ص:
١٧٤ - لإِنَّ أَنَّ لَيْتَ لكِنَّ لَعَلّ كَأَنَّ عَكْسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ (^١)
ش:
هذه الأحرف السّتة تدخلِ علَى المبتدأ والخبر فتنصب المبتدأ اسمًا لها وترفع الخبر خبرًا لها؛ فهي مثل (كَانَ) فِي نسخ عمل الابتداء، وعكسها فِي عمل الرّفع والنّصب.
* فـ (إِنَّ)، و(أنَّ): للتوكيد ونفي الشّك.
* و(ليت): للتمني، ويكون فِي:
الممكن: كـ (ليت زيدًا حاضر).
وغيره: كـ (ليت الشّباب يعود).
* و(لعل) للترجي، ولَا يكون إِلَّا في الممكن؛ كالمحبوبات نحو: (لعل اللَّه يرحمنا).
وتأتي للإِشفاق فِي المكروه؛ نحو: (لعل العدو يقدم)، وجعل منه قوله تعالَى: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾؛ أَي: خفن.
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾؛ أي: قاتلها.
والإشفاق في المكروه يتعدى بـ (مِن)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾؛ أَي: خِفنَ.
وفي غيره يتعدَى بـ (علَى)؛ كأشفقت عليه.
وعن الأخفش: تكون للتعليل، كقولِهِ تعالَى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ
_________________
(١) لإن: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. أن، ليت، لكن، لعل، كأن: كلهن معطوف على المجرور بعاطف مقدر. عكس: مبتدأ مؤخر، وعكس مضاف. وما: اسم موصول مضاف إليه. لِكان: جار ومجرور متعلق بفعل محذوف تقع جملته صلة الموصول: أي عكس الذي استقر لكان. من عمل: جار ومجرور متعلق بما تعلق به الأول.
[ ١ / ٤٨١ ]
يَخْشَى﴾.
وفي "الإِتقان": حكَى البغوي عن الواقدي: أنها فِي القرآن للتعليل، إِلَّا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾.
وعن الكوفيين: يُستفهَم بها، وسُمِع: (لعلك تشتمنا فأقوم إِليك؟).
وتكون حرف جر، وسيأتي فِي محله.
وتأتي عسَى بمعناها عند سيبويه إن كَانَ اسمها ضميرًا؛ نحو:
عَسَاهَا نَارُ كَأسٍ (^١)
كما سبق فِي المقاربة.
وفيها عشر لغات: (لعلَّ، وعلَّ، ولعنَّ، وعنَّا بالمهملة، ولغنَّ، وغنَّا، بالمعجمة، ولِأَنَّ، وأنّا، ورعنّ بالرّاء قبل مهملة أو معجمة) (^٢).
والنّون مشددة فِي الجميع.
* وأما (لكن):
فحرف استدراك، تقع بَينَ جملتين متغايرتين؛ نحو: (ما جاء زيد؛ لكن عمرًا جاءَ)، و(زيد شجاع لكنه بخيل).
وللتوكيد؛ كـ (لو قام زيد أكرمته، لكنه لم يقم).
_________________
(١) التخريج: شرح أبيات المغني/ ٣/ ٣٥٠، والهمع/ ١/ ١٣٢، والعيني/ ٢/ ٢٢٧، وشرح التصريح/ ١/ ٢١٣، من بيتين للشاعر صخر بن الجعد الخضري، من قصيدة رقيقة، يتشوق فيها إلى صاحبته (كأس)، وهما: وَلَيْلَ بَدَتْ لِلْعَيْنِ نَارٌ كَأَنَّهَا سَنَا كَوْكَب لا يَسْتَبِين خُمُودها فَقُلْتُ عَسَاهَا نَارُ كَأْسٍ وَعَلَّهَا تشَكّى فَأَمْضي نَحْوَهَا فَأَعُودهَا الشاهد: قوله: (عساها)؛ حيث استعمل (عسى) بمعنى (لعل).
(٢) أوصلها السّيوطيّ في الهمع ٢/ ١٥٣ إلى ثلاث عشرة لغة. وتُنظر هذه اللّغات في: معاني الحروف للرّمّانيّ ١٢٤، والإنصاف ١/ ٢٢٤، وشرح المفصّل ٨/ ٨٧، وشرح الرّضيّ ٢/ ٣٦١، وشرح الكافية الشّافية ١/ ٤٧٠، ٤٧٢، والبسيط ٢/ ٧٦٣، والجنى الدّاني ٥٨٢، وجواهر الأدب ٤٠٢.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وأما ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ فالأصل: (لكن أنا هو اللَّه ربى)، بتخفيف (لكن)، فحذفت الهمزة وأدغمت النّون فِي النّون.
وظاهر قول الفارسي: أنها (لكنَّ) المشددة وخففت بحذف أحد النّونين، والضّمير اسمها؛ كما تقول: (لكنا مسلمون).
وإِنما قيل: (ربي) وَلَم يقل: (ربنا)؛ لأنه روعي فيه حال المتكلم؛ كما قال الشّاعرُ:
أَلَم تَرَنِي فِي يَومِ جَوِّ سَوَيقَةٍ بَكَيتُ فَقَالَت لِي هُنَيدَةُ مَالِيَا؟ (^١)
لأنها قالت لهُ: (ما لك؟)، فهو كالالتفات.
وقرئ: (لكن أنا هو اللَّه ربي)، وهو الأصل علَى القول الأول.
* وَ(كَأنَّ) للتشبيه.
والزّجاجِ: لا تكون للتشبيه إِلَّا إن كَانَ الخبر جامدًا؛ نحو: (كَأنَّ زيدًا أسدٌ)؛ فإِن كَانَ مشتقًا؛ نحو: (كأنه قائم) .. فهي للشك؛ إِذ لا يشبه الشّيء بنفسه.
قال البعلي: وأجيب بأن المعنَى: (كأنه رجل قائم)، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وجعلت هذه الصّفة كأنها الخبر باعتبار النّسبة، فعاد الضّمير لاسم (كَأنَّ)؛ كما تقول: (كأنك تقوم) بالخطاب، والأصل: (كأنك رجل يقوم) بالغيبة.
وذكر ابن فرحون: أنها قَدْ تكون: للتحقيق، والظّن، والتّقريب.
تنبيه:
إِنما عملت هذه الأحرف؛ لاختصاصها بالأسماء، وَكَانَ القياس أَن تعمل الجر الّذي هو مختص بما اختصت به، ولكن نصبت ورفعت:
_________________
(١) التخريج: البيت من الطويل، وهو للفرزدق في ديوانه ٢/ ٣٦٠؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٣٣؛ والمنصف ٣/ ١١٧؛ وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص ٨٥٣؛ ومغني اللبيب ٢/ ٤١٤. التمثيل: قوله: (ما ليا؟)؛ حيث التفت في الكلام وروعي فيه حال المتكلم؛ والأصل أن يقول: ما لك؟
[ ١ / ٤٨٣ ]
* لشبهها بالماضي فِي بناء الآخر علَى الفتح واتصال نون الوقاية بها.
* ولأَنَّ معانيها كمعاني الأفعال؛ فـ (إِنَّ) بمعنَى: أكّدتُ، و(كَأنَّ) بمعنَى: شبَّهتُ، و(ليت) بمعنَى: تمنَّيتُ، و(لعل): ترجَّيتُ، و(لكنَّ): استدركتُ.
والكوفيون: أن (لكنَّ) مركبة من: (لا) و(إنَّ) المكسورة، والكاف زائدة، والهمزة محذوفة بعد نقل كسرتها للكاف.
والقواس: الصّحيح أنها مفردة؛ كَـ (إنَّ)، و(أنَّ)، و(ليت).
وقيل: إن (كَأنَّ) مركبة من الكاف و(إنَّ) المكسورة، ولكن فتحت للتركيب.
وقد دخلت (إنَّ) علَى ما خبره نهي فِي قولهِ:
إِنّ الَّذينَ قَتَلتُم أَمْسِ سَيِّدَهُم لا تَحْسِبُوا لَيلَهُم عَنْ لَيلِكُم نَامَا (^١)
وسبق فِي باب (كَانَ): ما لا يجوز دخول النّاسخ عليه.
واللَّه الموفق
ص:
١٧٥ - كَإِنَّ زَيْدًا عالِمٌ بِأَنِّي كُفءٌ وَلكِنَّ ابْنَهُ ذُو ضِغْنِ (^٢)
ش:
لما ذكر أَن هذه الأحرف عكس كَانَ فِي العمل .. أخذ يمثل، فقال: كـ (إنَّ زيدًا عالم)، والأصل: (زيد عالم)، فلما دخلت (إنَّ) .. نصبت المبتدأ اسمًا لها، ورفعت
_________________
(١) التخريج: البيت لأبي مكعت أخي بني سعد بن مالك في خزانة الأدب ١/ ٢٤٧، ٢٤٩، ٢٥٠، والدرر ١/ ٢٨٥، وبلا نسبة في شرح شواهد المغني ٢/ ٩١٤، ومغني اللبيب ٢/ ٥٨٥، وهمع الهوامع ١/ ١٣٥، وأمالي ابن الشجري ١/ ٣٣٢، وشرح التسهيل ٢/ ١١. الشاهد: قوله: (إن الذين لا تحسبوا)؛ حيث أخل (إنَّ) على ما خبره نهي.
(٢) كإن: الكاف جارة لقول محذوف كما سبق غير مرة، إن: حرف توكيد ونصب. زيدًا: اسمها. عالم: خبرها. بأني: الباء جارة، وأن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها. كفء: خبرها، وأن ومعمولاها في تأويل مصدر مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بقوله: عالم السابق. ولكن: حرف استدراك ونصب. ابنه: ابن: اسم لكن، وابن مضاف، والهاء: مضاف إليه. ذو: خبر لكن، وذو مضاف. وضغن: مضاف إليه.
[ ١ / ٤٨٤ ]
الخبر خبرًا لها، وليست هي فِي قولِ الشّاعرِ:
إِنَّ هِندُ المَلِيحَةُ الحَسْناءَ وَأْيَ مَن أَضْمَرَتْ لِصَبٍّ وَفَاءَ (^١)
بضم (هندُ) و(المليحةُ)، ونصب (الحسناءَ)، بَلْ هذه فعل أمرٍ مؤكد بالنّون، والأصل: (إي)، بمعنَى: (عِدِي) ثم أُكِّدَ بالنّون الثّقيلة، فحذفت الياء من فعل الأمر لالتقاء السّاكنين، فحصل: (إِنَّ).
يقال: (وأى يأي)؛ كوعد يعد، والأمر للواحد: (إِ)؛ مثل: (قِ) من الوقاية، و(عِ) من الوعي (^٢).
_________________
(١) قال في شرح الشواهد الشعرية في أمات الكتب النحوية (١/ ٦٩): هذا البيت من ألغاز ابن هشام، عن المغني، وشرح أبيات مغني اللبيب ج ١/ ٥٧.
(٢) هناك عشرة أفعال في اللغة العربية تبنى على حرف واحد في حالة الأمر، وقد جمع هذه الأفعال ابن مالك صاحب الألفية مبيّنًا كيفية إسنادها للواحد المذكر، ثم المثنى مطلقًا، ثم الجمع المذكر، ثم الواحدة ثم جمعها، وذلك في عشرة أبيات طريفة -ليست من الألفية- يقول فيها: إنّي أقولُ لمنْ تُرجى مودَّتُهُ قِ المستجير قياهُ قُوهُ قِي قِينَ وإنْ صرفتَ لوَالٍ شُغْلَ آخرَ قُلْ لِ شُغْلَ هذا لِياهُ لُوهُ لِي لِينَ وإنْ وشَى ثوبَ غيري قلتُ في ضجرٍ شِ الثوبَ وَيْكَ شِياهُ شُوهُ شِي شِينَ وقُلْ لقاتِل إنسانٍ على خطأٍ دِ مَنْ قتَلْتَ دِياهُ دُوهُ دِي دِينَ وإنْ همُ لمْ يَرَوْا رأيي أَقُولُ لهمْ رَ الرأيَ وَيْكَ رَياه رَوْه رَيْ رَيْنَ وإنْ همُ لمْ يَعُوا قوْلِي أَقُولُ لهمْ عِ القولَ مِنِّي عِياهُ عُوهُ عِي عِينَ وإن أمَرْتَ بِوَأْيٍ للمُحِبِّ فقلْ إِ مَنْ تُحِبُّ إياهُ أوهُ إِي إينَ وإنْ أردْتَ الوَنَى وَهْوَ الفُتُورُ فقلْ نِ يا خَلِيلِي نِياهُ نُوهُ نِي نِينَ وإنْ أبَى أن يَفِي بالعهدِ قلتُ لَهُ فِ يا فلانُ فِياهُ فُوهُ فِي فِينَ وقُلْ لساكِنِ قلْبِي إنْ سِوَاكَ بِهِ جِ القلبَ مِنِّي جِياهُ جُوهُ جِي جِينَ ذكر هذه الأبيات الشيخ الخضري في حاشيته على ابن عقيل ثم أردفها بالقول: (فهذه عشرة أفعال كلها بالكسر إلا (رَ) فيفتح في جميع أمثلته لفتح عين مضارعه، وكلها متعدية إلا (نِ) فلازم؛ لأنه بمعنى تأنَّ. فالهاء في نِيَاه هاء المصدر لا المفعول به).
[ ١ / ٤٨٥ ]
و(هندُ) منادَى حذفت منه الأداة، و(المليحةُ): صفة (هند) مرفوعة علَى اللّفظ، و(الحسناءَ) صفة ثانية منصوبة علَى محل المنادَى.
وقوله: (وَأْيَ): منصوب علَى أنه مصدر مؤكد للفعل المذكور، والمعنَى (عدي يا هند وعد من يفي).
والياء فِي قوله: (بِأَنِّي) اسم (أَنَّ) المفتوحة، و(كفؤٌ): خبرها، و(ابنَهُ): اسم (لكنَّ)، و(ذُو ضِغنِ): خبرها.
والكفؤ: المثل. والضّغن: الحقد.
وإِذا حصلت الفائدة .. جاز أَن يكونَ الأول نكرة؛ كقولِهِ:
فَإِنَّ حَرامًا أَن أَخُونَ أَمانَةً وَآمَنَ نَفسًا لَيسَ عِندِي ضَمِيرُهَا (^١)
وقولِ الآخرِ:
حَتّى رَأَيتُهُم كَأَنَّ سَحابَةً صابَت عَلَيهِم وَدقُها لَم يُشمَلِ (^٢)
_________________
(١) والحقُّ: أن هذه الأبيات لا تحيط بكل ما في العربية من أفعال اللفيف المفروق وإنما تقتصر على تسعة منها هي كل ما جاء مكسورًا فيها، أمّا (رَ) وهو المفتوح الوحيد فيها فليس من هذا الضرب، وإنما هو ناقص مهموز العين، إذ إن أصله (رأى) ومضارعه (يرأى) إلا أنَّ همزته تسقط تخفيفًا فيبقى على (يرى) ثم يبنى على حذف حرف العلة من آخره في صيغة الأمر فيبقى على (رَ) ووزنه (فَـ) لأن ما سقط منه هو العين واللام خلافًا لسائر الأفعال المذكورة في الأبيات إذ إنَّ وزنها (عِ) لأن ما سقط منها هو الفاء واللام. عن الدكتور محمد حسان الطيان بتصرف يسير.
(٢) التخريج: البيت من الطويل، وهو لأبي ذؤيب الهذلي في الشعر والشعراء ٢/ ٦٤٢، وشرح ديوان الهذليين ١/ ١٥٦. الشاهد: قوله: (إن حرامًا)؛ حيث جاء اسم (إن) نكرة لحصول العلم به.
(٣) التخريج: البيت من الكامل، وهو لأبي كبر الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص ١٠٧٥؛ ولسان العرب ١١/ ٣٦٧ (شمل). اللغة: صابت تَصُوب تَنحدِر كما ينحدر المطر. وقوله: لَم يُشمَل؛ أي: لم تُصِبْه الرِّيح الشَّمال، وذاك أن الشَّمال إذا أصابته انقَشَع. الشاهد: قوله: (كأن سحابة)؛ حيث جاء اسم (كأن) نكرة لحصول الفائدة به.
[ ١ / ٤٨٦ ]
والخليل وسيبويه: تكون (أَنَّ) بمعنَى (نعم) فَلَا تعمل.
وأنكره أبو عبيدة، قال الشّاعرُ:
لَيتَ شِعرِيَ هَلْ لِلمُحِبِّ شِفَا مِن جَوَى حُبِّهِنَّ أَنَّ اللِّقَا (^١)
برفع (اللّقا)؛ أَي: (نعم، شفاؤه اللّقاءُ).
وقولُ الآخرِ: (قالوا: خفت؟ فقلت: إِنَّ).
وحكي: أَن شاعرًا قال لابن الزّبير: (لعن اللَّه ناقةً حملتني إِليك)، فقال: (إنَّ، وراكبَها)، يريد: (نعم وراكبها).
وكذا قيل: إنها بمعنَى (نعم) فِي قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾.
وقيل: اسم (إِن) ضمير شأن؛ أَي: (إنه هذان لساحران).
وعلَى القولين: تكون اللّام صلة فِي خبر المبتدأ وهو قليل.
وقيل: جاء علَى لغة الحارث وهي لزوم الألف فِي الأحوال الثّلاث كما علم.
وتستعمل (أَنَّ) المفتوحة:
* فعلًا ماضيًا من الأنين.
* ومصدرًا.
والمكسورة أصل المفتوحة علَى الصّحيح.
وقيل عكسه.
وقيل: هما أصل.
واللَّه الموفق
_________________
(١) التخريج: البيت في شرح التسهيل للمصنف، والتذييل (٢/ ٧٣٨). والشاهد: قوله: (هل للمحب شفاء .. إن اللقاء)؛ حيث وقعت "إنّ" جوابًا لسؤال؛ فهي بمعنى (نعم) والتقدير: نعم اللقاء شفاء من جوى حبها.
[ ١ / ٤٨٧ ]
ص:
١٧٦ - وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيْبَ إلَّا فِي الَّذِي كَلَيْتَ فِيْهَا أَوْ هُنَا غَيْرَ البَذِي (^١)
ش:
يقول: راع هذا التّرتيب المذكور فِي البيت قبل هذا، وهو: كون الاسم مقدمًا علَى الخبر فِي هذا الباب؛ فَلَا يقدم علَى الاسم ولَا الحرف؛ لأنَّ هذه الأحرف لا تتصرف فِي نفسها، فَلَا تتصرف فِي معمولاتها.
ما لم يكن الخبر ظرفًا أَو مجرورًا فيجوز تقديمه علَى الاسم؛ للتوسع فِي الظّرف والمجرور.
أَو لأنه ليس معمولًا لهذه الأحرف فِي الحقيقة كما علم من باب المبتدأ والخبر فِي وقوع الظّرف خبرًا.
قال تعالَى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾، ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ فقدم الظّرف فِي الأول والمجرور فِي الثّاني.
ويجب التّقديم فِي نحو: (إنَّ فِي الدّار صاحبَها)؛ لئلا يعود الضّمير علَى متأخر فِي اللّفظ والرّتبة.
ويجوز تقديم معمول الخبر علَى الاسم ظرفًا أَو مجرورًا؛ نحو: (إنَّ عندك زيدًا مقيم).
قال الشّاعرُ:
_________________
(١) وراع: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. ذا: اسم إشارة مفعول به لراع. الترتيب: بدل، أو عطف بيان، أو نعت لاسم الإشارة. إلا: أداة استثناء. في الذي: جار ومجرور يقع موقع المستثنى من محذوف، والتقدير: راع هذا الترتيب في كل تركيب إلا في التركيب الذي إلخ. كليت: الكاف: جارة لقول محذوف، وهي ومجرورها متعلقان بفعل محذوف تقع جملته صلة الذي، وليت: حرف تمن ونصب. فيها: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ليت مقدم على اسمها. أو: عاطفة، معناه التخيير. هنا: ظرف مكان معطوف على قوله فيها. غير: اسم ليت مؤخر، وغير مضاف. والبذي: مضاف إليه، والمراد بالتركيب الذي كليت فيها إلخ: كل تركيب وقع فيه خبر إن ظرفًا أو جارًا ومجرورًا.
[ ١ / ٤٨٨ ]
فَلا تَلْحَنِي فِيهَا فَإِن بِحُبِّهَا أخَاكَ مُصَابُ الْقَلْبِ جَمٌّ بَلَابِلُهْ (^١)
أي: وساوِسُه.
ومنعه بعضهم.
ولَا يقدم غير الظّرف والمجرور؛ فَلَا يقال: (إن طعامك زيد آكل).
وأَجازَ بعضهم تقديم الحال؛ نحو: (إن ضاحكًا زيدًا قائم).
تنبيه:
يجوز حذف الخبر فِي هذا الباب للقرينة، ولَا يشترط حينئذ أَن يكونَ اسمها نكرة.
خلافًا للكوفيين؛ محتجين بأن خبر النّكرة أعم منها، فجاز حذفه لدلالة عموم النّكرة عليه، قال تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: يعذبون.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أَي: هلكوا.
_________________
(١) التخريج: البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٢٣١، وخزانة الأدب ٨/ ٤٥٣، ٤٥٥، والدرر ٢/ ١٧٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٦٩، والكتاب ٢/ ١٣٣، ومغني اللبيب ٢/ ٦٩٣ والمقاصد النحوية ٢/ ٣٠٩، والمقرب ١/ ١٠٨، وهمع الهوامع ١/ ١٣٥. اللغة: لا تلحني: -من باب فتح- أي: لا تلمني ولا تعذلني. جم: كثير. عظيم بلابله: أي وساوسه، وهو جمع بلبال، وهو الحزن واشتغال البال. المعنى: قال الأعلم في شرح شواهد سيبويه يقول: لا تلمني في حب هذه المرأة؛ فقد أصيب قلبي بها، واستولى عليه حبها، فالعذل لا يصرفني عنها اهـ. الإعراب: فلا: ناهية تلحني: تلح: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت، والنون للوقاية، والياء مفعول به. فيها: جار ومجرور متعلق بتلحني. فإن: الفاء تعليلية، إن: حرف توكيد ونصب. بحبها: الجار والمجرور متعلق بقوله: مصاب الآتي، وحب مضاف، وها: ضمير الغائبة مضاف إليه. أخاك: أخا: اسم إن، وأخا مضاف، والكاف مضاف إليه. مصاب: خبر إن، وهو مضاف. القلب: مضاف إليه. جم: خبر ثان لإن. بلابله: بلابل: فاعل لجم، مرفوع بالضمة الظاهرة، وبلابل مضاف، وضمير الغائب العائد إلى أخاك: مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر. الشاهد: قوله: (إن بحبها أخاك)؛ حيث قدم معمول الخبر على المبتدأ، وسوغ ذلك كونه جارا ومجرورًا.
[ ١ / ٤٨٩ ]
وقيل: الخبر ﴿يصدون﴾، والواو: صلة، ذكره منصور بن فلاح فِي "مغنيه".
وقول عمر بن عبد العزيز لرجل ذكر لهُ حاجة: (إنَّ ذلك)، ثم ذكر حاجة أخرَى فقال: (لعل ذلك) يريد: إن ذلك لصحيح، ولعل الّذي طلبته حاصل.
وقال الشّاعرُ:
إِنَّ مَحَلا وَإِنَّ مُرتَحِلا (^١)
أَي: إن لنا فِي الدّنيا محلًا، وإِن لنا عنها مرتحلًا.
وقولُ الآخرِ:
_________________
(١) التخريج: صدر بيت من المنسرح، وعجزه: وَإِنَّ في السَّفرِ ما مَضى مَهَلا البيت للأعشى في ديوانه ص ٢٨٣، وخزانة الأدب ١٠/ ٤٥٢، ٤٥٩، والخصائص ٢/ ٣٧٣، والدرر ٢/ ١٧٣، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٥١٧، والشعر والشعراء ص ٧٥، والكتاب ٢/ ١٤١، ولسان العرب ١١/ ٢٧٩ (رحل)، والمحتسب ١/ ٣٤٩، والمقتضب ٤/ ١٣٠، والمقرب ١/ ١٠٩، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٢٩، وأمالي ابن الحاجب ١/ ٣٤٥، وخزانة الأدب ٩/ ٢٢٧، ورصف المباني ص ٢٩٨، وشرح شواهد المغني ١/ ٢٣٨، ٢/ ٦١٢، والصاحبي في فقه اللغة ص ١٣٠، ولسان العرب ١١/ ١٦٣ (جلل). اللغة: محلا: مصدر ميمي من حل أي أقام. ومرتحلا: مصدر ميمي من ارتحل، أي سافر. السفر: المسافرون. مهلا: تأخيرًا وتمهّلًا. المعنى: إن حللنا أو أقمنا، وإن ارتحلنا أو متنا، فإن في المسافرين قبلنا عبرة لنا لنتعظ. الإعراب: إن: حرف مشبه بالفعل. محلا: اسم إنّ منصوب بالفتحة، وخبرها محذوف، والتقدير: إن محلًا مقدر لنا. وإنّ: الواو: للعطف، وإن: حرف مشبّه بالفعل. مرتحلا: اسم إن منصوب بالفتحة، وخبرها محذوف، والتقدير: إن مرتحلًا مقدر لنا. وإن: الواو: للعطف، وإن: حرف مشبه بالفعل. في السفر: جار ومجرور متعلّقان بمحذوف خبر إن المتقدّم على اسمها مهلًا. إذ: حرف تعليل. مضوا: فعل ماضٍ مبني على الضم المقدّر على الألف المحذوفة، والواو: ضمير متصل مبني في محلّ رفع فاعل، والألف: للتفريق. مهلا: اسم إن مؤخر منصوب بالفتحة. وجملة (إن محلًا مقدّر لنا): ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب، وجملة (إن مرتحلًا): معطوفة عليها لا محل لها من الإعراب، وجملة (إنّ مهلا): معطوفة عليها لا محلّ لها من الإعراب. وجملة (مضوا): اعتراضية لا محل لها من الإعراب. الشاهد: قوله: (إن محلا وإن مرتحلا)؛ حيث حذف خبر إن، والتقدير: إن لنا فِي الدّنيا محلًا، وإِن لنا عنها مرتحلًا.
[ ١ / ٤٩٠ ]
أَتَونِي فَقَالُوا يَا جَمِيلُ تَبَدَّلَتْ بُثَينَةُ إِبدالًا فَقُلتُ: لَعَلَّهَا (^١)
أي: لعلها تبدلت.
