ص:
١١٣ - مُبْتَدَأ زَيْدُ وَعَاذِرُ خَبَرْ إِنْ قُلْتَ زَيْدُ عَاذِرُ مَنِ اعْتَذَرْ (^١)
١١٤ - وَأَوَّلُ مُبْتَدَأ وَالثَّانيِ فَاعِلُ أغْنَى في (أَسَارٍ ذَانِ)؟ (^٢)
١١٥ - وَقِسْ وَكَاسْتِفْهَامٍ النَّفْيُ وَقَدْ يَجُوْزُ نَحْوُ: (فَائِزُ أولُو الرَّشَدْ) (^٣)
ش:
المبتدأ: اسم مجرد عن العوامل اللّفظية للإِسناد.
أَو: اسم عريَ عن عامل غير زائد؛ إِذ لا يضر الاقتران بالعامل الزّائد؛ كـ (الباء، ومِن).
_________________
(١) مبتدأ: خبر مقدم. زيد: مبتدأ مؤخر. وعاذر: الواو عاطفة، وعاذر مبتدأ خبر. خبر: خبر المبتدأ. إن: شرطية. قلت: قال: فعل ماض فعل الشرط، وتاء المخاطب فاعل. زيد: مبتدأ. عاذر: خبره، وفاعله -من جهة كونه اسم فاعل- ضمير مستتر فيه، والجملة من المبتدأ والخبر مقول القول. مَن: اسم موصول مفعول به لعاذر. اعتذر: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى مَن، والجملة لا محل لها صلة الموصول، وجواب الشرط محذوف يدل عليه سابق الكلام، وتقدير الكلام: إن قلت زيد عاذر مَن اعتذر. . فزيد: مبتدأ، وعاذر: خبره.
(٢) وأول: مبتدأ. مبتدأ: خبره. والثاني: مبتدأ. فاعل: خبر. أغنى: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقدير هو، يعود إلى (فاعلٌ)، والجملة في محل رفع صفة لفاعل. في: حرف جر، ومجروره قولٌ محذوف. أسارٍ الهمزة للاستفهام، وسار: مبتدأ. وذان: فاعل سد مسد الخبر، والجملة من المبتدأ وفاعله مقول القول المحذوف، وتقدير الكلام: وأوَّلُ اللفظين: مبتدأ، وثانيهما: فاعل أغنى عن الخبر في قولك: (أسارٍ ذان؟).
(٣) وقس: الواو عاطفة، قس: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت، ومفعوله ومتعلقه محذوفان، والتقدير: وقس على ذلك ما أشبهه. وكاستفهام: الواو حرف عطف، والكاف حرف جر، واستفهام: مجرور بها، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. النفي: مبتدأ مؤخر. وقد: الواو حرف عطف، قد حرف تقليل. يجوز: فعل مضارع. نحوُ: فاعل يجوز. فائز: مبتدأ. أولو: فاعل بفائز سد مسد الخبر، وأولو: مضاف، والرشد: مضاف إليه، والجملة من المبتدأ وفاعله المغني عن الخبر: مقول قول محذوف، والتقدير: وقد يجوز نحو قولك: (فائز أولو الرشد)، والمراد بنحو هذا المثال: كل وصف وقع بعده مرفوع يستغني به، ولم تتقدمه أداة استفهام ولا أداة نفي.
[ ١ / ٣٠٣ ]
فخرج:
• المقترن بغير الزّائد، نحو: (كَانَ زيد).
ولَا يكون المجرور بمِن إِلَّا: نكرة، مسبوقة بنفي أَو استفهام؛ نحو: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾، ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾.
ف (مِن): صلة، والمجرور بها: مبتدأ.
ف (شيء): مبتدأ فِي محل رفع، و(خزائنه): مبتدأ أيضًا، و(عندنا): خبر عن (خزائنه)، والجملة: خبر عن (شيء).
ويجوز: كون (عندنا) خبرًا عن (شيء)، و(خزائنه): فاعل بالظّرف؛ إِذا الظّرف يرفع الفاعل كما سيأتي فِي محله.
وكذا: (أحد): مبتدأ، و(منكم): خبر مقدم، و(حاجزين): صفة لـ (أحد) علَى إِرادة الجنس فِي أحد؛ فهو مفردٌ معناهُ الجمع.
والمجرور بالباء؛ نحو: (بحسبك درهم).
• وقد يجر المبتدأ بشبه الزّائد؛ نحو: (لعل، أَو: رب رجلٍ قائمٌ)؛ فـ (رجلٍ): مبتدأ، و(قائمٌ): خبر، وسيأتي فِي حروف الجر.
والمبتدأ علَى ضربين:
• مبتدأ لهُ خبر.
• ومبتدأ لهُ فاعل سدَّ مَسدَّ الخبرِ.
فالأول: إِما:
• اسم صريح؛ كـ (زيد قائم)، و(زيد عاذر مَن اعتذر)، ومنه ما تقدم.
• أَو مؤوَّل؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
والثّاني: هو الوصف المسبوق بنفي أَو استفهام.
نحو: (أسارٍ ذان؟)؛ فالهمزة للاستفهام، و(سارٍ): مبتدأ وهو اسم فاعل،
[ ١ / ٣٠٤ ]
و(ذان): فاعل سد مسد الخبر، وإِليه أشار بقوله: (أغنَى عن الخبر)، ومثله: (أقائم زيد؟).
وهذا الوصف مع ما بعده جملة اسمية.
والمسبوق بالنّفي: (ما قائمٌ زيدٌ)؛ فـ (قائم): مبتدأ، و(زيدٌ): فاعل أغنَى عن الخبر كما ذكر.
ومعمول هذا الوصف يكون:
• ظاهرًا؛ كما فِي: (أقائم زيد؟)، و(أسار ذان؟)، و(هل قائم الزّيدان؟)، و(لَا قائم الزّيدون)، و(لا قائم الزّيدون)، و(أين ضارب الزّيدان؟)، و(متَى خارج الزّيدان؟).
• وضميرًا منفصلا.
خلافًا للكوفيين فِي منع: (أقائم أنت؟)، و(ما قائم أنتما)
وأورد عليهم قولُهُ:
خَلِيلَيَّ مَا وَأفٍ بِعَهدِيَ أَنتُمَا. . . . . . . . . . . . . . . . . (^١)
_________________
(١) صدر بيت من الطويل، وعجزه: إذَا لَمْ تَكُونَا لِي عَلَى مَنْ أقَاطِعُ التخريج: البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٨٩، وتخليص الشواهد ص ١٨١، والدرر ٢/ ٥، وشرح التصريح ١/ ١٥٧، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٩٨، وشرح قطر الندى ص ١٢١، ومغني اللبيب ٢/ ٥٥٦، والمقاصد النحوية ١/ ٥١٦، وهمع الهوامع ١/ ٩٤. اللغة: خليليَّ: صديقيَّ. المعنى: يقول: يا خليلي لن تكونا وفيين بعهدكما إذا لم تنصراني على من أخاصم أو أعادي. الإعراب: خليليَّ: منادى منصوب بالياء لأنه مثنى، وهو مضاف، والياء ضمير متصل مبني في محل جر بالإضافة. ما: حرف نفي. واف: مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على الياء المحذوفة لأنه اسم منقوص. بعهدي: جار ومجرور متعلقان بواف، وهو مضاف، والياء في محل جر بالإضافة. أنتما: فاعل واف سد مسد الخبر. إذا: ظرف في محل نصب مفعول فيه. لم: حرف نفي وجزم وقلب. تكونا: فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والألف في محل رفع اسم تكون. لي: جار ومجرور متعلقان بخبر تكون المحذوف. على من: جار ومجرور متعلقان بخبر تكون المحذوف. أقاطع: فعل مضارع مرفوع، والفاعل: أنا. وجملة (خليلي): لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية. وجملة (ما واف بعهدي أنتما): لا محل لها من الإعراب لأنها استئنافية. وجملة (لم تكونا): في محل جر بالإضافة. وجملة جواب الشرط محذوف، تقديرها: إذا لم تكونا لي على من أقاطع فما واف بعهدي أنتما. وجملة (أقاطع): لا
[ ١ / ٣٠٥ ]
وأطلق المصنف الجواز فِي جميع أدوات النّفي والاستفهام.
وفي الارتشاف: والمسموع من أدوات النّفي: (ما)، ومن أدوات الاستفهام: (الهمزة).
فالأحوط: أَن لا يثبت تركيب من هذه التّراكيب الَّتي أجازها ابن مالك إِلَّا بعد السّماع.
• وإِذا قلت: (ليس قائم الزّيدان). . كَانَ الوصف بعد (ليس):
اسمها، والزّيدان: فاعل أغنَى عن خبرها.
وكذا الوصف بعد (ما)؛ إِن قدرت حجازية.
وإِن كانت تميمية. . فالوصف: مبتدأ، وما بعده فاعل عن الخبر كما سبق أولًا.
• ويشترط فِي الوصف: أَن يستغني بفاعله كما فِي الأمثلة.
فخرج نحو: (أقائم أبواه؟)؛ لأنَّ الكلام لا يتم بذلك، ما لم يعلم صاحب الضّمير.
• ولَا بد من اعتماد الوصف علَى النّفي أَو الاستفهام وإِن جعل مبتدأ، وعليه الأكثرون، قال الشّاعرُ:
أَقَاطِنٌ قَومُ سَلمَى أَمْ نَوَوْا ظَعَنَا. . . . . . . . . . . . . . . . . (١)
محل لها من الإعراب؛ لأنها صلة الموصول.
الشاهد: قوله: (ما واف أنتما)؛ حيث جاء الوصف مبتدأ، وهو "واف" معتمدًا على نفي، وهو "ما"، فاستغنى بالفاعل "أنتما" عن الخبر. وفي البيت شاهد آخر هو مجيء الفاعل ضميرًا بارزًا.
(١) صدر بيت من البسيط، وعجزه: إِن يَظعَنُوا فَعَجيبٌ عَيشُ مَن قَطَنا
التخريج: البيت بلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٩٠، وتخليص الشواهد ص ١٨١، وجواهر الأدب ص ٢٩٥، وشرح التصريح ١/ ١٥٧، وشرح قطر الندى ص ١٢٢، والمقاصد النحوية ١/ ٥١٢.
اللغة: قاطن: اسم فاعل من قطن، أي سكن وأقام. ظعنا: ارتحالا.
المعنى: يقول: هل ما زال قوم سلمى في مكانهم المعهود أم ارتحلوا عنه؟ ولكن إذا ارتحلوا فعيشة من تخلّف عنهم غريبة عجيبة. والمراد تصوير نفسه في غياب سلمى.
الإعراب: أقاطن: الهمزة: للاستفهام، قاطن: مبتدأ مرفوع. قوم: فاعل مرفوع سد مسد الخبر، وهو مضاف. سلمى: مضاف إليه مجرور. أم حرف عطف. نووا: فعل ماض، والواو: فاعل، والألف: للتفريق. ظعنا: مفعول به منصوب. إن: حرف شرط. يظعنوا: فعل مضارع مجزوم بحذف النون
[ ١ / ٣٠٦ ]
فـ (قاطن): مبتدأ، و(قوم): فاعل كما سبق.
وقولُهُ:
خَلِيلَيَّ مَا وَافٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (١)
كما تقدم.
