف، وجملة أمسيت فيه: صلة للموصول، لا محل لها. يكون: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه يعود إلى الكرب. وراءه: متعلق بخبر مقدم محذوف، وهو مضاف، والهاء: مضاف إليه. فرج: مبتدأ مؤخر مرفوع. قريب: صفة لفرج، وجملة (وراءه فرج): في محل نصب خبر يكون، وجملة (يكون وراءه فرج قريب): في محل نصب خبر عسى. الشاهد: قوله: (يكون وراءه فرج)؛ حيث جاء خبر (عسى) جملة فعلية، فعلها مضارع مجرَّد من أن، وحكم مجيئه مجردًا منها: الجواز مع القلة.
(٢) في (ب): (يحتمل)، والمثبت من (أ)، وهو الصواب.
(٣) يصدر بيت من من الخفيف، وعجزه: إذ غدا حشو ريطة وبرود التخريج: قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في منحة الجليل ١/ ٣٣٠: هذا البيت من الشواهد التي يذكرها كثير من النحاة وعلماء اللغة غير منسوبة إلى قائل معين، وقد عثرنا بعد طويل البحث على أنه من كلمة لمحمد بن مناذر، أحد شعراء البصرة يرثي فيها رجلًا اسمه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي، وقبله: إن عبد المجيد يوم توفي هد ركنا ما كان بالمهدود
[ ١ / ٤٦١ ]
وفاظ الرّجل أَو فاظت نفسه: إِذا قضَى.
وقيل: فاضت.
وقولِ الآخرِ:
فما اجتمع الهلباج فِي بطن حرة مع التّمر إِلَّا كَادَ أَن يتكلما (^١)
والهلباج: اللّبن الخاثر.
ونحاة الأندلس: أَن اقتران خبر كاد بأن مخصوص بالشّعر، وسبق ما يرد عليهم.
واللَّه الموفق
ص:
١٦٦ - وَكَعَسَى حَرَى وَلَكِنْ جُعِلَا خَبَرُهَا حَتْمًا بِأَنْ مُتَّصِلَا (^٢)
_________________
(١) ليت شعري، وهل درى حاملوه ما على النعش من عفاف وجود؟ اللغة: رَيطة: بفتح الراء وسكون الياء المثناة - الملاءة إذا كانت قطعة واحدة، وأراد هنا: الأكفان التي يلف فيها الميت. الإعراب: كادت كاد: فعل ماض ناقص، والتاء للتأنيث. النفس: اسم كاد. أن: مصدرية. تفيض: فعل مضارع منصوب بأن، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي يعود للنفس، والجملة خبر كاد في محل نصب. عليه: جار ومجرور متعلق بقوله: تفيض السابق. إذ: ظرف للماضي من الزمان متعلق بقوله: تفيض أيضًا. غدا: فعل ماض بمعنى صار، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود على عبد المجيد المرثي. حشو: خبر غدا، وحشو مضاف. ريطة: مضاف إليه. وبرود: معطوف على ريطة. الشاهد: قوله: (أن تفيض)؛ حيث أتى بخبر (كاد) فعلا مضارعًا مقترنًا بأن، وذلك قليل. والأكثر: أن يتجرد منها.
(٢) التخريج: البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في جمهرة اللغة ص ١١١٤، ١٢٠٢؛ وشرح عمدة الحافظ ص ٨١٣. الشاهد: قوله: (كاد أن يتكلما)؛ حيث أتى بخبر (كاد) فعلا مضارعًا مقترنًا بأن، وذلك قليل.
(٣) كعسى: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. حرى قصد لفظه: مبتدأ مؤخر. ولكن: حرف استدراك. جعلا: جعل: فعل ماض مبني للمجهول، والألف للإطلاق. خبرها: خبر: نائب فاعل
[ ١ / ٤٦٢ ]
١٦٧ - وَأَلْزَمُوا اخْلَوْلَقَ أَنْ مِثْلَ حَرَى وَبَعْدَ أَوْشَكَ انْتِفَا أَنْ نَزُرَا (^١)
ش:
(حرى): مثل (عسَى) في الدّلالة علَى الرّجاء كما سبق، ويجب اقتران خبرها بـ (أن)؛ نحو: (حرَى زيد أَن يقوم)، قال الشّاعرُ:
فحَرَى أَنْ يَكونَ ذاك وَكَانَا (^٢)
وَلَم يرِد مجردًا منها أصلًا.
و(اخلولق): كذلك، ومن أمثلة سيبويه: (اخلولقت السّماء أَن تمطر).
والغالب فِي (أوشك): اقتران خبرها بـ (أن)؛ كقولِهِ:
وَلَو سُئِل الناسُ التُّرابَ لأَوشَكُوا إِذَا قِيلَ هَاتوا أَن يَمَلُّوا وَيَمنَعُوا (^٣)
_________________
(١) جُعِل، وهو مفعول أول، وخبر مضاف، والضمير مضاف إليه. حتمًا: صفة لموصوف محذوف يقع مفعولًا مطلقًا، أي: اتصالًا حتمًا. بأن: جار ومجرور متعلق بقوله: متصلًا الآتي. متصلا: مفعول ثان لجُعِل.
(٢) وألزموا: فعل وفاعل. اخلولق: قصد لفظه: مفعول أول لألزم. أن: قصد لفظه أيضًا: مفعول ثان لألزم. مثل: حال، صاحبه قوله: اخلولق السابق، ومثل مضاف. وحرى: قصد لفظه: مضاف إليه. وبعد: ظرف متعلق بقوله: انتفا الآتي، وبعد مضاف. وأوشك: قصد لفظه: مضاف إليه. انتفا: قصر للضرورة: مبتدأ، وانتفا مضاف. وأن: قصد لفظه: مضاف إليه. نزرًا: فعل ماض، والألف للإطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى انتفا، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الذي هو انتفا، وتقدير البيت: وألزم العرب (اخلولق) (أن) حال كونه مشبهًا في ذلك حرى، وانتفاء (أن) بعد (أوشك) قد قل.
(٣) التخريج: البيت من الخفيف وهو في التذييل (٤/ ٣٣٠)، والشذور (٣٣٠)، والهمع (١/ ١٢٨)، والدرر (١/ ١٠٣)، برواية (فحر)، ويروى أيضا برواية: (إن تكن هي من عبد شمس أراها). الإعراب: فحرى: الفاء واقعة في جواب الشرط. حرى: فعل ماض ناقص. أن يكون: المصدر المؤول خبرها. ذاك: اسم الإشارة: اسم حرى. ويكون: فعل تام فاعله مستتر. وكان: فعل تام، فاعله مستتر. الشاهد: قوله: (فحرى أن يكون ذاك) حيث استعمل (حرى) فعلًا دالًا على الرجاء.