وقولُ الآخرِ:
وَيَقُلنَ شَيبٌ قَدْ عَلا كَ وَقَدْ كَبِرتَ فَقُلتُ إِنَّهْ (^٢)
_________________
(١) التخريج: البيت من الطويل، وهو لجميل بن معمر في ديوانه بلفظ: وَقالوا نَراها يا جَميلُ تَبَدَّلَت وَغَيَّرَها الواشي فَقُلتُ لَعَلَّها وقبله قوله: وَرُبَّ حِبالٍ كُنتُ أَحكَمتُ عَقدَها أُتيحَ لَها واشٍ رَفيقٌ فَحَلَّها فَعُدنا كَأَنّا لَم يَكُن بَينَنا هَوىً وَصارَ الَّذي حَلَّ الحِبالَ هَوىً لَها الشاهد: قوله: (لعلها)؛ حيث الخبر للقرينة؛ فالمعنى: لعلها تبدلت.
(٢) التخريج: البيت لعبيد اللَّه بن قيس الرقيات في ديوانه ص ٦٦، وخزانة الأدب ١١/ ٢١٣، ٢١٦، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٧٥، وشرح شواهد المغني ١/ ١٢٦، ولسان العرب ١٣/ ٣١ (أنن)، وبلا نسبة في أمالي ابن الحاجب ص ٣٥٤، وجمهرة اللغة ص ٦١، والجنى الداني ص ٣٩٩، وجواهر الأدب ص ٣٤٨، ورصف المباني ص ١١٩، ١٢٤، ٤٤٤، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٤٩٢، ٥١٦، ولسان العرب ٣/ ٩٨ (بيد)، وقبل هذا البيت قوله: بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبُو حِ يَلُمْنَنِي وألَومُهُنَّهْ اللغة: العواذل: جمع عاذل وعاذلة، وهم اللوِّام. الصبوح: شراب الصباح. المعنى: جاءتني اللائمات مبكرين، فلُمنني وعتبن عليّ، وعاتبتهن، فيقلن لي: لقد كبرت وصار شعرك مبيضًّا، فأقول لهن: نعم لقد صدقتن. الإعراب: بكر: فعل ماض مبني على الفتح. العواذل: فاعل مرفوع بالضمة. في الصبوح: جار ومجرور متعلقان ببَكَرَ. يلمنني: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والنون الأولى: ضمير في محل رفع فاعل، والنون الثانية: نون الوقاية لا محل لها، والياء: ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به. وألومهنّه: الواو: حرف عطف، ألوم: فعل مضارع مرفوع بالضمة، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنا، وهن: ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والهاء: للسكت لا محل لها من الإعراب. ويقلن: الواو: للعطف، يقلن: فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والنون: ضمير متصل في محل رفع فاعل. شيب: مبتدأ مرفوع بالضمّة. قد: حرف تحقيق. علاك: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف، والكاف: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره: هو. وقد: الواو: للعطف، قد: حرف تحقيق. كبرت: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل. فقلت: الفاء: للعطف، قلت: فعل ماض
[ ١ / ٤٩١ ]
ويحتمل أَن تكونَ هنا بمعنَى (نعم)، والهاء: للسكت.
قيل: ويجوز حذف الاسم مطلقًا.
وقيل: مخصوص بالشّعر؛ كقولهِ:
فَلَو كُنتَ ضَبِّيًّا عَرَفتَ مَكَانَتِي وَلَكِنَّ زِنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشَافِرِ (^١)
_________________
(١) مبني على السكون، والتاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل. إنه: إن: حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها، وخبرها: محذوف تقديره: إنه كذلك. ومنهم من قال: إن حرف جواب بمعنى نعم، والهاء: للسكت لا محل لها. وجملة (بكر العواذل): بحسب ما قبلها. وجملة (يلمنني): في محل نصب حال، وعطف عليها جملة (ألومهنه). وجملة (ويقلن): معطوفة على جملة في البيت السابق في محل نصب حال. وجملة (شيب قد علاك): في محل نصب مفعول به مقول القول. وجملة (علاك): في محل رفع خبر (شيب). وجملة (كبرت): معطوفة على جملة (شيب قد علاك). وجملة (فقلت): معطوفة على جملة (ويقلن) في محل نصب حال أيضًا. الشاهد: قوله: (إنه)؛ حيث حذف خبرها للعلم به.
(٢) التخريج: البيت للفرزدق في ديوانه ص ٤٨١، وجمهرة اللغة ص ١٣١٢، وخزانة الأدب ١٠/ ٤٤٤، والدرر ٢/ ١٧٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٧٠١، والكتاب ٢/ ١٣٦، ولسان العرب ٤/ ٤١٩ (شفر)، والمحتسب ٢/ ١٨٢، وبلا نسبة في الجنى الداني ص ٥٩٠، وخزانة الأدب ١١/ ٢٣٠، والدرر ٣/ ١٦٠، ورصف المباني ص ٢٧٩، ٢٨٩، ومجالس ثعلب ١/ ١٢٧، ومغني اللبيب ص ٢٩١، والمنصف ٣/ ١٢٩، وهمع الهوامع ١/ ٣٦، ٢٢٣. اللغة: ضبّيّ: منتسب إلى بني ضبَّة. الزنجي: واحد الزنوج. المشافر: جمع مشفر وهو للبعير كالشفة للإنسان. المعنى: يهجو أحدهم فيقول له: لو كنت من بني ضبّة كنت عرفت قرابتي، ولكنّك أسود وشفتاك غليظتان. الإعراب: فلو: الفاء: بحسب ما قبلها، لو: حرف شرط غير جازم. كنت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: ضمير متصل في محلّ رفع اسمها. ضبّيًا: خبرها منصوب بالفتحة. عرفت: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء: ضمير متصل في محلّ رفع فاعل. مكانتي: مفعول به منصوب بالفتحة المقدّرة على ما قبل ياء المتكلّم، والياء: ضمير متصل في محلّ جرّ بالإضافة. ولكن: الواو: استئنافية، لكنِّ: حرف مشبّه بالفعل، واسمها ضمير المخاطب محذوف، والتقدير: لكنّك. زنجي: خبر لكن مرفوع بالضمة. عظيم: صفة مرفوع بالضمّة. المشافر: مضاف إليه مجرور بالكسرة. جملة (لو كنت ) الشرطية: ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة (كنت ضبيًا): جملة الشرط
[ ١ / ٤٩٢ ]
أي: (ولكنك زنجي)، فحذف الكاف.
وقولِ الآخرِ:
فَلَيتَ دَفعتَ الهَمَّ عَنِّيَ سَاعَةً (^١)
أَي: فليتك.
وحكَى سيبويه: (إن بك زيد مأخوذ)؛ أَي: (إنه)، فحذف اسمها وهو ضمير الشّأن، وهذا كثير كما سيأتي.
ويحذف الخبر وجوبًا إِذا سدّت الحال مسده نحو: (أكثر شربي السويقَ ملتوتًا) التّقدير: (ثابت).
وكذا بعد الواو الَّتي بمعنَى مع؛ كقولِهِ:
فَدَع عَنكَ لَيلَى إِنَّ لَيلَى وَشَأنَها (^٢)
كما سبق فِي الابتداء.
_________________
(١) غير الظرفي لا محل لها من الإعراب. وجملة (عرفت قرابتي): جواب شرط غير جازم، لا محلّ لها من الإعراب. وجملة (لكنك زنجي): استئنافيّة لا محل لها من الإعراب. الشاهد: قوله: (ولكن زنجيّ)؛ حيث حذف اسم لكن للضرورة، وهذا ممّا لا يجوز إلَّا أن يكون اسمها هو ضمير الشأن.
(٢) التخريج: صدر بيت من الطويل، وعجزه: فَبِتْنَا عَلَى مَا خيّلَتْ نَاعِمَي بَال البيت لعدي بن زيد كما في نوارد أبي زيد، من الطويل، وهو في نوادر أبي زيد (١٩٦)، والأمالي الشجرية (١/ ١٨٢، ٢٩٥)، والإنصاف (١/ ١٨٣)، والتذييل (٢/ ٦٤٠)، وشواهد التوضيح (١٦٧)، وشرح التسهيل للمرادي (١/ ٤٢٤)، والعمدة لابن رشيق (٢/ ٢٧١)، والإفصاح للفارقي (١٦٧، ٢١٤، ٣٤٧)، والمغني (٢/ ٣٨٩)، وشرح شواهده (٢/ ٦٩٧)، والهمع (١/ ١٣٦، ١٤٣)، والدرر (١٢٣)، وديوان عدي بن زيد (١٦٢). الشاهد: قوله: (فليت دفعت)؛ حيث حذف اسم (ليت) وذلك لا يجوز إلا في الضرورة.
(٣) التخريج: البيت من الطويل وهو في التذييل (٢/ ٦٥٦)، وتعليق الفرائد (١٠٨٤)، وشرح التسهيل للمصنف (٢/ ١٦)، وشرح التسهيل للمرادي (١/ ٤٢٦)، والتذييل (٣/ ١٨٧). الشاهد: قوله: (إن ليلى وشأنها) حيث سدت واو المصاحبة مسد خبر (إنّ) فحذف وجوبًا.
[ ١ / ٤٩٣ ]
وكذا يجب حذف خبر ليت فِي قولهم: (ليت شعري).
ويجب ذكر الاستفهام بعدها سادًا مسد الخبر؛ نحو: (ليت شعري هل كَانَ كذا؟) فـ (شعري): اسمها، والخبر: محذوف كما ذكر.
قال الشّيخ فِي "الكافية الشّافية":
وَبَعدَ (لَيتَ شِعرِيَ) الحَذفَ التَزِمْ وَذِكرُ الِاستِفهَامِ بَعدَهَا حُتِمْ (^١)
وابن الحاجب: أَن الاستفهام قائم مقام الخبر؛ كالجار والمجرور فِي نحو: (ليتك فِي الدّار).
قال في "العباب": وفيه نظر.
واللَّه الموفق
ص:
١٧٧ - وَهَمْزَ إِنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ مَسَدَّهَا وفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ (^٢)
ش:
(إنَّ) لها ثلاثة أحوال:
١ - فيجب فتحها:
* إِذا قدرت لمصدر.
وإِلا .. وجب الكسر.
ما لم يصح الاعتباران .. فيجوز الوجهان.
وسيأتي الثّاني والثّالث.
_________________
(١) شرح الشافية الكافية ١/ ٤٧٥.
(٢) وهمز: مفعول مقدم على عامله، وهو قوله: افتح الآتي، وهمز مضاف. وإن: قصد لفظه: مضاف إليه. افتح: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. لسد: جار ومجرور متعلق بافتح، وسد مضاف. ومصدر: مضاف إليه. مسدَّها: مسد: مفعول مطلق، ومسد مضاف، والضمير مضاف إليه. وفي سوى: جار ومجرور متعلق بقوله: اكسر الآتي، وسوى مضاف. واسم الإشارة من ذاك: مضاف إليه، والكاف: حرف خطاب. اكسر: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت.
[ ١ / ٤٩٤ ]
فالمصدرية: تكون هي وما بعدها فِي تأويل المصدر، وتقع فِي موضع رفع أَو نصب أَو جر:
* فهي فاعلٌ فِي قوله تعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا﴾؛ أَي: (إِنزالُنا)، وكقولك: (يعجبني أنّك صادق)؛ أَي: (صدقُك).
* ونائبُ الفاعلِ فِي: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾ الآية.
* ومبتدأٌ فِي قوله تعالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾، وكقولك: (أحقًا أنك ذاهب)، قال الشّاعرُ:
أَحَقًا أَن جِيرَتَنَا اسْتَقَلُّوْا (^١)
أَي: (أفي حق استقلال جيرتنا؟)، و(حق) هنا: مصدر
_________________
(١) التخريج: صدر بيت من الوافر، وعجزه: فنِيَّتُنا ونِيَّتُهُم فَرِيقٌ وهو للمفضل النكري في الأصمعيات ص ٢٠٠، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٢٠٨، وله أو لعامر بن أسحم بن عدي في الدرر ٥/ ١٢٠، وشرح شواهد المغني ١/ ١٧٠، ولرجل من عبد القيس أو للمفضل بن معشر النكري. في تخليص الشواهد ص ٣٥١، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٣٥، وللعبدي في خزانة الأدب ١٠/ ٢٧٧، والكتاب ٣/ ١٣٦، وبلا نسبة في الجنى الداني ص ٣٩١، ولسان العرب ١٠/ ٣٠١ فرق، وهمع الهوامع ٢/ ٧١. اللغه: استقلوا: ارتحلوا مرتفعين صعدًا. فريق: متفرقة. المعنى: هل ارتحل جيراننا حقًا؟ وهل ستكون وجهاتنا متفرقة، بحيث لا نلتقي ثانية؟! الإعراب: أحقا: الهمزة: حرف استفهام، حقا: منصوب على الظرفية متعلق بالخبر المحذوف. أن: حرف مشبه بالفعل. جيرتنا: اسم (أن) منصوب بالفتحة، ونا: ضمير متصل في محل جر مضاف إليه. والمصدر المؤول من (أن) ومعموليها مبتدأ مؤخر، والتقدير: أفي الحق استقلال جيرتنا. استقلوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. فنيتنا: الفاء: للاستئناف، نيتنا: مبتدأ مرفوع بالضمة، ونا: ضمير متصل في محل جر مضاف إليه. ونيتهم: الواو: للعطف، نيتهم: معطوف على نيتنا مرفوع مثله، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإضافة. فريق: خبر مرفوع بالضمة. وجملة (أفي الحق استقلال جيرتنا): ابتدائية لا محل لها. وجملة (استقلوا): في محل رفع خبر (أن). وجملة (فنيتنا فريق): استئنافية لا محل لها. الشاهد: قوله: (أحقًا أن جيرتنا استقلوا)؛ حيث وقع المصدر المؤول مبتدأ، والجملة قبله خبرًا عنه.
[ ١ / ٤٩٥ ]
وقوع ظرفًا مخبرًا به.
* ومفعولٌ فِي نحو: (علمت أنك صادق)؛ أَي: (صدقَك).
* ومجرورٌ فِي نحو: (عجبت من أنك بخيل)؛ أَي: (من بخلِك).
ويؤخذ المصدر هنا:
* من لفظ الخبر إن كَانَ الخبر مشتقًا.
* أَو من الاستقرار إن كَانَ ظرفًا أَو مجرورًا؛ نحو: (يعجبني أنك فِي الدّار)؛ أَي: (استقرارك فِي الدّار).
* فإِن كَانَ جامدًا فهو مأخوذ من الكون؛ نحو: (بلغني أَن هذا زيد)؛ أَي: (بلغني كونه زيدًا).
والله الموفق
ص:
١٧٨ - فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ إِنَّ لِيَمِينٍ مُكْمِلَه (^١)
ش:
سبق وجوب الفتح، وذكر هنا وجوب الكسر.
٢ - فتكسر:
* إِذا وقعت فِي ابتداء الكلام حقيقة، قال اللَّه تعالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾.
* أَو حكمًا؛ كالواقعة بعد أداة استفتاح، وستأتي.
* وفي بدء الصّلة؛ نحو: (جاء الّذي إنه صادق)، قال تعالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾ فكسرت هنا؛ لأنَّ صلة
_________________
(١) فاكسر: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. في الابتدا: جار ومجرور متعلق باكسر. وفي بدء: جار ومجرور معطوف بالواو على الجار والمجرور السابق، وبدء مضاف. وصله: مضاف إليه. وحيث: الواو عاطفة، حيث: ظرف معطوف على الجار والمجرور. إن: قصد لفظه: مبتدأ. ليمين: جار ومجرور متعلق بقوله: مكمله الآتي. مكمله: خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر: في محل جر بإضافة حيث إليها.
[ ١ / ٤٩٦ ]
الموصول لا تكون إِلَّا جملة، وفتحها فِي تأويل المفرد.
واحترز ببدء الصّلة: من الواقعة فِي حشو الصّلة؛ كـ (جاء الّذي عندي أنه صادق) فهذه تفتح؛ لأَنَّها فِي تأويل المصدر؛ أَي: (الّذي عندي صدقه).
* وتكسر إِذا وقعت جواب قسم لم يذكر فعله؛ نحو: (واللَّه إن زيدًا لقائم)، أَو (قائم).
وقوله: (مُكمِلَة) يشير به إِلَى أَن الأصل: (واللَّه لزيد قائم)، أَو (زيد قائم)، فأدخلت (إن) مكملة لليمين ومؤكدة، وأخرت اللّام فِي المثال الأول إِلَى الخبر؛ لعدم إِمكان الجمع بَينَ حرفي تأكيد.
وأبو حيان: ذهب بعضهم إِلَى جواز الابتداء بـ (أنَّ) المفتوحة.
واللَّه الموفق
ص:
١٧٩ - أَوْ حُكِيَتْ بِالْقَوْلِ أَوْ حَلَّتْ مَحَلّ حَالٍ كَزُرْتُهُ وَإِنِّي ذُو أَمَلْ (^١)
ش:
* تكسر أيضًا إِذا حكيت بالقول المجرد من معنَى الظّن؛ نحو: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾، وكقولك: (أقول: إن صالح)، و(يعجبني قولك: إنه صالح).
وكسرت هنا؛ لأنَّ مقول القول جملة، وفتحها فِي تأويل المصدر المفرد كما
_________________
(١) أو: حرف عطف. حكيت: حكي: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل: ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي، يعود إلى إن، والجملة معطوفة على جملة المبتدأ والخبر السابقة. بالقول: جار ومجرور متعلق بحكيت. أو: حرف عطف. حلت: حل: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي، يعود إلى إنّ. محل: مفعول فيه، ومحل مضاف. وحال: مضاف إليه. كزرته: الكاف: جارة لقول محذوف، كما سلف مرارًا، زرته: فعل وفاعل ومفعول. وإني: الواو واو الحال، إنّ: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها. ذو: خبرها، وذو: مضاف. وأمل: مضاف إليه، والجملة من إن واسمها وخبرها في محل نصب حال صاحبه تاء المتكلم في زرته.
[ ١ / ٤٩٧ ]
علم.
فإِن كَانَ القول بمعنَى الظّن .. فتحت؛ كقولِهِ:
أَتَقُوُل أَنَّكَ بِالحَيَاةِ مُمَتَّعٌ؟ (^١)
* وتكسر إِذا حلت محل الحال؛ لأنَّ الحال حينئذ جملة حكمًا؛ كـ (جاء زيد، وإن عمروًا قائم)، تقديرُهُ: (وعمرو قائم)، و(زرته وإِني ذو أمل).
وفي القرآن: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾.
واللَّه الموفق
ص:
١٨٠ - وَكَسَرُوا مِنْ بَعْدِ فِعْلٍ عُلِّقَا بِاللَّامِ كَاعْلَمْ إنَّهُ لَذُو تُقَى (^٢)
_________________
(١) صدر بيت من الكامل، وعجزه: وَقَد استَبحْتَ دَم امرئٍ مُسْتَسْلم التخريج: البيت للفرزدق في المقاصد النحوية ٢/ ٣١٤؛ وبلا نسبة في شرح عمدة الحافظ ص ٢٢٩. اللغة: استبحت: جعلت مباحًا. المستسلم: الخاضع. الإعراب: أتقول: الهمزة: للاستفهام، تقول: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. أنك: حرف مشبه بالفعل، والكاف: ضمير متصل مبني في محل نصب اسم أن. بالحياة: جار ومجرور متعلقان بممتع. ممتع: خبر أن مرفوع بالضمة. وقد: الواو: حالية، قد: حرف تحقيق. استبحت: فعل ماض، والتاء: ضمير في محل رفع فاعل دم: مفعول به منصوب بالفتحة، وهو مضاف. امرئ: مضاف إليه مجرور بالكسرة. مستسلم: نعت امرئ مجرور بالكسرة. وجملة (أتقول): ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة (أنك بالحياة ممتع): في محل نصب مقول القول. وجملة (قد استبحت): في محل نصب حال. الشاهد: قوله: (أتقول أنك)؛ حيث روي بفتح همزة على اعتبار (تقول) بمعنى تظن.
(٢) وكسروا: الواو عاطفة، وكسروا: فعل وفاعل. من بعد: جار ومجرور متعلق بكسروا، وبعد مضاف. وفعل: مضاف إليه. علقا: علق: فعل ماض مبني للمجهول، والألف للإطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى (فعلٍ)، والجملة في محل جر نعت لفعلٍ. باللام: جار ومجرور متعلق بعلق. كاعلم: الكاف جارة لقول محذوف، اعلم: فعل أمر، وفاعله
[ ١ / ٤٩٨ ]
ش:
أفعال القلوب يجب معها فتح (أَنَّ)؛ كـ (ظننت أَن زيدًا قائم).
* لكن إِذا علق الفعل باللّام الواقعة فِي خبر (أَنَّ) وجب كسر (إنَّ)، ويكون الفعل المعلق باللّام عاملًا فِي محل الجملة؛ كـ (ظننت إن زيدًا لقائم)، ولَا تفتحه هنا؛ لأنَّ اللّام لا تقع فِي خبر المفتوحة كما سيأتي.
ومن المعلق باللّام أيضًا قوله تعالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾، ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾.
* وكذا ما يعمل عمل الفعل؛ نحو: (أنا عالم إِنك لفاضل).
* وتكسر إِذ وقعت خبرًا عن اسم عين؛ نحو: (زيد إِنه كريم)؛ لأنَّ فتحها فِي تأويل المصدر، والمصدر لا يخبر به عن اسم العين إِلَّا فِي نحو: (زيد عدل).
* وكذا إن وقعت صفة؛ كـ (مررت برجل إِنه كريم).
* أَو بعد حرف إِيجاب؛ نحو: (نعم وبلَى)، ذكره فِي "اللّب".
* أَو بعد حرفي الاستفتاح؛ لأنهما حرفا ابتداء؛ فهي مبتدأ بها حكمًا كما سبق.
منه فِي القرآن: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وكقولك: (أمَا إن زيدًا صالح).
فإن قدرت (أمَا) بمعنَى (حقًا) .. وجب الفتح؛ نحو: (أما إِنك ميت)؛ أَي: (حقًا أنك ميت).
* وتكسر بعد حيث وإِذا؛ نحو: (اجلس حيث إن زيدًا جالس)، و(جئتك
_________________
(١) ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. إنه: إن حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها. لذو: اللام هي لام الابتداء، وهي المعلقة، ذو: خبر إن مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لأنه من الأسماء الستة، وذو مضاف. وتقى: مضاف إليه.
[ ١ / ٤٩٩ ]
إِذ إن زيدًا أمير)؛ لأنهما لا يضافان إِلَّا للجملة علَى الأصح كما سيأتي فِي الإِضافة.
وقيل: يجوز الفتح بعد (حيث)، قال السّيد: نظرًا إِلَى أَن الأصل فِي المضاف إِليه أَن يكونَ مفردًا.
واللَّه الموفق
ص:
١٨١ - بَعْدَ إذَا فَجَاءةٍ أَوْ قَسَمِ لَا لَامَ بَعْدَهُ بِوَجْهَيْنِ نُمِي (^١)
ش:
٣ - تقدم وجوب الفتح ووجوب الكسر، وذكر هنا ما يجوز فيه الوجهان، وذلك:
* إِذا وقعت بعد إِذا الفجائية، أَو بعد فعل قسم وَلَم تذكر اللَّام.
* فالأول: كقوله:
وَكُنتُ أُرَى زَيدًا كَمَا قِيلَ سَيِّدًا إِذا إِنهُ عَبدُ القَفَا وَاللَّهَازِمِ (^٢)
_________________
(١) بعد: ظرف متعلق بقوله: نمي في آخر البيت، وبعد مضاف. وإذا: مضاف إليه، وإذا مضاف. وفجاءة: مضاف إليه، وهي من إضافة الدال إلى المدلول. أو: حرف عطف. قسم: معطوف على إذا. لا: نافية للجنس. لام: اسمها. بعده: بعد: ظرف متعلق بمحذوف خبر لا، وبعد مضاف، والهاء: مضاف إليه، وجملة لا واسمها وخبرها في محل جر نعت لقسم. بوجهين: جار ومجرور متعلق بقوله: نمي الآتي. نمي: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى (همز إن).
(٢) التخريج: وهو من شواهد التصريح: ١/ ٢١٨، وابن عقيل: ٩٧/ ١/ ٣٥٦، والأشموني: ٢٦٢/ ١/ ١٣٨ وهمع الهوامع: ١/ ١٣٨، والدرر اللوامع: ١/ ١١٥، وأمالي ابن الشجري: ١/ ١٦٤، وشذور الذهب: ٩٨/ ٢٧٥. المفردات الغريبة: العبد: خلاف الحر، والمراد هنا لازم العبودية من الذل والخسة. القفا: مؤخر العنق، وجمعه على التذكير أقفية، وعلى التأنيث أقفاء، وقد جمع على قفي. اللَّهازم: جمع لهزمة وهي عظم ناتئ في اللحي تحت الأذن. المعنى: كنت أظن زيدًا سيدًا محترمًا كقول الناس فيه، فتبين أنه عبد ذليل حقير، يصفع على قفاه، ويلكز على لهازمه كالعبيد. الإعراب: كنت: فعل ماضٍ ناقص، والتاء: اسمه. أُرَى: بزنة المَبْني للمجهول بمعنى أظن فعل مضارع
[ ١ / ٥٠٠ ]
فالفتح: علَى تأويل المصدر، وهو مبتدأ حذف خبره؛ أَي: (فإِذا عبوديته للقفا واللَّهازم حاصلة).
وبعضهم: يجعل (إِذا) نفسها خبر المبتدأ؛ أَي: (فإِذا عبوديته)؛ يعني: (ففي الحضرة عبوديته للقفا)، وسيأتي فِي الاشتغال.
والكسر: علَى الجملة؛ أَي: (فإِذا هو عبد القفا).
واللَّهازم -جمع لِهزمة بالكسر-: طرف الحلقوم.
* والثّاني: نحو: (حلفت أَن زيدًا قائم).