وسوَّى الأخفشُ بينهما وبين (إِنَّ) المشددة؛ نحو: (إِنَّ قائمًا الزّيدان)؛ فـ (قائمًا): اسم إِنَّ، و(الزّيدان): فاعل أغنَى عن الخبر، وضعفه الشّيخ، لأن دخول (إِنَّ) علَى ما يشبه الفعل يبعد شبهه من الفعل، فَلَا يرفع فاعلًا، وإِنما جاز ذلك فِي باب المبتدأ والخبر؛ نحو: (أقائمٌ الزّيدان؟)؛ لاعتماد الصّفة علَى النّفي والاستفهام الجاعلين الصّفة بمنزلة الفعل.
والأخفش والكوفيون: يجوز أَن يُبتَدأ بالوصف من غير أَن يسبق بشيء؛ نحو: (قائمٌ زيدٌ)؛ فـ (قائمٌ): مبتدأ، و(زيدٌ): فاعل كما سبق، وأشار إِليه بقوله: (وَقَدْ يَجُوْزُ نَحْوُ فَائِزٌ أولُو الرَّشَدْ)؛ فـ (فائزٌ): مبتدأ، و(أولو الرّشد): فاعل كما ذكر.
واستدل الأخفش بقراءة أبي حيان: (ودانيةُ عليهم ظلالُها) برفع دانية، فأعربه مبتدأ، وظلالها: فاعل.
ورُدَّ: بأن (ظلالُها): مبتدأ، و(دانية): خبر مقدم.
واستدل الكوفيون بقولِ الشّاعرِ:
لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: فاعل، والألف: للتفريق، وهو فعل الشرط. فعجيب: الفاء: رابطة لجواب الشرط، عجيب: خبر مقدم. عيش: مبتدأ مؤخر مرفوع، وهو مضاف. من: اسم موصول مبني في محل جر بالإضافة. قطنا: فعل ماض، والفاعل: هو، والألف: للإطلاق.
وجملة (أقاطن قوم): لا محل لها من الإعراب لأنها ابتدائية. وجملة (أم نووا ظعنا): معطوفة على جملة لا محل لها من الإعراب. وجملة (يظعنوا): الفعلية لا محل لها من الإعراب لأنها فعل الشرط الجازم. وجملة (عجيب عيش من قطنا): في محل جواب شرط جازم لاقترانها بالفاء. وجملة (قطنا): الفعلية لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول.
الشاهد: قوله: (أقاطن قوم سلمى)؛ حيث أتى الوصف، وهو قاطن، معتمدًا على الاستفهام، وهو الهمزة، وبذلك اكتفى بالفاعل الذي هو قوله: (قوم سلمى) عن خبر المبتدأ.
(١) تقدم إعرابه وشرحه.
[ ١ / ٣٠٧ ]
خَبِيرٌ بَنُو لِهْبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِيَا. . . . . . . . . . . . . . . . . (^١)
ورُدَّ: بأَن (بنو لهب): مبتدأ، وما قبله: خبر، وصح أَن يخبر به عن الجمع؛ لأنَّ فعيلًا يخبر به عن الواحد وغيره؛ كقوله تعالَى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
وذكر ابن يعيش فِي "شرح المفصل": أَن سيبويه وابن السّراج أجازاه أيضًا.
• ويستوي باسم الفاعل فيما سبق: اسم المفعول؛ نحو: (أمضروب
_________________
(١) صدر بيت من الطويل، وعجزه: مَقَالَةَ لِهْبِيٍّ إذَا الطيرُ مَرَّتِ التخريج: البيت لرجل من الطائيين في تخليص الشواهد ص ١٨٢، وشرح التصريح ١/ ١٥٧، والمقاصد النحوية ١/ ٥١٨، وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ١٩١، والدرر ٢/ ٧، وشرح ابن عقيل ص ١٠٣، وشرح عمدة الحافظ ص ١٥٧، وهمع الهوامع ١/ ٩٤. اللغه: بنو لهب: قوم من الأزد عرفوا بزجر الطير. ملغيًا: مهمِلًا. المعنى: يقول: إن بني لهب عالمون بزجر الطير؛ فإذا قال لك أحدهم قولًا فصدقه، ولا تتغافل عنه. الإعراب: خبير: مبتدأ مرفوع بالضمة. بنو: فاعل خبير مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وهو مضاف. لهبٍ: مضاف إليه مجرور بالكسرة. فلا: الفاء حرف استئناف، لا: ناهية. تكُ: فعل مضارع ناقص مجزوم بالسكون على النون المحذوفة للتخفيف، واسمه ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنت. ملغيًا: خبر تك منصوب بالفتحة. مقالة: مفعول به لملغيًا منصوب بالفتحة، وهو مضاف. لهبي: مضاف إليه مجرور بالكسرة. إذا: ظرف يتضمن معنى الشرط متعلق بجوابه. الطيرُ: فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده مرفوع بالضمة. مرت: فعل ماض مبني على الفتحة، والتاء للتأنيث، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هي. وجواب إذا محذوف تقديره: إذا مرت الطير فلاتك ملغيًا. وجملة (خبير): ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة (لا تك ملغيًا): استئنافية لا محل لها من الإعراب. وجملة (الطير مرت): في محل جر بالإضافة، وجملة مرت تفسيرية لا محل لها من الإعراب. الشاهد: قوله: (خبير بنو لهب)؛ حيث أعمل الوصف (خبير)، وهو بمعنى اسم الفاعل فرفع فاعلًا، وهو قوله: (بنو) من غير أن يتقدمه نفي أو استفهام، وهذا على مذهب الأخفش وبعض النحاة، أما جمهور النحاة فتأولوا البيت على التقديم والتأخير، فقالوا: إن قوله: (خبير): خبر مقدم، و(بنو): مبتدأ مؤخر. واعترض عليهم أنصار الأخفش بأن قوله: بنو لهب جمع، وخبير مفرد، فلزم الإخبار بالمفرد عن الجمع، وهذا لا يجوز، ورد على هذا الاعتراض بأن صيغة فعيل قد تستعمل للجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
[ ١ / ٣٠٨ ]
الزّيدان؟)، فالوصف: مبتدأ، و(الزّيدان): نائب الفاعل أغنَى عن الخبر.
وكذا الصّفة المشبهة؛ نحو: (يا جميلٌ أخواه).
والمنسوب، نحو: (ما قرشيٌّ أبوك).
• ويستعمل (غيرُ)، فِي هذا الباب استعمال (ما النّافية)، إِلَّا أَن الوصف يكون مجرورًا بها، فتقول: (غير ضاربٍ أخواك)؛ فـ (غير): مبتدأ، و(ضارب): مضاف إِليه، و(أخواك): فاعل بالوصف أغنَى عن الخبر، ومنه قولُهُ:
غَيْرُ مَأَسُوفٍ عَلَى زَمَن يَنقَضِي بِالْهَمّ وَالحَزَنِ (^١)
فـ (غير): مبتدأ، و(مأسوف): مضافٌ إِليه، اسمُ مفعول كمضروب، و(علَى زمن): نائب الفاعل أغنَى عن الخبر؛ كما تقول: (غير مضروب الزّيدان)، ومنه قولُهُ:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . غَيرُ مَدفُوعٍ عَنِ السّبقِ العِرَابْ (^٢)
_________________
(١) التخريج: البيت لأبي نواس -الحسن بن هانئ- وهو ليس ممن يستشهد بكلامه، وإِنما أورده الشّارح مثالًا للمسألة، ولهذا قال: (ومنه قوله) وبعد هذا البيت بيت آخر، وهو: إِنما يرجو الحياة فتى عاش في أمن من المحن اللُّغة: مأسوف: اسم مفعول من الأسف، وهو أشد الحزن، وفعله من باب فرح، وزعم ابن الخشاب أنه مصدر جاء على صيغة اسم المفعول مثل الميسور، والمعسور، والمجلود، والمحلوف، بمعنى اليسر والعسر والجلد والحلف، ثم أريد به اسم الفاعل. المعنى: إِنه لا ينبغي لعاقل أن يأسف على زمن ليس فيه إِلا هموم تتلوها هموم، وأحزان تأتي من ورائها أحزان، بل يجب عليه أن يستقبل الزّمان بغير مبالاة ولَا اكتراث. الإعراب: غير: مبتدأ، وغير مضاف. مأسوف: مضاف إِليه. على زمن: جار ومجرور متعلق بمأسوف، على أنه نائب فاعل سد مسد خبر المبتدأ. ينقضي: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود على (زمن)، والجملة من (ينقضي وفاعله): في محل جر صفة لزمن. بالهم: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضّمير المستتر في ينقضي. والحزن: الواو حرف عطف، الحزن: معطوف على الهم. الشاهد: قوله: (غير مأسوف على زمن)؛ حيث أعمل اسم المفعول عمل الفعل المَبْني للمجهول، وجاء نائب فاعله سادًا مسد الخبر، واعتمد اسم المفعول على (غير) لقيامها مقام (ما النافية).
(٢) التخريج: عجز بيت من بحر الرمل، وصدره: ليس بِالمُنكَرِ أنْ بَرَّزْتَ سَبْقًا
[ ١ / ٣٠٩ ]
فـ (العراب): نائب الفاعل لـ (مدفوعِ)؛ كما سبق.
ولَا يوصف الوصف، ولَا يصغر، ولَا يقترن بأل.
• فَلَا يقال: (أضارب شديد زيد؟)، ولَا: (ضويرب زيد)، ولا: (هل القائم زيد) علَى أَن زيد فاعل.
و(أوَّلٌ): مبتدأ، والمسوِّغُ: كونه فِي معرض التّقسيم.
واللَّه الموفق
ص:
١١٦ - وَالثَّانِ مُبْتَدا وَذَا الْوَصْفُ خَبَرْ إِنْ فِي سِوَى الإِفْرَادِ طِبْقًا اسْتَقَرْ (١)
ش:
يكون الوصف خبرًا وما بعده مبتدأ؛ إِن كَانَ الوصف مطابقًا لما بعده فِي سوَى
وهو من قصيدة للمتنبي يمدح بها بدر بن عمار، انظر ديوان المتنبي بشرح العكبري (١/ ١٣٥)، وتوضيح المقاصد ١/ ٤٧٢، والمقاصد النحوية ١/ ٤٨٣.
اللغة: أن برّزت: أن سبقت.
المعنى: قال المعري في معجز أحمد ص ١٢٦: ليس من العجب أن تسبق الكرام وتبرز عليهم في مجدك، كما أنه ليس بمنكر أن تسبق الخيلُ العرابُ غيرَها، وإنما لم يقل: غير مدفوعة مع تأنيث الخيل؛ لأنه في معنى يدفع، والفعل إذا قدم على جماعة المؤنث يجوز فيه التذكير والتأنيث، فهذا وإن كان اسمًا فهو حمله على الفعل وشبهه به، وقيل: أراد بالعِراب: الجنس كأنه قال: جنس غير مدفوع.
الإعراب: غيرُ: مبتدأ، وغير مضاف. مدفوع: مضاف إِليه. عن السبق: جار ومجرور متعلق بمدفوع. العراب: نائب فاعل لمدفوع سد مسد الخبر.
الشاهد: قوله: (خير مدفوع العراب)؛ حيث أعمل اسم المفعول عمل الفعل المَبْني للمجهول، وجاء نائب فاعله سادًا مسد الخبر، واعتمد اسم المفعول على (غير) لقيامها مقام (ما النافية).