(٤) التخريج: يروى قبل البيت الشاهد قوله: أبا مالك، لا تسأل الناس والتمس بكفيك فضل اللَّه، واللَّه واسعُ وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٦، والأشموني: ٢٣٨/ ١/ ١٢٩ وابن عقيل: ٨٩/ ١/ ٣٣٢، وهمع الهوامع: ١/ ١٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٥، ومجالس ثعلب: ٤٣٣، وأمالي الزجاجي:
[ ١ / ٤٦٣ ]
ونزر انتفاؤها من الخبر كما قال الشّيخ؛ أَي: قلَّ.
ومنه قولهُ:
يُوشِكُ مَن فَرَّ مِن مَنِيَّتِهِ فِي بَعضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُها (^١)
جمع غرة: وهي الغفلة.
واللَّه الموفق
_________________
(١) ١٩٧ والعيني: ٢/ ١٨٢، واللسان: وشك وشذور الذهب: ١٢٧/ ٣٥٣. المفردات الغريبة: لأوشكوا: لَقَربوا. يملوا: يسأموا ويضجروا. المعنى: لو سئل الناس إعطاء التراب وهو شيء تافهٌ لا قيمة له .. لكرهوا الطلب، وكادوا يمنعونه، إذا قيل لهم: هاتوا، وذلك لما طبعوا عليه من الحرص، أو لكراهة الطلب. الإعراب لو: شرطية غير جازمة. سئل: فعل ماضٍ مبني للمجهول. الناس: نائب فاعل. التراب: مفعول به ثانٍ منصوب، والمفعول الأول انقلب نائب فاعل، لِبناء الفعل للمجهول. لأوشكوا: اللام واقعة في جواب لو، أوشكوا: فعل ماضٍ ناقص، والواو: اسمه. إذا: ظرف متضمن معنى الشرط. قيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول، وهو فعل الشرط لإذا، ونائب الفاعل محذوف، والتقدير: قيل لهم، أو قيل القول. هاتوا: فعل أمر، والواو: فاعل، وجملة هاتوا: مقول القول في محل نصب. أن: حرف مصدري ونصب. يملوا: فعل مضارع منصوب، وعلامة نصبه حذف النون، والواو: فاعل، والمصدر المؤول: في محل نصب خبر أوشك. ويمنعوا: معطوف على يملوا. الشاهد: قوله: (أوشكوا أن يملوا)؛ حيث جاء خبر أوشك فعلًا مضارعًا مقترنًا بأن، وحكم اقتران جواب أوشك بأن: الجواز مع التغليب. وفي البيت شاهد آخر، على مجيء أوشك بصيغة الماضي، وفي هذا رد على من لا يجوز وقوعها إلا بصيغة المضارع.
(٢) التخريج: شرح عمدة الحافظ ١٥٣، وشرح التسهيل ١/ ٦٣ وشواهد التوضيح ١٤٤. ولم ينسبه، والمشهور أنه لأمية بن أبي الصلت، وهي في ديوانه ص ١٨، وفي الكامل ١/ ٥١ ونسبه المبرد لأمية أيضًا، ثم قال: قال أبو الحسن الأخفش: هو لرجل من الخوارج قتله الحجاج، وذكر أبياتًا أربعة منها هذا البيت. الشرح: منيته: المنية: الموت. غراته: جمع غرة -بكسر الغين- وهي الغفلة. يوافقها: يصيبها ويقع فيها. المعنى: إن من فر من الموت في الحرب لقريب الوقوع بين براثنه في بعض غفلاته. الإعراب: يوشك: فعل مضارع ناقص. من: اسم موصول اسمها. فر: فعل ماض والفاعل ضمير مستتر فيه والجملة لا محل لها صلة. من منيته: جار ومجرور متعلق بفر والهاء مضاف إليه. في بعض: جار ومجرور متعلق بقوله: يوافقها. غراته: مضاف إليه. يوافقها: فعل مضارع وفاعله مستتر فيه والضمير مفعول به، والجملة في محل نصب يوشك. الشاهد: قوله: (يوافقها)؛ حيث أتى بخبر يوشك جملة فعلية فعلها مضارع مجرد من أن وهذا قليل.
[ ١ / ٤٦٤ ]
ص:
١٦٨ - وَمِثلُ كَادَ في الأَصَحِّ كَرَبَا وَتَرْكُ أَنْ مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا (^١)
١٦٩ - كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ (^٢)
ش:
(كرِبَ) مثل (كاد) في: الدّلالة علَى القرب كما سبق، وقلة اقتران الخبر بـ (أن).
وقوله: (فِي الأَصَحِّ): فيه التّعريض:
لسيبويه؛ حيث نفَى اقتران خبرها بـ (أن) فيما نقل عنهُ.
ولابن الحاجب أيضًا؛ حيث عدها من أفعال الشّروع.
كما عد منها: (أوشك) أيضًا.
فمن التّجرد من (أَن) قولُ الشّاعرِ:
كَرَبَ القَلبُ مِن جَوَاهُ يَذُوبُ حِينَ قَالَ الوُشَاةُ هِندٌ غَضُوبُ (^٣)
_________________
(١) مثل: خبر مقدم، ومثل مضاف. وكاد: قصد لفظه: مضاف إليه. في الأصح: جار ومجرور متعلق بقوله: مثل لتضمنه معنى المشتق. كرَبا: قصد لفظه: مبتدأ مؤخر. وترك: مبتدأ، وترك مضاف. وأن: قصد لفظه: مضاف إليه. مع: ظرف متعلق بترك، ومع مضاف. وذي: مضاف إليه، وذي مضاف. والشروع: مضاف إليه. وجبا: فعل ماض، والألف للإطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى ترك الواقع مبتدأ، والجملة من وجب وفاعله: في محل رفع خبر المبتدأ.
(٢) كأنشأ: الكاف جارة لقول محذوف، أنشأ: فعل ماض ناقص. السائق: اسمه. يحدو: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الواو، منع من ظهورها الثقل، وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة من الفعل المضارع وفاعله: في محل نصب خبر أنشأ. وطفق: معطوف على أنشأ. كذا: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. جعلت: قصد لفظه: مبتدأ مؤخر. وأخذت، وعلق: معطوفان على جعلت.
(٣) التخريج: قيل: إن هذا البيت لرجل من طيئ، وقال الأخفش: إنه للكلحبة اليربوعي أحد فرسان بني تميم وشعرائهم المجيدين. اللغة: جواه الجوى: شدة الوجد. الوشاة: جمع واش، وهو النمام الساعي بالإفساد بين المتوادين، والذي يستخرج الحديث بلطف، ويروى: (حين قال العذول) وهو اللائم. غضوب: صفة من
[ ١ / ٤٦٥ ]
وشى به: إذا نمَّ عليه.