وقوله:
أَوْ تَحْلُفِي بِرَبِّكِ العَلِيِّ أَنِّي أَبُو ذَيَّالِكِ الصَّبِيِّ (^١)
_________________
(١) مرفوع، والفاعل: أنا. زيدًا: مفعول به أول. كما: الكاف جارة ما مصدرية. قيل: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والمصدر المؤول من (ما) وما بعدها في محل جر بالكاف، والتقدير: كقول الناس، والجار والمجرور: متعلق بمحذوف صفة، لمصدر محذوف واقع مفعولًا مطلقًا، والتقدير: كنت أظن ظنًا موافقًا قول الناس. سيدًا: مفعول به ثانٍ لأرى، وجملة أرى ومفعوليها: في محل نصب خبر كان. إذا: فجائية. إنه: حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. عبد: خبره، وهو مضاف. القفا: مضاف إليه. واللَّهازم: معطوف على القفا مجرور مثله. الشاهد: قوله: (إذا أنه)؛ حيث جاز فتح وكسر همزة إن بعد إذا الفجائية، فالفتح على تقديرها مع معموليها بالمفرد، والكسر على تقديرها جملة، وهي في ابتدائها.
(٢) التخريج: هذا بيت من الرجز وقبله: لتقعدن مقعد القصي مني ذي القاذورة المقلي وقد ذكر في ب. هما لرؤبة بن العجاج، وقال ابن بري: هما لأعرابي قدم من سفر فوجد امرأته قد وضعت ولدا فأنكر. الشرح: القصي البعيد النائي، القاذورة المراد به الذي لا يصاحبه الناس لسوء خلقه، المقلي المكروه اسم مفعول مأخوذ من قولهم: قلاه يقليه، إذا أبغضه ذيالك تصغير ذلك على غير قياس لأنه مبني. المعنى: واللَّه لتجلسن أيتها المرأة بعيدة عني حيث يجلس المكروه المبغض من الناس إلى أن تقسمي بخالقك المنزه عن كل ما لا يليق: أني أبو هذا الولد الصغير. الإعراب: أو: عطف على ما قبله، تحلفي: فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد أو وعلامة نصبه حذف النون وياء المخاطبة فاعل، بربك: جار ومجرور متعلق بتحلفي والكاف مضاف إليه، العلي
[ ١ / ٥٠١ ]
فالفتح: علَى أنها معمولة للفعل وحرف الجر محذوف؛ أَي: (علَى أني أبوه)؛ أَي: (علَى أبوتي لهُ)، والفعل حينئذ إِخبار عن القسم، لا أنه قسم كما حققه القواس ﵀؛ لأنَّ جواب القسم لا يكون إِلَّا جملة.
والكسر: على أنها جواب قسم.
* فإن ذكرت اللام مع الفعل .. وجب الكسر؛ كـ (حلفت إن زيدًا لقائم)؛ إِذ لو فتحت .. لدخلت اللّام فِي خبر المفتوحة، قال تعالَى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾.
* وإِن لم يذكر الفعل وذكر المقسم به .. وجب الكسر ذكرت اللّام أَو لم تذكر؛ لأَنَّها حينئذ جواب القسم المذكور، نحو: (واللَّه إن زيدًا لقائم)، أَو (قائم)، وسبق ذكره.
وحكَى ابن كيسان عن الكوفيين: جواز الفتح إن أضمر الفعل وَلَم تذكر اللّام؛ نحو: (واللَّه أن زيدًا قائم)، والفتح عندهم أشهر.
وأوجبه منهم: محمد أبو عبد اللَّه الطّوال.
وأوجب الكسر البصريون وهو المعتمد.
وقوله: (أو قسم)؛ أَي: فعل قسم كما سبق، هذا هو الوجه. و(إِذا): مضاف، و(فجاءة): مضاف إِليه، وكأنه قيل: (بعد إِذا الَّتي للمفاجأة).
واللَّه الموفق
_________________
(١) صفة لرب، إني: حرف توكيد ونصب والياء اسمه، أبو: خبره، ذيالك: اسم إشارة مضاف إلى قوله أبو واللام للبعد والكاف حرف خطاب، الصبي: بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان أو نعت. الشاهد: في قوله: أني حيث يجوز في همزة إن الكسر والفتح لكونها واقعة بعد فعل قسم لا لام بعده، أما الفتح فعلى تأويل أن مع اسمها وخبرها بمصدر مجرور بحرف جر محذوف، والتقدير: أو تحلفي على كوني أبا لهذا الصبي، وأما الكسر فعلى اعتبار إن واسمها وخبرها جملة لا محل لها من الإعراب جواب قسم. مواضعه: ذكره من شراح الألفية: ابن الناظم ص ٦٧، ابن هشام ١/ ٢٤٤، ابن عقيل ١/ ٢٠٥، الأشموني ١/ ١٣٨، المكودي ص ٤٠.
[ ١ / ٥٠٢ ]
ص:
١٨٢ - مَعْ تِلْوِ فَا الْجَزَا وَذَا يَطَّرِدُ فِي نَحْوِ خَيْرُ الْقَوْلِ إِنِّي أَحْمَدُ (^١)
ش:
* يجوز فتح (أَنَّ) وكسرها أيضًا إِذا وقعت بعد فاء جزاء الشّرط، ومنه قوله تعالَى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
والفتح علَى تأويل المصدر، وهو مبتدأ، والخبر: محذوف؛ أَي: (فالغفران حاصل لهُ).
ورجح الكسر بعضهم.
*وكذا الفتح والكسر إِذا وقعت خبرًا عن قول وخبرها قول والقائل واحد؛ كقولِهِ: (خيِرُ القولِ إِنِّي أحمَدُ).
فالفتح علَى تقدير المصدر كما علم؛ أَي: (خير القول حمد اللَّه).
والكسر علَى أنها جملة أخبر بها عن المبتدأ المذكور؛ أَي: (خير القول إِني أحمد اللَّه).
ولَا رابط فِي هذه الجملة المخبر بها؛ لأَنَّها عينِ المبتدأ؛ فإِن (خير القول حمدُ اللَّه، وحمد اللَّه خِيرُ القول)؛ فهو كقولك: (نُطقِىِ اللَهُ حَسبِي) كما سبق فِي الابتداء.
فلو انتفَى القول من المبتدأ، أَو اختلف القائل .. وجب الفتح بشرطه.
_________________
(١) مع: ظرف معطوف على قوله: (بعدَ) السابق بعاطف مقدر، ومع مضاف. وتلو: مضاف إليه، وتلو مضاف. وفا: قصر للضرورة: مضاف إليه، وفا مضاف. والجزا: قصر للضرورة أيضًا: مضاف إليه. ذا: اسم إشارة مبتدأ. يطرد: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود على اسم الإشارة، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. في نحو: جار ومجرور متعلق بيطرد. خير: مبتدأ، وخير: مضاف. والقول: مضاف إليه. إني: إن: حرف توكيد ونصب، والياء اسمها. أحمد: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنا، وجملة المضارع وفاعله: في محل رفع خبر إن، وجملة إن ومعموليها: في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره: في محل جر بإضافة (نحو) إليه.
[ ١ / ٥٠٣ ]
فالأول: (عملي أني أحمد اللَّه)، أَو (نجاتي أني أحمد اللَّه).
والثّاني: (قولي أَن زيدًا يحمد اللَّه).
واحترز (بشرطه) ممَّا إِذا كَانَ المبتدأ اسم عين؛ نحو: (زيد إنه يحمد اللَّه) .. فيجب الكسر كما سبق.
* وكذا الوجهان إِذا وقعت فِي موضع التّعليل، قرأ نافع والكسائي: (إِنا كنا من قبل ندعوه أنه هو البر الرّحيم) علَى تقدير: (لأنه هو البر الرّحيم).
ويقرأ بالكسر، وهو استئناف بياني يراد به التّعليل أيضًا.
ويجب الكسر بعد (حتَّى الابتدائية)؛ إِذ لا يقع بعدها إِلَّا الجملة كـ (مرض حتَّى إنهم لا يرجونه).
فإِن كانت عاطفة أَو جارة .. وجب الفتح.
والوجهان فِي: (عرفت أمرك حتَّى أنَّك صادق).
* فإِن قدرتها عاطفة .. فـ (إِنَّ) فِي موضع نصب؛ أَي: (عرفت أمرك حتَّى صدقك)، عطف مفرد علَى مفرد؛ إِذ هي لا تعطف الجمل.
* وإِن قدرتها جارة .. فـ (إِنَّ) فِي موضع جر؛ أَي: (عرفت أمرك كله إِلَى صدقك).
واللَّه الموفق
ص:
١٨٣ - وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ (^١)
ش:
يجوز اقتران خبر (إنَّ) المكسورة بلام الابتداء، بشرط: تأخيره عن الاسم،
_________________
(١) بعد: ظرف متعلق بقوله: تصحب الآتي، وبعد مضاف. وذات: مضاف إليه، وذات مضاف. والكسر: مضاف إليه. تصحب: فعل مضارع. الخبر: مفعول به لتصحب مقدم على الفاعل. لامُ: فاعل مؤخر عن المفعول، ولام مضاف. وابتداء: مضاف إليه. نحو: خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك نحو. إني: إن: حرف توكيد ونصب، والياء التي هي ضمير المتكلم اسمها. لوزر: اللام: لام الابتداء، وهي للتأكيد، وزر: خبر إن، ومعناه الملجأ الذي يستعان به.
[ ١ / ٥٠٤ ]
ومنه قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
وَكَانَ حق هذه اللّام أَن تدخل علَى أول الكلام؛ نحو: (إن لَزيدًا فِي الدّار) فزحلقت للخبر؛ لأَنَّها للتوكيد، و(إِنَّ) للتوكيد، فكرهوا دخول (إنَّ) علَى حرف بمعناها.
وَلَم يعكسوا؛ لأنَّ (إنَّ) عاملة، والعامل أولَي بالتّقديم، فأبقيت وأخرت اللّام كما ذكر.
ولَا تدخل هذه اللّام إِلَّا في خبر (إنَّ) فقط، فيخرج نحو: (ليت)، و(لعل)، و(كأنَّ)؛ لأنَّ معنَى الابتداء قَدْ زال مع هذه الثلاثة.
ويخرج (أَنَّ) المفتوحة؛ لأنَّ اللّام لا تدخل فِي خبرها علَى المشهور.
وأجازه المبرد، وبه قرأ سعيد بن جبير رضي اللَّه تعالَى عنهُ: (إِلَّا أَنَّهم ليأكلون الطّعام).
وخُرِّج علَى زيادة اللّام.
وسبق لسان الحجاج بفتح (أنَّ) في: (أن ربهم بهم يومئذ خبير) فأسقط اللام مخافة أَن ينسب إِليه لحن.
قال السّمين (^١): ويحكى عن الخبيثِ الرّوحِ الحجاجِ، وذكر ذلك ثم قال: وهذا إن صح كفر.
وقال الزّمخشري فِي "المفصل" (^٢): وهو من جرأة الحجاج علَى اللَّه.
_________________
(١) انظر: الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين ١١/ ٩٢، قال فيه: (ويُحْكَى عن الخبيثِ الروحِ الحَجَّاج: أنه لما فَتَح همزةَ "أنَّ" .. استدرك على نفسِه فتعمَّد سقوطَ اللامِ. وهذا إنْ صَحَّ كُفْرٌ. ولا يُقالُ: إنها قراءةٌ ثابتةٌ، كما نَقَلْتُها عن أبي السَّمَّال، فلا يكفرُ، لأنه لو قرأها كذلك ناقِلًا لها .. لم يُمْنَعْ منه، ولكنه أسقطَ اللامَ عَمْدًا إصلاحًا للِسانِه. وأجمعَ الأمةُ على أنَّ مَن زاد حرفًا في القرآن أو نَقَصَه عَمْدًا فهو كافِرٌ. وإنما قلتُ ذلك؛ لأنِّي رأيتُ الشيخَ قال: "وقرأ أبو السَّمَّال والحجَّاج" ولا يُحْفَظُ عن الحجَّاجِ إلَّا هذا الأثرُ السَّوْءُ، والناسُ يَنْقُلونه عنه كذلك، وهو أقلُّ مِنْ أَنْ يُنْقَلَ عنه) انتهى كلام السمين في كتابه.
(٢) شرح المفصل: ٤/ ٥٣٨.
[ ١ / ٥٠٥ ]
وأَجاز الكوفيون دخولها فِىِ خبر (لكنَّ)؛ كقولهِ:
وَلَكِنَّني مِن حُبِّهَا لَعَمِيدُ (^١)
والزّمخشري: أَن الأصل؛ (لكن أنني) فاللّام داخلة فِي خبر (أَن).
والبصريون: أصله؛ (لكن أنا)، فحذفت الهمزة وأدغمت النّون فِي النّون.
قيل: وهو بعيد.
و(الوزر): الملجأ.
واللَّه الموفق
_________________
(١) عجز بيت من الطويل، وصدره: يلومونني في حبِّ ليلى عواذلي وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٣٨، والإنصاف ١/ ٢٠٩، وتخليص الشواهد ص ٣٥٧، والجنى الداني ص ١٣٢، ٦١٨، وجواهر الأدب ص ٨٧، وخزانة الأدب ١/ ١٦، ١٠/ ٣٦١، ٣٦٣، والدرر ٢/ ١٨٥، ورصف المباني ص ٢٣٥، ٢٧٩، وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٨٠، وشرح الأشموني ١/ ١٤١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٠٥، وشرح ابن عقيل ص ١٨٤، وشرح المفصل ٨/ ٦٢، ٦٤، وكتاب اللامات ص ١٥٨، ولسان العرب ١٣/ ٣٩١ (لكن)، ومغني اللبيب ١/ ٢٣٣، ٢٩٢، والمقاصد النحوية ٢/ ٢٤٧، وهمع الهوامع ١/ ١٤٠. قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في منحة الجليل ١/ ٣٦٣: هذا البيت مما ذكر النحاة أنه لا يعرف له قائل، ولم أجد أحدا ذكر صدره قبل الشارح العلامة، بل وقفت على قول ابن النحاس: ذهب الكوفيون إلى جواز دخول اللام في خبر لكن، واستدلوا بقوله: ولكنني من حبها لعميد، والجواب: أن هذا لا يعرف قائله ولا أوله، ولم يذكر منه إلا هذا، ولم ينشده أحد ممن وثق في العربية، ولا عزي إلى مشهور بالضبط والاتقان اهـ كلامه، ومثله للأنباري في الإنصاف (٢١٤)، وقال ابن هشام في مغني اللبيب: ولا يعرف له قائل، ولا تتمة، ولا نظير. اهـ. اللغة: عميد من قولهم: عمده العشق، إذا هدَّه، وقيل: إذا انكسر قلبه من المودة. الإعراب: يلومونني: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، وواو الجماعة: فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به، والجملة في محل رفع خبر مقدم، وهذا إذا جرينا على اللغة الفصحى، وإلا فالواو حرف دال على الجمع، وعواذلي: هو فاعل يلوم. في حب: جار ومجرور متعلق بيلوم، وحب مضاف، وليلى: مضاف إليه. عواذلي: مبتدأ مؤخر على الفصحى. ولكنني: لكن: حرف استدراك ونصب، والنون للوقاية، والياء اسمه. من حبها: جار ومجرور متعلق بقوله: عميد الآتي، وحب مضاف، وها: مضاف إليه. لعميد: اللام لام الابتداء، أو هي زائدة، وعميد: خبر لكن. الشاهد: قوله: (لعميد)؛ حيث دخلت لام الابتداء -في الظاهر- على خبر لكن، وجواز ذلك هو مذهب الكوفيين.
[ ١ / ٥٠٦ ]
ص:
١٨٤ - وَلَا يَلِي ذِي اللَّامَ مَا قَدْ نُفِيَا وَلَا مِنَ الأَفْعَالِ مَا كَرَضِيَا (^١)
١٨٥ - وَقَدْ يَلِيْهَا مَعَ (قَدْ) كَإِنَّ ذَا لَقَدْ سَمَا عَلَى الْعِدَا مُسْتَحْوِذَا (^٢)
ش:
سبق أَن لام الابتداء تدخل فِي خبر المكسورة جوازًا، وذكر هنا: أنها لا تدخل علَى الخبر المنفي مطلقًا، فَلَا يقال: (إن زيدًا لما قام)، ولَا (إن زيدًا للم يقم).
وشذ قوله:
وَأعْلمُ إنَّ تَسْلِيمًا وَتَرْكًا لَلا مُتَشَابِهَان وَلَا سَوَاءُ (^٣)
_________________
(١) ولا: نافية. يلي: فعل مضارع. ذي: اسم إشارة مفعول به ليلي مقدم على الفاعل. اللام: بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة، أو نعت له. ما: اسم موصول فاعل يلي. قد: حرف تحقيق. نفيا: نفي: فعل ماض مبني للمجهول، والألف للإطلاق، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى ما الموصولة، والجملة لا محل لها صلة الموصول. ولا: الواو عاطفة، لا: نافية. من الأفعال: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ما الآتية. ما: اسم موصول معطوف على ما الأولى. كرضيا: قصد لفظه: جار ومجرور متعلق بفعل محذوف، تقع جملته صلة ما الثانية، وتقدير البيت: ولا يلي هذه اللام اللفظ الذي تقدمته أداة نفي، ولا الماضي الذي يشبه رضى حال كونه من الأفعال.
(٢) وقد: حرف تقليل. يليها: يلي: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الماضي المعبر عنه بقوله: ما كرضى وها: ضمير عائد إلى اللام مفعول به ليلي. مع: ظرف متعلق بمحذوف حال من فاعل يلي، ومع مضاف. وقد: قصد لفظه مضاف إليه. كإن: الكاف جارة لقول محذوف، إن: حرف تأكيد ونصب .. ذا: اسم إشارة: اسم إن. لقد: اللام لام التأكيد، وقد: حرف تحقيق. سما: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى اسم الإشارة، والجملة خبر إن في محل رفع. على العدا: جار ومجرور متعلق بسما. مستحوذا: حال من الضمير المستتر في سما.
(٣) التخريج: البيت من شواهد التصريح ١/ ٢٢٢، وابن عقيل ١٠٢/ ١/ ٣٦٨، والأشموني ٢٧٠/ ١/ ١٤١، وهمع الهوامع ١/ ١٤٠ ن والدرر اللوامع ١/ ١١٦، وخزانة الأدب ٤/ ٣٣١، والعيني ٢/ ٢٤٤. اللغة: تسليمًا: أي على الناس أو للأمور. تركًا: كذلك. متشابهان: متقاربان. سواء: متساويان.
[ ١ / ٥٠٧ ]
والقياس: (لا متشابهان).
ولَا تدخل أيضا علَى الماضي المتصرف؛ كـ (رضي، وأقام)، وإِليه أشار بقوله: (ولَا مِنَ الأفعالِ مَا كَرَضِيَا).
فَلَا يقال: (إن زيدًا لرضي).
قال أبو الفتح: لأنه استغني عن توكيده بوقوعه وتحققه.
لكن يجوز مع (قَدْ)؛ لأنَّ (قَدْ) تقرب الماضي من الحال، فأشبه المضارع، فجازكذلك نحو: (إن زيدًا لقد قام) كما قال الشّيخ: (وقد يليها مع قَدْ) ومثل بقوله: (إنَّ ذا لقد سَما علَى العِدا).
وأَجازَ الكسائي: (إنَّ زيدًا لقام) علَى إضمار (قَدْ).
وقال خطاب (^١): إن هذه اللّام لام قسم، لا لام ابتداء، وكأنه قيل: (إن زيدًا واللَّه لقد قام).
ومشَى عليه فِي "التّسهيل"؛ لأنَّ جواب القسم إِذا كَانَ ماضيًا متصرفًا .. اقترن باللّام.
وقد تنفرد قَدْ، وقد تنفرد اللّام كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالَى مفصلًا فِي آخر عوامل الجزم.
واشتراط (المتصرف) .. يخرج الجامد، فتدخل عليه اللّام؛ لأنه كالاسم؛ نحو: (إن زيدًا لنعم الرّجل)، و(إِن عمرًا لعسى أَن يقوم).
ونازع فيه بعضهم.
_________________
(١) المعني: أعلم وأعتقد أن التسليم على الناس وتركه، أو تسليم الأمور لذويها وتركه ليسا متساويين، ولا قريبين من السواء. الإعراب: أعلم: فعل مضارع، والفاعل: أنا. إن: حرف مشبه بالفعل. تسليمًا: اسمه. وتركًا: معطوف على تسليما. للا متشابهان: اللام مزحلقة، أو زائدة، ولا: نافية، متشابهان: خبر إن مرفوع. ولا: الواو عاطفه، لا: نافية. سواء: معطوف على خبر إن. الشاهد: قوله: (للا متشابهان)؛ حيث دخلت اللام في خبر إن المنفي شذوذًا. وذهب الفراء وابن عصفور: إلى أن الهمزة مفتوحة، واللام زائدة، وليست للابتداء.
(٢) هو خطّاب بن يوسف الماردي صاحب كتاب (الترشيح).
[ ١ / ٥٠٨ ]
وتدخل علَى المضارع المثبت؛ منه فِي القرآن: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
وهل يبقىَ المضارع بعدها صالحًا للحال وللاستقبال كما كَانَ قبلها، أَو تعينه للحال؟
ظاهر كلام سيبويه: تقصره علَى الحال؛ لأنَّ لام الابتداء لا تدخل علَى الأفعال الآتية.
وقيل: صالح لهما؛ بدليل هذه الآية، فيجوز (إن زيدا لسوف يقوم)، أَو (لسيقوم).
خلافًا للكوفيين.
وجزم بعضهم بأنها مع حرف التّنفس: (لام قسم) لا (لام ابتداء)؛ إِذ لا تدخل الابتدائية علَى المستقبل كما ذكر آنفًا، فيكون التّقدير: (إن زيدًا واللَّه لسوف يقوم).
وأَجازَ الكسائي: دخولها علَى واو المصاحبة المغنية عن الخبر؛ كقولهم: (إن كل ثوب لو ثمنه).
ولَا تدخل علَى الخبر إن كَانَ جملة شرطية، فَلَا يقال: (إن زيدا لئن يأتيني أكرمه) لئلا يلتبس بالموطئة للقسم.
وأَجازَ أبو بكر بن الأنباري دخولها علَى الجزاء؛ كـ (إنك أَن تأتي لأكرمك).
والأولَى: دخولها علَى صدر الجملة الاسمية؛ نحو: (إن زيدًا لوجهه حسن)، ومنه قولهُ:
إنَّ الكريمَ لَمَنْ يَرْجُوهُ ذو جِدَةٍ (^١)
ويجوز (إنّ زيدًا وجهه لحسن).
_________________
(١) التخريج: صدر بيت من البسيط، وعجزه: ولو تعذّر إيسار وتنويل وهو لقائل مجهول، وهو في التذييل (٢/ ٧١٦)، والعيني (٢/ ٢٤٢)، وشرح الألفية لابن الناظم (٦٥). اللغة: جِدَة: من جد المال وجدًا إذا استغنى. إيسار: من اليسر. تنويل: عطاء. الشاهد: قوله: (إنّ الكريم لمن يرجوه ذو جدة)؛ حيث دخلت اللام على أول جزأي الجملة الاسمية الواقعة خبرًا "لإنّ".
[ ١ / ٥٠٩ ]
ومنه قولهُ:
فإِنَّكَ مَن حَارَبتَهُ لَمُحَارَبٌ (^١)
_________________
(١) التخريج: صدر بيت من الطويل، وعجزه: شَقِيٌّ وَمَنْ سَالمْتَه لَسَعِيدُ وقد نسبه العيني إلى رجل مشرك، ولكنه ورد غير منسوب في شرح التسهيل لابن مالك (٢/ ٢٨)، وتخليص الشواهد (٣٥٨، ٣٦١)، والدرر (٢/ ١٨١)، والهمع (١/ ١٣٩)، وشواهد التوضيح (١٥٢). قال العيني: أقول: قائله هو أبو عزة عمرو بن عبد اللَّه بن عثمان، وكان شاعرًا مفلقًا ذا عيال، وأسر يوم بدر كافرًا، فأُتِيَ به إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال يَا رسول اللَّه: لقد علمت ما لي من مال، وإني لذو حاجة وعيال فامْنُن عليِّ يَا رسول اللَّه ولك علي أن لا أظاهر عليك أحدًا فامتن عليه، فقال يمتدحه -ﷺ-: مَنْ مُبلِغٌ عَنِّي الرَّسُولَ مُحَمّدًا بِأَنَّكَ حَقٌّ والملِيكُ حَمِيدُ وأنتَ امْرُؤٌ تَدْعُو إلَى الحَقِّ والهُدَى عليكَ مِنَ اللَّه العَظِيم شَهيدُ وأنت امْرُؤٌ بُوِّئتَ فِينَا مَبَاءَةً لهَا دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وصُعُودُ فإنَّكَ مَنْ حَارَبْتَه لَمُحَارَبٌ شَقِيٌّ وَمَنْ سَالمْتَه لَسَعِيدُ ولكنْ إذَا ذُكرتَ بَدْرًا وأهْلَهَا تأَوَّبَ مَا بِي حَسْرَةً فَيَعُودُ فلما كان يوم أحد .. دعاه صفوان بن أمية بن خلف الجمحي وهو سيدهم ليرسله إلى الخروج، فقال: إن محمدًا -ﷺ- قَدْ مَنَّ عَلَيَّ فَعَاهدْتُهُ أن لا أُعِينَ عليه، فلم يَزَل به وكان محتاجًا فأطعمه -والمحتاج يطمع- حتَّى خرج، وسار في بني كنانة وقال يُحَرِّضُهُمْ: أيَا بَنِي عَبدَ مُنَاةَ الرِّزَامِ أَنْتُمْ حُمَاةٌ وَأَبُوكُمْ حَامْ لا يَعْدَوُنَّ نَصْرَكُمْ بَعْدَ العَامْ لا تُسْلِمُوني لا يَحِل إِسْلَامْ فقال ابن سلام: إنه أسر يوم أحد، فقال يَا رسول اللَّه: مُنّ عليّ، فقال النَّبِيّ -ﷺ-: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، لا تمسح عارضك، وتقول: خدعت محمدًا مرتين" فقتله، ويقال: إنما أسره وقتله حين خرج إلى حمراء الأسد. الإعراب: قوله: فإنك كذا أنشده ابن مالك بالفاء، والصواب: (وإنك) بالواو، والخطاب فيه وفي قوله: (حاربته وسالمته): للنبي -ﷺ-، فالكاف: اسم إن، وخبره قوله: من حاربته. فمن: موصول مبتدأ. وحاربته: جملة من الفعل والفاعل والمفعول صلته. وقوله: لمحارب: خبر المبتدأ. وقوله: شقي: صفة لمحارب. قوله: ومن سالمته: عطف على قوله: حاربته. ومن: أَيضًا: موصول مبتدأ، وسالمته: جملة صلته. وقوله: لسعيد: خبره. الشاهد: قوله: (لمحارب)، و(لسعيد)، حيث دخلت لام التأكيد عليهما وهما خبران، والأصل دخولهما على المبتدأ لتوكيده، كقولك: لزيد منطلق.