(١) والثان: مبتدأ. مبتدأ: خبر. وذا: الواو عاطفة، ذا اسم إشارة مبتدأ. الوصف: بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة. خبر: خبر المبتدأ الذي هو اسم الإشارة. إن: شرطية. في سوى: جار ومجرور متعلق باستقر الآتي، وسوى مضاف. والإفراد: مضاف إليه. طبقًا: حال من الضمير المستتر في استقر الآتي، وقيل: هو تمييز محول عن الفاعل. أستقر: فعل ماض فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، وجواب الشرط محذوف، وتقدير الكلام إن في سوى الإفراد طبقًا استقر. . فالثان مبتدأ- إلخ.
[ ١ / ٣١٠ ]
الإِفراد، أَي: فِي التّثنية والجمع.
فالمطابق فِي التّثنية: (آقائمان الزّيدان؟).
وفي الجمع: (أقائمون الزّيدون؟).
فالوصف هنا خبر، وما بعده مبتدأ، هذا فِي الوصف المجموع جمع سلامة كما مثل.
وأما المكسّر؛ نحو: (أقيام الزّيدون؟) فهو كالمفرد فِي نحو: (أقائم زيد)، فيجوز:
• كون الوصف مبتدأ، وما بعده فاعلًا، من غير ضعف.
• وأن يكون خبرًا، وما بعده مبتدأ كما سيأتي.
وهذا الوصف المجموع جمع تكسير يستوي فيه الوصف الواقع علَى المثنَّى والجمع بصيغة واحدة، نحو: (أقائم الرّجال، أَو الزّيدان، أَو الزّيدون؟).
والحاصل: أَن الوصف ومعموله:
١. إِما مفردان؛ نحو: (أقائم زيدًا؟).
٢. أو الأول مفردًا والثّاني مثنَى؛ نحو: (أقائم الزّيدان؟).
٣. أو الأول مفردًا والثّاني جمعًا؛ نحو: (أقائم الزّيدون؟).
٤. أَو الأول مثنَى والثّاني كذلك؛ نحو: (أقائمان الزّيدان؟).
٥. أَو الأول جمعًا سالمًا والثّاني كذلك؛ نحو: (أقائمون الزّيدون؟).
فهي خمس صور.
فالوصف في الثلاث الأول: مبتدأ، وما بعده: فاعل سد مسد الخبر؛ لكن الصّورة الأولَى -أعني المطابقة فِي الإِفراد- يجوز فيها أَن يكونَ الوصف خبرًا وما بعده مبتدأ.
وجوزوا الوجهين فِي قوله تعالَى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾.
وقال بعضهم: الأَولَى فِي الآية الكريمة: أَن يكونَ الوصف مبتدأ، وما بعده فاعل؛ لأنَّ (عن آلهتي) معمول (أراغب)، ولَا فصل حينئذ بَينَ العامل والمعمول
[ ١ / ٣١١ ]
بأجنبي؛ لأنَّ (أنت) إِذا جعل فاعلًا بالوصف لا يصير أجنبيًا منه باعتبار أنه معموله، فـ (أنت): معمول الرّاغب، و(عن آلهتي): كذلك.
ومتَى جُعِل الوصف خبرًا وما بعده مبتدأ. . لزم الفصل بأجنبي بَينَ العامل والمعمول؛ لأنَّ (أنت) مبتدأ، وهو فِي هذه الحالة عامل فِي (راغب)؛ فإِن المبتدأ عامل فِي الخبر علَى الصّحيح -كما سيأتي- فيحصل الفصل بأجنبي الّذي هو المبتدأ بَينَ العامل الّذي هو (راغب)، والمعمول الّذي هو (عن آلهتي).
وأما الصّورتان الأخيرتان: فالوصف فيهما: خبر مقدم، وما بعده: مبتدأ مؤخر؛ نحو: (أقائمان الزّيدان، وأقائمون الزّيدون؟).
• ويجوز أَن يكونَ كل من هذين الوصفين مبتدأ، وما بعده فاعل سد مسد الخبر علَى لغة (أكلوني البراغيث)، وهو قليل كما سيأتي إِن شاء اللَّه تعالَى فِي الفاعل.
وفي الحديث: "أَوَمخرجي هم؟ ".
فإما أَن يكونَ:
• (هم) مبتدأ، و(مخرِجي) خبر مقدم كما هو الكثير.
• أَو يكون (هم) فاعلًا عَى اللّغة المذكورة.
• واعلم: أنه لا يقال: (أقائمان زيد، ولَا أقائمون عمرو؟).
واللَّه الموفق
ص:
١١٧ - وَرَفَعُوا مُبْتَدَأً بالاِبْتِدَا كَذَاكَ رَفْعُ خَبَرٍ باْلمُبْتَدَا (^١)
ش:
الابتداء أمر معنوي، وهو: اهتمامك بالشيء وجعلك إِياه أولًا لبيان ما بعده.
• والصّحيح أَن المبتدأ مرفوع به، والخبر مرفوع بالمبتدأ؛ كما قاله الشّيخ ﵀، وهذا مذهب سيبويه، والفارسي، وتلميذه أبي
_________________
(١) ورفعوا: الواو للاستئناف، رفعوا: فعل وفاعل. مبتدأ: مفعول به لرفعوا. بالابتدا: جار ومجرور متعلق برفعوا. كذاك: الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والكاف: حرف خطاب. رفع: مبتدأ مؤخر، ورفع مضاف، وخبر: مضاف إليه. بالمبتدا: جار ومجرور متعلق برفع.
[ ١ / ٣١٢ ]
الفتح، واختاره الشّيخ.
• وعن الأخفش والرّماني وابن السّراج: أَن الابتداء عامل فيهما معًا.
وعن الكوفيين: أَن الجزأين ترافعا؛ فالمبتدأ رفع خبرًا، والخبر رفع المبتدأ.
• وعن الجرمي والسّيرافى: أنهما مرفوعان بتعريهما للإِسناد من العوامل اللّفظية.
• وقيل: المبتدأ مرفوع بالابتداء، وهما عاملان فِي الخبر، ونسب هذا لأبي العباس المبرد.
واللَّه الموفق للصواب
ص:
١١٨ - وَالْخَبَرُ الْجُزْء الْمُتِمُّ الْفَائِدَهْ كَاللهُ بَرُّوَ الأَيَادِي شَاهِدَهْ (^١)
ش:
عرف المصنف الخبر بأنه: الجزء المتم الفائدة؛ كقولك: (اللَّه برٌّ) فالاسم الكريم: مبتدأ، و(بَرٌّ): خبره، وهو جزء تمت به الفائدة، ومثله: (الأيادي شاهدة).
• ولَا يرد علَى هذا التّعريف نحو: (قام زيد) فِي كون (زيدٌ) جزءًا تمت به الفائدة وليس خبرًا؛ إِذ المراد بالجزء هنا: أَن يكونَ مع المبتدأ، وخصوصًا عقد الباب لهما، لا لفعل وفاعل؛ كـ (قام زيد)، ولهذا لم يكتف الشّيخ بالجزء المتم الفائدة، بَلْ مثَّل بقوله: (كاللَّه برٌ والأيادي شاهدة).
والأيادي هنا: النّعم.
واللَّه الموفق
_________________
(١) والخبر: الواو للاستئناف، الخبر: مبتدأ. الجزء: خبر المبتدأ. المُتِمُّ: نعت له، والمتم مضاف. والفائدة: مضاف إليه. كاللهُ: الكاف جارة لقول محذوف، ولفظ الجلالة: مبتدأ. بَرٌّ: خبر المبتدأ. والأيادي شاهده: الواو عاطفة، وما بعدها مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة بالواو على الجملة السابقة.
[ ١ / ٣١٣ ]
ص:
١١٩ - وَمُفْرَدًا يَأتِي وَيَأتِي جُمْلَةْ حاوِيَةً مَغْنَى الَّذي سِيْقتْ لَه (^١)
١٢٠ - وَإِنْ تَكُنْ إِيَّاهُ مَغنًى اكتَفَى بِهَا كَنُطقِي اللهُ حَسْبِي وَكَفَى (^٢)
ش:
• يأتي الخبر مفردًا؛ نحو: (اللَّه برٌّ، والأيادي شاهدة، وزيد حامد)، وهو عين الأول فيما ذكر.
ومنزل منزلته فِي: (زيدٌ زهيرٌ شعرًا)، فَلَا بد من المغايرة لفظًا والمطابقة معنَى.
وقد يتحد اللّفظ فِي الدّلالة علَى الشّهرة وعدم التغير؛ كقولِهِ:
أَنَا أَبُو النّجْمِ وَشِعرِيْ شِعْرِي (^٣)
_________________
(١) ومفردًا: حال من الضمير في يأتي الأول. يأتي: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود على الخبر. ويأتي: الواو عاطفة، ويأتي فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود على الخبر أيضًا، والجملة معطوفة على جملة يأتي وفاعله السابقة. جملة: حال من الضمير المستتر في يأتي الثاني، منصوب بالفتحة الظاهرة، وسكن لأجل الوقف. حاويةً: نعت لجملة، وفيه ضمير مستتر هو فاعل. معنى: مفعول به لحاوية، ومعنى: مضاف. والذي: مضاف إليه. سيقت: سيق: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي، يعود إلى (جملة)، والجملة من سيق ونائب فاعله: لا محل لها، صلة الموصول. له: جار ومجرور متعلق بسيق.
(٢) وإن: شرطية. تكن: فعل مضارع ناقص فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي، يعود على قوله: جملة. إياه: خبر تكن. معنى: منصوب بنزع الخافض أو تمييز. اكتفى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف في محل جزم جواب الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الخبر. بها: جار ومجرور متعلق باكتفى. كنطقي: الكاف جارة لقول محذوف، نطقى: مبتدأ أول، ونطق مضاف وياء المتكلم مضاف إليه. اللهُ: لفظ الجلالة: مبتدأ ثان. وحسبي: خبر المبتدأ الثاني ومضاف إليه، وجملة المبتدأ الثاني وخبره: في محل رفع خبر المبتدأ الأول. وكفى: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، وأصله وكفى به، فحذف حرف الجر، فاتصل الضمير واستتر.
(٣) التخريج: الرجز لأبي النجم في أمالي المرتضى ١/ ٣٥٠، وخزانة الأدب ١/ ٤٣٩،=
[ ١ / ٣١٤ ]
أَي: علَى ما ثبت من جزالته، وسيأتي الكلام علَى الخبر المفرد فِي تحمل الضّمير وعدمه.
• ويكون الخبر جملة، فيجب ارتباطها بالمبتدأ؛ بأن تشتمل علَى:
• ضمير يعود عليه.
• أَو ما يقوم مقام الضّمير كما سيأتي.
وهذا هو المراد بقوله: (حاويةً معنَى الّدي سِيقت لهُ).
١. فإن كانت الجملة عين المبتدأ فِي المعنَى .. فَلَا حاجة إِلَى ضمير؛ كما قال: (وإِن تَكن إِيَّاهُ معنَىً اكتفَى بِها)، كقوله تعالَى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمّ﴾ فـ (دعواهم): مبتدأ، و(سبحانك اللَّهم): الخبر، ولَا ضمير فيه؛ لأنَّ نفس دعواهم: سبحانك اللَّهم.