ومن القليل قولهُ:
وَقَد كَرَبَتْ أَعنَاقُهَا أَن تَقَطَّعَا (^١)
_________________
(١) الغضب يستوي فيها المذكر والمؤنث كصبور. المعنى: لقد قرب قلبي أن يذوب من شدة ما حل به من الوجد والحزن، حين أبلغني الوشاة الذين يسعون بالإفساد بيني وبين من أحبها أنها غاضبة علي. الإعراب: كرب: فعل ماض ناقص. القلب: اسمه. من جواه: الجار والمجرور متعلق بقوله: يذوب الآتي، أو بقوله: كرب السابق، وجوى مضاف، وضمير الغائب العائد إلى القلب: مضاف إليه. يذوب: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إلى القلب، والجملة من يذوب وفاعله في محل نصب خبر كرب. حين: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بقوله: يذوب السابق. قال: فعل ماض. الوشاة: فاعل قال. هند: مبتدأ. غضوب: خبره، وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب مقول القول، وجملة (قال): وفاعله ومفعوله في محل جر بإضافة حين إليها. الشاهد: قوله: (يذوب)؛ حيث أتى بخبر كرب فعلًا مضارعًا مجردًا من (أن).
(٢) التخريج: هذا عجز بيت، وصدره قوله: سقاها ذوو الأحلام سَجلًا على الظَّمَا وهو من كلمة للشاعر يهجو فيها إبراهيم بن إسماعيل بن المغيرة والي المدينة من قبل هشام بن عبد الملك بن مروان، وكان قد مدحه من قبل، فلم ترقه مدحته فلم يعطه، وأمر به فضرب بالسياط، وأول هذه الكلمة: مدحت عروقا للندى مصت الثرى حديثا، فلم تهمم بأن تترعرعا نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى وحلَّبت الأيامَ والدهر أضرُعا والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٧، وابن عقيل: ٩٢/ ١/ ٣٣٥، والأشموني: ٢٤١/ ١/ ١٣٠، وهمع الهوامع: ١/ ٣٠، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٥، والمقرب: ١٧ وشذور الذهب: ١٣٢/ ٣٥٨. المفردات الغريبة: الأحلام: العقول، جمع حِلْم. سجلا: دلوًا عظيمة. الظمأ: العطش. الأعناق: جمع عنق وهو الرقبة. المعنى: إن هذه العروق التي مدحتها فردتني، إنما هي عروق ظلت في الضر والبؤس، حتى أنقذها ذوو أرحامها بعد أن أوشكت أن تموت؟ ويقصد بذوي الأرحام بني مروان، ويريد الشاعر أن يقول: إن الذين مدحتهم حديثو عهد بالنعمة واليسار، ومثل هؤلاء لا يرتجى خيرهم. الإعراب: سقاها: فعل ماضٍ، ومفعول به أول. ذوو: فاعل مرفوع. الأحلام: مضاف إليه. سجلا: مفعول به ثانٍ منصوب. على الظما: متعلق بسقاها. وقد: الواو حالية. قد: حرف تحقيق. كربت: فعل
[ ١ / ٤٦٦ ]
والمشهور فِي (كَرب): فتح الرّاء.
وحكي كسرها.
ويجب ترك أَن مع أفعال الشّروع؛ لأنَّ (أَن) تقتضي الاستقبال كما علم وفعل الشّروع يقتضي الحال فتنافيا، ولهذا قال المصنف ﵀: (وتركُ أَنْ معْ ذِي الشّروعِ وَجَبَا).
قال تعالَى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.
ونحو قول الشّاعرِ:
وقَد جعلتُ إِذا ما قُمتُ يُثقِلُني (^١)
وسبق فيه شاهد آخر، وقس ما بقي من أفعال الشّروع؛ كـ (أنشأ السائق يحدو)، و(علق عمرو يعدو)، و(هلهل زيد يقرأ)، و(هبَّ يدعو).
قال الشّاعرُ:
أَرَاكَ عَلِقتَ تَظلمُ مَن أَجَرنَا (^٢)
_________________
(١) ماضٍ ناقص، والتاء: للتأنيث. أعناقها: اسم كَرَبَ، وها مضاف إليه. أن: حرف مصدري ونصب. تقطعا: فعل مضارع، حذفت إحدى تاءيه تخفيفًا، منصوب، وعلامة نصبه حذف النون، والألف للإطلاق، والفاعل: هي، والمصدر المؤول في محل نصب خبر كرب، الجملة من كرب واسمها وخبرها: في محل نصب على الحال. الشاهد: قوله: (أن تقطعا)؛ حيث جاء خبر (كرب) مضارعًا مقترنًا بـ (أن)، وحكم هذا الاقتران جائز مع القلة.
(٢) تقدم إعرابه وشرحه، والشاهد فيه هنا: قوله: (جعلت يثقلني)؛ حيث تجرد الفعل من أن وجوبًا.
(٣) التخريج: صدر بيت من الوافر، وصدره: وَظُلْمُ الْجَارِ إذْلَالُ الْمُجِيْرِ وهو بلا نسبة في الدرر ٢/ ١٣٤، وشرح عمدة الحافظ ص ٨١٠، وهمع الهوامع ١/ ١٢٨. اللغة والمعنى: علقتَ: أخذت. تظلم: تعتدي. أجرنا: أغثنا وساعدنا. المجير: المغيث. يقول: إنني أراك تعتدي على من ساعدناه وحميناه، واعتداؤك على من احتمى بنا هو اعتداء علينا بالذات. الإعراب: أراك: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر، والفاعل: أنا، والكاف: ضمير في محل نصب مفعول به أول. علقت: فعل ماض ناقص، والتاء: ضمير في محل رفع اسم علق. تظلم: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل: أنت. من: اسم موصول في محل نصب مفعول به.
[ ١ / ٤٦٧ ]
وقالَ آخرُ:
هَلْهَلْتُ أَثْأَرُ مالكًا أو صِنْبِلا (^١)
_________________
(١) أجرنا: فعل ماض مبني على السكون، ونا: ضمير في محل رفع فاعل، والعائد محذوف تقديره: أجرناه. وظلم: الواو: حرف استئناف، ظلم: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. الجار: مضاف إليه مجرور. إذلال: خبر المبتدأ مرفوع، وهو مضاف. المجير: مضاف إليه مجرور. وجملة (أراك علقت): لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية. وجملة (علقت تظلم): في محل نصب مفعول به ثان لأرى. وجملة (تظلم): في محل نصب خبر علق. وجملة (أجرنا): لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول. وجملة (ظلم الجار إذلال المجير): لا محل لها من الإعراب لأنها استئنافية. الشاهد: قوله: (علقت تظلم)؛ حيث أتى خبر علق الدال على الشروع فعلا مضارعا مجردا من أن المصدرية، وهو الأصل في خبر هذا الفعل وإخوانه.