[ ١ / ٥١٠ ]
وقوله: (ذي): مفعول بـ (يلي)، و(اللّام) عطف بيان، و(ما) فِي قوله: (ما قَد نفيا): فاعل، بـ (يلي)، و(مستحوذا): حال من الضّمير في (سَمَا)، ومعناه: (مستوليا).
واللَّه الموفق
ص:
١٨٦ - وَتَصْحَبُ الْوَاسِطَ مَعْمُوْلَ الْخَبَرْ وَالْفَصْلَ وَاسْمًا حَلَّ قَبْلَهُ الْخَبَرْ (^١)
ش:
تدخل لام الابتداء علَي معمول الخبر إن كَانَ المعمول متوسطًا بَينَ الاسم والخبر؛ نحو: (إن زيدا لطعامك آكل).
وقوله: (المعمول): يشمل المفعول وغيره.
والمشهور إِذا كَانَ حالًا لا تصحبه اللّام، فَلَا يقال: (إن زيدًا لراكب سائر).
وأجازه الرّضي.
وعُلِم من قوله: (الواسط): أَن المعمول إِذا تأخر عن الخبر أَو تقدم علَى الاسم .. لا تصحبه اللّام؛ فَلَا يقال: (إن زيدًا ضارب لَعبدُك)، ولَا: (إنَّ لَفيكَ زيدًا راغبٌ).
وإِذا دخلت علَى المعمول المتوسط لا تدخل ثانيًا علَى الخبر.
وندر: (إني لبحمد اللَّه لصالح).
وحكَى قطرب عن يونس: (إن زيدًا لبك لواثق).
ولَا يتقدم المعمول علَى اللّام، فَلَا يقال: (إنَّ زيدًا طعامَك لآكل)؛ لأنَّ لام
_________________
(١) وتصحب: الواو عاطفة، تصحب: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي، يعود إلى اللام. الواسط: مفعول به لتصحب. معمول: بدل منه، أو حال منه، ومعمول مضاف. والخبر: مضاف إليه. والفصل: معطوف على الواسط. واسمًا: معطوف على الواسط أيضًا. حل: فعل ماض. قبله: قبل: ظرف متعلق بحل، وقبل مضاف، والضمير الذي للغائب العائد إلى قوله: (اسمًا) مضاف إليه. الخبر: فاعل لحل، والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب نعت لقوله: (اسمًا).
[ ١ / ٥١١ ]
الابتداء لها الصّدر، فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
وتوسع الرّضي فِي الظّرف كَـ (إنَّ فِي الدّار لزيدًا قائم).
وأقره ابن عقيل فِي "شرح التّسهيل".
وفيه جواز: (إنَّ زيدًا فِي الدّار لقائم).
قال الرّضي: ولَا ينكر عمل ما بعد لام الابتداء فيما قبله؛ لنقصان حقه من التّصدر.
وقد سبق أنه كَانَ من حقها أَن تدخل علَى أول الكلام، فزحلقت للخبر؛ كراهة اجتماع حرفين مؤكدين.
ودخول اللّام علَي معمول الخبرِ: مشروط بصلاحية دخولها علَى الخبر، فَلَا يقال: (إنَّ زيدًا لطعامك آكل)، ولَا (إنّ زيدًا لجاريتك ضرب)؛ إذ لا يقال: (إنَّ زيدًا لضرب) علَى المشهور كما سبق.
وأَجازَ الأخفش: (إني لبكَ وثِقتُ).
ولعله: توسع فِي المجرور، أَو أنها لام قسم؛ أَي: (إني واللَّه لبك وثقت).
وتصحب ضميرَ الفصل والاسمَ المذكورَ قبله الخبر.
ومن الثّاني: قوله تعالَى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾.
ومثال ضمير الفصل: (إنَّ زيدًا لهو الصّالح).
قال تعالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾.
وسمي فصلًا؛ لأنه يفصل بَينَ الصّفة والخبر فالصّالح من نحو: (زيد الصّالح): محتمل لأنَّ يكون خبرًا عن (زيد).
وأن يكون صفة لهُ.
فإِذا قيل: (هو الصّالح)، أَو (لهو الصّالح) .. تعين كون (الصّالح) خبرًا.
ولَا يجب تذكير الفصل عند البصريين.
ولهذا قال السّيوطي فِي "الإتقان": هو ضمير بصيغة المرفوع، مطابق لما قبله؛
[ ١ / ٥١٢ ]
تكلمًا، وخطابًا، وغيبة، وإفرادًا، وغيره. انتهى.
ولا يكون إِلَّا بَينَ مبتدأ وخبر، أو بينهما مع ناسخ؛ كما فِي المثال والآية.
ومنه أيضًا: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾.
وعن المازني: وقوعه قبل المضارع، وجعل منه قوله تعالَى: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾.
وكذا أجازه الجرجاني فِي: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾.
وقيل: يجوز قبل الماضي؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾.
وعن الجزولي: وقوعه بَينَ أفعلي تفضيل؛ نحو: (خير من زيد هو أفضل من عمرو).
وأَجازَ بعضهم وقوعه قبل الحال؛ كقراءة علي: (هنَّ أطهرَ لكم) بنصب (أطهر) علَى الحال من الضّمير فِي المجرور.
ومنه حكاية الأخفش: (ضربت زيدًا هو ضاحكًا).
والأحسن: أَن يكونَ (أطهر) حال من (بناتي)؛ لأنَّ تقدم الحال علَى عاملها الظّرفي قليل.
وأَجاز بعضهم وقوعه بَينَ نكرتين؛ نحو: (ما أظن أحدًا هو خيرًا منك).
وضمير الفصل لا محل لهُ من الإِعراب؛ لأنَّ المراد به الإعلام بكون ما بعده خبرًا أَو صفة، فأشبه الحرف؛ لمجيئه لمعنَى فِي غيره، ولهذا قيل: إنه حرف كالهاء فِي (إياه).
وعن الخليل: أنه اسم، قال فِي "الكافية":
وَمَا لِذَا مَحَلُّ إِعرَابٍ وَإِنْ تَجعَلْهُ ذَا حَرفِيَّةٍ فَهوَ قَمِنْ
والكسائي والفراء: لهُ موضع من الإِعراب.
فَلهُ عند الفراء: ما لما قبله.
[ ١ / ٥١٣ ]
والكسائي: ما لما بعده.
فـ (زيد هو القائم): موضعه رفع علَى قوليهما.
وَ(كَانَ زيد هو القائم): رفع عند الفراء، ونصب عند الكسائي.
و(إِن زيدًا هو القائم): عكس ذلك.
وبعض العرب كتميم: يرفع ما بعده علَى الخبرية؛ كقراءة ابن مسعود: (ولكن كانوا هم الظّالمون)، علَى أن (هم): مبتدأ، و(الظّالمون): خبره.
* وزيدت اللّام فِي خبر المبتدأ شذوذًا؛ كقولهِ:
أُمُّ الحُلَيْس لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ (^١)
أَي: فانية.
* وفي خبر (أمسى)؛ كقولِهِ:
_________________
(١) صدر بيت من الرجز، وعجزه: تَرْضَى من اللحْم بَعظْمِ الرَّقَبَهْ التخريج: الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص ١٧٠، وشرح التصريح ١/ ١٧٤، ولهُ أو لعنترة بن عروس في خزانة الأدب ١٠/ ٣٢٣، والدرر ٢/ ١٨٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٠٤، والمقاصد النحوية ١/ ٥٣٥، ٢/ ٢٥١، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص ٣٥٨، وجمهرة اللغة ص ١١٢١، والجنى الداني ص ١٢٨، ورصف المباني ص ٣٣٦، وسرّ صناعة الإِعراب ١/ ٣٧٨، ٣٨١، وشرح الأشموني ١/ ١٤١، وشرح ابن عقيل ص ١٨٥، ولسان العرب ١/ ٥١٠ (شهرب)، ومغني اللبيب ١/ ٢٣٠، ٢٣٣، وهمع الهوامع ١/ ١٤. اللُّغة: أم الحليس: الأتان، الحلس: كساء رقيق يوضع تحت برذعة الدابة. شهربة: عجوز كبيرة. الإِعراب: أمّ: مبتدأ مرفوع بالضمّة، وهو مضاف. الحليس: مضاف إِليه مجرور بالكسرة. لعجوز: اللام: حرف زائد، وعجوز: خبر المبتدأ مرفوع بالضمّة. شهربة: نعت عجوز مرفوع، وسكن للقافية. ترضى: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة للتعذّر، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي. من اللحم: جار ومجرور متعلقان بترضى. بعظم: جار ومجرور متعلقان بترضى. الرقبة: مضاف إِليه مجرور بالكسرة. وجملة (أمّ الحليس لعجوز): ابتدائية لا محل لها من الإِعراب. وجملة (ترضى): في محلّ رفع خبر ثانٍ لأم. الشَّاهد: قوله: (لَعجوز)؛ حيث دخلت اللام في خبر المبتدأ شذوذًا.
[ ١ / ٥١٤ ]
فقالَ مَن سَأَلُوا: أَمسَى لَمَجهُودَا (^١)
* وفي خبر (زال)؛ كقولهِ:
وَمَا زِلْتُ مِنْ لَيْلَي لَدُنْ أَنْ عَرَفْتُهَا لَكَالْهَائِمِ الْمُقْصَى بِكُلِّ مُرَادِ (^٢)
_________________
(١) التخريج: عجز بيت من البسيط، وصدره: مَرُّوا عَجَالى فَقَالوا: كَيفَ سَيِّدُكُم؟ وهو بلا نسبة في تذكرة النحاة ص ٤٢٩؛ وجواهر الأدب ص ٨٧؛ وخزانة الأدب ١/ ٣٢٧، ١١/ ٣٣٢؛ والخصائص ١/ ٣١٦، ٢/ ٢٨٣؛ والدرر ٢/ ١٨٨؛ ورصف المباني ص ٢٣٨؛وسر صناعة الإعراب ١/ ٣٧٩؛ وشرح المفصل ٨/ ٦٤، ٨٧؛ ومجالس ثعلب ص ١٥٥؛ والمقاصد النحوية ٢/ ٣١٠؛ وهمع الهوامع ١/ ١٤١. اللغه: المجهود: الذي نال منه المرض والعشق. الإعراب: مروا: فعل ماض، والواو ضمير في محل رفع فاعل، والألف فارقة. عجالى: حال منصوب. فقالوا: الفاء حرف عطف، قالوا: فعل ماض، والواو ضمير في محل رفع فاعل، والألف فارقة. كيف: اسم استفهام مبني في محل رفع خبر مقدم للمبتدأ. سيدكم: مبتدأ مؤخر مرفوع، وهو مضاف، كم: ضمير في محل جر بالإضافة. فقال: الفاء: حرف عطف، قال: فعل ماض. من: اسم موصول في محل رفع فاعل. سألوا: فعل ماض، والواو ضمير في محل رفع فاعل. أمسى: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر تقديره: هو. لمجهودا: اللام زائدة، مجهودا خبر أمسى منصوب. وجملة (مروا): ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة (قالوا): معطوفة على سابقتها. وجملة (كيف سيدكم): في محل نصب مفعول به. وجملة (قال): معطوفة على جملة (قالوا). وجملة (سألوا): صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. وجملة: (سيدنا أمسى لمجهودا): في محل نصب مفعول به. وجملة (أمسى لمجهودا): في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: سيدنا أمسى. الشاهد: قوله: (أمسى لمجهودا)؛ حيث زيدت اللام في خبر (أمسى)، وهو (لمجهودا) وتلك زيادة شاذة.
(٢) التخريج: البيت لكثير عزة في ديوانه ص ٤٤٣، وتذكرة النّحاة ص ٤٢٩، وجواهر الأدب ص ٨٧، وخزانة الأدب ١٠/ ٣٢٨، والدّرر ٢/ ١٨٨، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٠٥، والمقاصد النّحوية ٢/ ٢٤٩، وبلا نسبة في تخليص الشّواهد ص ٣٥٧، وهمع الهوامع ١/ ١٤١. اللُّغة: لدن: ظرف زمان بمعنى مذ أو عند. الهائم: السّائر على غير هدى. المُقصَى: المبعد. المراد: مكان يُسار فيه ذهابًا وإِيابًا. المعنى: لقد صرت مذ عرفتها وحتى اليومِ منفردًا، أجول وحدي في البراري، كالبعير المصاب يبعد عن القطيع، فيقطع الأرض ذهابًا وإِيابًا بِلَا فائدة. الإِعراب: وما: الواو: استئنافية، ما: نافية. زلت: فعل ماض ناقص، والتّاء: ضمير متصل في محل رفع اسم زال. من ليلى: جار ومجرور متعلقان بخبر ما زال. لدن: ظرف زمان في محل نصب مفعول فيه
[ ١ / ٥١٥ ]
أي: لدَن معرفتي إِياها.
وقيل بالزّيادة أيضًا فِي نحو: (كل ثوب لو ثمنه)، وفى قوله: (لمحارب) كما سبق فِي الشّاهد.
و(معمولَ الخبر): بدل من (الواسطَ)، غير أَن البدل بالمشتق ضعيف، والأصل: (المعمول الواسط)، فقدم النّعت وجعل مستقلًا، والثّاني بدلًا كما سيأتي.
ويشكل علَى اشتراط حلول البدل محل الأول؛ إِذ لو قيل: (وتصحب معمول الخبر) ما عملت الواسطة.
ورُدَّ الاشتراط بنحو: (جاء الّذي مررت به زيد)؛ فـ (زيد) بدل ولَا يخلف الأول؛ لخلو الصّلة من العائد.
ولَا يقوم الظّاهر هنا مقام المضمر كما سبق آخر الموصول.
ولَا إيطاء فِي هذا البيت؛ لأنَّ الإيطاء تكرير قافية البيت، وهذا تكرير آخر النّصف الأول كما ذكره الدّماميني فِي "شرح الخزرجية".
واللَّه الموفق
ص:
١٨٧ - وَوَصْلُ (مَا) بِذِي الْحُرُوفِ مُبْطِلُ إعْمَالَهَا وَقَدْ يُبَقَّى الْعَمَلُ (^١)
_________________
(١) متعلق بخبر زال. أن عرفتها: أن: حرف مصدري، عرفتها: فعل ماض مبني على السّكون، والتّاء: ضمير متصل في محل رفع فاعل، وها: ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والمصدر المؤول من أن والفعل مجرور بالإِضافة. لكالهائم: اللّام: زائدة، كالهائم: جار ومجرور متعلقان بخبر ما زال؛ أو يعتبر الكاف خبرًا والهائم مضاف إِليه. المقصي: صفة الهائم مجرورة بكسرة مقدرة على الألف. بكل: جار ومجرور متعلقان بالمقصى. مراد: مضاف إِليه مجرور بالكسرة. وجملة (وما زلت من ليلى): استئنافية لا محل لها. وجملة (عرفتها): صلة الموصول لا محل لها. الشَّاهد: قوله: (لكالهائم)؛ حيث زاد اللّام في خبر (ما زال) شذوذًا.
(٢) ووصل: مبتدأ، ووصل مضاف. وما: قصد لفظه: مضاف إليه. بذي: جار ومجرور متعلق بوصل. الحروف: بدل أو عطف بيان من ذي. مبطل: خبر المبتدأ، وفاعله ضمير مستتر فيه. إعمالَها: إعمال: مفعول به لمبطل، وإعمال مضاف، وها مضاف إليه. وقد: حرف تقليل. يُبقَّي: فعل مضارع مبني للمجهول. العمل: نائب فاعل يبقى.
[ ١ / ٥١٦ ]
ش:
توصل (ما) بهذه الأحرف زائدة لقوة التّأكيد، فتنكفُّ الأحرف عن العمل؛ لأَنَّها صارت كالجزء منها، أَو لزوالها عن الاختصاص بالأسماء؛ لأنك تقول: (إِنما يقوم زيدٌ).
إلَّا (ليت)؛ فيجوز معها الوجهان؛ لبقائها علَى الاختصاص، كـ: (ليتما زيدًا، أَو: زيدٌ قائم).
وقيل: يجب إعمالها، وَلَم يشتهر.
وروي بالوجهين قوله:
قَالَتْ ألَا لَيْتَمَا هَذا الْحَمَامَ لَنَا (^١)
_________________
(١) التخريج: هذا صدر بيت من البسيط، وعجزه: إِلَى حَمَامَتِنَا أَوْ نصْفَهُ فَقَدِ وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص ٢٤، والأزهية ص ٨٩، ١١٤، والأغاني ١١/ ٣١، والإِنصاف ٢/ ٤٧٩، وتذكرة النّحاة ص ٣٥٣، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٥١، ٢٥٣، والخصائص ٢/ ٤٦٠، والدّرر ١/ ٢١٦، ٢/ ٢٠٤، ورصف المباني ص ٢٩٩، ٣١٦/ ٣١٨، وشرح التّصريح ١/ ٢٢٥، وشرح شواهد المغني ١/ ٧٥، ٢٠٠، ٢/ ٦٩٠، وشرح عمدة الحافظ ص ٢٣٣، وشرح المفصل ٨/ ٥٨، والكتاب ٢/ ١٣٧، واللّمع ص ٣٢٠، ومغني اللّبيب ١/ ٦٣، ٢٨٦، ٣٠٨، والمقاصد النّحوية ٢/ ٢٥٤، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٤٩، وخزانة الأدب ٦/ ١٥٧، وشرح قطر النّدى ص ١٥١، ولسان العرب ٣/ ٣٤٧ قدد، والمقرب ١/ ١١٠، وهمع الهوامع ١/ ٦٥. وقبل هذا البيت: احكُم كَحُكمِ فَتاةِ الحَيِّ إِذ نَظَرَت إِلى حَمامٍ شِراعٍ وارِدِ الثَّمَدِ يَحُفُّهُ جانِبا نيقٍ وَتُتبِعُهُ مِثلَ الزُجاجَةِ لَم تُكحَل مِنَ الرَّمَدِ قالَت: أَلا لَيتَما هَذا الحَمامُ لَنا إِلى حَمامَتِنا أوَ نِصفُهُ فَقَدِ فَحَسَّبوهُ فَأَلفَوهُ كَما حَسَبَت تِسعًا وَتِسعينَ لَم تَنقُص وَلَم تَزِدِ فَكَمَّلَت مِئَةً فيها حَمامَتُها وَأَسرَعَت حِسبَةً في ذَلِكَ العَدَدِ اللُّغة: فقدِ هنا: اسم فعل بمعنى يكفي، أو اسم بمعنى: كاف. المعنى: تقول: ألا ليت هذا الحمام كله لنا، أو نصفه مضافًا إِلى حمامتنا؛ فهو كاف لأن يصير مئة. الإِعراب: قالت: فعل ماض، والتّاء: للتأنيث، والفاعل: هي. ألا: حرف استفتاح وتنبيه. ليتما: حرف مشبه بالفعل. وما: زائدة. وقد تكون غير عاملة. هذا: اسم إشارة في محل نصب اسم ليت، أو مبتدأ إِذا اعتبرت غير عاملة. الحمامَ: بدل من هذا منصوب أو مرفوع. لنا: جار ومجرور متعلقان
[ ١ / ٥١٧ ]
بنصب (الحمامَ) علَى الإعمال، وهو صفة لاسم الإِشارة.
ورفعه علَى الإهمال، أو علَى الإعمال و(ما) موصولة، أَي: (ليت الّذي هو هذا الحمام) فحذف المبتدأ العائد علَى الموصول.
وتقول فِي غيرها: (إِنما زيدٌ قائمٌ)، و(كأنما زيدٌ قائمٌ) بالرّفع علَى المبتدأ والخبر.
وحكَى الأخفش: (إِنما زيدًا قائم) علَى الإعمال، فتكون (ما) ملغاة.
وأجازه الزّجاجي، ووافقه الزّمخشري، ونقل عن ابن السَّرَّاج، ذكره السّيوطي فِي "همع الهوامع".
ولهذا قال الشّيخ: (وقد يُبقَّى العملُ).
والكثير إهمالها، ولهذا كف الفعل بما هو أقوَى منها؛ كقولهم: (قلما يفعل، وطال ما فعل).
فإِن كانت (ما) غير زائدة .. لم تكف عن العمل؛ كالمصدرية، نحو: (إِنَّ ما رأيت صواب)، أَو موصولة.
وتكتب منفصلة؛ نحو: (إنَّ ما عند اللَّه خير لكم).
وذكروا لها ثلاثة عشر معنَى: صفة، معرفة، شرطية، تعجبية، نكرة، كافة، نافية، زائدة، مهيئة، مصدرية، استفهامية، مغيرة، ظرفية.
ونظمتها فِي قولي:
شَرطِيَّةٌ نافيةٌ زِيدَت صِفَة كَفَّتْ وَهَيَّأْتَ وَجاءتْ مَعْرِفَة
_________________
(١) = بمحذوف خبر ليت، أو خبر المبتدأ. إِلى حمامتنا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر ليت، أو بمحذوف حال من اسم ليت، وهو مضاف، ونا: ضمير متصل مبني في محل جر بالإِضافة. أو: حرف عطف. نصفه: معطوف على هذا، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإِضافة. فقد: الفاء: فاء الفصيحة. قدِ: اسم بمعنى كاف مبني في محل رفع لمبتدأ محذوف تقديره: وإِن حصل فهو كاف لكذا. وجملة (قالت): لا محل لها من الإِعراب؛ لأَنَّها ابتدائية. وجملة (ألا ليتما): في محل نصب مفعول به. الشَّاهد: قوله: (ليتما هذا الحمام)؛ حيث جاز إِعمال ليت الَّتي اتصلت بها (ما)، وعدم إِعمالها.
[ ١ / ٥١٨ ]
والمَصدرَ استفهِمْ تَعجُّبيَّة وَغَيَّرَت نَكرَةٌ ظَرفيَّة
وقالوا: المغيِّرة فِي نحو: (لو ما ضربت زيدًا)؛ فلما اتصلت بـ (لو) .. غيَّرتها إِلَى معنَى هلَّا.
والمهيئة؛ نحو: (رُبَّما يود) فهيَّأت (رُبَّ) للدخول علَى الأفعال.
تنبيه:
أَجازَ الفراء نصب الجزأين بـ (ليت)؛ نحو: (ليت زيدًا قائمًا)؛ محتجًا بقولِهِ:
يَا لَيتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا (^١)
وقولِهِ:
أَلا يَا لَيْتني حجرًا بوَادٍ (^٢)
وقدره المانعون: (تعود رواجع)، و(عدت حجرًا).
_________________
(١) التخريج: الرجز لرؤبة في شرح المفصل ١/ ١٠٤، وليس في ديوانه، وللعجاج في ملحق ديوانه ٢/ ٣٠٦، وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٩٠، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٤/ ٢٦٢، والجنى الداني ص ٤٩٢، وجواهر الأدب ص ٣٥٨، وخزانة الأدب ١٠/ ٢٣٤، ٢٣٥، والدرر ٢/ ١٧٠، ورصف المباني ص ٢٩٨، وشرح عمدة الحافظ ص ٤٣٤، وشرح المفصل ١/ ١٠٤، والكتاب ٢/ ١٤٢، وهمع الهوامع ١/ ١٣٤. المعنى: ليت الزمان يعود بي القهقرى إلى أيام الشباب، ولكن هيهات هيهات. الإعراب: يا ليت: يا: حرف تنبيه ودعاء، وليت: حرف مشبه بالفعل. أيام: اسمها منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف. الصبا: مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدرة على الألف للتعذر. رواجعا: خبر منصوب بالفتحة الظاهرة. وجملة (ليت أيام الصبا رواجعا): ابتدائية لا محل لها. الشاهد: قوله: (ليت أيام الصبا رواجعا) فقد نصبت ليت الاسم والخبر -كما قيل- على لغة تميم. وقيل: بل الخبر ليس للحرف المشبه، بل لفعل الكون المحذوف، والتقدير: (ليت أيام الصبا، كن رواجعا).
(٢) التخريج: صدر بيت من الوافر وعجزه: أَقَامَ، وَلَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي وهو للنمر بن تولب في ديوانه ص ٣٩١، وبلا نسبة فى جواهر الأدب ص ٣٥٨، والدرر ٢/ ١٦٩، وهمع الهوامع ١/ ١٣٤.
[ ١ / ٥١٩ ]
ومن الكوفيين من ينصب الجزأين بـ (إن وأخواتها)؛ مستدلًا بحديث: "إن قعرَ جهنم سبعين خريفًا".
وقول الشّاعرِ:
كأنَّ أُذْنَيْهِ إِذَا تَشَوَّفَا قَادِمَةً أَوْ قَلَمًا مُحَرَّفَا (^١)
وقول الآخرِ:
إِنَّ العَجوزَ خِبَّةً جَرُوزا تَأكُلُ كُلَّ لَيلَةٍ قَفيزَا (^٢)
وقولِ الآخرِ:
_________________
(١) التخريج: الرّجز لمحمد بن ذؤيب في خزانة الأدب ١٠/ ٢٣٧، ٢٤٠، والدّرر ٢/ ١٦٨، وللعماني في سمط اللآلي ص ٨٧٦، وشرح شواهد المغني ص ٥١٥، وبلا نسبة في تخليص الشّواهد ص ١٧٣، والخصائص ٢/ ٤٣٠، وديوان المعاني ١/ ٣٦، وهمع الهوامع ١/ ١٣٤. اللُّغة: تشوف: رفع رأسه ونظر مستطلعًا. القادمة: ريشة في مقدم جناح الطّائر. القلم المحرَّف: القلم المبري بحيث يكون شق أطول من شق. المعنى: إِذا رفع عنقه ونظر مستطلعًا ما الخبر؟ خلت أن أذنيه ريشتا طائر، أو قلمان مبريان. الإِعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل. أذنيه: اسم كأن منصوب بالياء لأنه مثنى، والهاء: ضمير متصل في محل جر مضاف إِليه. إِذا: ظرف لما يستقبل من الزّمان في محل نصب مفعول فيه، متعلق بكأن لما فيه من معنى أشبه أو يشبه. تشوفا: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل: ضمير مستتر تقديره هو، والألف: للإِطلاق. قادمة: خبر كأن منصوب بالفتحة. أو قلمًا: أو: للعطف، قلمًا: معطوف على قادمة منصوب بالفتحة. محرَّفا: صفة قلمًا منصوبة بالفتحة. وجملة (كأن أذنيه قادمة): في محل رفع أو نصب أو جر صفة للحيوان المذكور سابقًا، لأن من عادة الحيوان أن ينصب أذنيه استشعارًا للخطر. وجملة (تشوفا): في محل جر مضاف إِليه. الشَّاهد: قوله: (كأن أذنيه قادمةً)؛ حيث نصب اسم وخبر (كأن)، وهو مذهب بعض الكوفيين.