وسيأتي الكلام علَى (سبحان) فِي الإِضافة.
وقوله ﵊: "أفضل ما قلتُه أنا والنّبيون من قبلي: لا إِله إِلَّا
_________________
(١) =والخصائص ٣/ ٣٣٧، والدرر ١/ ١٨٥، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٦١٠، وشرح شواهد المغني ٢/ ٩٤٧، والمنصف ١/ ١٠، وهمع الهوامع ١/ ٦٠، وبلا نسبة في خزانة الأدب ٨/ ٣٠٧، ٦/ ٤١٢، والدرر ٥/ ٧٩، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٠٣، ٢٩٠، ومغني اللبيب ١/ ٣٢٩، ٢/ ٤٣٥، ٤٣٧، وهمع الهوامع ٢/ ٥٩. الإعراب: أنا: ضمير منفصل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. أبو: خبر مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الستة، وهو مضاف. النجم: مضاف إليه مجرور بالكسرة. وشِعري: الواو: حرف عطف، شعري: مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل الياء لاشتغال المحل بالحركة المناسبة، وهو مضاف، والياء: ضمر متصل مبني في محل جر مضاف إليه. شِعري: خبر مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل الياء لاشتغال المحل بالحركة المناسبة، وهو مضاف، والياء: ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه. وجملة (أنا أبو النجم): ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة (شعري شعري): معطوفة على الجملة السابقة لا محل لها من الإعراب. الشاهد: قوله: (وشعري شعري)؛ إذ يشترط لإتيان الخبر مفردًا: كون الثاني عين الأول أو منزلًا منزلته، وعند ذلك يشترط تغيير اللفظ والمطابقة في المعنى ما لم يتحد اللّفظ فِي الدّلالة علَى الشّهرة وعدم التغير فيصح وقوعهما على خلاف المذكور كما في هذا البيت.
[ ١ / ٣١٥ ]
الله" فـ (أفضل): مبتدأ، و(لَا إِله إِلَّا اللَّه): خبر، ولَا ضمير كما سبق.
وكذا قول الشّيخ: (نُطقِي اللَّهُ حَسْبِي)؛ فـ (نطقي): مبتدأ، والجملة بعده: خبر ولَاضمير.
٢. وإِن لم تكن الجملة عين المبتدأ .. فَلَا بد من ضمير يعود علَى المبتدأ أو ما يقوم مقام الضّمير.
• فيكون الضّمير ظاهرًا كـ:
• (زيد قام أبوه)، والخبر هنا جملة فعلية.
• و(زيد قائم أبوه)، والخبر هنا جملة اسمية إِن قدرت (أبوه) مبتدأ، و(قائم) خبرًا مقدمًا.
• وإن قدرت (أبوه) مرفوعًا بـ (قائم) .. فليس الخبر هنا جملة؛ لأنَّ الوصف مع مرفوعه بمنزلة المفرد؛ سواء كَانَ مرفوعه ظاهرًا أَو مضمرًا.
إِلَّا فِي نحو: (أقائم الزّيدان؟)؛ فالوصف: ما بعده جملة؛ لكونه اعتمد.
• وتارة يكون هدا الضّمير مقدرًا لا يجهل عند حذفه؛ نحو: (اللّحم الرّطل بدرهم)، فحذف الضّمير.
ومنه قوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾؛ فالموصول: مبتدأ، و(يتربصن): الخبر، والضّمير فِي (يتربصن) يرجع للأزواج، والعائد محذوف؛ أَي: يتربصن بعدهم أَو بعد موتهم، وهو للفراء.
أَو أَن التّقدير: أزواجهم يتربصن، فحذف المبتدأ، وهو للأخفش.
وقيل غير ذلك.
• وإن كَانَ المبتدأ (كل) .. جاز حذف العائد؛ كقراءة ابن عامر: (وكلٌّ وعد اللَّه الحسنى)؛ أَي: وعده.
وقالَ الشّاعرُ:
[ ١ / ٣١٦ ]
قَد أَصبَحَتْ أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي عَلَيَّ ذَنبًا كُلُهُ لَم أَصْنَعِ (^١)
فـ (كله): مبتدأ، وَ(لَم أصنع): الخبر، والتّقدير لم أصنعه.
• وقد يكون ذلك مع غير (كل) كقراءة بعض السّلف (آفحكمُ الجاهلية يبغون) بالرّفع علَى الابتداء، والخبر: (يبغون)، والعائد محذوف؛ أَي: يبغونه.
ويقوم مقام الضّمير أشياء:
١. منها: اسم الإِشارة: كقولِهِ تعالَى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فـ (لباس التّقوَى): مبتدأ، و(ذلك): مبتدأ ثان، و(خير): خبر عنهُ، والجملة: خبر لباس التّقوَى، والرّابط: الإِشارة إِلَى المبتدأ.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
واشترط بعضهم أَن تكون الإِشارة للبعيد كما هنا.
_________________
(١) التخريج: الرجز لأبي النجم في تخليص الشواهد ص ٢٨١، وخزانة الأدب ١/ ٣٥٩، والدرر ٢/ ١٣، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١٤، ٤٤١، وشرح شواهد المغني ٢/ ٥٤٤، والمحتسب ١/ ٢١١، ومعاهد التنصيص ١/ ١٤٧، والمقاصد النحوية ٤/ ٢٢٤، وبلا نسبة في الأغاني ١٠/ ١٧٦، وخزانة الأدب ٣/ ٢٠، ٦/ ٢٧٢، ٢٧٣، والخصائص ٢/ ٦١، والمقتضب ٤/ ٢٥٢، وهمع الهوامع ١/ ٩٧. الإعراب: قد: حرف تحقيق وتقريب. أصبحت: فعل ماضٍ ناقص مبني على الفتح، والتاء: للتأنيث. أمُّ: اسم أصبح مرفوع بالضمّة. الخيارة مضاف إليه مجرور بالكسرة. تدّعي: فعل مضارع مرفوع بضمّة مقدّرة على الياء، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي. عليَّ: جار ومجرور متعلقان بتدّعي. ذنبًا: مفعول به منصوب بالفتحة. كلُّه: مبتدأ مرفوع بالضمّة، والهاء: ضمير متصل في محل جرّ مضاف إليه. لم: حرف جزم وقلب ونفي. أصنع: فعل مضارع مجزوم بالسكون، وحرّك بالكسرة لضرورة القافية. وجملة (قد أصبحت): ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة (تدّعي): في محلّ نصب خبر أصبحت. وجملة (كلّه لم أصنع): في محلّ نصب صفة لى ذنبًا. وجملة (أصنع): في محل رفع خبر كلّه. الشاهد: قوله: (كلّه لم أصنع)؛ حيث جاءت (كل) مبتدأ، فجاز حذف العائد من الخبر.
[ ١ / ٣١٧ ]
٢. ومنها: إِعادة لفظ المبتدأ؛ نحو: (زيد قام زيد)، ويكثر فِي مواضع التّفخيم والتّهويل؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾؛ فـ (القارعة): مبتدأ، و(ما): مبتدأ ثان، وخبره: ما بعده، والجملة: خبر الأول و(ما): استفهامية نكرة، ولكن لما أريد بها العموم .. صح الابتداء بها.
وابن كيسان أَن (مَن، وما) فِي الاستفهام معرفتان كما سبق أول الكتاب.
٣. ومنها: إِعادة المبتدأ بمعناه؛ نحو: (زيدٌ جاء أبو عبد اللَّه)؛ بشرط أَن يكونَ أبو عبد اللَّه معمولَا لما قبله كنيةً لزيد، ولهذا قلت: (بمعناه).
وإنما جاز هذا ونحوه، وليس فِي الجملة ما يعود علَى المبتدأ؛ لأنَّ المعنَى: (القارعة ما هي)، و(الحاقة ما هي)، فهو كلام محمول علَى المعنَى.
وإِنما ظهر الاسم وكان حقه أَن يكونَ ضميرًا؛ ليكون:
• أجلَّ فِي التّعظيم وأبلغ فِي التّعجب؛ كما فِي: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾.
• أَوللتعظيم فقط كما فِي: (زيد جاء زيد).
• أَو للبيان ونحو ذلك.
وأما نحو: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ .. فـ (ما) الأولَى: استفهامية مبتدأ، وفي (أدرى) ضمير يعود عليها، والكاف مفعول أول بـ (أدرى)، و(ما) الثّانية: مبتدأ، و(الحاقة): خبره، والجملة فِي موضع المفعول الثّاني لـ (أدرى)، و(أدرى)، وما بعده: خبر (ما) الأولَى.
وقس علَى ذلك؛ نحو: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾.
٤. ومنها: أَن يعطف بفاء السّببية جحلة متصلة بضمير عائد علَى جملة خالية منه؛ كقولِ الشَّاعرِ:
وَإِنسانُ عَيني يَحسِرُ المَاءُ تارَةً فَيَبدو وَتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغرَقُ (^١)
_________________
(١) التخريج: وهو من شواهد: التّصريح ٢/ ١٣٩، والأشموني ٥٣٧/ ٢/ ٢٨٨، والعيني ١/ ٥٧٨، ٤/ ١٧٨، ومجالس ثعلب ٦١٢، والمحتسب ١/ ١٥٠، والمقرب ١٣، والهمع ١/ ٨٩، والدّرر=
[ ١ / ٣١٨ ]
فـ (إِنسان): مبتدأ، و(تحسر الماء): جملة من فعل وفاعل وقعت خبرًا وليس فيها ضمير كما ذكر، وإِنما الضّمير فِي الجملة المعطوفة بالفاء كما ذكر، وهي قوله: (يبدو).
وقيل: الضّمير محذوف من الجملة الأولى؛ أَي: يحسر الماء عنهُ؛ كما فِي: (اللّحم منوان بدرهم)؛ أَي: منوان منه، فـ (منوان): مبتدأ، و(منه): صفته، و(بدرهم): خبره، والجملة: خبر عن اللّحم.
٥. ومنها. أَن يذكر شرط مشتمل علَى ضمير وذلك الشّرط مستغنَى عن جوابه بالخبر؛ نحو: (زيد يقوم عمرو إِن قام)؛ فجملة (يقوم عمرو): خبر عن (زيد)، وليس فيها ضمير يعود عليه، وإِنما الضمير فِي فعل الشّرط.
٦. ومنها: "أل" عند الكوفيين وبعض البصريين؛ كقوله تعالَى ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾؛ فـ (أل) فِي (المأوَى): نائبة عن الضّمير العائد علَى (مَن) فِي قوله
_________________
(١) =١/ ٧٤، وديوان ذي الرّمة ٣٩٥. المفردات الغريبة: إِنسان عيني: هو النّقطة السّوداء اللّامعة وسط سواد العين. يحسر: ينكشف وينزاح. فيبدو: فيظهر. يَجُمُّ: يكثر. المعنى: أن إِنسان العين ينكشف عنهُ الماء ويزول أحيانًا، فيظهر الإِنسان للرائي، وأحيانًا يكثر الماء في العين فيغرق إِنسانها ويستتر، ولَا يرى. الإِعراب: وإنسان: الواو: حسب ما قبلها، إنسان: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف. عيني: مضاف إِليه أول، وهو مضاف، والياء في محل جر بالإِضافة. يحسر: فعل مضارع مرفوع. الماءُ: فاعل مرفوع. تارةً: مفعول مطلق منصوب. فيبدو: الفاء عاطفة، يبدو: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضّمة المقدرة على الواو للثقل، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره: هو. وتاراتٍ: الواو عاطفة، تاراتٍ: اسم معطوف على تارةً منصوب، وعلامة نصبه الكسرة، لأنه جمع مؤنث سالم. يجم: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازًا؛ تقديره: هو يعود إِلى الماء. فيغرق: الفاء عاطفة، يغرق: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازًا؛ تقديره: هو يعود إِلى إِنسان عيني. الشاهد: قوله: (وإنسان عيني يحسر)؛ حيث عطف الجملة التي تصلح لأن تكون خبرا عن المبتدأ وهي (فتبدو) بفاء السببية؛ لاشتمالها على ضمير يعود إلى المبتدأ (إنسان)، عطفها على جملة لا تصلح لأن تكون خبرًا؛ لخلوها من ذلك الضمير، وهي (يحسر الماء).