(٢) التخريج: عجز بيت من الكامل وصدره: لمّا توَعَّر فِي الكُراعِ هَجِينهُم وهو للمهلهل في ديوانه ص ١٦٠؛ ولسان العرب ١١/ ٣٨٦ (صنبل)، ١١/ ٧٠٦ (هلل)؛ وجمهرة اللغة ص ٢٢٣، ١٠١٣، ١١٢٦؛ وتاج العروس (صنبل)، (هلل)؛ ومقاييس اللغة ٥/ ١٧١، ٦/ ١٢؛ ومجمل اللغة ٤/ ٤٥١؛ والمخصص ٣/ ٢١؛ ولزهير بن جناب في تهذيب اللغة ٥/ ٣٧٢. ومهلهل هذا اسمه امرؤ القيس بن ربيعة بن مرة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن الحبيب بن عمرو بن ثعلب بن أسد بن ربيعة بن نزار، وإنما سمّي مهلهلا لبيت قاله لزهير بن جناب الكلبيّ: لمّا توَعَّر في الكُراعِ هَجِينهُم هَلْهَلَت أثْأر جَابِرا أَوْ صنبلا اللغة: توغل: سار وأبعد وتوارى. الكراع: اسم للخيل. الهجين: مَا تلده برذونة من حصان عَرَبِيّ، ويعني به هنا: امرأ القيس بن حمام، وكان امرؤ القيس هذا هجينًا وهو الذي يدعى عدل الأصرة وكان زهير بن جناب الكلبي أغار عليهم ومعه امرؤ القيس هذا فانصرف وامرؤ القيس هاربًا. هلهلت الصوت: رجّعته. صنبلا: اسم رجل. المعنى: قال المهلهل هذا الشعر لما أخذ بثأر أخيه كليب، وهرب منه امرؤ القيس بن حمام المذكور. وقيل إنما سمى مهلهلًا لأنه أوّل من أرق المراثي، حكاه القالي في أماليه. قال: واسمه عديّ، وفي ذلك يقول: رَفَعَت رَأسَها إِلَيَّ وَقَالَتْ يَا عديَّا لَقَدْ وَقَتْكَ الأَوَاقِي قال: وهو أوّل من قصَّد القصائد وفيه، يقول الفرزدق: وَمهلهلُ الشُّعَرَاء ذَاك الأَوَّل ولم يقل أحد قبله عشرة أبيات غيره. انتهى. وقال في "الأغاني": اسمه عدي، ولقب مهلهلًا لطيب شعره ورقته.
[ ١ / ٤٦٨ ]
وقالَ آخرُ:
هَبَبتُ أَلُومُ القَلبَ فِي طَاعَةِ الهَوَى (^١)
واللَّه الموفق
ص:
١٧٠ - وَاسْتَعْمَلُوا مُضَارِعًا لأَوْشَكَا وَكَادَ لَا غَيْرُ وَزَادُوا مُوْشِكَا (^٢)
ش:
أفعال هذا الباب بصيغة الماضي واستعمل لبعضها:
مضارع، قال تعالَى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾.
ونحو قول الشّاعرِ:
يُوشِكُ مَن فَرَّ مِن مَنِيَّتِهِ (^٣)
_________________
(١) وقيل: إنه أوّل من قصد القصائد، وقال الغزل، فقيل: هلهل الشعر أي أرقه. وهو أوّل من كذب في شعره، وهو خال امرئ القيس بن حجر الكندي. وقال ابن سلام: زعمت العرب أنه كان يتكثر ويدعي قوله بأكثر من فعله. الشاهد: قوله: (هلهلت أثأر)؛ حيث أعمل هلهل الدال على الشروع عمل كاد وأتى بخبره فعلًا مضارعًا مجردا من أن المصدرية، وهو الأصل في خبر هذا الفعل وإخوانه.
(٢) التخريج: صدر بيت من الطويل، وصدره: فلجَّ كأنِّي كنت باللَّوْمِ مُغْرِيَا وهو مجهول القائل، وهو في شرح التسهيل للمصنف (١/ ٣٩١) شرح التسهيل للمرادي (١/ ٤٠٠)، التذييل (٤/ ٣٢٩)، الشذور (٢٤٣)، والهمع (١/ ١٢٨)، والدرر (١/ ١٠٣)، وحاشية الخضري (١/ ١٢٣). المعنى: يقول: الهوى غلاب، فحين لمت قلبي على هواه، زاد في عناده ومناه فكأنني لم أكن أنهاه، بل أغويه الشاهد: قوله: (هببت ألوم)؛ حيث دلت (هب) على الشروع في الفعل، فأعملها عمل (كاد).
(٣) واستعملوا: فعل وفاعل. مضارعًا: مفعول به لاستعمل. لأوشكا: جار ومجرور متعلق بقوله: استعملوا. وكاد: معطوف على أوشك. لا: عاطفة. غير: معطوف على أوشك، مبني على الضم لقطعه عن الإضافة في محل جر. وزادوا: فعل وفاعل. موشكا: مفعول به لزاد.
(٤) تقدم إعرابه وشرحه، والشاهد فيه هنا: قوله: (يوشك)؛ حيث استعمل الفعل بصيغة المضارع، وذلك جائز في الفعل.
[ ١ / ٤٦٩ ]
كما سبق.
واسم فاعل أيضًا فِي قولهِ:
فإِنَّكَ مُوشِكُ أَن لَا تَرَاهَا (^١)
وقولِ الآخرِ:
فمُوشكةٌ أَرضُنَا أَن تَعُودْ خِلَافَ الأَنِيسِ وُحُوشًا يَبَابَا (^٢)
_________________
(١) التخريج: هذا صدر بيت وعجزه، قوله: وَتَعْدو دُونَ غَاضرةَ العَوَادي وهو من قصيدة لكثير، يشبب فيها بغاضرة، جارية أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز. وهو من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٨، والأشموني: ٢٤٨/ ١/ ١٣١، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٤، والعيني: ٢/ ٢٠٥، وليس في ديوان كثير. المفردات الغريبة: العوادي: عوائق الدهر وغوائله التي تعدو على الإنسان، واحدها: عادية. المعنى: إن القريب إلى الفعل والغالب: أنك لا ترى غاضرة، وأن تحول دون رؤيتها موانع وعوائق، لا تستطيع التغلب عليها. الإعراب: إنك: حرف مشبه، واسمه. موشك: خبر: إن مرفوع، وهو اسم فاعل من أوشك، واسمه: أنت. ألا: أن حرف مصدري ونصب، ولا: نافية. تراها: فعل مضارع منصوب بأن والفاعل: أنت، وها مفعول به، وجملة تراها: صلة للموصول الحرفي، والمصدر المؤول، في محل نصب خبر موشك على الوجه المراد من الاستشهاد بالبيت، تعدو: فعل مضارع مرفوع. دون: متعلق بتعدو. غاضرة: مضاف إليه. العوادي: فاعل مرفوع. الشاهد: قوله: (موشك)؛ حيث استعمل اسم الفاعل (موشك) من أوشك الناقصة، وأعمله عمل فعله، فرفع الاسم، وهو الضمير المستتر فيه، ونصب الخبر، وهو المصدر المؤول من أن وما بعدها، وما يدل على عمله عمل فعله: اقتران خبره بـ (أن) المصدرية كذلك.