(٢) التخريج: الرجز لم يعلم قائله وهو في نوادر أبي زيد (٤٧٤)، ونتائج الفكر (٣٤٣)، وشرح الجمل لابن عصفور (١/ ٤٢٥). ومقاييس اللغة (١/ ٤٤١)، والتذييل (٢/ ٦٢٧)، والهمع (١/ ١٣٤)، والدرر (١/ ١١٢)، ويروى أيضًا (تأكل في مقعدها قفيزا). اللغة: خبة: بكسر الخاء وفتحها: خداعة. جروز: كثيرة الأكل. الشاهد: قوله: (إن العجوز خبة جزورا) حيث نصب "بإنّ" الجزأين، على لغة بعض الكوفيين، وهو خلاف مذهب الجمهور.
[ ١ / ٥٢٠ ]
إِذَا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ وَلْتَكُنْ خُطَاكَ خِفَافًا إِنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدا (^١)
والمصنف: أَن "سبعين": منصوب علَى الظّرف فِي محل رفع علَى أنه خبر (إنَّ)، و(قعر): اسمها، وهو مصدر؛ كما تقول: (إن السّفر غدًا).
والثّاني: علَى تقدير: (تحاكيان قادمةً).
والثّالث: علَى أَن: (تأكل) هو الخبر، و(خبة): حال مقدمة.
والرّابع: علَى تقدير: (ينتبهون أسدًا)؛ فهي حال مؤولة بمشتق.
وحكى يونس: (لعل أباك منطلقًا).
ولَا يمتنع تأويله؛ لكن حكى ابن السّيد: أَن نصب الجزأين لغة بعض العرب.
واللَّه الموفق
_________________
(١) التخريج: البيت لعمر بن أبي ربيعة في الجنى الدّاني ص ٣٩٤، والدّرر ٢/ ١٦٧، وشرح شواهد المغني ص ١٢٢، وهو بِلَا نسبة في خزانة الأدب ٤/ ١٦٧، ١٠/ ٢٤٢. اللُّغة: جنح اللّيل: أوله، أو آخره. أُسدًا وأسودًا: جمع أسد. المعنى: يتحدث على لسان محبوبته تخاطبه قائلة: إِذا حل اللّيل بظلامه الأسود .. فلتقدُم علينا في أوله أو آخره متيقظًا، متسللًا بحذر؛ لأن حراسنا شجعان كالأسود. الإِعراب: إِذا: ظرف لما يستقبل من الزّمان، متضمن معنى الشّرط متعلق بجوابه. اسودَّ: فعل ماض مبني على الفتح. جنحُ: فاعل مرفوع بالضّمة. اللّيلِ: مضاف إِليه مجرور بالكسرة. فلتأت: الفاء: رابطة لجواب الشّرط، واللّام: لام الأمر تجزم الفعل المضارع، وتأت: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة في آخره، والفاعل: ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت. ولتكن: الواو: للعطف، واللّام: لام الأمر، وتكن: فعل مضارع ناقص مجزوم باللّام. خطاك: اسم تكن مرفوع بضمة مقدرة على الألف، والكاف: ضمير متصل في محل جر مضاف إِليه. خفافًا: خبر تكن منصوب بالفتحة. إِن: حرف مشبه بالفعل. حرَّاسنا: اسم إِن منصوب بالفتحة، ونا: ضمير متصل في محل جر بالإِضافة. أسدا: خبر إِن منصوب بالفتحة على رأي من ينصبون المبتدأ والخبر بها، وحال منصوبة عند من قدر الخبر فعلًا محذوفًا. وجملة (اسود): في محل جر بالإِضافة. وجملة (فلتأت): لا محل لها جواب شرط غير جازم. وجملة (ولتكن): معطوفة عليها لا محل لها. وجملة (إِن حراسنا): استئنافية لا محل لها. وجملة (إِذا اسود فلتأت): ابتدائية لا محل لها. الشَّاهد: قوله: (إِن حراسنا أسدا)؛ حيث نصب بإِنَّ المبتدأ والخبر في لغة كما قال.
[ ١ / ٥٢١ ]
ص:
١٨٨ - وَجَاِئزٌ رَفْعُكَ مَعْطُوْفًا عَلَي مَنْصُوبِ إِنَّ بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا (^١)
ش:
إِذا استكملت (إنَّ)، عملها .. جاز رفع المعطوف؛ نحو: (إنَّ زيدًا قائم وعمرٌو)؛ أي: (وعمرو كذلك).
واختلفوا، فالوجه: أَن (عمرٌو): مبتدأ، وما بعده: خبر، وجملة (وعمرو كذلك): معطوف علَى جملة: (إن زيدًا قائم).
والمبرد والفارسي: أَن (عمرٌو): معطوف علَى محل المنصوب؛ لأنه مبتدأ فِي الأصل، فيقولون: إن عمل الابتداء باق بعد دخول النّاسخ، وما بعد (عمرو) معطوف علَى (قائم) عطف مفردين علَى مفردين؛ إِذ لو عطف (عمرو) فقط علَى (زيد) .. لزم أَن (قائم) يكون خبرًا عن الاثنين، وهو لا يجوز كما قاله الرّضي.
وكذا: لا يجوز كون (عمرو) مبتدأ، وما بعده: خبر، والجملة معطوفة علَى محل اسم (إن)؛ إِذ لا تعطف الجملة علَى المفرد إِلَّا فِي نحو: قوله تعالَى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ﴾، وإِلَى مذهبهما أشار المصنف.
وذهب عيسَى الجزولي: إِلَى أَن (عمرو): معطوف علَى محل (إنَّ) مع اسمها، وما بعده: معطوف علَى (قائم) عطف مفردين علَى مفردين أيضًا، كما تقول: (إنَّ زيدًا قائمٌ وعمرٌو قاعدٌ) بعطف (عمرو) علَى (زيدًا)، و(قاعدٌ) علَى (قائمٌ)، وَلَم يجعل جملة (وعمرو) كذلك معطوفة علَى محل (إنَّ) مع اسمها؛ لما فيه من عطف الجملة علَى المفرد.
_________________
(١) وجائز: خبر مقدم. رفعك: رفع: مبتدأ مؤخر، ورفع مضاف، والكاف مضاف إليه من إضافة المصدر إلى فاعله. معطوفًا: مفعول به للمصدر. على منصوب: جار ومجرور متعلق بمعطوف. ومنصوب: مضاف. وقوله: إن: قصد لفظه: مضاف إليه. بعد: ظرف متعلق برفع. إن: مصدرية. تستكملا: فعل مضارع منصوب بأن، والألف للإطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي، يعود إلى (إنَّ)، وأن وما دخلت عليه: في تأويل مصدر مجرور بإضافة بعد إليه، وثمة مفعول لتستكمل محذوف، والتقدير: بعد استكمالها معموليها.
[ ١ / ٥٢٢ ]
وقيل: إن (عمرو) معطوف علَى الضّمير فِي (قائم)، فيكون فاعلًا.
والمعتمد: ما ذكر أوَّلًا؛ لأنَّ عمل الابتداء لا يبقَى بعد دخول النّاسخ، فالمحرز مفقود، وهو الابتداء الطّالب لعمل الرّفع فِي (زيد).
والمبرد والفارسي ومن تبعهما: لا يشترطون وجود المحرز؛ أعني: الابتداء، فهو عامل عندهم فِي المحل وإِن فقد لفظه.
ولأن مذهب الجزولي فيه جعل (إنَّ) مع اسمها مبتدأ، وهو بعيد.
ولَا يرد نحو: (لا رجلَ) فِي كونها فِي موضع رفع بالابتداء؛ لأنه مركب معها، فحل المجموع محل اسم واحد.
ولأَنَّ جعل (عمرو) معطوفا علَى الضّمير فِي (قائم) يحتاج إِلَى فصل دائمًا؛ إِذ لا يعطف علَى ضمير الرّفع المتصل إِلَّا كذلك كما سيأتي.
ومن رفع المعطوف فِي القرآن العظيم: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾.
قال مكي: (رسوله): مبتدأ حذف خبره؛ أَي: (ورسوله بريء).
وجوز عطفه علَى موضع اسم اللَّه، أَو علَى الضّمير فِي (بريء).
وقرأ عيسَى بالنّصب علَى اللّفظ.
وقال الشّاعرُ:
فإِن لنَا الأمَّ النّجِيبَةَ وَالأَبُ (^١)
_________________
(١) عجز بيت من الطويل، وصدره: فَمَنْ يَكُ لَمْ يُنْجِبْ أَبُوهُ وَأُمُّهُ التخريج: البيت بِلَا نسبة في تخليص الشّواهد ص ٣٧٠، والدّرر ٦/ ١٧٩، وشرح التّصريح ١/ ٢٢٧، والمقاصد النّحوية ٢/ ٢٦٥، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٤. اللغة: أنجب الرّجل: ولد النّجباء، والنّجيب: الكريم الحسب. المعنى: يفخر الشّاعر بقومه أنهم كرماء، في حين أن قوم غيره غيرُ نجباء. الإِعراب: فمَن: الفاء بحسب ما قبلها، مَن: اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ. يك: فعل مضارع ناقص، وهو فعل الشّرط، مجزوم، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو: لم: حرف جزم. ينجب: فعل مضارع مجزوم. أبوه: فاعل مرفوع بالواو لأنه من الأسماء السّتة، وهو مضاف، والهاء ضمير في محل جر بالإِضافة. وأمه: الواو حرف عطف، أمه معطوف على أبوه مرفوع، وهو مضاف. والهاء ضمير في محل جر بالإِضافة. فإِن: الفاء حرف رابط لجواب الشّرط، إِن: حرف
[ ١ / ٥٢٣ ]
برفع (الأبُ).
ولَا يرفع المعطوف إِلَّا بعد استكمال (إنَّ) اسمها وخبرها، وإِليه أشار بقوله: (بعدَ أَن تَستكمِلا).
فظاهر المتن: أنه لا يجوز: (إنّ زيدًا وعمرٌو قائمٌ) علَى أَن (قائمٌ) خبر (إنَّ)، و(عمرٌو) معطوف قبل استكمال الخبر.
وحكَى ابن بابشاذ فِي "شرح جمل الزّجاجي" أَن هذا المثال جائز بِلَا خلاف، قال: فـ (قائمٌ): خبر (زيدًا)، و(عمرو): مبتدأ، خبره: محذوف، أَو: (قَائمٌ): خبر (عمرو)، وخبر (زيدًا) محذوف. انتهى.
فقوله: (وعمرو مبتدأ خبره محذوف) يقتضي أَن الأصل: (إن زيدًا وعمرو كذلك قائم) فالجملة معترضة بَينَ اسم (إن) وخبرها، وهذا ليس من قبيل مسألة هذا المحل.
وقوله: (قائم خبر عمرو وخبر زيد محذوف): يقتضي أَن الأصل: (إن زيدًا قائم وعمرو قائم)، وهذا يجوز كونه من قبيل المسألة؛ لأنَّ فيه رفع المعطوف بعد استكمال الخبر وإِن كَانَ هذا الخبر محذوفًا؛ لأنه حيث كَانَ فِي نية التّقدير وحذف للعلم به .. فهو كالملفوظ به.
وقول: المصنف: (بعد أَن تستكملا): يشمل ما إِذا استكملت الخبر لفظًا وتقديرًا، لا سيما يجوز حذف الخبر فِي هذا الباب للقرينة كما سبق.
وأما قولُ الشّاعِر:
فإِنِّي وقَيَّارٌ بِها لَغَريبُ (^١)
_________________
(١) مشبه بالفعل. لنا: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر إِن. الأمَّ: اسم إِن منصوب. النّجيبة: نعت الأم منصوب. والأبُ: الواو حرف عطف. الأب: معطوف على محل الأم من الإِعراب مرفوع، أو مبتدأ مرفوع وخبره محذوف. وجملة: (من يك): بحسب ما قبلها. وجملة (لم ينجب أبوه): في محل نصب خبر يك. وجملة (يك): في محل رفع خبر المبتدأ من. وجملة (فإِن لنا الأم): في محل جزم جواب الشّرط. الشَّاهد قوله: (والأب)؛ حيث عطفه على محل اسم إِنَّ، المنصوب بعد أن جاء بالخبر، وهو (لنا).
(٢) عجز بيت من الطويل، وصدره: فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ
[ ١ / ٥٢٤ ]
فيجوز أَن يكونَ: (لغريب) خبر (إن)، و(قيارٌ): مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه، والتّقدير: (فإِني وقيار كذلك لغريب)، فتكون الجملة معترضة بَينَ اسم (إن) وخبرها كما سبق.
ويجوز أَن يكونَ (قيار): مبتدأ، و(لغريب): خبره، وخبر (إن) محذوف، والتّقدير: (إني لغريب وقيار لغريب)؛ لكن يلزم عليه زيادة اللّام فِي خبر المبتدأ وهو شاذ؛ كقولِه:
أُمُّ الحُلَيسِ لَعَجوزٌ شَهْرَبَه (^١)
و(قيار): اسم فرسه.
_________________
(١) التّخريج: البيت لضابئ بن الحارث البرجمي في الأصمعيات ص ١٨٤، والإِنصاف ص ٩٤، وتخليص الشّواهد ص ٣٨٥، وخزانة الأدب ٩/ ٣٢٦، ١٠/ ٣١٢، ٣١٣، ٣٢٠، والدّرر ٦/ ١٨٢، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٦٩، وشرح التّصريح ١/ ٢٢٨، وشرح شواهد المغني ص ٨٦٧، وشرح المفصل ٨/ ٨٦، والشّعر والشّعراء ص ٣٥٨، والكتاب ١/ ٧٥، ولسان العرب ٥/ ١٢٥ قير، وبلا نسبة في الأشباه والنّظائر ١/ ١٠٣، ورصف المباني ص ٢٦٧، وسر صناعة الإِعراب ص ٣٧٢، ومجالس ثعلب ص ٣١٦، ٢٩٨، وهمع الهوامع ٢/ ١٤٤. اللغة: الرّحل: الإِقامة. القيار: هو صاحب القِير أي الزّفت. وقيل هنا: اسم راحلته. المعنى: يقول: إِن من كانت إِقامته في المدينة كَانَ غريبًا فيها هو وراحلته. الإِعراب: فمَن: الفاء بحسب ما قبلها، مَن: اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ. يك: فعل مضارع ناقص مجزوم لأنه فعل الشّرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو. أمسى: فعل ماض ناقص. بالمدينة: جار ومجرور متعلقان بخبر أمسى المحذوف. رحله: اسم أمسى مرفوع، وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر بالإِضافة. فإِني: الفاء رابطة لجواب الشّرط، إِني: حرف مشبه بالفعل، والياء ضمير في محل نصب اسم إِن. وقيار: الواو حرف عطف، قيار: مبتدأ مرفوع بالضّمة خبره محذوف دل عليه خبر إِن. بها: جار ومجرور متعلقان بغريب. لغريب: اللّام مزحلقة، أو ابتدائية، غريب: خبر إِن مرفوع بالضّمة، وخبر قيار محذوف. وجملة (من يك): بحسب ما قبلها. وجملة (يك): في محل رفع خبر المبتدأ (مَن). وجملة: (أمسى بالمدينة رحله): في محل نصب خبر يك. وجملة (إِني لغريب): في محل جزم جواب الشّرط. وجملة (قيار): اعتراضية لا محل لها من الإِعراب. الشَّاهد: قوله: (وقيارٌ)؛ حيث عطف بالرّفع على اسم إِن المنصوب قبل استكمال الخبر.
(٢) تقدم إعرابه وشرحه.
[ ١ / ٥٢٥ ]
وجعل خبر (إن) محذوفًا والاستغناء عنهُ بخبر ما بعدها جائزٌ، ومنه قولُهُ:
خَلِيْلَيَّ هَلْ طِبٌّ فَإِني وَأَنْتُمَا وَإِنْ لَمْ تَبُوحَا بِالهَوى دَنِفانِ (^١)
أي (فإني دنف وأنتما دنفان).
والدَّنَف بفتح الدّال والنّون: المرض الملازم.
وكذا قولُهُ:
وإِلَّا فاعْلَمُوا أنَّا وأَنْتُم بُغَاةٌ ما بَقيْنَا في شِقَاقِ (^٢)
_________________
(١) التخريج: البيت بِلَا نسبة في تخليص الشّواهد ص ٣٧٤، وشرح التّصريح ١/ ٢٢٩، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٦٦، ومغني اللّبيب ٢/ ٤٧٥، والمقاصد النّحوية ٢/ ٢٧٤. اللغة: الطّب: العلاج. الدّنف: الذي ثقل عليه المرض. الهوى: العشق. المعنى: يخاطب الشّاعر صديقيه بقوله: هل من دواء نعالج به ما نكابد من لواعج الهوى؛ فإِني وإِياكما -وإِن لم تبوحا به- كاد يضنينا هذا الهوى. الإِعراب: خليلي: منادى منصوب، وهو مضاف، والياء ضمير متصل مبني في محل جر بالإِضافة. هل: حرف استفهام. طب: مبتدأ مرفوع وخبره محذوف تقديره: طب موجود، أو هل لنا طب. فإِنني: الفاء حرف استئناف، إِني: حرف مشبه بالفعل، والياء ضمير متصل مبني في محل نصب اسم إِن، وخبره محذوف تقديره: إِني دنف. وأنتما: الواو حرف عطف، أنتما: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ. وإِن: الواو: حالية. إِن: وصلية زائدة. لم: حرف جزم. تبوحا: فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النّون، والألف ضمير متصل في محل رفع فاعل بالهوي: جار ومجرور متعلقان بتبوحا. دنفان: خبر المبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى. وجملة (يا خليلي): ابتدائية لا محل لها من الإِعراب. وجملة (هل طب): استئنافية لا محل لها من الإِعراب. وجملة (إِني): استئنافية لا محل لها من الإِعراب. وجملة (أنتما): معطوفة على الجملة السّابقة. وجملة: (وإِن لم تبوحا) في محل نصب حال. الشَّاهد: قوله: (فإِني وأنتما دنفان)؛ حيث يتعين أن يكون (أنتما) مبتدأ والخبر (دنفان)، ويكون خبر (إِن) محذوفًا؛ لدلالة خبر المبتدأ عليه. وأصل الكلام: (فإِني دنف، وأنتما دنفان).
(٢) التخريج: البيت من الوافر، وهو لبشر بن أبي خازم، وقد أنشده سيبويه ١/ ٢٩٠، واستشهد به ابن يعيش في شرح المفصل ص ١١٢٦ وأنشده رضي الدّين في شرح الكافية في باب الحروف المشبهة بالفعل، وشرحه البغدادي في الخزانة ٤/ ٣١٥، وابن النّاظم ص ٧١، ابن هشام ١/ ٢٥٨، والسّيوطي ص ٣٨.
[ ١ / ٥٢٦ ]
والأصل: (أَنَّا بغاة وأنتم بغاة) فحذف خبر (أنَّا) للدلالة.
وقيل: (فِي شقاق): خبر (أنَّا)، وجملة (وأنتم بغاة): معترضة بَينَ اسمها وخبرها.
وقيل: (بغاة) المذكور: خبر (أَنَّ)، و(أنتم): مبتدأ، وخبره محذوف، وقوله: (وأنتم): معطوف قبل استكمال الخبر. انتهَى.
ويجوز أَن يكونَ (بغاة): خبر (أَنا)، و(أنتم): مبتدأ، وخبره: محذوف، والتّقدير: (أنا وأنتم كذلك بغاة)، فتكون جملة (وأنتم كذلك) معترضة بَينَ الاسم والخبر كما سبق.
وعن سيبويه: أنه يجعل قوله: (لغريب): خبر (إن)، ويجعل (قيار): فِي نية التّأخير، والتّقدير: (فإني لغريب وقيار كذلك).
وهذا أحسن من الوجهين السّابقين؛ لأن الأول فيه اعتراض بجملة بَينَ اسم (إن) وخبرها، والثّاني فيه دخول اللّام فِي خبر المبتدأ.
ومتَى صلح الخبر لها؛ نحو: (إن زيدًا وعمرًا قائمان) .. فلا يجوز رفع عمرو
_________________
(١) وقصة ذلك: أن قومًا من آل بدر جاؤوا الفزاريين فجزوا نواصيهم، وقالوا: مننا عليكم وَلَم نقتلكم، فغضب بنو فزارة، فقال بشر ذلك. اللغة: بغاة: جمع باغ، وهو الظّالم لأنه بغى الظِّلم، أي: طلبه. شقاق: -بكسر الشّين- وهو العداوة وهو مصدر شاقه، إِذا خالفه وعاداه أشد العداوة، وكأن كل واحد من المتشاقين قد صار في شق وناحية غير الشّق والنّاحية الَّتي صار فيها الآخر. المعني: إِذا جززتم نواصيهم فاجمعوها لنا، واحملوا الأسرى معهم، وإِلا فإِنا متعادون أبدًا. الإِعراب: وإِلا: إِن: شرطية جازمة لفعلين، ولا: نافية، وفعل الشّرط محذوف، والتّقدير: إِلا تفعلوا مثلًا. فاعلموا: الفاء واقعة في جواب الشّرط، اعلموا: فعل أمر مبني على حذف النّون، وواو الجماعة فاعله، والجملة في محل جزم جواب الشّرط. أنَّا: أنَّ: حرف توكيد ونصب، ونا: اسمه. وأنتم: الواو للعطف، أنتم: مبتدأ، وخبره محذوف والتّقدير: وأنتم مثلنا. بغاة: خبر أن. ما: مصدرية ظرفية. بقينا: فعل وفاعل. فى شقاق: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثان لأن. الشَّاهد: قوله: (أنَّا وأنتم بغاة)؛ حيث ورد فيه ما ظاهره أنه عطف بالرّفع قوله: (وأنتم) على محل اسم (أن) الذي هو (نا) قبل أن يأتي بخبر أن الذي هو بغاة.
[ ١ / ٥٢٧ ]
هنا عند سيبويه.
ولهذا قال: إن (الصّابئون) فِي نية التّأخير من قوله تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أَي: (والصّابئون كذلك).
وأَجازَ الكسائي: (إن زيدًا وعمرو قائمان) برفع عمرو، إِلَّا أنه عطف (الصابئون) علَى الواو فِي (هادوا).
ووافقه الفراء.
قال مكي: وهو غلط؛ لأنه يوجب أَن يكونَ الصّابئون والنّصارَى يهودًا.
وحجة سيبويه: فِي عدم جواز: (إن زيدًا وعمرو قائمان): أَن العامل فِي الخبر: المبتدأ، والعامل فِي خبر (إن): هي، و(قائمان): خبر عن (إن وعمرو)، فكل منهما يطلب العمل فيه؛ لأنه خبر عن (إن)، وهي العاملة فِي خبرها، وخبر عن (عمرو) وهو عامل فِي خبره لأنه مبتدأ، وعمل عاملين فِي معمول واحد ممنوع، خلافا للفراء فِي التّنازع كما سيأتي.
والكسائي: لا يعتبر ذلك؛ لأنه من الكوفيين، والخبر باق علَى رفعه الأول عندهم فيما حكي عنهم؛ فكأنه قيل: (زيد وعمرو قائمان).
وتبعه تلميذه الفراء بشرط خفاء الإعراب فِي الأول؛ نحو: (إن الفتَى وعمرو قائمان)، أَو: (إنك وزيد قائمان)؛ لأنَّ الخبر فِي نحو: (إن زيدًا وعمرو قائمان): خبر عن مختلفي إعراب ظاهر؛ ففيه استنفار واستبداع؛ فإِن خفي إعراب أحد الاسمين .. سهل ذلك، فتوسط الفراء بَينَ مذهب سيبويه والكسائي، وهو أيضًا قائل ببقاء الخبر علَى رفعه الأول كما سبق؛ لأنه من الكوفيين.
واللَّه الموفق
ص:
١٨٩ - وَأُلْحِقَتْ بِإِنَّ لكِنَّ وَأَنْ مِنْ دُوْنِ لَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنْ (^١)
_________________
(١) وألحِقَتْ: الواو عاطفة، أُلحِقَ: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. بإن: جار ومجرور
[ ١ / ٥٢٨ ]
ش:
(أَنَّ)، المفتوحة، و(لكن) يساويان المكسورة فِي جواز رفع المعطوف بعد مجيء الخبر.
وفي "الإرتشاف": منعه بعضهم فِي (أَن) المفتوحة مطلقًا، لا علَى الابتداء، ولَا علَى الموضع.
وبعضهم منعه في (لكنَّ).
والصّحيح: الجواز؛ لأنَّ المعطوف مرفوع مع فتح الهمزة وكسرها فِي: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ كما سبق.
وقالَ الشّاعرُ:
وَلَكِنَّ عَمِّي الطَّيّبُ الأصلِ وَالخَالُ (^١)
_________________
(١) متعلق بألحق. لكن: قصد لفظه: نائب فاعل لألحق. وأنْ: معطوف على لكن. من دون: جار ومجرور متعلق بألحق أيضًا، ودون مضاف. وليت: قصد لفظه: مضاف إليه. ولعل، وكأن: معطوفان على ليت.
(٢) التخريج: هذا عجز بيت، وصدره قوله: ومَا قَصَّرَتْ بِي في التَّسامِي خُؤولَةٌ وأنشدوا قبله: وما زلتُ سبَّاقًا إلى كُلِّ غايةٍ بِها يُبتغَى في النَّاسِ مجدٌ وإِجْلالُ والشاهد من شواهد، التصريح: ١/ ٢٢٧، والأشموني: ٢٧٦/ ١/ ١٤٤، والعيني: ٢/ ٣١٦ وهمع الهوامع: ٢/ ١٤٤، والدرر اللوامع: ٢/ ٢٠٢. اللغة: التسامي: التعاظم والتعالي، وأراد بها العراقة في النسب، ويروى مكانه المعالي. خؤولة: إما من المصدر كالعمومة، أو جمع خال كالعمومة جمع عم. المعنى: يفتخر الشاعر بحسبه ونسبه قائلًا: لم يقعد بي عن التعاظم والتباهي بالحسب وعراقة النسب أخوالي ولا أعمامي؛ فإن كلًا منهما كريم الأصل، عريق النسب، فأنا مع علو همتي كريم العنصر من ناحية الأخوال والأعمام. الإعراب: ما: نافية. قصَّرت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. بي وفي التسامي: متعلقان بقصر. خؤولة: فاعل مرفوع. لكن: حرف استدراك ونصب حرف مشبه بالفعل. عمي: اسم لكن منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل الياء، والياء: مضاف إليه. الطيب: خبر لكن مرفوع، وهو مضاف. الأصل: مضاف إليه. والخال: الواو عاطفة. الخال: معطوف على محل اسم لكن عطف مفرد على مفرد، أو الخال: مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: والخال الطيب الأصل، والجملة معطوفة على
[ ١ / ٥٢٩ ]
برفع (الخالُ).