[ ١ / ٣١٩ ]
تعالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ﴾.
وقال باقي البصريين: التّقدير: (هي المأوَى لهُ)، فحذف الضّمير.
٧. ومنها. العموم، كقولِهِ تعالَى ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
وقيل: محذوف، أَي: منهم.
وقيل: وضع الظّاهر موضع المضمر؛ أَي: إنا لا نضيع أجرهم.
ومن العموم أيضًا: (نعم الرّجل زيد)؛ فزيد: مبتدأ، والجملة: خبر علَى إِعراب، والرّابط العموم الّذي فِي الفاعل؛ لأنَّ الفاعل مقصود به استغراق الجنس علَى المشهور.
ومنع ثعلب وقوع الجملة القسمية خبرًا.
وأوردوا عليه قوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾.
وتقع الطّلبية خبرًا؛ نحو: (زيد يضربه)، خلافًا لابن الأنباري، وهو محجوج بقوله تعالَى: ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾، وقولِ الشّاعرِ:
قلْبُ مَنْ عِيلَ صَبرُهُ كَيفَ يَسْلُو (^١)
_________________
(١) التخريج: صدر بيت من بحر الخفيف لرجل من طيئ، ولم يعين في مراجع البيت، انظر الهمع ٢/ ١٤، والدرر ١/ ٧٣، وشرح التسهيل ١/ ٣١٠، وشرح الألفية للشاطبي ١/ ٦٢٧. وعجزه: صَالِيًا نارَ لَوْعَةٍ وغَرامِ اللغة: عيل صبره: ذهب وفرغ. صاليا: من صلى النار إذا تقلب فيها واحترق بها. المعنى: وهو يتعجب من نفسه، كيف يسلو قلبه عن حبها، وقد أراد ذلك ولم يستطع؛ لأن قلبه اكتوى بنارها وذاب في حبها. الإعراب: قلب: مبتدأ مرفوع. مَن: اسم موصول مضاف إليه. عِيل: فعل ماض. صبره: نائب فاعل مرفوع. كيف: اسم استفهام في محل نصب حال مقدمة يسلو: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة. وجملة (قلب من عيل): استئنافية لا محل لها. وجملة (عيل): صلة الموصول. وجملة (كيف يسلو): خبر المبتدأ قلب. الشاهد: وقوع الخبر وهو قوله: (كيف يسلو) جملة إنشائية، وفيه رد على ابن الأنباري ومن وافقه=
[ ١ / ٣٢٠ ]
أَي: غُلِب صبرُه، وسيأتي فِي النّعت مفصلًا.
وقوله: (تكُنْ) فيه ضمير راجع إِلَى الجملة، و(إِياه): خبر تكن، وهو واقع علَى المبتدأ.
واللَّه الموفق
ص:
١٦١ - وَالْمُفْرَدُ الْحَامِدُ فَارعُ وَإِنْ يُشْتَقَّ فَهْوَ ذُو ضَمِيْرٍ مُسْتَكِنّ (^١)
ش:
إِن كَانَ الخبر المفرد مشتقًا فهو متحمل للضعير.
والمراد بالمشتق هنا: الجاري مجرَى الفعل:
• كاسم الفاعل؛ نحو: (زيد قائم).
• واسم المفعول؛ كـ (زيد مضروب).
_________________
(١) الذي منع ذلك.
(٢) والمفرد: مبتدأ. الجامد: نعت له. فارغ: خبر المبتدأ. وإن شرطية. يشتق: فعل مضارع فعل الشرط مبني للمجهول، مجزوم بإن الشرطية، وعلامة جزمه السكون، وحرك بالفتح تخلصًا من التقاء الساكنين وطلبًا للخفة، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود على قوله: المفرد. فهو: الفاء واقعة في جواب الشرط، والضيير المنفصل: مبتدأ. ذو: اسم بمعنى صاحب خبر المبتدأ، وذو مضاف. وضمير: مضاف إليه. مستكن: نعت لضمير، وجملة المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشرط، ويجوز أن يكون قوله: المفرد مبتدأ أول، وقوله: الجامد: مبتدأ ثان، وقوله: فارغ: خبر المبتدأ الثاني، وجملة المبتدأ الثاني وخبره: في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والرابط بين جملة الخبر والمبتدأ الأول محذوف، وتقدير الكلام على هذا: والمفرد الجامد منه فارغ، والشاطبي يوجب هذا الوجه من الإعراب، لأن الضمير المستتر في قوله: يشتق في الوجه الأول: عاد على المفرد الموصوف بقوله: (الجامد) بدون صفته، إذ لو عاد على الموصوف وصفته .. لكان المعنى: (إن يكن المفرد الجامد مشتقًا)، وهو كلام غير مستقيم، وزعم أن عود الضمير على الموصوف وحده -دون صفته- خطأ، وليس كما زعم، لا جرم جوزنا الوجهين في إعراب هذه العبارة.
[ ١ / ٣٢١ ]
• والصّفة المشبهة؛ كـ (زيد حسن الوجه).
• واسم التّفضيل؛ كـ (زيد أحسن من عمرو).
• فخرج: المشتق الّذي لا يجري مجرَى الفعل؛ كاسم الآلة نحو: (هذا مفتاح)، فـ (مفتاح): خبره، وهو مشتق من الفتح، ومع هذا لا ضمير فيه.
• وخرج أيضًا (مفعَل) المقصود به الزّمان والمكان؛ نحو: (هذا مجلس زيد ومرمَى عمرو)، تريد: مكان جلوسه ورميه.
ثم إن المشتق الجاري مجرَى الفعل لا يتحمل الضّمير إِلَّا إِذا لم يرفع ظاهرًا؛ نحو: (زيد قائم).
فإِن رفع ظاهرًا .. لم يتحمل الضّمير؛ نحو: (زيد قائم أبوه).
وإِن كَانَ الخبر العفرد جامدًا فَلَا يتحمل ضميرًا عند البصريين؛ فـ (زيد آسد) فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أَن يجعل زيد أسدًا مبالغة من غير التفات إِلَى التّشبيه.
الثّاني: أَن يقصد التّشبيه فيقدر مضاف؛ أَي: مثل الأسد، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إِليه مقامه؛ ففي هذين الوجهين: لا ضمير، فيه لجموده وعدم تأوله بمشتق.
الثّالث: أَن يؤول أسد بصفة وافيةٍ من الأسودية بمعنَى شجاع، فيتحمل الضّمير حينئذ، ولك أَن ترفع به الظّاهر حينئذ إِذا جرَى علَى غير من هو لهُ، كما تفعل ذلك بالصّفات الجارية مجرَى الفعل، وكما تقول: (زيد قائم أبوه) .. تقول أيضًا: (زيد أسد أبوه).
والحاصل: أَن المفرد الجامد فارغ.
وإن أول الحفرد بمشتق .. تحمّل ضميرًا مستكنًا؛ أَي: مستترًا.
وعن الكسائي: أَن الجامد يتحمل الضّمير، ونقله ابن العلج عن الكوفيين والرّماني تلميذ ابن السّراج من البصريين.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وقوله: (والمفرد): مبتدأ مقصود به الجنس، و(الجامد): مبتدأ ثان، و(فارغ): خبر الثّاني، والجملة: خبر الأول، والرّابط محذوف؛ أَي: الجامد منه.
والضمير فِي (يشتق): عائد علَى المفرد المقصود به الجنس، قال الشّاطبي ﵀: وهو أحسن ما قيل هنا.
واللَّه الموفق
ص:
١٢٢ - وَأَبْرِزَنْهُ مُطْلَقًا حَيثُ تَلَا مَا لَيْسَ مَعْنَاهُ لهُ مُحَصَّلَا (^١)
ش:
الخبر المشتق إن تلا مبتدأ هو لهُ .. استتر الضّمير فِي ذلك الخبر؛ كـ (زيد قائم).
فإِن قلت: (زيد قائمٌ هو) .. كَانَ هذا الضّمير توكيدًا للمستتر.
فإِن تلا الخبر مبتدأ وليس معنَى الخبر محصلًا لذلك المبتدأ- يعني لم يكن
_________________
(١) وأبرزنه: الواو للاستئناف، أبرز: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت، ونون التوكيد حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، والضمير المتصل البارز مفعول به لأبرز. مطلقًا: حال من الضمير البارز، ومعناه: (سواء أمنت اللبس أم لم تأمنه). حيث: ظرف مكان متعلق بأبرز. تلا: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الخبر المشتق، والجملة من تلا وفاعله: في محل جر بإضافة حيث إليها. ما: اسم موصول مفعول به لتلا، مبني على السكون في محل نصب. ليس: فعل ماض ناقص. معناه: معنى: اسم ليس، ومعنى مضاف، والضمير مضاف إليه. له: جار ومجرور متعلق بقوله: محصلا الآتي. محصلا: خبر ليس، والجملة من ليس ومعموليها: لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول الذي هو ما، وتقدير البيت: وأبرز ضمير الخبر المشتق مطلقًا إن تلا الخبر مبتدأ ليس معنى ذلك الخبر محصلًا لذلك المبتدأ. وقد عبر الناظم في "الكافية" عن هذا المعنى بعبارة سالمة من هذا الاضطراب والقلق، وذلك قوله: وإن تلا غير الذي تعلقا به فأبرز الضمير مطلقا في المذهب الكوفي شرط ذاك أن لا يؤمن اللبس، ورأيهم حسن وقد أشار الشارح إلى اختيار الناظم في غير الألفية من كتبه لمذهب الكوفيين في هذه المسألة، وأنت تراه يقول في آخر هذين البيتين عن مذهب الكوفيين: (ورأيهم حسن).
[ ١ / ٣٢٣ ]
الخبر للمبتدأ- وجب إِبراز الضّمير؛ سواء كَانَ فِي الكلام لَبسٌ أم لا.
فالَّذي فيه اللّبس: (زيد عمرو ضاربه)؛ إِذ يحتمل: أَن يكونَ زيد ضارب عمرو، وعكسه.