(٢) التخريج: البيت لأبي سهم الهذلي في تخليص الشواهد ص ٣٣٦، والدرر ٢/ ١٣٧، والمقاصد النحوية ٢/ ٢١١، ولأسامة بن الحارث في شرح أشعار الهذليين ص ١٢٩٣، وبلا نسبة في همع الهوامع ١/ ١٢٩. اللغة: أرض وحش: أي خالية. اليباب: الخالي. الإعراب: فموشكة: الفاء بحسب ما قبلها، وموشكة: خبر مقدم مرفوع، وهو اسم فاعل من أوشك، واسمه ضمير مستتر فيه. أرضنا: مبتدأ مؤخر مرفوع، وهو مضاف، نا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. أن: حرف نصب ومصدرية. تعود: فعل مضارع منصوب، وفاعله ضمير مستتر تقديره:
[ ١ / ٤٧٠ ]
بضم الواو: الأرض المتوحِّشَةُ، وبفتحها: كصبور وشكور، يستوي فيه المذكر والمؤنث. و(اليباب) بالياء آخر الحروف بعدها موحدة قبل الألف: الأرض الخراب، هذا ما ذكره الشّيخ هنا.
وحكَى الأخفش: مضارعًا ومصدرًا لطفق؛ نحو: (طفق يطفق)، و(طفق طفوقًا وطَفَقًا) أيضًا كفرح فرحًا.
والكسائي: مضارع جعل.
وعبد القاهر: عسَى يعسَى فهو عاس.
وجاء اسم الفاعل من (كرب) فِي قولهِ:
أَبُنَيَّ إِنَّ أَبَاكَ كَارِبُ يَومِهِ (^١)
_________________
(١) هي. خلاف: حال من الضمير المستتر في تعود تقديره: تعود مخالفة، وقيل: منصوب على الظرفية، متعلق بتعود، وهو مضاف. الأنيس: مضاف إليه مجرور. وحوشا: حال ثانية منصوبة، يبابا: حال ثالثة، وقيل: توكيد لوحوشا. وجملة (موشكة أرضنا): بحسب ما قبلها، وجملة (تعود): صلة الموصول الحرفي لا محل لها من الإعراب. الشاهد: قوله: (فموشكة)؛ حيث أعمل اسم الفاعل من أوشك.
(٢) التخريج: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: فَإِذا دُعِيتَ إِلَى المَكَارِمِ فَاعْجَلِ وبعده قوله: أُوصِيكَ إِيصَاءَ امْرِئ لَكَ نَاصِح طبن بِريب الدَّهْرِ غَيْر مغفلِ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٨، والأشموني: ٢٥٠/ ١/ ١٣١، ونوادر أبي زيد الأنصاري: ١١٤، والعيني: ٢/ ٢٠٢، والمفضليات، للمفضل الضبي: ٣٨٤، والأصمعيات: ٢٢٩. المفردات الغريبة: كارب يومه: قريب يوم وفاته. المكارم: جمع مكرمة، وهي الخصلة من خصال البر. المعنى: يوصي الشاعر ابنه، فيقول: اعلم يا بني أن أباك قريب يوم وفاته وانتهاء حياة الدنيا، فإذا دعيت إلى فعل المكرمات وعمل البر فأسرع إلى ذلك، ولا تتأخر. الإعراب: أبني: الهمزة حرف نداء، بني: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء، والياء: مضاف إليه. إن: حرف مشبه بالفعل. أباك: اسم إن منصوب، وعلامة نصبه الألف؛ لأنه من الأسماء الستة، والكاف: مضاف إليه. كارب: خبر إن مرفوع. يومه: مضاف إليه من إضافة اسم الفاعل إلى ظرفه، واسم كارب: ضمير مستتر، تقديره: هو. والخبر محذوف، والتقدير: كارب هو في يومه يموت.
[ ١ / ٤٧١ ]
وقال الجوهري: هو من (كرب) التّامة الَّتي لا خبر لها: كقولهم: (كرب الشتاء)؛ أَي: قرب.
وحكَى ابن أفلح: (كرَب يكرُب) بالضّم كنصر ينصر.
وجاء (^١) اسم الفاعل من (كاد) فِي قول الآخر:
أَمُوتُ أَسىً يَومَ الرِّجَامِ وَإِنَّنِي يَقِينًا لَرَهْنٌ بِالَّذِي أَنَا هُوَ كَائِدُ (^٢)
_________________
(١) موطن الشاهد: (كارب يومه). وجه الاستشهاد: استعمال اسم فاعل كرب الناقصة على زعم جماعة من النحاة. كما أعربنا الشاهد، والتقدير: كارب هو في يومه يموت، فالخبر محذوف، غير أن فاعل كرب التامة، لا الناقصة، وهو لا يحتاج إلى اسم وخبر، وإنما هو محتاج إلى فاعل وحسب، وعلى هذا فهو مضاف إلى فاعله، في قوله: كارب يومه. وانظر شرح التصريح: ١/ ٢٠٨. فائدة: بُنَيَّ: تصغير ابن مضاف إلى ياء المتكلم، وقد دخلت عليه همزة النداء، وأصله قبل الإضافة (بُنْيَوِ) فاجتمع الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فانقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم أضيفت إلى المتكلم، فاجتمع ثلاث ياءات، فحذفت الثانية منهن، التي هي لام الكلمة، ولم تحذف الأولى؛ لأنها ياء التصغير، وقد أتى بها لغرض خاص، ولم تحذف الثالثة، التي هي ياء المتكلم؛ لأنها كلمة برأسها. انظر أوضح المسالك تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد: ١/ ٣٢٠.
(٢) في (ب): وأجاز، والصواب ما أثبت من نسخة المؤلف.
(٣) التخريج: البيت من قصيدة طويلة في رثاء عبد العزيز بن مروان أبي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل. وقبل البيت الشاهد قوله: وَكِدْت وَقَدْ سَالَتْ مِنَ العَيْنِ عَبْرة سَهَا عَاند مِنْهَا وَأَسْبل عَانِدُ قذيت بِهَا وَالعَيْنُ سَهو دُمُوعهَا وَعَوارها فِي بَاطِنِ الْجفنِ زَائِدُ فَإِنْ تركتْ لِلْكحلِ لَمْ يتركِ الْبكَى وَتَشْري إِذَا مَا حَثْحَثَتْها المزَاوِدُ والشاهد من شواهد: التصريح: ١/ ٢٠٨، وابن عقيل: ٩٤/ ١/ ٣٣٩، والأشموني: ٢٤٩/ ١/ ١٣١، وهمع الهوامع: ١/ ١٢٩، والدرر اللوامع: ١/ ١٠٤، والعيني: ٢/ ٩٨، وديوان كثير: ٢/ ١١٤. المفردات الغريبة: الأسى: الحزن وشدة اللوعة. الرجام: اسم موضع حدثت فيه موقعة. اليقين: العِلمُ والجزم. رهن: مرهون. المعنى: كدت أموت من الحزن واللوعة في هذا اليوم الذي غاب فيه عبد العزيز، وإنني لمرهون
[ ١ / ٤٧٢ ]
وجزم ابن السّكيت: بأن الرّواية (كابد) بالموحدة، فَلَا شاهد.