ولَا يجوز هذا فِي (ليت) و(لعل) و(كأن)؛ لأنَّ معنَى الابتداء ليس باقيًا مع هذه الثّلاثة، بخلاف (إنّ)، و(أنَّ)، و(لكنَّ) فمعنَى الابتداء باق بعد دخولها؛ إِذ لا يختلف المعنَى فِي: (زيد قائم) و(إِن زيدًا قائم).
بخلاف: (ليت زيدًا قائم)؛ فكان الخبر محققًا قبل دخول (ليت)، وصار بعد دخولها غير محقق.
و(لكنَّ) تحقيق نسبي (^١)؛ لأنَّ الخبر محتمل للصدق والكذب.
وأَجازَ الفراء الرّفع بعد ما ذكر، بشرط: خفاء الإِعراب فِي المعطوف عليه أيضًا، ولو مع تقديم المعطوف علَى الخبر، واستشهد بقولِ الشّاعرِ:
يَا لَيْتَني وَأَنتِ يَا لَمِيسُ فِي بَلَدٍ لَيْسَ بِهِ أنِيسُ (^٢)
_________________
(١) جملة (لكن عمي الطيب)، والأول هو المراد من الاستشهاد. الشاهد: قوله (والخال)؛ حيث عطف الخال مرفوعًا على محل اسم (لكن) بعد أن جاء بالخبر الطيب الأصل.
(٢) سقط من (ب).
(٣) التخريج: الرّجز لجران العود في الكتاب (١/ ٢٦٣)، (٢/ ٣٢٢)، ومجالس ثعلب (١/ ٢٦٢)، ومعاني القرآن للفراء (٢/ ١٥)، والمقتضب (٢/ ٣١٩، ٣٤٧)، (٤/ ٤١٤)، والإِنصاف (١/ ٢٧١)، وابن يعيش (٢/ ٨٠، ١١٧)، (٧/ ٢١)، (٨/ ٥٢)، والتّذييل (٢/ ٨٢٢)، وشذور الذهب (ص ٣٢٧)، والتّصريح (١/ ٣٥٣)، والهمع (١/ ٢٢٥)، (٢/ ١٤٤)، والدّرر (١/ ١٩٢)، (٢/ ٢٠٢)، والأشموني (٢/ ١٤٧)، وديوانه (ص ٥٣)، والخزانة (٤/ ١٩٧)، والعيني (٣/ ١٠٧) وملحقات ديوان رؤبة (ص ١٧٦). اللغة: لميس: اسم امرأة. أنيس: مؤنس، والمراد: أي إِنسان. المعنى: أتمنى أن أكون أنا وأنت يا لميس في بلد ليس فيه أحد غيرنا. الإِعراب: يا: حرف نداء، والمنادى محذوف. ليتني: حرف مشبه بالفعل، والنّون: للوقاية، والياء: اسمه. وأنت: الواو عاطفة. أنت: معطوف على محل اسم ليت، أو على الضّمير المستتر في الخبر. يا: أداة نداء. لميس: منادى مفرد علم مبني على الضم. في بلدة: متعلق بخبر ليت المحذوف. ليس: فعل ماض ناقص. بها: جار ومجرور متعلقان بخبر ليس المحذوف. أنيس: اسم ليس مؤخر مرفوع. وجملة (لس بها أنيس): صفة لبلدة. الشَّاهد: (ليتني وأنت)؛ حيث عطف أنت وهو ضمير رفع على محل اسم ليت قبل استكمال الخبر، وفي هذا، دلالة على جواز العطف على محل اسم ليت كذلك عند الفراء.
[ ١ / ٥٣٠ ]
وخرج علَى جعل (أنتِ) مبتدأ محذوف الخبر، و(في بلد): خبر (ليت) والتّقدير: (يا ليتني وأنت معي يا لميس فِي بلدٍ كذا) فتكون الجملة اعتراضًا بَينَ اسم (ليت) وخبرها (لا) من باب العطف ونحوه كما سبق نظيره.
ولميس: اسم امرأة.
والعكبري فِي "شرح اللّمع": يجوز أيضًا الرّفع بعد ما ذكر؛ لكن بالعطف علَى الضّمير فِي الخبر؛ كـ (ليت زيدًا قائم وعمرو) فهو حينئذ فاعل.
وفيه العطف علَى الضّمير المرفوع المتصل بِلَا فاصل، وهو قليل.
تنبيه:
أَجازَ الجرمي والزّجاج: أَن النّعت والبيان والتّوكيد كالمنسوق فِي جواز الرّفع؛ نحو: (إن أبا حفص قائم الكريم)، و(إن أبا حفص قائم عمرًا)، و(إن أبا حفص قائم نفسه).
واللَّه الموفق
ص:
١٩٠ - وَخُفِّفَتْ إِنَّ فَقَلَّ الْعَمَلُ وَتَلْزَمُ اللَاّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ (^١)
١٩١ - وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا (^٢)
_________________
(١) وخففت: الواو عاطفة، خفف: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. إن: نائب فاعل خفف. فقل: الفاء عاطفة، قل: فعل ماض معطوف بالفاء على خفف. العمل: فاعل لقل. وتلزم: فعل مضارع. اللام: فاعل تلزم. إذا: ظرف للمستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط. ما: زائدة. تهمل: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي، يعود إلى إن المخففة، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها، وجواب الشرط محذوف، والتقدير: إذا ما تهمل إن التي خففت لزمتها اللام.
(٢) وربما: الواو عاطفة، رب حرف تقليل، وما كافة. استغني: فعل ماض مبني للمجهول. عنها: جار ومجرور نائب عن الفاعل لاستغني، والضمير المجرور محلًا عائد على اللام المحدث عنها بأنها تلزم عند تخفيف إن في حالة إهمالها. إنْ: شرطية. بدا: فعل ماض فعل الشرط. ما: اسم موصول فاعل بدا. ناطق: مبتدأ، وهو فاعل في المعنى، فلذا جاز أن يبتدأ به مع كونه نكرة. أراده: أراد: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود على ناطق، والهاء مفعول به، والجملة من أراد وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها صلة الموصول. معتمدا:
[ ١ / ٥٣١ ]
ش:
تخفف (إنَّ) المكسورة لثقل التّضعيف وكثرة الاستعمال فيقل عملها لبعدها عن شبه لفظ الفعل ولَا يمتنع الإعمال؛ لأنَّ الفعل يعمل بعد حدف شيء منه نحو: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.
ومن الإعمال قراءة: (وإِنْ كلًّا لمَّا لَيوفينَّهم ربُّك) بتخفيف (إنْ) ونصب كلًّا اسما لها، والخبر: (ليوفينهم)، مع القسم المقدر، و(ما) فاصلة بَينَ لام (إن) ولام القسم؛ كراهة توالي اللّامين.
وقيل: الخبر (ما)، وهي نكرة؛ أَي: لخلق.
أَو جمع، والقسم وجوابه: فِي موضع الصّفة له؛ أَي: لجمعٌ موفّرٌ عمله.
وإِذا أهملت .. لزم دخول اللّام فِي ثاني الجزأين؛ لئلا تلتبس (إنَّ) المخففة بـ (إنِ) النافية.
وقيل: تلزم اللّام وإِن عملت طردًا للّباب.
والصّحيح: لا تلزم إِلَّا إن أهملت، فتقول إِذا أهملتها: (إنْ زيدٌ لفي الدّار)؛ فـ (زيدٌ): مبتدأ، والمجرور: خبره، واللّام: فارقة.
وهل تجوز أَن تكون عاملة هنا فِي ضمير الشّأن والجملة خبرها؟
ظاهر كلامهم: الجواز.
قرئ: (وإِن كلٌّ) بالرّفع فِي الآية.
فقيل: عاملة فِي ضمير الشّأن، والجملة خبرها، و(كل): مبتدأ، وهي وخبرها: خبر (إن).
وكذا قوله تعالَى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾؛ فـ (إِنْ) مخففة، واسمها: ضمير شأن، و(كل): مبتدأ، واللّام فارقة، و(ما): زائدة، و(حافظ): مبتدأ، و(عليها): خبره، والجملة: خبر (كل)، والجملة من (كل وخبرها): خبر (إن).
ويجوز أَن يكونَ (عليها): خبر (كل)، و(حافظ): فاعل به؛ لأنَّ الجار
_________________
(١) حال من الضمير المستتر في أراد.
[ ١ / ٥٣٢ ]
والمجرور يرفع الفاعل كما سيأتي فِي الفاعل.
وقرئ بتشديد ﴿لَمَّا﴾، فتكون (إن) نافية، و(لمَّا): بمعنى (إِلَّا)، وهو كثير.
وأشار بقوله: (ورُبَّما استغنِيَ عنها) إِلَى أَن هذه اللّام الدّاخلة للفرق بَينَ المخففة والنّافية قد يستغنَى عنها؛ كما إِذا كَانَ المحل غير صالح للنفي، كقولهِ:
أنَا ابْنُ أُباةِ الضَّيْمِ مِن آلِ مالِكٍ وإِنْ مالكٌ كَانَتْ كِرامَ المعَادِنِ (^١)
فلا يحتاج أَن تقول: (لكانت كرام المعادن)؛ لأنَّ النّفي هنا لا معنَى لهُ؛ إِذ القصد مدحهم وأنهم كرام المعادن.
وكذا: لا لبس فِي: (إن وجدت اللَّه لطيفًا بعباده).
فإِن شئت .. ذكرتها أو حذفتها.
وسيبويه والأخفش الصّغير وابن الأخضر: أَن هذه اللّام الفارقة لام ابتداء.
والفارسي: أنها للفرق فقط.
_________________
(١) التخريج: البيت للطرماح في ديوانه ص ٥١٢، والدّرر ٢/ ١٩٣، والمقاصد النّحوية ٢/ ٢٧٦، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٦٧، وتخليص الشّواهد ص ٣٧٨، وتذكرة النّحاة ص ٤٣، والجنى الدّاني ص ١٣٤، وشرح ابن عقيل ص ١٩١، وشرح عمدة الحافظ ص ٢٣٧ وهمع الهوامع ١/ ١٤١. اللغة: الأباة: جمع الأَبِيَّ، وهو الممتنع عن الشِّيء. الضّيم: الظّلم. كريم المعدن: كناية عن كرم الأصل. المعني: يفخر الشِّاعر بقومه آل مالك الذين لا يقبلون الظّلم، وأنهم كانوا من أصل كريم. الإِعراب: أنا: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ. ابن: خبر المبتدأ مرفوع بالضّمة، وهو مضاف. أباة: مفضاف إِليه مجرور بالكسرة، وهو مضاف. الضّيم: مضاف إِليه مجرور بالكسرة. من: حرف جر. آل: اسم مجرور بالكسرة، وهو مضاف. والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من الخبر. مالك: مضاف إِليه مجرور بالكسرة. وإِنْ: الواو حرف عطف، إِنْ حرف مشبه بالفعل مخفف من إِنّ المشددة، غير عامل. مالك: مبتدأ مرفوع بالضّمة. كانت: فعل ماض ناقص. واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي. والتّاء للتأنيث. كرامَ: خبر كَانَ منصوب بالفتحة، وهو مضاف. المعادن: مضاف إِليه مجرور بالكسرة. وجملة (أنا ابن أباة الضّيم): ابتدائية لا محل لها. وجملة (إِن مالك): معطوفة على الجملة السّابقة. وجملة (كانت كرام المعادن): في محل رفع المبتدأ. الشَّاهد: قوله: (وإِن مالك كانت كرام المعادن)؛ حيث خفف إِنّ، وأهمل عملها، فلم تنصب.
[ ١ / ٥٣٣ ]
وتبعه ابن أبي العافية من كبراء الأندلس.
وحُذِف ضمير الشّأن من (إنَّ) المشددة؛ كقولِهِ ﵊: "إن من أشد النّاس عذابًا يوم القيامة المصورون"؛ أَي: إنه، و(المصورون): مبتدأ، وما قبله: خبر، والجملة: خبر (إن).
والكسائي: (مِن): زائدة، و(أشد): اسم (إنّ)، و(المصورون): خبر.
والمشهور: أنها لا تزاد إِلَّا فِي الإيجاب، بخلاف النّفي وشبهه.
واللَّه الموفق
ص:
١٩٢ - وَالْفِعلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا تُلْفِيْهِ غَاِلبًا بِإِنْ ذِي مُوصَلَا (^١)
ش:
إِذا خففت المكسورة .. وليها غالبا فعل ناسخ غير (ليس)، و(زال)، و(دام)، قال تعالَى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾، ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾.
فلما كانت تدخل علَى المبتدأ والخبر مشدَّدة وقلَّ إعمالها مع التّخفيف .. وصلت بما يدخل علَى المبتدأ والخبر؛ ليبقَى أثر ذلك، ولئلا تفارق محلها بالكلية، ودخلت اللّام الفارقة فِي خبر النّاسخ؛ لأَنَّها كانت تدخل فِي خبرها، فلما قالوا: (إنْ كَانَ زيدًا لقائمٌ) .. قالوا: (إنْ كَانَ زيدٌ لقائمًا).
وقَدْ جاء هذا مع (إنَّ) المشددة فِي خبر كَانَ الواقعة خبرًا لها، كقولِ أم حبيبة
_________________
(١) والفعل: مبتدأ. إن: شرطية لم: حرف نفي وجزم وقلب. يك: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، وهو فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الفعل. ناسخًا: خبر يك. فلا: الفاء لربط الجواب بالشرط، ولا: نافية. تلفيه: تلفي: فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت، والهاء مفعول أول لتلفي، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فأنت لا تلفيه، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط. غالبًا: حال من الهاء في تلفيه السابق. بإن: جار ومجرور متعلق بقوله: موصلا الآتي. ذي: نعت لإن. موصلا: مفعول ثان لتلفي.
[ ١ / ٥٣٤ ]
﵂: (إِني كنت عن هذا لغنية) (^١).
والجمهور: إِذا خففت (إنَّ) المكسورة ووليها فعل ناسخ .. فَلَا عمل لها فِي ظاهر ولَا مضمر، نص عليه السّمين وأبو حيان فِي "النّهر".
بخلاف ما إِذا وليها غير الفعل النّاسخ كما سبق.
وجعل لها الزّمخشري اسمًا فِي: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾، أي: وإنه كنا عن دراستهم لغافلين.
قال السمين: وهذا مخالف لنصوصهم.
وأنكر الكوفيون تخفيف (إنّ)، المكسورة، وأولوا ما ورد من ذلك علَى أنها نافِة، واللام بمعنَى (إِلَّا)، فالتّقدير: (ما كنا عن دراستهم إِلَّا غافلين).
وقس عليه ما لم يذكر.
وقال قطرب: (إنْ) بمعنَى (قَدْ)، واللّام: زائدة.
وفي الحديث: "إن وجدناه لبحرًا".
فالبصريون: (إنْ): مخففة لا عمل لها، واللّام: فارقة كما سبق.
والكوفيون: (إنْ): نافية، واللّام: بمعنَى (إِلا)؛ أَي: (ما وجدناه إِلَّا بحرًا).
وقطرب: (إنْ): بمعنَى (قَدْ)، واللّام: زائدة؛ أَي: (قَدْ وجدناه بحرًا).
وقلَّ اتصالها بغير ناسخ.
وقالَ الشّاعرُ:
شَلَّتْ يَمِينُكَ إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا (^٢)
_________________
(١) أخرج البخاري في "صحيحه" ١٢٣٣: عن زينب بنت أبي سلمة، قالت: لما جاء نعي أبي سفيان من الشأم، دعت أم حبيبة ﵂ بصفرة في اليوم الثالث، فمسحت عارضيها، وذراعيها، وقالت: إني كنت عن هذا لغنية، لولا أني سمعت النبي -ﷺ- يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا".
(٢) صدر بيت من الكامل، وعجزه: حَلّتْ عَلَيكَ عُقُوبَةُ المُتَعمِّدِ التخريج: البيت لعاتكة بنت زيد في الأغاني ١٨/ ١١، وخزانة الأدب ١٠/ ٣٧٣، ٣٧٤، ٣٧٦، ٣٧٨، والدّرر ٢/ ٩٤، وشرح التّصريح ١/ ٣١١، وشرح شواهد المغني ١/ ٧١، والمقاصد النّحوية
[ ١ / ٥٣٥ ]
وقولهم: (إنْ يزينك لنفسُكَ، وإنْ يشينك لهيه).
وأَجازَ الأخفش (^١): (إنْ قام لأنا)، و(إِن قعد لزيد).
وسمع سيبويه: (أما إنْ جزاك اللَّه خيرًا)، فقال: (تقديره: أما إنك جزاك اللَّه خيرًا).
وقد تسقط اللّام الدّاخلة فِي خبر النّاسخ؛ كقولهِ:
أَخِي إِنْ عَلِمتُ الجُودَ لِلْحَمدِ مُنْمِيَا (^٢)
_________________
(١) ٢/ ٢٧٨، ولأسماء بنت أبي بكر في العقد الفريد ٣/ ٢٧٧، وبلا نسبة في الأزهية ص ٤٩، والإِنصاف ٢/ ٦٤١، وتخليص الشّواهد ص ٣٧٩، والجنى الدّاني ص ٢٠٨، ورصف المباني ص ١٠٩، وسر صناعة الإِعراب ٢/ ٥٤٨، ٥٥٠، وشرح ابن عقيل ص ١٩٣، وشرح عمدة الحافظ ص ٢٣٦، وشرح المفصل ٨/ ٧١، ٩/ ٢٧، واللّامات ص ١١٦، ومجالس ثعلب ص ٣٦٨، والمحتسب ٢/ ٢٥٥، ومغني اللّبيب ١/ ٢٤، والمقرب ١/ ١١٢، والمنصف ٣/ ١٢٧، وهمع الهوامع ١/ ١٤٢. اللغه: شلت: أصيبت بالشّلل. المتعمد: القاصد. المعنى: تدعو الشّاعرة على عمرو بن جرموز قاتل زوجها الزّبير بن العوام بشل يمينه، وبإِنزال أشد العقوبات به. الإِعراب: شَلَّت: فعل ماض، والتّاء للتأنيث. بمينك: فاعل مرفوع، وهو مضاف، والكاف ضمير في محل جر بالإِضافة. إِنْ: حرف مشبه بالفعل بطل عمله. قتلت: فعل ماض، والتّاء ضمير في محل رفع فاعل. لَمسلمًا: اللّام الفارقة أو الابتدائية، مسلمًا مفعول به منصوب. حلت: فعل ماض، والتّاء للتأنيث. عليك: جار ومجرور متعلقان بحلت. عقوبة: فاعل مرفوع، وهو مضاف. المتعمِد: مضاف إِليه مجرور بالكسرة. وجملة (شلت يمينك): ابتدائية لا محل لها من الإِعراب. وجملة (قتلت): استئنافية لا محل لها من الإِعراب. وجملة (حلت عقوبة): استئنافية لا محل لها من الإِعراب. الشَّاهد: قوله: (إِن قتلت لمسلمًا)؛ حيث ولي (إِنْ) المخففة من الثّقيلة فعل ماض غير ناسخ وهو قتلت، وهذا شاذ لا يقاس عليه إِلا عند الأخفش.
(٢) سقط من (ب).
(٣) التخريج: شطر بيت من الطويل، وهو من شواهد التوضيح والتصحيح لابن مالك غير منسوب لقائل، (١٠٥). الشاهد: قوله: (منميا)؛ حيث سقطت اللام الداخلة في خبر الناسخ.
[ ١ / ٥٣٦ ]
حيث لم يقل: لمنميًا.
واللَّه الموفق
ص:
١٩٣ - وَإِنْ تُخَفَّفْ أَنَّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنّ وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ أَنّ (^١)
ش:
تخفف (أنَّ) المفتوحة جوازًا، فيجب حذف اسمها.
وهو ضمير شأن عند ابن الحاجب.
ويجوز كونه غير ضمير شأن عند المنصف، ولهذا قال أبو حيان: ويجوز أَن يعود إِلى حاضر أَو غائب معلوم.
ولهذا قدر سيبويه فِي قوله تعالَى: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾: أنك يا إبراهيم. انتهى.
وقيل: مفسرة هنا.
وقرأ زيد بن علي بحذفها.
ويجب أَن يكون خبرها جملة اسمية أَو فعلية.
فالأول: (علمت أَنْ زيد قائم)؛ فـ (أنْ) مخففة من الثّقيلة، واسمها: ضمير شأن محذوف، وجملة (زيد قائم): خبر فِي محل رفع، والتّقدير: (أنْه زيد قائم)؛ أَي: الأمر أَو الشّأن زيد قائم، ومنه قولُ الشّاعرِ:
_________________
(١) وإن: شرطية. تخفف: فعل مضارع مبني للمجهول فعل الشرط. أنّ: قصد لفظه: نائب فاعل لتخفف. فاسمها: الفاء لربط الجواب بالشرط، اسم: مبتدأ، واسم مضاف، والضمير مضاف إليه. استكن: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى اسمها، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ وخبره في محل جزم جواب الشرط. والخبر: مفعول مقدم على عامله وهو قوله: اجعل الآتي. اجعل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. جملةً: مفعول ثان لاجعل. من بعد: جار ومجرور متعلق باجعل، وبعد مضاف. وأن: قصد لفظه: مضاف إليه.
[ ١ / ٥٣٧ ]
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعل (^١)
فـ (كل): مبتدأ، و(هالك): خبر مقدم، والجملة: خبر (أَنْ)، والتّقدير: (أنه هالك كل من يحفَى وينتعل.
والحافي والمنتعل هنا: الفقير والغني.
وهي مخففة فِي قوله تعالَى: ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
والمسبوقة بالدّعاء؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، التّقدير: (أنه لا إِله إِلَّا هو)، و(أنه الحمد لله رب العالمين).
_________________
(١) التخريج: هذا بيتٌ من البسيط، وهو للأعشى الكبير، يُنظر في: الكتاب ٢/ ١٣٧، والمقتضب ٣/ ٩، والخصائص ٢/ ٤٤١، وأمالي ابن الشّجريّ ٢/ ١٧٨، والإِنصاف ١/ ١٩٩، وشرح المفصّل ٨/ ٧١، وشرح الكافية الشّافية ١/ ٤٩٧، وابن النّاظم ١٨١، وتخليص الشّواهد ٣٨٢، والمقاصد النّحويّة ٢/ ٢٨٧، والخزانة ٨/ ٣٩٠، والدّيوان ٥٩. وقبله قوله: وَقَد غَدَوتُ إِلى الحانوتِ يَتبَعُني شاوٍ مِشَلٌّ شَلولٌ شُلشُلٌ شَوِلُ قال الأستاذ إبراهيم الصاعدي في تحقيقه للمحة: والنّحويّون أوردوه على ما ذكر الشّارح، والَّذي ثبت في ديوانه في عجز البيت: أَنْ لَيْسَ يَدْفَعُ عَن ذِي الْحيلَةِ الحِيَلُ وأمّا العجز الذي أوردوه فليس فيه من كلام الأعشى إِلّا قوله: (يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ) فإِنّه عجُز بيتٍ آخر من القصيدة؛ وهو: إِمَّا تَرَيْنَا حُفَاةً لَا نِعَالَ لنَا إِنَّا كَذلِكَ مَا نَحْفَى وَنَنْتَعِلُ المعنى: هم بين فتية كالسّيوف الهنديّة في مضائهم وحدّتهم، وأنّهم موطِّنون أنفسهم على الموت موقنون به؛ لأنّهم قد علِموا أنّ الإِنسان هالكٌ، سواءٌ كَانَ غنيًا أو فقيرًا. الإِعراب: في فتية: جار ومجرور في محل النّصب على الحال من يتبعني في البيت قبله. كسيوف: جار ومجرور صفة لفتية. الهند: مضاف إِليه. قد: حرف تحقيق. علموا: فعل وفاعل والجملة: صفة أيضًا لفتية. أن: مخففة من الثّقيلة. هالك: خبر مقدم. كل: مبتدأ مؤخر. من: اسم موصول مضاف إِليه. يحفى: فعل مضارع والفاعل ضمير. وينتعل: عطف عليه، وجملة (يحفى): لا محل لها من الإِعراب صلة الموصول، والجملة في موضع مفعول علموا. الشَّاهد: قوله: (أن هالك)؛ حيث خفف (إِنِّ) عن المثقلة وجاء خبرها جملة اسمية.
[ ١ / ٥٣٨ ]
والجرجاني: أنها زائدة فِي: (أَن الحمد لله).
قال السّمين: وهي دعوَى لا دليل لها.
وقرأ مجاهد وقتادة ويعقوب: (أَنَّ الحمد لله) بالتّشديد ونصب (الحمد).
والثّاني: كقولك: (علمت أَن سيقوم)، و(أن قَدْ قمت)؛ أَي: أنه سيقوم، وأنه قَدْ قمت.
ويجوز أَن تقترن الجملة الفعلية بأداة الشّرط؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾.