فإِذا برز الضّمير نحو: (زيد عمرو ضاربه هو) .. عُلِم أَن الضّارب زيد، فـ (زيد): مبتدأ، و(عمرو): مبتدأ ثاني، و(ضاربه): خبر عن (عمرو)، مع أَن الضّرب لم يقع إِلَّا من زيد، والهاء فِي (ضاربه) ضمير عمرو، وحينئذ تلا الخبر مبتدأ ليس هو له؛ لأنَّ (عمرو) لم يقع منه ضرب كما ذكر، فوجب إِبراز الضّمير؛ أعني: (هو)، و(ضارب) حينئذ لا ضمير فيه؛ لأنَّ (هو) فاعل به؛ حيث برز منه، وهذا العمل إِنما هو مجرد اصطلاح، لأنه لا مانع من أَن يجعل عمرو هو الضّارب ويكون الضّمير بعده توكيدًا للضمير المستتر فيه، أَو للهاء فِي (ضاربه)، وهي حينئذ لزيد؛ كما تقول فِي التّوكيد: (مررت به هو).
والَّذي ليس فيه لبس: (زيد هند ضاربها)، فـ (زيد): مبتدأ، و(هند): مبتدأ ثان، و(ضاربها): خبر عن (هند)، وليس الخبر لها أيضًا، لأَنَّها لم تضرب والجملة: خبر عن زيد كما سبق، فيجب أيضًا إِبراز الضمير؛ نحو: (زيد هند ضاربها هو).
ولو حذف .. لكان معلومًا، إِلَّا أَن البصريين أوجبوا ذكره مطلقًا؛ ليجري الباب علَى سنن واحد.
والكوفيون يجيزون حذفه هنا؛ لعدم اللّبس، محتجين بقولِهِ:
قَوْمِي ذُرَى المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ (^١)
_________________
(١) التخريج: وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٦٢، وابن عقيل: ٤٢/ ١/ ٢٠٨ والأشموني: ١٤٣/ ١/ ٩٣، والعيني: ١/ ١٥٧. المفردات الغريبة: ذرى: جمع ذروة، وذروة الشيء: أعلاه. المجد: الكرم. بانوها: اسم فاعل من البناء، وبانون أصله بانيون أعلَّ إعلال قاضيون. كنه: حقيقة ونهاية الشيء، عدنان: أبو معد. قحطان: أبو اليمن. المعنى: يفخر الشاعر بأن قومه هم الذين أسسوا أعالي المجد والشرف، وقد علمت بحقيقة ذلك قبيلتا عدنان وقحطان، ويريد العرب جميعًا.
[ ١ / ٣٢٤ ]
فـ (قومي): مبتدأ، و(ذرى المجد): مبتدأ ثان، و(بانوها): خبر الثّاني، والجملة: خبر الأول وَلَم يبرز الضّمير لعدم اللّبس؛ كـ (زيد هند ضاربها)، ولو أبرز لقال: (بانوها هم).
وهذا الحكم ثابت للضمير إِذا:
• جرَى متحملة علَى غير من هو لهُ خبرًا كما مر.
• أَو نعتًا؛ كـ (مررت بالرّجل والحائط الواقف هو عليها).
• أَو صلة؛ نحو: (جاء زيد والمرأة الَّتي ضربها هو).
أَو حالًا.
وقس علَى ما سبق.
والضّمير فِي قوله: (وَأَبرزَنْهُ) يرجع للضمير السّابق فِي قوله: (فهوَ ذُوْ ضَميرٍ مُسْتَكِنْ)، وفاعل (تَلا): يعود علَى الخبر، و(مَا): موصولة صفة لمحذوف، و(الهاء) فِي قوله: (مَعنَاهُ): عائدة علَى الخبر أيضًا، والتّقدير: وأبرز الضّمير مطلقًا إن تلا الخبر مبتدأ ليس معنَى الخبر محصلًا لذلك المبتدأ، والضمير فِي (لَهُ): يعود علَى المبتدأ الموصوف بقوله: (مَا لَيسَ).
_________________
(١) =الإعراب: قومي: مبتدأ أول، وضمير مضاف إليه. ذرى: مبتدأ ثانٍ، وهو مضاف. المجد: مضاف إليه. بانوها: خبر المبتدأ الثاني، وها مضاف إليه، وجملة المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول. قد: حرف تحقيق. علمت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. بكنه: متعلق بعلمت، وكنه مضاف. ذلك: اسم إشارة مضاف إليه واللام للبعد، والكاف للخطاب. عدنان: فاعل علمت. وقحطان: معطوف عليه مرفوع مثله. وجمله (قومي ذرى المجد بانوها): ابتدائية لا محل لها. وجملة (ذرى المجد بانوها): خبر المبتدأ الأول. الشاهد: قوله: (قومي ذرى المجد بانوها)؛ حيث وقع بانوها خبرا لـ ذرى، وهو في المعنى عائد إلى قومي، لأنهم هم البانون، ولم يبرز الضمير، لأمن اللبس، لأن الذرى مبنية لا بانية، ولو أبرزه، لقال: بانيها هم، حيث إن الوصف كالفعل يفرد إذا أسند إلى المثنى والجمع، ويجوز على غير الفصحى: بانوها هم، والكوفيون يجيزون عدم إبراز الضمير عند أمن اللبس فقط، كما في هذا المثال، وأما البصريون، فيوجبون إبراز الضمير في كل حال، ويعدون هذا الشاهد غير موافق لقياس، فهو شاذٌّ، ومعلوم أن الشاذَّ، يحفظ، ولا يقاس عليه، وقد أعرب بعضهم ذرى المجد: منصوبًا بوصف محذوف، يفسره الوصف المذكور، والتقدير: بانوا ذرى المجد بانوها.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وفي هذا البيت بعض تعسُّف، وبيته فِي "الكافية" أسهل من هذا قال:
وَإِن تَلَا غَيرُ الّذِي تَعَلَّقَا بِهِ فَأَبرِزِ الضّمِيرَ مُطْلَقَا
ثم استحسن مذهب الكوفيين فقال:
فِي المَذهَبِ الكُوفِيِّ شَرطُ ذَاكَ أَنْ لَا يُؤمَنَ اللّبْسُ وَرَأيُهُم حَسَنْ
تنبيه:
كثيرًا ما يقع الامتحان بقولِ الشّاعرِ:
لَيسَ يَخفَى عَنكِ مَا حَلَّ بِنَا أنا أَنتِ الضَّارِبِي أَنتِ أَنَا
ومعناه: أنت قتلتني، فـ (أنا): مبتدأ، و(أنت): مبتدأ ثان، و(آل): مبتدأ ثالث وهي نفس أنا، وصلتها -أعني قاتل-: نفس أنت الّذي هو المبتدأ الثّاني.
فلما رفعت الصّلة ضميرًا يعود علَى غير (أل) .. برز الضّمير وانفصل وهو (أنت) المذكور ثانيًا؛ لأنَّ اسم الفاعل جرَى علَى غير من هو لهُ.
و(أنا) الأخير: خبر عن (أل) فِي القاتلي.
وخبره: خبر عن أنت الأول.
و(أنت) الأول وخبره: خبر عن (أنا) الأول (أنا) المذكور آخرًا.
وعائد المبتدأ الثّاني: (أنت) المذكور ثانيًا.
والعائد علَى (أل): الياء فِي اسم الفاعل باعتبار المتكلم.
ولو حمل علَى اللّفظ .. لقال: (القاتلة)؛ كما تقول: (أنا الّذي ضربتني يازيد)، أَو: (أنا الّذي ضربته يا زيد) كما سبق في آخر الموصول.
واللَّه الموفق
ص:
١٢٣ - وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أو بِحَرْفِ جَرّ نَاوِيْنَ مَعْنَى كَاِئِنٍ أَوِ أسْتَقَرْ (^١)
_________________
(١) وأخبروا: الواو للاستئناف، وأخبروا: فعل وفاعل. بظرف: جار ومجرور متعلق بأخبروا. أو: عاطفة. بحرف: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور السابق، وحرف: مضاف. وجر: مضاف إليه. ناوين: حال من الواو في قوله: (أخبروا) منصوب بالياء نيابة عن الفتحة، وفاعله ضمير مستتر فيه. معنى: مفعول به لناوين، ومعنى: مضاف. وكائن: مضاف إليه. أو: عاطفة. استقر: قصد لفظه، وهو معطوف على كائن.
[ ١ / ٣٢٦ ]
ش:
يقع الخبر ظرفًا؛ كـ (زيد عندك).
ومجرورًا؛ كـ (زيد فِي الدّار).
وكلاهما متحمل لضمير منتقل إِليه من الخبر الأصلي المحذوف العامل فِي الظّرف والمجرور، وهو الكون العام الّذي لا يجوز إِظهاره، مكانيًا كَانَ الظّرف كما سبق، أَو زمانيًا؛ كـ (السفر غدًا).
وهو مفرد، تقديرُهُ:
(كائن)، مِن (كَانَ التّامة).
أَو: (مستقر)، وقد صرح بالمحذوف شذوذًا فِي قولِهِ:
لكَ العِزُّ إِنْ مَوْلاكَ عَزَّ وَإِن يَهُن فَأَنتَ لَدَى بُحْبُوحَةِ الهُونِ كَائِنُ (^١)
_________________
(١) التخريج: هذا البيت من الشّواهد الَّتي لم يذكروها منسوبة إلى قائل معين. اللُّغة: مولاك: يطلق المولى على معان كثيرة، منها السّيد، والعبَد، والحليف، والمعين، والنّاصر، وابن العم، والمحب، والجار، والصّهر. يهن: قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في تحقيقه لابن عقيل: يروى بالبناء للمجهول كما قاله العيني وتبعه عليه كثير من أرباب الحواشي، ولَا مانع من بنائه للمعلوم، بل هو الواضح عندنا، لأن الفعل الثّلاثي لازم، فبناؤه للمفعول مع غير الظّرف أو الجار والمجرور ممتنع، نعم يجوز أن يكون الفعل من أهنته أهينه، وعلى هذا يجيء ما ذكره العيني، ولكنه ليس بمتعين، ولَا هو ممَّا يدعو إِليه المعنى، بل الذي اخترناه أقرب، لمقابلته بقوله: (عزَّ) الثّلاثي اللّازم، وقوله: بحبوحة: هو بضم فسكون، وبحبوحة كل شيء: وسطه. الهون: الذل والهوان. الإِعراب: لك: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. العز: مبتدأ مؤخر. إِن: شرطية. مولاك: مولى: فاعل لفعل محذوف يقع فعل الشّرط، يفسره المذكور بعده، ومولى مضاف، والكاف ضمير خطاب مضاف إِليه عز: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إِلى مولاك، والجملة لا محل لها مفسرة، وجواب الشّرط محذوف يدل عليه الكلام، أي: إِن عز مولاك فلك العز. وإِن: الواو عاطفة، وإِن: شرطية. يَهُن: فعل مضارع فعل الشّرط مجزوم وعلامة جزمه السّكون، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إِلى مولاك. فأنت: الفاء واقعة في جواب الشّرط، أنت: ضمير منفصل مبتدأ. لدى: ظرف متعلق بكائن الآتي، ولدى مضاف. بحبوحةِ: مضاف إِليه، وبحبوحة مضاف. الهون: مضاف إِليه. كائنُ: خبر المبتدأ، والجلمة من المبتدأ والخبر في محل جزم جواب الشّرط. الشَّاهد: قوله: (كائن)؛ حيث صرح به -وهو متعلق الظّرف الواقع خبرًا- شذوذًا، وذلك لأن الأصل عند الجمهور: أن الخبر -إِذا كَانَ ظرفًا أو جارًا ومجرورًا- أن يكون كل منهما متعلقًا=
[ ١ / ٣٢٧ ]
وكان القياس: حذف (كائن)؛ لأنه كون عام، فـ (أنت): مبتدأ، و(كائن): خبر صرح به شذوذًا، وفيه الضّمير والظّرف حينئذ فارغ؛ أعني قوله: (لدى بحبوحة الهون).