والرّجام بالرّاء والجيم: اسم موضع.
وحكَى أبو علي قطرب مصدر (كاد)؛ نحو: (كاد: كودًا، وكيدًا، ومكادًا، وكيدودة).
ويقال: (كُدت) أفعل بضم الكاف، حكاه سيبويه.
واللَّه الموفق
ص:
١٧١ - بَعْدَ عَسَى اخْلَوْلَقَ أَوْشَكَ قَدْ يَرِدْ غِنًى بِأَنْ يَفْعَلَ عَنْ ثَانٍ فُقِدْ (^١)
ش:
يقع (أَن) والفعل بعد (عسَى)، و(اخلولق)، و(أوشك) .. فتسد مسد الجزأين؛
_________________
(١) ومحبوس، بالذي لا بد عما قريب سيكون، فالموت أمر لا مفر منه. الإعراب: أموت: فعل مضارع وفاعل. أسى: مفعول له، ويجوز أن يكون حالا بتقدير: آسيًا، أي: حزينًا، وبعضهم أعربه: تمييزًا، والأول أفضل. يوم: متعلق بأموت. الرجام: مضاف إليه. وإنني: الواو حالية، إن: حرف مشبه بالفعل، والنون: للوقاية، والياء: في محل نصب اسمها. يقينًا: مفعول مطلق لفعل محذوف. لرهن: اللام لام المزحلقة، رهن: خير إن مرفوع. بالذي: متعلق برهن. أنا: مبتدأ. كائد: خبر. وجملة (أنا كائد): صلة للموصول، لا محل لها، واسم (كائد): ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنا، وخبره محذوف، والتقدير: ألقاه، والهاء المحذوفة في محل نصب مفعول به، وهذه الهاء هي العائد إلى الاسم الموصول. الشاهد: قوله: (أنا كائد)؛ حيث استعمل اسم الفاعل من كاد.
(٢) بعد: ظرف متعلق بقوله: يرد الآتي، وبعد مضاف. وعسى: قصد لفظه مضاف إليه. اخلولق، أوشك: معطوفان على عسى بعاطف مقدر. قد: حرف تحقيق. يردت فعل مضارع. غنى: فاعل يرد. بأن يفعل: جار ومجرور متعلق بقوله: غنى ومثله قوله: عن ثان. وقوله: فقد: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى ثان، والجملة من فقد ونائب فاعله: في محل جر صفة لثان.
[ ١ / ٤٧٣ ]
كما تسد مسد مفعولي (ظن).
وقيل: استغنَى بالمرفوع عن الثّاني كما فِي (كَانَ التّامة)؛ نحو: قوله تعالَى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾، وكقولك: (عسَى أَن يفعل)، و(اخلولق أَن يفعل)، و(أوشك أَن يفعل)، فهو فاعل، والتّقدير: (قرب فعله)، أَو (دنَا فعله).
والخضراوي: لا يجوز ذلك فِي (اخلولق).
وقوله: (غنَىً): فاعل (يَرِدْ)، والمعنَى: قَدْ يرد الاستغناء بـ (أن يفعل) بعد هذه الثّلاثة عن الجزء الثّاني.
فإِن ذكر اسم بعد (أَن يفعل)؛ نحو: (عسَى أَن يفعل زيد):
فالمبرد والفارسي والسّيرافي والشلوبين: أَن (زيدٌ) فاعل بالفعل قبله، و(أنْ) والفعل فِي تقدير فاعل بـ (عسَى)، وهي تامة لا خبر لها.
فتقول علَى هذا المذهب: (عسَى أَن يخرج الزّيدان)، و(عسَى أَن يخرج العمرون)، و(عسَى أَن يخرج الهندات)، وليس فِي (يخرج) ضمير؛ لأنه رفع الاسم الظّاهر بعده علَى الفاعلية أيضًا، و(أن يخرج): فاعل بعسَى كما ذكر.
وأَجازَ الثّلاثة دونَ الشلوبين فِي (عسَى أَن يفعل زيد): أن يكون (زيدٌ) مرفوعًا بـ (عسَى) اسمًا لها وهي ناقصة، و(أنْ والفعل): فِي موضع نصب خبرًا علَى التّقديم والتّأخير، وفي (يفعل): ضمير يعود علَى (زيد) وإِن كَانَ متأخرًا؛ لأنه فِي نية التّقديم.
فتقول علَى هذا المذهب: (عسَى أَن يقوما الزّيدان)، و(عسَى أَن يذهب العمرون)، و(عسَى أَن يقمن الهندات)، فتبرز الضّمير؛ لأنَّ (الزّيدان، والعمرون، والهندات) ليس فاعلًا بمدخول أَن، بَلْ هو اسم عسَى، و(أنْ والفعل): فِي موضع نصب علَى الخبرية علَى التّقديم والتّأخير كما سبق.
ويتعين أَن تكود عسَى تامة علَى القول الأول فِي قوله تعالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ إِن جعل نصب (مقامًا) بالفعل المذكور علَى أنه ظرف أَو غير ذلك؛ فإِن (يبعثك): فِي تقدير فاعل، و(الاسم الكريم): فاعل يبعث.
فإِن انتصب (مقامًا): بمحذوف علَى المصدر؛ أَي: (فيقوم مقامًا) .. جاز أَن
[ ١ / ٤٧٤ ]
تكونَ التّامة، وأن تكون ناقصة علَى التّقديم والتّأخير كما علم.
ولو جعلت ناقصة عند انتصاب (مقامًا) بالفعل المذكور .. لزم الفصل بأجنبي بَينَ العامل الّذي هو (يبعث) والمعمول الّذي هو (مقامًا)؛ لأنَّ (الاسم الكريم) حينئذ يصير اسم (عسَى) لا فاعلًا بـ (يبعث).
واللَّه الموفق
ص:
١٧٢ - وَجَرِّدَنْ عَسَى أَوِ ارْفَعْ مُضْمَرَا بِهَا إذَا اسمٌ قَبْلَهَا قَدْ ذُكِرَا (^١)
ش:
إِذا ذكر اسم قبل (عسَى) .. جاز عند تميم أَن يجعل فيها ضمير عائد علَى ذلك الاسم المتقدم، ويكون هذا الضّمير اسم (عسَى)، و(أنْ والفعل): فِي موضع نصب علَى الخبر؛ نحو:
(زيد عَسَى أَن يفعل)، و(هند عست أَن تفعل)، و(الزّيدان عسيا أَن يفعلا)، و(الزّيدون عسوا أَن يفعلوا)، و(الهندات عسين أَن يفعلن).
وجردها الحجازيون من الضّمير نحو: (هند عسَى أَن تقوم)، و(الزّيدون عسَى أَن يقوموا)، و(الهندات عسَى أَن يقمن)، و(أن والفعل) عندهم: فِي موضع رفع بـ (عسَى)، وهو قائم مقام الاسم والخبر.