ولَا يظهر اسمها مخففة إِلَّا فِي الضّرورة؛ كقولِ الشَّاعرِ:
فَلَوْ أنْكِ فِي يَوْمِ الرّخَاءِ سَأَلْتِنِي (^١)
_________________
(١) صدر بيت من الطويل وعجزه: طَلَاقَكِ لَمْ أَبْخَلْ وَأَنْتِ صَدِيْقُ التخريج: البيت بِلَا نسبة في الأزهية ص ٦٢، والأشباه والنّظائر ٥/ ٢٣٨، ٢٦٢، والإِنصاف ١/ ٢٠٥، والجنى الدّاني ص ٢١٨، وخزانة الأدب ٥/ ٤٢٦، ٤٢٧، ١٠/ ٣٨١، ٣٨٢، والدّرر ٢/ ١٩٨، ورصف المباني ص ١١٥، وشرح شواهد المغني ١/ ١٠٥، وشرح المفصل ٨/ ٧١، ولسان العرب ٤/ ١٨١ حرر، ١٠/ ٩٤ صدق، ١٣/ ٣٠ أنن، ومغني اللّبيب ١/ ٣١، والمقاصد النّحوية ٢/ ٣١١، والمنصف ٣/ ١٢٨، وهمع الهوامع ١/ ١٤٣. المعنى: يقول: لو سألتني إِخلاء سبيلك لم أمتنع من ذلك وَلَم أبخل، مع ما أنت عليه من صدق المودة. الإِعراب: فلو: الفاء بحسب ما قبلها، لو: حرف شرط غير جازم. أنْك: حرف مشبه بالفعل مخفف، والكاف: ضمير في محل نصب اسم أنْ. في يوم: جار ومجرور متعلقان بسأل، وهو مضاف. الرّخاء: مضاف إِليه مجرور. سألتِني: فعل ماض، والتّاء ضمير في محل رفع فاعل، والنّون للوقاية، والياء ضمير في محل نصب مفعول به. والمصدر المؤول من (أن) وما بعدها في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره: ثبت. طلاقك: مفعول به ثان، وهو مضاف، والكاف ضمير في محل جر بالإِضافة. لم: حرف جزم. أبخل: فعل مضارع مجزوم، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنا. وأنت: الواو حالية، أنت: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ. صديق: خبر المبتدأ مرفوع. وجملة (لو أنْك) الشّرطية: بحسب ما قبلها. وجملة (سألتني): في محل رفع خبر أن. وجملة (لم أبخل): جواب شرط غير جازم لا محل لها من الإِعراب. وجملة (وأنت صديق): في محل نصب حال. الشَّاهد: قوله: (أنْك)؛ حيث خففت (أنَّ) المفتوحة، وجاء اسمها ضميرًا بارزًا هو الكاف، وهذا شاذ.
[ ١ / ٥٣٩ ]
وقولِ الآخرِ:
بأَنْكَ رَبِيعٌ وَغَيْثٌ مَرِيعٌ وَأَنْكَ هُنَاكَ تَكُونُ الثِّمَالا (^١)
فبرز اسمها وهو ضمير حاضر علَى قول سيبويه والمصنف كما سبق.
ولَا تسمَى هذه الكاف ضمير شأن؛ لأنَّ الخبر مفرد فِي قوله: (بأنْك ربيع)، فهذا ونحوه شاذ عند المصنف من جهة بروز اسمها فقط.
وشاذ عند ابن الحاجب من جهة بروز اسمها، ومن جهة كونها غير ضمير شأن.
تنبيه:
سبق أَن المكسورة إِذا خففت يقل إعمالها.
والمفتوحة إِذا خففت تعمل فِي ضمير الشّأن ونحوه.
قال الشّيخ أوثرت المفتوحة ببقاء العمل؛ لأنَّ لفظها كلفظ الماضي؛ نحو:
_________________
(١) التخريج: البيت لكعب بن زهير في الأزهية ص ٦٢، وتخليص الشّواهد ص ٣٨٠، وليس في ديوانه، وهو لجنوب بنت عجلان في الحماسة الشّجرية ١/ ٣٠٩، وخزانة الأدب ١٠/ ٣٨٤، وشرح أشعار الهذليين ٢/ ٥٨٥، وشرح التّصريح ١/ ٢٣٢، والمقاصد النّحوية ٢/ ٢٨٢، ولعمرة بنت عجلان أو لجنوب بنت عجلان في شرح شواهد المغني ١/ ١٠٦، وبلا نسبة في الإِنصاف ١/ ٢٠٧، وأوضح المسالك ١/ ٣٧٠، وخزانة الأدب ٥/ ٤٢٧، وشرح المفصل ٨/ ٧٥، ولسان العرب ١٣/ ٣٠ أنن، ومغني اللّبيب ١/ ٣١. اللغة: ربيع: أي كثير الخير. غيث: مطر. مريع: خصيب. الثّمال: المعين. المعنى: إِن الممدوح كثير العطاء، يغيث الملهوف، ويعين المحتاج. الإِعراب: بأنك: الباء حرف جر، وأنْك: مخففة عن (أنَّ) المشددة، حرف مشبه بالفعل، والكاف: ضمير متصل مبني في محل نصب اسم أنْ. ربيع: خبر أنْ مرفوع بالضّمة. وغيث: الواو حرف عطف، وغيث معطوف على ربيع مرفوع بالضّمة. مريع: نعت غيث مرفوع بالضّمة. وأنك: الواو حرف عطف، وأنك معطوفة على أنك الأولى، وتعرب إِعرابها. هناك: ظرف مكان متعلق بالفعل تكون. تكون: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت. الثِّمالا: خبر تكون منصوب بالفتحة، والألف للإِطلاق. الشَّاهد: قوله: (بأنْك ربيع)؛ حيث ظهر اسم (أنْ) المخففة من الثقيلة شذوذًا، والأصل أن يكون ضمير شأن.
[ ١ / ٥٤٠ ]
(عَضَّ) مقصودًا به المضي أَو الأمر.
بخلاف المكسورة؛ فإِنها تشبه الأمر فقط؛ نحو: (جِدَّ) بكسر الجيم.
ولَا يفسر ضمير الشّأن إِلَّا بجملة علَى ما سبق؛ سواء حذف أَو ذكر؛ نحو: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾.
وأَجازَ الكوفيون: أَن يفسر بمفرد؛ نحو: (أنه زيد).
وأَجازَ البصريون تذكيره وتأنيثه مطلقا.
والأحسن: أَن يؤنث مع المؤنث؛ نحو: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾.
ويذكر مع المذكر؛ نحو: (إنه زيد قائم).
ويضعف: (إنه هند قائمة)، و(إنها زيد قائم).
ويجوز الوجهان مع الظّرف؛ نحو: (إنه عندك جارية)، و(إنها عندك جارية).
ومنع الأخفش والفراء وقوعه مبتدأ.
والصّحيح: أنه يقع مبتدأ؛ كما فِي: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ علَى إعرابٍ فِي الآية الكريمة.
ومنع الفراء أيضًا وقوعه في باب (كَانَ)، وسبق ذكره فِي بابها.
والَّذي نص عليه الشّيخ ﵀ فِي "شرح الكافية": أَن ضمير الشّأن يعمل فيه أَن وأخواتها، وَكَانَ وأخواتها، وظننت وأخواتها.
ومن أمثلته: (كَانَ اللَّه أحد)، علَى أَن الضّمير مستتر فِي (كَانَ).
ويستكن أيضًا فِي باب (كاد)؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾.
وقد حذف مع (إنَّ) المشددة المكسورة فِي قوله ﵊: "إن من أشد النّاس " كما سبق ذكره، ونحو قولِ الشّاعرِ:
إِنّ مَن يَدْخُلِ الكَنِيسَةَ يَوْمًا يَلْقَ فيها جَآذِرًا وظِباءَ (^١)
_________________
(١) التخريج: البيت للأخطل في خزانة الأدب ١/ ٤٥٧، والدّرر ٢/ ١٧٩، وشرح شواهد المغني
[ ١ / ٥٤١ ]
فاسمها: ضمير شأن محذوف، والشّرط وجوابه: فِي موضع رفع علَى الخبر؛ أَي: إنه من يدخل الكنيسة إِلَى آخره.
ولضمير الشّأن خصائص:
١ - فَلَا يعود علَى مذكور قبله.
٢ - ولَا يعطف عليه.
٣ - ولَا يبدل منه.
٤ - ولَا يؤكد.
_________________
(١) ٢/ ٩١٨، وليس في ديوانه، وهو بِلَا نسبة في الأشباه والنّظائر ٨/ ٤٦، وأمالي ابن الحاجب ١/ ١٥٨، وخزانة الأدب ٥/ ٤٢٠، ٩/ ١٥٥، ١٠/ ٤٤٨، ورصف المباني ص ١١٩، ومغني اللّبيب ١/ ٣٧، وهمع الهوامع ١/ ١٣٦. اللُّغة: الجآذِر: جمع جُؤْذُر، وهو ولد البقرة الوحشيّة. وهي هنا كناية عن الأولاد. الظّباء: جمع ظبية وهي الغزالة. وهي هنا كناية عن النّساء. المعنى: من يدخل الكنيسة .. يلق فيها أولاد النّصارى الذين هم كالجآذر في دعتها، ويلق نساء النّصارى اللّواتي هن كالغزلان في جمالها ورشاقتها. الإِعراب: إِنَّ: حرف مشبّه بالفعل، واسم إِنَّ ضمير الشّأن المحذوف. مَنْ: اسم شرط جازم، مبني على السّكون في محل رفع مبتدأ. يدخل: فعل مضارع مجزوم لأنّه فعل الشّرط، وعلامة جزمه السّكون، وحركه بالكسر منعًا لالتقاء السّاكنين، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو. الكنيسة: مفعول به منصوب بالفتحة الظّاهرة. يومًا: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلّق بالفعل يدخل. يلقَ: فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة من آخره، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو. فيها: جار ومجرور متعلقان بالفعل يلقَ. جآذرًا: مفعول به منصوب بالفتحة. وظباءَ: الواو: حرف عطف، ظباءً: اسم معطوف على جآذرًا منصوب مثله بالفتحة. وجملة (إِنّ من يدخل يلقَ): ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة (مَنْ يدخل يلقَ): في محل رفع خبر إِنّ. وجملة (يدخل): جملة الشّرط غير الظَّرفي لا محل لها من الإِعراب. وجملة (يلقَ): لا محل لها من الإِعراب؛ لأَنَّها جملة جواب الشرط الجازم وَلَم تقترن بالفاء أو إِذا. وجملة فعل الشّرط وجوابه: في محل رفع خبر مَنْ، وجملة المبتدأ والخبر في محل رفع خبر إِنّ. الشَّاهد: قوله: (إِن مَن يدخلِ الكنيسة يلقَ)؛ حيث حذف اسم إِنّ، وهو ضمير الشّأن. ولَا يجوز اعتبار مَنْ اسمها؛ لأنَّها شرطيّة؛ بدليل جزمها الفعلين، والشّرط لهُ الصّدر في جملته، فَلَا يعمل فيه ما قبله. وضمير الشأن يُحذف في الشّعر كثيرًا.
[ ١ / ٥٤٢ ]
٥ - ولَا تقدم الجملة عليه.
٦ - ولَا يحتاج إِلَى ضمير فيها.
٧ - ولَا يخبر عنهُ بالَّذي وفروعه.
٨ - ولَا يعمل فيه إِلَّا الابتداء أَو ناسخه.
٩ - وهو ملازم للإفراد مطلقًا.
واللَّه الموفق
ص:
١٩٤ - وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيْفُهُ مُمْتَنِعًا (^١)
١٩٥ - فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِقَدْ أوْ نَفْي أوْ تَنْفِيْسٍ أوْ لَوْ وَقَلِيْلٌ ذِكْرُ لَوْ (^٢)
ش:
سبق أَن خبر المفتوحة المخففة لا يكون إِلَّا جملة.
* فإن كَانَ اسمية لم يحتج إِلَى فاصل بينهما وبين الخبر؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* وإِن كَانَ فعلية والفعل غير متصرف .. فكذلك؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَأَنْ
_________________
(١) وإن: شرطية. يكن: فعل مضارع ناقص فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الخبر. فعلًا: خبر يكن. ولم: الواو واو الحال، لم: حرف نفي وجزم وقلب. يكن: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الفعل، أو إلى الخبر. دُعا: قصر للضرورة: خبر يكن المنفي بلم، والجملة من يكن المنفي بلم واسمه وخبره: في محل نصب حال. ولم: الواو عاطفة، لم: حرف نفي وجزم وقلب. يكن: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم. تصريفه: تصريف: اسم يكن، وتصريف مضاف، والهاء مضاف إليه. ممتنعا: خبر يكن الأخير.
(٢) فالأحسن: الفاء واقعة في جواب الشرط الواقع في أول البيت السابق، الأحسن: مبتدأ. الفصل: خبر المبتدأ. بقد: جار ومجرور متعلق بقوله: الفصل. أو نفي، أو تنفيس، أو لو: كل واحد منها معطوف على قد. وقليل: الواو عاطفة، وقليل: خبر مقدم. ذكر: مبتدأ مؤخر، وذكر مضاف. ولو: قصد لفظه مضاف إليه.
[ ١ / ٥٤٣ ]
عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
* وكذا إن كَانَ متصرفًا وقصد به الدّعاء؛ كقراءة: (والخامسة أَنْ غضب اللَّه عليها) بتخفيف (أَنْ)، و(غضِبَ) بصيغة الماضي.
* فإِن لم يقصد به الدّعاء .. فالأحسن الفصل.
وابن الحاجب، يوجبه.
ويكون الفصل بـ (قد)، أَو بحرف التّنفيس، أَو بالنّفي، أَو بـ (لو).
وليس الفصل بـ (لو) قليلًا، وإِنما قلَّ من ذكرها من النّحويين كما قاله الشّيخ.
فالأول: كقولِهِ تعالَى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، ونحو قول الشّاعر:
شَهَدْتُ بِأَن قَدْ خُطَّ مَا هُو كَائِنٌ وَأَنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ (^١)
_________________
(١) التخريج: البيت من الطويل، وهو من شواهد شرح الشافية ١/ ٥٩، ومن شواهد الأشموني ١/ ٣٢١، وَلَم ينسب إِلى أحد في الكتب المذكورة. اللُّغة: خُطَّ: كُتِبَ. تمحو: تزيل. الإِعراب: شهدت: فعل ماض، والتّاء: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. بأن: الباء: حرف جر، أن: حرف مشبه بالفعل مخففة من أنَّ، واسمه ضمير الشّأن محذوف. قد: حرف تحقيق. خُط: فعل ماض للمجهول. ما: اسم موصول مبني في محل رفع نائب فاعل. هو: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ. كائن: خبر مبتدأ مرفوع. وأنَّك: الواو: حرف عطف، أَنَّك: حرف مشبه بالفعل، والكاف: ضمير متصل مبني في محل نصب اسم أنّ. تمحو: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. ما: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به. تشاء: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. وتثبت: الواو: حرف عطف، تثبت: فعل مضارع مرفوع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. وجملة (شهدت): ابتدائية لا محل لها من الإِعراب. والمصدر من أنْ وما بعدها: في محل جر بحرف الجر. وجملة (قد خط ما هو كائن): في محل رفع خبر أنّ. وجملة (هو كائن): صلة الموصول لا محل لها من الإِعراب. وجملة (أنك تمحو): معطوفة على جملة سابقة. وجملة (تمحو): في محل رفع خبر أنّ. وجملة (تشاء): صلة الموصول لا محل لها من الإِعراب. وجملة (تثبت): معطوفة على سابقتها. الشَّاهد: قوله: (بأن قد خط)؛ حيث أعمل (أنْ) المخففة من (أنَّ) الثّقيلة فنصب ضمير الشّأن اسمًا لها، والجملة الفعلية هي خبرها، وقد فصل بين أن وخبرها بالحرف قد.
[ ١ / ٥٤٤ ]
وقولِ الآخرِ:
أَلَمْ تَعلَمِي أَنْ قَدْ تَفرَّق قَبلَنَا خَلِيلَا صَفَاءٍ مَالِكٌ وَعَقِيلُ (^١)
_________________
(١) التخريج: البيت في ديوان الهذليين ٢/ ١١٦: وهو لأبي خِراش، واسمه خُوَيلِد بنُ مُرُّة أحدُ بني قِرد بنِ عمرو بنِ معاوية بن تميم بن سعد بن هُذَيل، ومات في زمن عمر بنِ الخطاب -رضي اللَّه تعالى عنه- نهشته حيّة - وهو صحابيّ. قال أبو حِراش - يرثي أخاه عمرو بنَ مُرّة وإخوَتَه فَرَطوا أمامَه. وأبو خراش وإخوتُه بنو لُبْنَى: لَعَمْرِي لقد راعت أُمَيْمةَ طَلْعتي وإنّ ثَوائي عندها لَقليلُ تقول أَراه بعد عُرْوةَ لاهِيًا وذلك رُزْءٌ لو عَلمتِ جليلُ ولا تحسَبي أنِّي تناسَيتُ عهدَه ولكنّ صبري يا أُمَيْمَ جميلُ ألم تعلمي أن قد تَفرَّقَ قبلَنا خليلَا صَفاءٍ مالكٌ وعَقيلُ اللغة: ثَوائي: مُكْثي، والثَّواء: المُقام. يقول: راعَتْها رُؤْيتي. لاهيًا: لاعبًا، من اللَّهو. جليل: عظيم. مالك وعقيل: هما من بلقين، وهما ابنا فارج، ولهما قصة ذكرها الميداني في مجمع الأمثال ٢/ ١٣٧: قَال عند ذكره للمثل القائل: (كبر عمرو على الطوق): قال المفضل: أولُ من قَال ذلك جَذيمة الأبرش، وعمرو هذا: ابن أخْتِهِ، وهو عمرو بن عديِّ بن نصر وكان جَذيمة ملك الحيرةَ، وجَمَع غِلْمانا من أبناء الملوك يخدمونه منهم عديٌّ بن النصر، وكان له حظ من الجَمَال، فعشقته رَقَاشِ أخت جَذِيمة، فَقَالت له: إذا سقيت الملك فسَكِرَ فاخطبني إليه، فسقى عديٌّ جَذِيمَةَ ليلة وألطف له في الخدمة، فأسرعت الخمر فيه، فَقَال له: سَلْنِي ما أحبَبت، فَقَال: أسألُك أن تُزَوجْني رَقَاشِ أخْتَك، قَال: ما بِها عنك رغبة، قد فعَلْتُ، فعلمت رَقَاشِ أنه سينكر ذلك عند إفاقته، فَقَالت للغلام: أُدْخُل على أهلكَ الَليلةَ، فدخلَ بها وأصبح وقد لبث ثيابًا جُدُدًا، وتَطَيَّبَ، فلما رآه جَذيمة قَال: يا عَدِيُّ ما هذا الذي أرى؟ قَال: أنكحْتَنِي أخْتَكَ رَقَاشِ البَارِحَة، قَال: ما فعلتُ؟ ثم وضَعَ يَده في التراب وجعل يضرب بها وجهه ورأسَه، ثم أقبل على رَقاشِ فَقَال: حدِّثيني وأنتِ غَيْرُ كَذُوبٍ أبِحُرٍّ زنَيْتِ أم بِهَجِينِ أمْ بِعَبْدٍ وأنت أهلٌ لِعَبْدِ أم بِدُونٍ وأنتِ أهلٌ لِدُونِ قَالت: بل زوجتني كُفُؤًا كريمًا من أبناء الملوك، فأطرقَ جذيمة، فلما رآه عدي قد فعل ذلك .. خافه على نفسه فهرب منه ولحقَ بقومه وبلاده، فمات هُناك، وعَلِقت منه رقاشِ فولدت غلامًا فسماه جذيمة عمرًا، وتبنَّاه، وأحبه حبًا شديدًا، وكان جذيمة لا يولد له، فلما بلغ الغلام ثمان سنين .. كان يخرج في عدةٍ من خدمِ الملك يجتنون له الكِمأة، فكانوا إذا وجدوا كمأة خيارًا أكلوها وراحوا بالباقي إلى الملك، وكان عمرو لا يأكل مما يجني، ويأتي به جذيمةَ فيضعه بين يديه، ويقول:
[ ١ / ٥٤٥ ]
ولا يفصل الماضي إِلَّا بقد.
وهي مقدرة فِي: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾.
والثاني: كقولِهِ تعالَى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾.
وقولِ الشّاعرِ:
وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ أنْ سَوْفَ يَأتِي كُلُّ مَا قُدِرَا (^١)
_________________
(١) هَذا جَنايَ وخِيَارُهُ فِيهِ إذْ كَلُّ جَانٍ يَدُهُ إلى فيه فذهبت مَثَلًا، ثم إنه خرج يومًا وعليه ثيابٌ وحُلي فاستطِيرَ، ففُقِدَ زَمانًا، فضرب في الآفاق فلم يوجد، وأتى على ذلك ما شاء الله، ثم وجده مالك وعقيل ابنا فارج، رجلان من بلْقَيْن كانا يتوجَّهان إلى الملك بهدايا وتحفٍ، فبينما هما نازلان في بعض أودِيةِ السَّمَاوة انتهى إليهما عمرو بن عدي، وقد عفَتْ أظْفَارَهُ وشعره، فَقَالا له: مَنْ أنت؟ قَال: ابنُ التَّنُوخية، فلَهَيَا عنه وقَالا لجارية معهما: أطعمينا، فأطعمتهما، فأشار عمرو إلى الجارية أن أطعميني، فأطعمته، ثم سقتهما، فَقَال عمرو: اسقِنِي، فَقَالت الجارية: لا تُطْعم العبدَ الكُرَاع فيطْمَع في الذِّراعِ، فأرسلتها مَثَلًا. ثم إنهما حَمَلَاهُ إلى جذيمة فعرفه، ونظر إلى فتى ما شاء من فتى، فضمَّه وقَبِلَهُ وقَال لهما: حكَّمْتُكما، فسألاه منادمته، فلم يزالا نديميه حتى فرَّقَ الموت بينهم. وبعث عمرًا إلى أمه، فأدخلته الحمام وألبسته ثيابه، وطوَّقته طَوْقًا كان له من ذهب، فلما رآه جذيمة .. قَال: كَبُرَ عمرو عن الطَّوقِ، فأرسلها مَثَلًا. وفي مالك وعقيل يقولوا مُتَمِّمُ بن نُويرة يرثي أخاه مالك بن نُوَيرة: وكُنَّا كَنَدْمانَيّ جَذِيمة حقْبَةً مِنَ الدَّهرِ حتَّى قِيل لَنْ نَتَصَدَّعا وعِشْنَا بِخَيْرٍ في الحَيَاةِ وَقَبْلَنَا أصَابَ المنايَا رَهْطَ كِسْرَى وَتُبَّعا فَلَّمَا تَفَرَّقْنَا كَأنِّي وَمَالِك لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبَتْ لَيْلَةً معًا قلت: اللام في (لطول اجتماع) يجوز أن تتعلقَ بـ (تفرقنا)؛ أي: تفرقنا لاجتماعنا، يشير إلى أن التفرقَ سببه الاجتماع. ويجوز أن تكون اللام بمعنى (على). ومالك وعقيل المذكوران قَال ابن الكلبي: يضرب المثل بهما للمُتُوَاخِيَين، فيقَال: (هما كنَدْمَانَيّ جَذِيمة). قَالوا: دامت لهما رُتبة المنادمة أربعين سنة. الشاهد: قوله: (أن قد تفرق)؛ حيث أعمل (أنْ) المخففة من (أنَّ) الثّقيلة فنصب ضمير الشّأن اسمًا لها، والجملة الفعلية هي خبرها، وقد فصل بين أن وخبرها بالحرف قد.
(٢) التخريج: البيت بِلَا نسبة في الدّرر ٤/ ٣٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٢٨، ومعاهد التّنصيص
[ ١ / ٥٤٦ ]
ودخله الخبن.
والثّالث: لقوله تعالَى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾، ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾؛ أَي: أنه لم يره أحد.
والرّابع: كقولِهِ تعالَى: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾، ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾.
وقد جاء الفعل المتصرف بِلَا فاصل فِي قوله تعالَى: (لمن أراد أَن يتمُّ الرّضاعة) فِي قراءة الرّفع.
ونحو قولِ الشّاعرِ:
عَلِمُوا أَنْ يُؤَمِّلُونَ فَجَادُوْا (^١)
_________________
(١) ١/ ٣٧٧، ومغني اللّبيب ٢/ ٣٩٨، والمقاصد النّحوية ٢/ ٣١٣، وهمع الهوامع ١/ ٢٤٨. الإِعراب: واعلم: الواو بحسب ما قبلها، اعلم: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنت. فعِلمُ: الفاء حرف تعليل، علم: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. المرء: مضاف إِليه مجرور. ينفعه: فعل مضارع مرفوع، والهاء ضمير في محل نصب مفعول به، وفاعله ضمير مستتر تقديره: هو. أنْ: حرف مشبه بالفعل مخفف، واسمه ضمير الشّأن المحذوف وجوبًا. سوف: حرف تنفيس. يأتي: فعل مضارع مرفوع. كل: فاعل مرفوع بالضّمة، وهو مضاف. ما: اسم موصول مبني في محل جر بالإِضافة. قُدِرا: فعل ماض للمجهول، والألف للإِطلاق، ونائب فاعله ضمير مستتر تقديره: هو. والمصدر المؤول من أنْ وما بعدها سدّت مسد مفعولي اعلم. وجملة: (اعلم): بحسب ما قبلها. وجملة (علم المرء ينفعه): تعليلية لا محل لها من الإِعراب. وجملة (ينفعه): في محل رفع خبر المبتدأ. وجملة (يأتي): في محل رفع خبر أنْ. وجملة (قُدِرا): صلة الموصول لا محل لها من الإِعراب. الشَّاهد: قوله: (أن سوف يأتي)؛ حيث جاء خبر أنْ المخففة جملة فعلية، فعلها ليس بدعاء، وقد فصل بين أنْ وخبرها بحرف تنفيس سوف.