وبحبوحة كل شيء: وسطه. والهون بالضّم: الذّل والهوان.
وكما يجب حذف العامل فِي الظّرف والمجرور إِذا وقعا خبرًا .. يجب أيضًا:
إِذا وقعا صفة لنكرة؛ كـ (مررت برجل عندك)، أَو: (علَى حائط).
فَلَا يقال: (كائن عندك)، ولَا: (مستقر علَى حائط).
وكذا إِذا وقعا حالًا من معرفة؛ كـ (مررت بزيد عندك)، أَو: (فِي الدّار).
- وكذا فِي الصّلة؛ كـ (الذي عندك)، أَو: (فِي الدّار).
ولكن صلة الموصول لا تكون إِلَّا جملة، فالمحذوف هنا: (استقر)، لا (كائن، ولَا مستقر).
وليس (مُسْتَقِرًّا) هو الكون العام فِي قوله تعالَى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾؛ إِذ لو كَانَ كذلك .. لقيل: فلما رآه عنده، فلفظ (مستقرًا) هنا: معناها: ثابت غير متقلقل.
_________________
(١) =بكون عام، وأن يكون هذا الكون العام واجب الحذف، كما قرره الشّارح العلامة؛ فإِن كَانَ متعلقهما كونًا خاصًا .. وجب ذكره، إِلا أن تقوم قرينة تدل عليه إِذا حذف؛ فإِن قامت هذه القرينة جاز ذكره وحذفه. وذهب ابن جني: إِلى أنه يجوز ذكر هذا الكون العام لكون الذكر أصلًا، وعلى هذا يكون ذكره في هذا البيت ونحوه ليس شاذًا، كذلك قالوا. والذي يتجه للعبد الضّعيف -عفا الله تعالى عنهُ- وذكره كثير من أكابر العلماء: أن (كائنا)، و(استقر) قد يراد بهما مجرد الحصول والوجود، فيكون كل منهما كونًا عامًا واجب الحذف. وقد يراد بهما حصول مخصوص كالثبات وعدم قبول التحول والانتقال ونحو ذلك، فيكون كل منهما كونًا خاصًا، وحينئذ يجوز ذكره، و(ثابت) و(ثبت) بهذه المنزلة؛ فقد يراد بهما الوجود المطلق الذي هو ضد الانتقال فيكونان عامين، وقد يراد بهما القرار وعدم قابلية الحركة مثلًا، وحينئذ يكونان خاصين، وبهذا يرد على ابن جني ما ذهب إِليه، وبهذا -أيضًا- يتجه ذكر (كائن) في هذا البيت، وذكر (مستقر) في نحو: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾؛ لأن المعنى: أنه لما رآه ثابتًا كما لو كَانَ موضعه بين يديه من أول الأمر. انتهى كلام الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀.
[ ١ / ٣٢٨ ]
تنبيه:
الفارسي والزّمخشري وابن الحاجب علَى تقدير الفعل فِي نحو: (زيد عندك)، قالوا: لأنه الأصل فِي العمل، وتقدير المفرد أولَى؛ إِذ لا يصلح تقدير الفعل فِي نحو: (أما فِي الدّار فزيد)؛ لأنَّ (أما) لا يليها الفعل، فالتّقدير: أما مستقر فِي الدّار فزيد.
وكذا نحو: (خرجت فإِذا بالباب زيد)؛ التّقدير: فإِذا مستقر بالباب زيد. ولَا يحسن تقدير الفعل هنا؛ لأنَّ إذأ المفاجأة لا يليها الفعل علَى الأصح، قال تعالَى: ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾، التّقدير واللَّه أعلم بمراده: إِذا حاصل لهم مكر.
وقيل: فعل، ولكن يقدر مؤخرًا.
واعلم: أَن الظّرف والمجرور فِي نحو: (زيد عندك) فِي موضع نصب بـ (كائن)، أَو (مستقر)، فالمحذوف هو الخبر حقيقة، والظّرف أَو المجرور فِي محل نصب به.
وتسمية الظّرف أَو المجرور خبرًا إِنما هو مجاز والشائع.
• وأيده ابن كيسان فقال: إِن الخبر هو العامل المحذوف.
• ونحا الشّيخ موفق الدّين بن يعيش الحلبي فِي "شرح المفصل" نحو هذا.
• وأبو الفتح وشيخه الفارسي: أن الظّرف والمجرور خبر فِي الحقيقة،
فهو فِي موضع رفع حقيقة، وأن العامل صار نسيًا منسيًا، ذكره السّيوطي فِي "همع الهوامع".
• حكَى الفارسي عن شيخه محمد بن السَّراج: أَن نحو: (زيد فِي الدّار) قسم برأسه لا من قبيل الخبر المفرد ولَا من الجملة.
• قال بعضهم: وقد لا يصلح تقدير الكون؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ﴾ فالتّقدير هنا: (تقتل بالنّفس)، أَو: (مقتولة بالنّفس)، فَلَا يصلح كائنة ولَا مستقرة.
ونقل عن السّيرافي: أَن الضّمير محذوف، مع أَن الكون العام فِي نحو: (زيد عندك)، والظّرف حينئذ فارغ ليس فيه ضمير.
[ ١ / ٣٢٩ ]
والمعتمد: خلافه، ولَا يجوز حذف الكون الخاص فَلَا تقول: (زيد خلفك) تريد: (ضاحك خلفك)؛ إِذ لو حذف .. لم يعلم كونه ضاحكًا.
• ولَا يقع الظّرف المقطوع عن الإِضافة خبرًا؛ كـ (قبل وبعد)، وسيأتي فِي الإِضافة.
• ولَا يقع ظرف الزّمان حالًا، ولَا صلة، ولَا صفة لجثة، ولَا خبرًا عن اسم العين؛ بخلاف اسم المعنَى، كـ (السفر غدًا)، كما سبق.
وتقول: (زيدٌ حيثُ عمروٌ)، فـ (زيد،: مبتدأ، و(حيث): ظرف مكان فِي موضع رفع خبر زيد، و(عمرو): مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة المعنَى عليه، والتّقدير: (زيد مستقر حيث عمرو مستقر)، ذكر ذلك أبو حيان.
وإِعرابه هذا مبني علَى أَن (حيثُ) ظرف مكان وهو المشهور.
قيل: وهي ظرف زمان في قول بعضهم:
لِلفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ به حَيْثُ تَهْدِي سَاقَهُ قَدَمُهْ (^١)
واللَّه الموفق
_________________
(١) التخريج: البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص ٨٦، وخزانة الأدب ٧/ ١٩، والدرر ٣/ ١٢٥، وسمط اللآلي ص ٣١٩، ولسان العرب ١٠/ ١٦٨ (سوق)، ١٥/ ٣٥٧ (هدى)، وبلا نسبة في مجالس ثعلب ص ٢٣٨، وهمع الهوامع ١/ ٢١٢. اللغة: هَدَاه: تَقَدَّمه. المعنى: إن للفتى عقلًا يهديهِ إلى الرشاد ما دام حيًّا، وأينما كان. الإعراب: للفتى: جار ومجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجار والمجرور متعلقان بخبر مقدم. عقل: مبتدأ مرفوع مؤخر. يعيشُ: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره: هو. به: جار ومجرور متعلقان بالفعل يعيشُ. حَيث: اسم مبني على الضم في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بالفعل يعيش. تهدِي: فعل مضارع مرفوع بالضمة. ساقَه: مفعول به منصوب، والهاء: مضاف إليه محله الجر. قدَمُه: فاعل مرفوع بالضمة، والهاء: مضاف إليه محله الجر. جيلة (للفتى عقل): استئنافية لا محل لها من الإعراب. وجملة (يعيش به): صفة لعقل محلها الرفع. وجملة (تهدِي ساقه قدمه): مضاف إليها محلها الجر. الشاهد: قوله: (حيت)؛ حيث إن الأخفش قال: إِن (حيث) قد تأتي بمعنى الحين كما في هذا البيت.
[ ١ / ٣٣٠ ]
ص:
١٢٤ - ولَا يَكُوْنُ اسْمُ زَمَانٍ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ وَإِن يُفِدْ فَأَخبِرَا (^١)
ش:
١. اسم المكان يخبر به عن اسم العين وعن اسم المعنَى.
فالأول: (زيد عندك)، فـ (عندك): اسم مكان وقع خبرًا عن الجثة وأفاد.
والثّاني: (المعروف عندك)، فوقع أيضًا خبرًا عن اسم المعنَى وأفاد أيضًا.
٢. وأما اسم الزّمان فيجوز أَن يقع خبرًا عن اسم المعنَى؛ نحو: (السّفر يوم الإِثنين) بنصب (يوم) علَى الظّرفية، أو تقول: (فِي يوم الإِثنين)، وفي القرآن: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
• ولَا يخبر به عن اسم العين، كما قال: (ولَا يكونُ اسمُ زَمانِ خبرًا عَن جُثَّةٍ)، فَلَا تقول: (زيد غدًا)، ولَا (زيد اليوم).
فإن حصلت فائدةٌ جازَ ذلك؛ لكن بتقدير مضاف غالبًا، كقولهم: (الرّطبُ تموزُ)؛ أَي: الرّطب فِي تموز، و(اللّيلةُ الهلالُ) فـ (الهلال): مبتدأ، و(اللّيلة): ظرف زمان مخبر به عن الجثة أيضًا، والتّقدير اللّيلةُ طلوع الهلالِ، وقالَ الشّاعرُ:
أكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهْ يُلْقِحُه قَوْمٌ وتَنْتِجونَهْ؟ (^٢)
_________________
(١) ولا: الواو للاستئناف، ولا: نافية. يكون: فعل مضارع ناقص. اسم: هو اسم يكون، واسم مضاف. وزمان: مضاف إليه. خبرا: خبر يكون. عن جثة: جار ومجرور متعلق بقوله: خبرا، أو بمحذوف صفة لخبر. وإن: الواو للاستئناف، إن: شرطية. يفد: فعل مضارع فعل الشرط، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى كون الخبر اسم زمان. فأخبرا: الفاء واقعة في جواب الشرط، أخبر: فعل أمر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة المنقلبة ألفًا للوقف، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت، والجملة من فعل الأمر وفاعله في محل جزم جواب الشرط.
(٢) التخريج: الرجز لقيس بن حصين في خزانة الأدب ١/ ٤٠٩، والكتاب ١/ ١٢٩، ولصبي من بني سعد قيل إنه قيس بن الحصين في المقاصد النحوية ١/ ٥٢٩، وشرح أبيات سيبويه ١/ ١١٩، ولرجل ضبي في الأغاني ١٦/ ٢٥٦، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ١٠٢، وتخليص الشواهد ص ١٩١، والرد على النحاة ص ١٢٠، ولسان العرب ١٢/ ٥٨٥ نعم، واللمع في العربية ص ١١٣.
[ ١ / ٣٣١ ]
فقوله: (نَعَمٌ): مبتدأ واقع هنا علَى الإِبل والبقر، وقوله: (كلَّ عام): ظرف زمان وهو خبر مقدم، والتّقدير: (أكلُّ عام إِحرازُ نعمٍ تحوونه؟).