وقال البعلي: إنه اسمها، وبلغتهم نزل القرآن العظيم، قال تعالَى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ
_________________
(١) وجردان: جرد: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. عسى: قصد لفظه: مفعول به لجرد. أو: حرف عطف معناه التخيير. ارفع: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. مضمرا: مفعول به لارفع. بها: جار ومجرور متعلق بارفع إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان، تضمن معنى الشرط. اسم: نائب فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور بعده، أي: إذا ذكر اسم. قبلها. قبل: ظرف متعلق بذكر الآتي، وقبل مضاف، وها: مضاف إليه. قد: حرف دال على التحقيق مبني على السكون لا محل له من الإعراب. ذُكِرا: فعل ماض مبني للمجهول، والألف للإطلاق، ونائب الفاعل: ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى اسم، والجملة من (ذُكِر) ونائب فاعله المستتر فيه: لا محل لها تفسيرية.
[ ١ / ٤٧٥ ]
مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾.
وظاهر كلام الشّيخ ﵀: أَن ذلك مختص بـ (عسَى).
وأكثر شراح هذا الكتاب أنه جائز فِي (اخلولق)، و(أوشك)؛ نحو: (الزّيدان اخلولق أَن يقوما)، و(اخلولقا أَن يقوما).
وأما غير هذه الثّلاثة من أفعال هذا الباب .. فمتَى تقدمه اسم: وجب أَن يؤتَى فيه بضمير مطابق لذلك الاسم المتقدم؛ نحو: (الزّيدان جعلا يقرآن)، و(الهندات أخذن يبكين).
واللَّه الموفق
ص:
١٧٣ - وَالْفَتْحَ وَالْكَسْر أَجِزْ فِي السِّيْنِ مِن نَحْوِ عَسَيْتُ وَانْتِقَا الْفَتْحِ زُكِنْ (^١)
ش:
إن جردت عسَى فالسّين مفتوحة لا غير.
ومتَى اتصل بها ضمير مرفوع لمتكلم أَو مخاطب أَو نون إناث .. جاز الفتح والكسر أشهر، وهو المختار.
وانتقاء الفتح (زُكن)؛ أَي: (واختيار الفتح عُلِم).
ومنع من الكسر أبو عبيدة، وهو محجوج بقراءة نافع: (قال هل عسِيتم)؛ فـ (هل عسِيتم) بكسر السّين.
وابن السّراج: أَن (عسَى) ترج بمنزلة (لعل).
ونسب أيضًا للكوفيين.
والصّحيح: فعل كما سبق.
_________________
(١) والفتحَ: مفعول به مقدم على عامله وهو قوله: أجز الآتي. والكسر: معطوف على الفتح. أجز: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. في السين: جار ومجرور متعلق بأجز. من نحو: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من السين، ونحو مضاف، وقوله: عسيت: قصد لفظه: مضاف إليه. وانتقا: الواو عاطفة، انتقا: مبتدأ: وانتقا مضاف. والفتح: مضاف إليه. زكن: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى انتقا الفتح، والجملة من زكن ونائب فاعله: في محل رفع خبر المبتدأ.
[ ١ / ٤٧٦ ]
تنبيه:
إِذا قلت: (كاد زيد يقوم) .. فمقاربة القيام: موجودة، والقيام: منتف.
وإِن قلت: (ما كاد زيد) .. فالمقاربة: منتفية، والقيام: منتف أبعد من انتفائه فِي المثال الأول.
قال تعالَى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ .. فهو أبلغ من نفي الرّؤية من أَن يقال: (لم يره).
ووهم بعضهم فِي (كاد)، فظن أَن إِثباتها نفي وعكَسَهُ، وعمل لغزًا وهو قولهُ:
أَنَحوِيُّ هَذَا العَصرِ مَا هِيَ لَفظَةٌ جَرَتْ فِي لِسَانَي جُرْهُمٍ وَثَمُودِ (^١)
إِذَا اسْتُعمِلَت فِي صُورَةِ الجَحْدِ أُثبِتَتْ وَإِنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ
وليس بشيء؛ إِذ حكمها كحكم سائر الأفعال؛ فمعناها منفي إِذا صحبت نفيًا، وثابت إِذا لم تصحبه.
وأما قوله تعالَى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ .. فكلام يتضمن كلامين، ومضمون كل واحد منهما فِي وقت غير وقت الآخر، والتّقدير: (فامتنعوا من ذبحها فِي زمن، ثم بدا لهم بعد ذلك ذبحها)؛ فهو علَى حد قولك: (ولدت هند وَلَم تكد تلد)، قال ذلك المصنف ﵀.
ويجوز حدف الخبر فِي هذا الباب للقرينة، وجعل منه المصنف: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾؛ أَي: (يمسح مسحًا)، وفيه حذف عامل المؤكد، وهو لا يراه كما سيأتي فِي المفعول المطلق.
وحديث: "من تأنَى .. أصاب أَو كاد، ومن عجل .. أخطأ أو كاد". وحديث: "حتَّى إِذا استغنى أو كرب .. استعف".
_________________
(١) التخريج: البيتان لأبي العلاء المعري وهما من الطويل، وينظران في شرح الكافية الشافية (١/ ٤٦٧)، وتعليق الفرائد (١٠٥٧)، والمغني (٢/ ٧٣٨)، وإصلاح الخلل (٣٥٢)، والأشموني (١/ ٢٦٨)، والهمع (١/ ١٣٢)، والدرر (١/ ١١٠). والبيتان شاهدان على اشتهار هذه المسألة بين النحاة حتى نظم فيها هذا الشاعر هذين البيتين.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وقال الشّاعرُ:
بِمُحِبٍّ قَدْ مَاتَ أَو قِيلَ كَادَا (^١)
أَي: (كاد يموت).
وقيل: ولَا يتقدم الخبر علَى الاسم؛ لأنَّ الخبر الفعلي لا يتقدم علَى المبتدأ كما علم؛ فَلَا يقال: (يقوم زيد) علَى المبتدأ والخبر .. فكذلك أيضًا مع النّاسخ، إِلَّا ما أجازه المبرد ومن وافقه فِي نحو: (عسَى أَن يفعل زيد) كما سبق.
وقيل: منع تقديم الخبر الفعلي خاص بباب المبتدأ؛ لأنَّ الخبر فيه صريح، فليس المبتدأ بالفاعل، وأما مع النّاسخ؛ كـ (كان وكاد) .. فَلَا لبس.
وجعل من تقديمه فِي هذا الباب قوله تعالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾.
وجعل بعض البصريين منه فِي باب (كَانَ) قوله تعالَى ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾.
ومَن منع التّقديم .. قدر ضمير الشّأن فِي (كاد): اسمًا لها، و(تزيغ): خبرها، وحينئذ يصير (قلوب فريق منهم): فاعلًا، وهو لا ينهض؛ لما عُلم أَن خبر أفعال هذا الباب لا ترفع ظاهرًا إِلَّا مع عسَى خاصة.