(٢) صدر بيت من الخفيف، وعجزه: قَبْلَ أَنْ يُسْألُوا بِأَعْظَمِ سُؤْلِ التخريج: البيت بِلَا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٧٣، وتخليص الشّواهد ص ٣٨٣، والجنى الدّاني ص ٢١٩، والدّرر ٢/ ١٩٧، وشرح التّصريح ١/ ٢٣٣، وشرح ابن عقيل ص ١٩٦، والمقاصد النّحوية ٢/ ٢٩٤، وهمع الهوامع ١/ ١٤٣. اللغة: يؤملون: يرجى عطاؤهم. جادوا: أعطوا. السّؤل: السّؤال والطّلب. المعنى: يقول: عرفوا أنهم يرجى عطاؤهم والنّاس ينتظرونه، فجادوا بعطائهم قبل أن يُسألوا. الإِعراب: علموا: فعل ماض مبني على الضّمة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. أنْ:
[ ١ / ٥٤٧ ]
وقولِ الآخرِ:
أَبَى عُلَماءُ النّاسِ أَنْ يُخبِرونَنِي (^١)
وقولِ الآخرِ:
أنْ تَهْبِطِينَ بِلادَ قَوْمٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطّلاحِ (^٢)
_________________
(١) مخففة من أنَّ، واسمها محذوف. يؤمّلون: فعل مضارع للمجهول مرفوع بثبوت النّون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل. فجادوا: الفاء حرف عطف، وجادوا: فعل ماض مبني على الضّم، والواو: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل. قبل: ظرف زمان منصوب متعلق بالفعل جادوا. أنْ: حرف نصب. يُسألوا: فعل مضارع للمجهول منصوب بحذف النّون، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع نائب فاعل. بأعظم: الباء حرف جر، أعظم: اسم مجرور بالكسرة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل جادوا، وهو مضاف. سؤل: مضاف إِليه مجرور بالكسرة. وجملة (علموا): ابتدائية لا محل لها من الإِعراب. وجملة (أن يؤملون): في محل نصب مفعول به. وجملة (يؤملون): في محل رفع خبر أَنْ. وجملة (جادوا): معطوفة على جملة (علموا) لا محل لها من الإِعراب. وجملة (أن يسألوا): في محل جر بالإِضافة. الشَّاهد: قوله: (علموأ أن يؤملون)؛ حيث أعمل أنْ المخففة من أنَّ المشددة في الاسم المحذوف الذي هو ضمير الشّأن، وفي الخبر الذي هو جملة يؤملون، مع أن جملة الخبر يؤملون فعلية فعلها متصرف غير دعاء، وَلَم يأت بفاصل بين أنْ وجملة الخبر.
(٢) التخريج: صدر بيت من الطويل، وعجزه: بناطقةٍ خَرساءَ مُسْوَاكُها حَجَرْ المعنى: هذا كما قال الزمخشري في ربيع الأبرار ٣/ ٤٦٥: سؤال، يسأل فيه عن الاست. وهو في شواهد التوضيح والتصحيح بلا نسبة (٢٣٦). الشاهد: قوله: (أن يخبرونني)؛ حيث أعمل (أنْ) المخففة من أنَّ المشددة في الاسم المحذوف الذي هو ضمير الشّأن، وفي الخبر الذي هو جملة (يخبرونني)، مع أن جملة الخبر (يخبرونني) فعلية فعلها متصرف غير دعاء، وَلَم يأت بفاصل بين أنْ وجملة الخبر.
(٣) التخريج: البيت للقاسم بن معن في المقاصد النحوية ٢/ ٢٩٧، وخزانة الأدب ٨/ ٤٢١، وبلا نسبة في الأزهية ص ٦٥، ورصف المباني ص ١١٣، وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٤٤٨، ولسان العرب ٢/ ٥٣٢ (طلح)، ٩/ ١٩٨ (صلف)، ١٣/ ٣٦ (أنن)، وقبل هذا البيت قوله: إنّي زَعِيمٌ يَا نُوَيْـ ـقَةُ إِنْ أمِنْتِ مِنَ الرَّزَاحِ وَنَجَوْتِ مِنْ عَرَضِ المَنُو نِ مِنَ الْعَشِيّ إلَى الصَّبَاحِ أن تَهْبِطينَ بِلَادَ قَوْ مٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطِّلَاحِ اللغة: زعيم: كفيل. نويقة: تصغير ناقة، وهي أنثى الجمل. الرزاح: السقوط من الإعياء والهزال. المنون:
[ ١ / ٥٤٨ ]
نوع من الشّجر.
ويحتمل أَن تكون (أَن): مصدرية فِي هذه المواضع وأهملت؛ لأنَّ بعض العرب لم تنصب بها المضارع كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالَى فِي محله.
واللّه الموفق
ص:
١٩٦ - وَخُفِّفَتْ كَأَنَّ أَيْضًا فَنُوِي مَنْصُوْبُهَا وَثَابِتًا أَيْضًا رُوِي (^١)
ش:
يجوز تخفيف (كأنَّ)، وتكون عاملة حملًا علَى (أَنَّ) المفتوحة.
وينوى اسمها غالبًا.
وقد يثبت فتعمل فيه مخففة؛ كما قال: (وثابتًا أيضًا رُوِي).
فتفارق (أَنَّ):
* فِي أنه لا يجب حذف اسمها.
* ولَا يجب أَن يكونَ خبرها جملة، بَلْ يجوز كونُه مفردًا محذوفًا أَو
_________________
(١) الموت. الطلاح: شجر الموز. الإعراب: أنْ: مخفّفة من أنّ الثقيلة، واسمها ضمير محذوف تقديره: أنّك أو ضمير شأن محذوف. تهبطين: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والياء: ضمير في محل رفع فاعل. بلاد: مفعول به منصوب، وهو مضاف. قوم: مضاف إليه مجرور بالكسرة. يرتعون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو: ضمير في محل رفع فاعل. من الطلاح: جار ومجرور متعلقان بيرتعون. وجملة (تهبطين): في محلّ رفع خبر أن. وجملة (يرتعون): في محلّ جرّ نعت قوم. الشاهد قوله: (أن تهبطين)؛ حيث أعمل أن المخفّفة عمل أنّ الثقيلة، فنصبت اسما لها وهو كاف الخطاب المحذوف، أو ضمير الشأن، ولم يفصل بين أنّ وخبرها أي فاصل.
(٢) وخففت: الواو عاطفة، خفف: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء تاء التأنيث. كأن: قصد لفظه: نائب فاعل لخفف. أيضًا: مفعول مطلق لفعل محذوف. فنوي: الفاء عاطفة، نوي: فعل ماض مبني للمجهول. منصوبها: منصوب: نائب فاعل نوي، ومنصوب: مضاف، والضمير مضاف إليه. وثابتًا: الواو عاطفة، وثابتًا: حال مقدم على صاحبه وهو الضمير المستتر في قوله: روي الآتي. وأيضًا: مفعول مطلق لفعل محذوف روي: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى منصوبها.
[ ١ / ٥٤٩ ]
مذكورًا.
فإِن كَانَ جملة اسمية .. لم يحتج لفاصل؛ كقولِهِ:
وَصَدرٍ مُشرِقِ النّحْرِ كَأنْ ثَديَاهُ حُقَّانِ (^١)
فاسمها: ضمير منوي، والجملة: خبر. أي: كأنه ثديان حقان.
ويروَى: (ثدييه) علَى أنه اسمها، و(حقان): خبرها.
كقولِ الآخرِ:
كأنْ وريديه رشاءُ خُلُبْ (^٢)
_________________
(١) التخريج: البيت بلا نسبة في الإنصاف ١/ ١٩٧، وأوضح المسالك ١/ ٣٧٨، وتخليص الشواهد ص ٣٨٩، والجنى الداني ص ٥٧٥، وخزانة الأدب ١٠/ ٣٩٢، ٢٩٤، ٣٩٨، ٣٩٩، ٤٠٠، ٤٤٠، والدرر ٢/ ١٩٩، وشرح التصريح ١/ ١٣٤، وشرح ابن عقيل ص ١٩٧، وشرح قطر الندى ص ١٥٨، وشرح المفصل ٨/ ٨٢، والكتاب ٢/ ١٣٥، ١٤٠، ولسان العرب ١٣/ ٣٠، ٣٢ أنن، والمقاصد النحوية ٢/ ٣٠٥، والمنصف ٣/ ١٢٨، وهمع الهوامع ١/ ١٤٣. اللغة: النحر: أعلى الصدر. الحقان: مثنى الحق، وهو وعاء صغير يوضع فيه الطيب خصوصًا. وقيل: هو قطعة من خشب أو عاج تنحت أو تسوى. المعنى: يقول: رب صدر متلألئ نحره، يزينه ثديان كأنهما حقان حجمًا وشكلًا. الإعراب: وصدر: الواو: واو رب، حرف جر شبيه بالزائد. صدر: اسم مجرور لفظًا مرفوع محلًا على أنه مبتدأ. وعلى رواية الرفع: الواو: حرف عطف، صدر: معطوف على اسم سابق. مشرق: نعت صدر مجرور أو مرفوع، وهو مضاف، النحرِ: مضاف إليه مجرور. كأنْ: حرف مشبه بالفعل مخفف. واسمه ضمير الشأن المحذوف. ثدياه: مبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى، وهو مضاف، والهاء: في محل جر بالإضافة. حقان: خبر المبتدأ مرفوع بالألف لأنه مثنى. وجملة (صدر مشرق النحر): لا محل لها من الإعراب؛ لأنها استئنافية، أو معطوفة على جملة سابقة. وجملة (كأن ثدياه حقان): في محل رفع خبر المبتدأ صدر. وجملة (ثدياه حقان): في محل رفع خبر كأن المخففة. الشاهد: قوله: (كأن ثدياه حقان)؛ حيث خففت (كأنْ) وأعملت وجعل اسمها ضمير الشأن، ويروى: (كأن ثدييه حقان) على أن (ثدييه) اسمها.
(٢) التخريج: البيت من الرجز، وهو من شواهد: التّصريح: ١/ ٢٣٤، سيبويه: ١/ ٤٨٠، والمقتضب: ١/ ٥٠، وشرح المفصل: ٨/ ٧٢، ٨٣، والمقرب: ٢٠، والخزانة: ٤/ ٣٥٦، والعيني: ٢/ ٢٩٩،
[ ١ / ٥٥٠ ]
فـ (وريديه): اسمها، وما بعده: خبر.
والرّشاء بالكسر: الحبل. والخلب بالمعجمة: اللّيف أَو البئر العميقة.
وقولِ الآخرِ:
كَأَنْ ظَبْيَةً تَعْطُو إِلَى وَارِقِ السّلَم (^١)
_________________
(١) واللّسان خلب وملحقات ديوان رؤبة: ١٦٩، وقبله: يَسُوقُها أَعْيَسُ هَدّارٌ بِبَبْ إِذَا دَعاها أَقْبَلَتْ لا تَتَّئِب اللغة: وريديه: عرقان في الرّقبة. رشاء: بَكسر الرّاء والمد، وهو مفرد، لا مثنى، وصحح الصّاغاني أنه مثنى. الرّشاء: الحبل. خلب: بضم الخاء: اللّيف، وقيل: هو البئر العميق القعر. المعنى: كأن عرقي هذا الرّجل المعروفين بالوريدين حبل من اللّيف في الغلظ وخشونة الملمس. الإعراب: كأن: حرف مشبه بالفعل مخفف من كأن المثقلة. وريديه: اسم كأن منصوب وعلامة نصبه الياء، لأنه مثنى، والهاء: مضاف إِليه. رشاء: خبر كأن مرفوع. خلبُ: صفة لرشاء مرفوعة وعلامة رفعها الضّمة المقدرة، منع من ظهورها سكون الوقف. الشَّاهد قوله: (كأن وريديه رشاء)؛ حيث جاءت "كأنْ" مخففة من الثّقيلة، وأتى اسمها مذكورًا، وكذا خبرها جاء مفردًا غير جملة، وحكم ظهور اسمها، ومجيء خبرها مفردًا: الجواز من غير ضرورة ولَا شذوذ.
(٢) عجز بيت من الطويل، وصدره: وَيَوْمًا تُوَافِينَا بِوَجْهِ مُقَسَّمٍ التخريج: البيت لعلباء بن أرقم في الأصمعيات ص ١٥٧، والدّرر ٢/ ٢٠٠ وشرح التّصريح ١/ ٢٣٤، والمقاصد النّحوية ٤/ ٣٨٤، ولأرقم بن علباء في شرح أبيات سيبويه ١/ ٥٢٥، ولزيد بن أرقم في الإنصاف ١/ ٢٠٢، ولكعب بن أرقم في لسان العرب ١٢/ ٤٨٢ قسم، ولباغت بن صريم اليشكري في تخليص الشّواهد ص ٣٩٠، وشرح المفصل ٨/ ٨٣، والكتاب ٢/ ١٣٤، ولهُ أو لعلباء بن أرقم في المقاصد النّحوية ٢/ ٣٠١، ولأحدهما أو لأرقم بن علباء في شرح شواهد المغني ١/ ١١١، ولأحدهما أو لراشد بن شهاب اليشكري، أو لابن أصرم اليشكري في خزانة الأدب ١٠/ ٤١١، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٣٧٧، وجواهر الأدب ص ١٩٧، والجنى الدّاني ص ٢٢٢، ٥٢٢، ورصف المباني ص ١١٧، ٢١١، وسر صناعة الإعراب ٢/ ٦٨٣، وسمط اللّآلي ص ٨٢٩، وشرح عمدة الحافظ ص ٢٤١، ٣٣١، وشرح قطر النّدى ص ١٥٧، والكتاب ٣/ ١٦٥، والمحتسب ١/ ٣٠٨، ومغني اللّبيب ١/ ٣٣، والمقرب ١/ ٢، ١١١/ ٢٠٤، والمنصف ٣/ ١٢٨، وهمع الهوامع ١/ ١٤٣. اللُّغة: توافينا: تأتينا. الوجه المقسم: أي الجميل. الظّبية: الغزالة. تعطو: تمد عنقها وترفع رأسها. السّلم: نوع من الشّجر يدبغ به.
[ ١ / ٥٥١ ]
بنصب (ظبيةً) اسمًا لها، والخبر محذوف؛ أَي: (كَأنَّ ظبيةً تعطو إلى كذا) هذه المرأة فشبه الظّبية بالمرأة علَى عكس التّشبيه.
كَقَولِ الشَّاعرِ:
وَمَهْمَهٍ مُغْبَرَّةٍ أرْجَاؤُهُ كَأنَّ لوْنَ أرضِهِ سَمَاؤُهُ (^١)
_________________
(١) المعنى: يقول: تأتينا الحبيبة يومًا بوجهها الجميل، وكأنها ظبية تمد عنقها إِلى شجر السّلم المورق. الإِعراب: ويومًا: الواو: بحسب ما قبلها، أو استئنافية. يومًا: ظرف متعلق بتوافينا. توافينا: فعل مضارع مرفوع بالضّمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل: هي، ونا: في محل نصب مفعول به. بوجه: جار ومجرور متعلقان بتوافينا. مقسم: نعت وجه مجرور. كأن: حرف مشبه بالفعل مخفف، واسمه ضمير الشّأن المحذوف. ظبيةً: اسم كأنْ منصوب. ويجوز أن تعرب مبتدأ مرفوع وخبره جملة (تعطو) الفعلية: باعتبار (كأنْ) زائدة. وتروى مجرورة والتّقدير كظبية. تعطو: فعل مضارع مرفوع بالضّمة المقدرة على الواو للثقل، والفاعل: هي. إِلى وارق: جار ومجرور متعلقان بتعطو، وهو مضاف. السّلمْ: مضاف إِليه مجرور، وسكن للضرورة. وجملة (توافينا): في محل جر بالإِضافة. ويمكن اعتبارها استئنافية لا محل لها من الإِعراب. والتّقدير: وتوافينا يومًا. وجملة (كأن ظبية تعطو): في محل نصب حال، تقديره: وكأنها ظبية بحذف واو الحال. وجملة (تعطو): في محل رفع أو نصب أو جر نعت لظبية. الشَّاهد: قوله: (كأن ظبيةً)؛ حيث روي بنصب ظبية، ورفعها، وجرها. أما النّصب فعلى إِعمال كأن وهذا الإِعمال مع التّخفيف خاص بضرورة الشّعر. وأما الرّفع فيحتمل أن تكون ظبية مبتدأ، وجملة تعطو خبره، وهذه الجملة الاسمية خبر كأن، واسمها ضمير شأن محذوف، ويحتمل أن تكون ظبية خبر كأن وتعطو صفتها، واسمها محذوف، وهو ضمير المرأة، لأن الخبر مفرد. وأما الجر فعلى أنّ (أنْ) زائدة بين الجار والمجرور، والتّقدير: كظبية.
(٢) التخريج: بيت من الرّجز لرؤبة بن العجاج، أو بيتان من مشطور الرّجز. اللُّغة: المَهْمَه: المفازة البعيدة الَّتي يشق السّير فيها، والبلد القفر، قيل: سميت بذلك؛ لأن سالكها يقول لرفقتة: مَه مَه، أي: كف عن الكلام، مغبرة: كثر فيها الغبار، وهو التّراب، أرجاؤه: نواحيه، جمع رجا بالقصر وهي النّاحية. المعنى: أن هذا المهمَهَ قد عمه الغبار وانتشر فيه، وارتفع غباره كأن لون سمائه من الغبار لون أرضه، فحذف المضاف وقلب التّشبيه للمبالغة.
[ ١ / ٥٥٢ ]
والأصل: (كَأنَّ سماءه لون أرضه).
وقيل: إن الخبر (تعطو)، وليس صفة لـ (ظبية)، ومعناه: تتناول.
ويروَى برفع ظبية وجرها.
فالرّفع: علَى حذف الاسم؛ أَي: (كأنه ظبية).
والجر: علَى أَن الأصل: كـ (ظبية) فالكاف: حرف جر، و(أن) زائدة بَينَ الجار والمجرور.
وقالَ آخرُ:
كَأنْ بَطْنُ حُبلَى ذَاتِ أُونَينِ مُتْئِمِ (^١)
_________________
(١) الإِعراب: ومهمهٍ: الواو: واو رب، مهمهٍ: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة منع منها حرف الجر الشبيه بالزائد. مغبرة: نعت مجرور لفظًا مرفوع محلًا. أرجاؤه: فاعل بمغبرة ومضاف إِليه. كأنّ: حرف تشبيه ونصب. لونَ: اسم كأن. أرضِه: مضاف إِليه. سماؤه: خبر كأن ومضاف إِليه. الشَّاهد: قوله: (كأن لون أرضه سماؤه)؛ حيث قلب التشبيه، والأصل: (كأن سماءه لون أرضه).
(٢) التخريج: وخَيْفَاءَ أَلْقَى الليث فيها ذراعه فَسَرَّتْ وساءت كلَّ ماشٍ ومُصْرِمِ تُمَشِّي بها الدَّرْمَاءُ تَسْحَبُ قَصْبَهَا كأنْ بطنُ حُبْلَى ذَاتِ أَوْنَيْنِ مَتْئمِ هذان البيتان من كلام ذي الرمة غيلان بن عقبة، وقد أنشدهما ابن منظور (أون) ونسبهما إليه، وقال: إنهما من أبيات المعاني، قد أنشد رضي الدين في باب الحروف المشبهة بالفعل من شرح الكافية ثاني هذين البيتين، وشرحه البغدادي في الخزانة ٤/ ٣٦٣ ونسبهما لرجل من بني سعد بن زيد مناة. اللغة: بداية هذا البيت على معتقدات الجاهلية؛ إذ كانوا يعتقدون أنهم يُمطَرون بالأنواء والنجوم، وذلك كفر روى الإمام مسلم في صحيحه ١٢٩، عن زيد بن خالد الجهني، قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- صلاة الصبح بالحديبية في إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف .. أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب". الخيفاء: الأرض المختلفة ألوان النبات. ألقى الليث: قد مطرت بنوء الأسد. ماشٍ: من له ماشية. ومصرم: من لا إبل له. والدرماء: الأرنب. متئم: حامل بتوأم.
[ ١ / ٥٥٣ ]
بنصب (بطنَ) اسمًا لها.
وبالرفع: خبر؛ أَي: (كَأن بطنها بطنُ حبلَى).
وبالجر: علَى أَن الكاف حرف جر، و(أن) زائدة.
وأونين: تثنية أَون: أحد جانبي الخرج.
وإِذا كَانَ الخبر جملة فعلية .. فصل بينها وبينه بلم أَو قَدْ.
قال تعالَى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾؛ أَي: كأنها.
وقول الشّاعر:
لَا يَهُولَنَّكَ اصطِلاءُ لَظَى الْحَرْ بِ فَمَحْذُورُهَا كَأَنْ قد أَلَمَّا (^١)
_________________
(١) الشاهد: قوله: (كأنْ بطنُ حبلى)؛ حيث خفف كأن الدالة على التشبيه، وجاء بعدها بالاسم منصوبًا على أنه اسمها. وبالرفع: على أنه خبر، واسمها محذوف، والتقدير: كأن بطنها بطن حبلى. وكلا الوجهين جائز.
(٢) التخريج: البيت من شواهد: التّصريح: ١/ ٢٣٥، والأشموني: ٢٨٨/ ١/ ١٤٨ والشّذور ١٤٢/ ٢٨٦، والعيني: ٢/ ٣٠٦. اللغة: يهولنك، الهول: الفزع، يقال: هاله الأمر يهوله إِذا أفزعه. اصطلاء: من اصطليت بالنّار وتصلَّيت بها؛ إِذا استدفأتُ بهَا. لظى الحرب: نارها، وأراد شدائدها ومكروهاتها. محذورها: ما يُحذَر من أمرها. ألمّا: من الإِلمام، وهو النّزول، يقال: ألمَّ به أمر: إِذا نزل به. المعنى: لا يزعجنك اقتحام الحروب وويلاتها؛ فإِن الذي تخشاه منها وتحذره -وهو الموت- لا بد منه، وكأنه نزل بك، فَلَا فائدة من التّحرز عنه. الإِعراب: لا: ناهية. يهولنك: فعل مضارع مبني على الفتح؛ لِاتصاله بنون التّوكيد الثّقيلة في محل جزم بِلَا النّاهية، ونون التّوكيد؛ لا محل لها من الإِعراب، والكاف: مفعول به. اصطلاء: فاعل مرفوع. لظى: مضاف إِليه. الحرب: مضاف إِليه ثانٍ. فمحذورها: الفاء تعليلية، محذور، مبتدأ، وها: مضاف إِليه. كأنْ: مخففة من الثّقيلة، واسمها ضمير غيبة -يعود إِلى المحذور- محذوف، والتّقدير: كأنه. قد: حرف تحقيق. ألمّا: فعل ماضٍ، والفاعل: هو، يعود إِلى اسم كأن المحذوف، والألف: للإِطلاق، وجملة (ألما) في محل رفع خبر كأن المخففة، وجملة (كأن) وخبرها: في محل رفع خبر المبتدأ محذور، وجملة المبتدأ وخبره: تعليلية، لا محل لها. الشَّاهد: قوله: (كأن قد ألما)؛ حيث جاءت كأن مخففة من الثّقيلة، واسمها ضمير الغيبة المحذوف، ومجيء خبرها جملة فعلية، فعلها ماضٍ، ولذا، فصل بينهما بـ (قد) على القياس.
[ ١ / ٥٥٤ ]
أَي: (كأنه قَدْ ألما)، فحذف الاسم وهو ضمير شأن.
وإِذا خففت (لكنْ) وجب إهمالها؛ لشبهها حينئذ بالعاطفة، فأجريت مجراها فِي عدم العمل.
وعن يونس: إعمالها.
وقيده القواس بضمير الشّأن، فتكون الجملة بعدها خبرًا، فَلَا تعمل فِي الظّاهر بعدها.
وفي القرآن: (ولكنِ اللَّهُ قتلهم) برفع الاسم الكريم فِي قراءة التّخفيف.
وعن الأخفش أيضًا إعمالها.
وقد عملت فِي ضمير الشأن مشددة، في قولهِ:
وَمَا كُنتُ مِمَّن يَدْخُلُ الْعِشْقُ قَلبَهُ وَلَكِنَّ مَن يُبصِرْ جُفُوَنكِ يَعشَقِ (^١)
أي: ولكنه، والجملة بعدها فِي موضع الخبر.
ولَا يكون التّخفيف فِي (لعل)، ولَا (ليت).
تنبيه:
إِذا دخلت (ليت)، أَو (لعل) علَى مبتدأ مقرون خبره بالفاء .. حذفت الفاء؛ لأنَّ ما بعد الفاء خبر محتمل للصدق والكذب، وما بعد (ليت)، و(لعل): لا يحتملهما؛ لأنَّ معنَى الابتداء تغير بدخولهما، بخلاف بقية نواسخ الباب، ولهذا تثبت فِي قوله تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.
وقول الشّاعر:
_________________
(١) التخريج: البيت من الطويل، وهو للمتنبي في ديوانه ٢/ ٤٨؛ والأشباه والنظائر ٨/ ٤٦؛ ومغني اللبيب ١/ ٢٩١. والمعنى ظاهر. الشاهد: قوله: (ولكنَّ من يبصر)؛ حيث عملت (لكنَّ) في ضمير الشأن، والجملة بعده في موضع خبر.
[ ١ / ٥٥٥ ]
ولَكنَّما يُقضَى فَسَوفَ يَكُونُ (^١)
والأصل قبل النّاسخ: (ما يقضى فسوف يكون)، فدخلت (لكن)، وجاز بقاء الفاء فِي الخبر.
وعن الأخفش: منع الفاء هنا أيضًا.
قال المصنف: وثبوت هذا عن الأخفش مستبعد.
واللَّه الموفق
* * *
_________________
(١) التخريج: هذا عجز بيت، وصدره قوله: فواللَّهِ مَا فارقتُكُم قاليًا لَكُمْ وهذا البيت أنشده أبو علي القالي في أماليه ضمن ثلاثة أبيات رواها عن ابن دريد، عن أبي حاتم، ولم يسمّ قائلها، أمالي القالي: ١/ ٩٩، وأنشده ياقوت في معجم البلدان: ٤/ ٧٧، رابع أربعة أبيات، ونسبها إلى أبي المطواع ابن حمدان، يقولها في دمشق. والبيت من شواهد: التصريح: ١/ ٢٢٥، والعيني: ٢/ ٣١٥، وقطر الندى ٥٤/ ١٩٦. اللغة: قاليًا: مبغضًا. المعنى: يقسم الشاعر قائلًا: إني ما فارقتكم عن بغض وكراهية لكم، أو ملال لعشرتكم وصحبتكم، ولكنه قدر اللَّه وقضاؤه، وما تجري به المقادير، ولا مفر من وقوعه، ولا يمكن التحرز منه. الإعراب: والله: متعلق بفعل قسم محذوف. ما: نافية. فارقتكم: فعل ماضٍ وفاعل ومفعول به، والجملة: جواب للقسم، لا محل لها. قاليًا: حال منصوب. لكم: متعلق بقاليًا. ولكنما: الواو عاطفة، لكن: حرف مشبه بالفعل، وما: اسم موصول في محل نصب اسم (لكنّ). يُقضَى: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل: هو، وجملة يقضى: صلة للموصول، لا محل لها. فسوف: الفاء زائدة في خبر لكن سوف: حرف تنفيس، أو للتسويف، وهو الأفضل. يكون: فعل مضارع تام؛ لأنه بمعنى يوجد، والفاعل: هو. وجملة يكون: في محل رفع خبر لكن. الشاهد: قوله: (ولكنما يقضى فسوف)؛ حيث زيدت الفاء في خبر لكن كما بينا في الإعراب.
[ ١ / ٥٥٦ ]