وكذا يقدر فِي (كَانَ) ضمير عائد علَى (ما)؛ أَي: (ودمرنا الّذي كَانَ يصنع فرعون)؛ أَي: يصنعه، وحذف العائد.
وقيل: إن (كاد)، وَ(كَانَ): صلة، ومعناهما مراد، فَلَا عمل لهما.
_________________
(١) شطر من قطعة للمرقش في ديوانه (٣٧٦)، ومنها: وَإِذَا مَا سَمِعْتِ مِنْ نَحْوِ أَرْضٍ بِمُحِبٍّ قَدْ مَاتَ أَوْ قِيلَ: كَادا فَاعْلَمِي غَيْرَ عِلْمِ شَكٍّ بِأَنِّي ذَاكَ، وَابْكِي لِمَقْصَدٍ لَنْ يُقَادا البيتان من الخفيف، وينظر فيهما الكافية الشافية (١/ ٤٦٢)، والتذييل (٤/ ٣٥٣)، وشرح التسهيل للمرادي (١/ ٤٥٦). الشاهد: قوله: (أو قيل كادا)؛ حيث حذف خبر "كاد" لدلالة المعنى عليه، والتقدير: أو قيل: كاد أن يموت.
[ ١ / ٤٧٨ ]
ويؤيد دعوَى الزّيادة قراءة ابن مسعود: (من بعدما زاغت قلوب فريق منهم).
وأَجازَ الكوفيون أيضًا: كونها صلة فِي: ﴿يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.
والأخفش أيضًا: فِي: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
وقد يتصل بعسَى الضّمير الموضوع لغير الرّفع؛ نحو: (عساك أَن تفلح)، و(عساه أَن يأتي).
قال الشّاعر:
يَا أَبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَا (^١)
فذهب سيبويه: إِلَى أَن الضّمير فِي محل نصب، و(أن يفعل): فِي موضع رفع إِلحاقًا لعسَى بـ (لعل) كما ألحقت (لعل) بـ (عسَى) فِي قول الشّاعر:
لَعَلَّكَ يَومًا أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ (^٢)
_________________
(١) التخريج: البيت من بحر الرجز المشطور، وهو لرؤبة بن العجاج، من مقطوعة عدتها أربعة أبيات هي كالآتي: تَقُولُ بنتِي قَدْ أَنَى أَناكا يَا أَبَتَا عَلَّكَ أَوْ عَسَاكَا وَرَأْيُ عَيْنَي الفَتَى إِيَّاكا يُعْطِي الجَزِيلَ فَعَلَيْكَ ذَاكَا وكلها شواهد للنحاة، وانظرها في ديوان رؤبة (١٨١)، وانظر الشاهد في الكتاب (٢/ ٣٧٥)، والإنصاف (٢٢٢)، والجنى الداني (٤٤٦)، والخصائص (٢/ ٩٦)، والمقتضب (٣/ ٧١)، والخزانة (٥/ ٣٦٢)، وشرح شواهد المغني (٤٣٣)، وابن يعيش (٧/ ١٢٣). الشاهد: قوله: (عساكا)؛ حيث اتصل بعسَى الضّمير الموضوع لغير الرّفع.
(٢) صدر بيت من الطويل، وعجزه: عَلَيْكَ مِنَ اللَّائي يَدَعْنَكَ أَجْدَعَا التخريج: البيت لمتمم بن نويرة في ديوانه ص ١١٩؛ وخزانة الأدب ٥/ ٣٤٥، ٣٤٦؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٦٧، ٦٩٥؛ ولسان العرب ١١/ ٤٧٤ (علل)؛ وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ١٩١؛ وشرح المفصل ٨/ ٨٦؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٨٨؛ والمقتضب ٣/ ٧٤. وقبل هذا البيت قوله: فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأنِّي وَمَالكَا لِطُولِ اجْتِمَاع لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا المعنى: يقول: أيها الشامت، لا تكن فرحًا بموت أخي؛ عسى أن تنزل عليك بلية من البليات اللاتي يتركنك ذليلًا خاضعًا.
[ ١ / ٤٧٩ ]
وأبو العباس المبرد: أَن (عسَى) علَى ما كانت عليه، إِلَّا أَن ما كَانَ اسمًا: جعل خبرًا، وما كَانَ خبرًا: جعل اسمًا؛ فالضّمير: فِي محل نصب علَى أنه خبر (عسَى)، و(أن مدخولها): فِي محل رفع علَى أنه اسم لها.
وفيه الإخبار بالعين.
والأخفش: أنها علَى ما كانت عليه أيضًا، إِلَّا أَن ضمير النّصب ناب عن ضمير الرّفع؛ كما فِي قول الشّاعرِ:
يَا ابْنَ الزُّبَيرِ طَالَ مَا عَصَيكَا (^١)
أراد: عصيت.
واختاره المصنف.
واللَّه الموفق
* * *
_________________
(١) الشاهد: قوله: (لعلك أن تلمّ)؛ حيث ذهب سيبويه: إِلَى أَن الضّمير فِي محل نصب، و(أن تلم): فِي موضع رفع إِلحاقًا لعسَى بـ (لعل) كما ألحقت (لعل) بـ (عسَى).
(٢) التخريج: الرجز لرجل من حمير في خزانة الأدب ٤/ ٤٢٨، ٤٣٠، وشرح شواهد الشافية ص ٤٢٥، وشرح شواهد المغني ٤٤٦، ولسان العرب ١٥/ ٤٤٥ (تا)، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٩١، ونوادر أبي زيد ص ١٠٥، وبلا نسبة في لسان العرب ١٥/ ١٩٣ (قفا)، ٤٤٥ (تا)، والجنى الداني ص ٤٦٨، وسر صناعة الإعراب ١/ ٢٨٠، وشرح الأشموني ١/ ١٣٣، ٣/ ٨٢٣، شرح شافية ابن الحاجب ٣/ ٢٠٢، ومغني اللبيب ١/ ١٥٣، والمقرب ٢/ ١٨٣، والممتع في التصريف ١/ ٤١٤، وكتاب العين ٥/ ٢٢٢، والمخصص ١٧/ ١٤٤، وتاج العروس (ك). وتمامه: وطَالَمَا عَنَّيتَنا إِليكا لَنَضْرِبَن بِسَيفِنا قَفَيْكَا الإعراب: يا: حرف نداء. ابن: منادى منصوب. الزبير: مضاف إليه. طالما: فعل ماضٍ، و(ما): كافة عن طلب الفعل، أو مصدرية، وهي وما دخلت عليه: فاعل أي: طال عصيانك. عَصَيكا: عصى فعل ماض، والكاف المنقلبة عن التاء فاعل. الشاهد: قوله (عصيكا)؛ فإنه أبدل ضمير الرفع وهو التاء، بضمير النصب وهو الكاف.
[ ١ / ٤٨٠ ]