وحكَى أبو الفتح: رفع (نعمٌ) بمحذوف.
وحكَى الأخفش: نصبه علَى الاشتغال، حكَى ذلك القواس ﵀.
و(كلَّ) فِي البيت منصوبة علَى الظّرفية؛ لأنَّ (كل وبعض) ينصبان علَى الظّرفية إِذا أضيفا للظرف كما فِي الشّاهد، وكقولك: (أكلَّ يوم ثوب تلبسه؟) ونحو ذلك.
وتقول: (زيد فِي يوم طيب)، و(نحن فِي زمان كذا).
ولَا يقدر المضاف إِلَّا أَن احتيج إِليه فِي الكلام.
وقوله: (يُلقحه) بضم الياء آخر الحروف، من: (ألقح الفحل النّاقة)، و(تَنتِجونه): بفتح التّاء من نتج ينتج.
وأَجازَ بعضهم: أَن يخبر عن اسم العين بظرف الزّمان الّذي فيه معنَى الشّرط؛ كقولِك: (الرّطبُ إِذا جاء الحرُّ).
واللَّه الموفق
_________________
(١) =اللغة: النعم: الإبل والشاء. تحوونه: تملكونه وتضمونه. يلقحه: يجعله لاقحًا حاملًا. تنتجونه: تتولون وضعه، ونتجتُ الناقة: إذا ولَّدتُها. المعنى: أتضمون الإبل والشاء في كل عام بعدما سهر عليها قوم حتى غذت لواقحًا، ثم تأتون أنتم فتولدونها، وهي إشارة إلى ما يستولونِ عليه في غاراتهم على الأقوام الأخرى. الإعراب: أكل: الهمزة: حرف استفهام، كلَّ: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بمحذوف خبر مقدم. عامٍ: مضاف إليه مجرور بالكسرة. نعَمٌ: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة. تحوونه: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. يلقحه: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. قوم: فاعل يلقحه مرفوع بالضمة. وتنتجونه: الواو: للعطف، تنتجون: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل، والهاء: ضمير متصل في محل نصب مفعول به. وجملة (أكل عام نعم): ابتدائية لا محل لها. وجملة (تحوونه): في محل رفع صفة لنعم. وجملة (يلقحه): في محل رفع صفة لنعم. وجملة (تنتجونه): معطوفة على جملة في محل رفع. الشاهد: قوله: (أكل عام نعم)، حيث حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، والأصل: إحراز نعمٍ أو حواية نعم في كل عام.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ص:
١٢٥ - وَلَا يَجُوز الابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ مَا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَةْ (^١)
١٢٦ - وَهَل فَتىً فِيْكُم فَمَا خِلُّ لَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْكِرَامِ عِنْدَنَا (^٢)
١٢٧ - وَرَغْبَةُ فِي الْخَيْرِ خَيْرُ وَعَمَلْ بِرٍّ يَزِيْنُ وَلْيُقَسْ مَا لَمْ يُقَلْ (^٣)
ش:
المبتدأ: محكوم عليه، والحكم علَى الشيء لا يكون إِلَّا بعد معرفته، فمن ثَمَّ لا يبتدأ بنكرة إِلَّا إِذا حصلت بها فائدة.
[مسوغات الابتداء بالنكرة]:
والمسوغ للابتداء بالنكرة وجوه:
_________________
(١) لا: نافية. يجوز: فعل مضارع. الابتدا: فاعل يجوز. بالنكرة: جار ومجرور متعلق بالابتدا. ما: مصدرية ظرفية. لم: حرف نفي وجزم وقلب. تفد: فعل مضارع مجزوم بلم، والفاعل: ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي، يعود على النكرة. كعند: الكاف جارة لقول محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، وعند ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وعند مضاف. وزيد: مضاف إليه. نمرة: مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب مقول القول المحذوف، وتقدير الكلام: وذلك كائن كقولك: عند زيد نمرة.
(٢) هل: حرف استفهام. فتى: مبتدأ. فيكم: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. فما: نافية. خل: مبتدأ. لنا: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر. ورجل: مبتدأ. من الكرام: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لرجل. عندنا: عند: ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وعند مضاف، والضمير مضاف إليه.
(٣) رغبة: مبتدأ. في الخير: جار ومجرور متعلق به. خيرٌ: خبر المبتدأ. وعمل: مبتدأ، وعمل مضاف. وبِرٍّ مضاف إليه. يزين: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود على عمل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. وليقس: الواو عاطفة أو للاستئناف، واللام لام الأمر، يقس: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وهو مبني للمجهول. ما: اسم موصول نائب فاعل يقس. لم: حرف نفي وجزم وقلب. يقل: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم بلم، ونائب فاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود على (ما)، والجملة من الفعل المَبْني للمجهول ونائب فاعله: لا محل لها من الإعراب صلة.
[ ١ / ٣٣٣ ]
١. منها: أَن يتقدم عليها الخبر الظّرفي؛ نحو: (فِي الدّار رجل)، و(عندي امرأة).
ويشترط كون الظّرف والمجرور مختصين كما مثل.
• فَلَا يقال: (عند رجل مال)، و(لرجل صدقة)؛ لعدم اختصاص الأول بالمال، والثّاني بالصّدقة.
٢. ومنها: أَن تسبق باستفهام؛ نحو: (هل فتى فيكم؟)، فـ (فتَى): مبتدأ، و(فيكم): خبره.
٣. ومنها: أَن تسبق بنفي؛ نحو: (ما رجل عندي)، و(ما خِلٌّ لنا).
٤. ومنها: أَن توصف النّكرة وتذكر الصّفة؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾، وقول الشيخ: (رجل من الكرام عندنا).
• ويجوز حذف الصّفة للعلم بها؛ نحو: (اللّحمُ رطلٌ بدرهمٍ)؛ فـ (رطل): مبتدأ، و(بدرهم): خبره، والوصف مقدر؛ أَي: (رطل منه بدرهم).
٥. ومنها: أَن تكون النّكرة عاملة فيما بعدها؛ نحو: (أمرٌ بمعروف صدقةٌ) فـ (أمرٌ): مبتدأ، وهو مصدر عامل فِي المجرور النّصب محلًا، و(صدقةٌ): خبر، ومثله: (رغبةٌ فِي الخيرِ خيرٌ)، ونحو: (خير منك زيد).
وعن سيبويه: أنه يجعل (زيدٌ) مبتدأ فِي هذا المثال؛ لأنَّ الأصل عنده تعريف المبتدأ، إِلَّا فِي نحو: (ما، وكم) فِي الاستفهام، فيرَى أَن يكونَ كل منهما مبتدأ وإِن كَانَ نكرة؛ لأنه لم يقصد به معين.
وسبق مذهب ابن كيسان فِي ذلك فِي أول النّكرة والمعرفة.
٦. ومنها: أَن تكون النّكرة مضافة؛ كقوله -ﷺ-: "خمسُ صلوات كتبهنَّ الله"، ومنه قول الشيخ: (عملُ بِرِّب يزين).
وهذه ستة ذكرها الشّيخ هنا.
٧. ومنها: أَن يكونَ فِي النّكرة معنَى الحصر؛ كقولهم: (شرٌّ آهرَّ ذا ناب)؛ أَي: (ما أهر ذا ناب إلا شر).
وقيل: المسوغ هنا: الوصف المحذوف، والتّقدير: (شيء عظيم أهر ذا ناب)،
[ ١ / ٣٣٤ ]
فيكون مثل قولك: (اللّحم رطل بدرهم) كما سبق.
٨. ومنها: أَن تعطف النّكرة علَى المعرفة؛ نحو: (زيدٌ ورجلٌ قاما).
٩. ومنها: أَن يعطف علَى النكرة نكرة أخرى موصوفة؛ نحو: (رجل وأمرأة جميلة فِي الدّار).
ومنه فِي القرآن: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾؛ فـ (طاعة): مبتدأ، والخبر: محذوف؛ أَي: طاعة وقول معروف أمثل. واللَّه أعلم بمراده.
١٠. ومنها: أَن يتصد بها التّنويع؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾، فـ (وجوه): مبتدأ فِي الموضعين، وخبر الأولى: (ناضرة)، والثّاني: (باسرة)، و(يومئذ) فِي الموضعين: متعلق بالخبر، ولَا يجوز أَن يكونَ (يومئذ) صفة لوجوه؛ لأنَّ ظرف الزّمان لا يوصف به الجثة.
• وغلط الرّضي فِي هذا الموضع فقال: إن (وجوه): مبتدأ بِلَا مسوغ.
• والمسوغ: التّفصيل كما ذكرت لك، ومنه أيضًا قولُ الشّاعرِ:
فأَقْبَلتُ زَحْفًا علَى الرُّكْبَتَيْنِ فثَوْبٌ نَسيتُ وثَوْبٌ أَجُرّ (^١)
_________________
(١) التخريج: هذا البيت من قصيدة لامرئ القيس أثبتها لهُ أبو عمرو الشّيباني، والمفضل الضّبِّي، وغيُرهما، وزعم الأصمعي -في روايته عن أبي عمرو بن العلاء- أن القصيدة لرجل من أولاد النّمر بن قاسط يقال لهُ: ربيعة بن جشم، وأولها عنده: أحارِ بن عمرٍو كأني خَمِرْ ويَعدو على المَرء ما يأتَمِر الإِعراب: فأقبلت: الفاء عاطفة، أقبلت: فعل ماض مبني على الفتح، وسكن لاتصاله بالتاء، والتاء: فاعل. زحفًا: يجوز أن يكون مصدرًا في تأويل اسم الفاعل، فيكون حالًا من التاء في أقبلت، ويجوز بقاؤه على مصدريته فهو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: أزحف زحفًا. على الرّكبتين: جار ومجرور متعلق بقوله: (زحفًا). فثوبٌ: مبتدأ. لبستُ: فعل وفاعل، والجملة في محل رفع خبر، والرّابط ضمير محذوف، والتّقدير: لبسته. وثوب: الواو عاطفة، ثوب: مبتدأ. أجرّ: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنا، والجملة في محل رفع خبر، والرّابط ضمير منصوب محذوف، والتّقدير: أجره، والجملة من المبتدأ وخبره معطوفة بالواو على الجملة السّابقة. الشَّاهد: قوله: (ثوب) في الموضعين؛ حيث وقع كل منهما مبتدأ -مع كونه نكرة- لأنه قصد التّنويع، إِذ جعل أثوابه أنواعًا؛ فمنها نوع أذهله حبها عنهُ فنسيه، ومنها نوع قصد أن يجره على=
[ ١ / ٣٣٥ ]
فـ (ثوبٌ): مبتدأ، و(نسيتُ): خبر، وا لعائد محذوف؛ أَي: نسيته.
و(ثوب) الثّاني: مبتدأ، وخبره: (أجر)، والمسوغ: التّنويع كما فِي الآية الكريمة.
وقولُ الآخرِ:
فَيْومٌ عَلينَا ويَومٌ لَنا وَيَوم نُسَاءُ وَيَومٌ نُسَرّ (^١)
١١. ومنها: أَن تعتمد النّكرة علَى موصوف مقدر؛ نحو: (فمؤمنٌ خيرٌ من كافر)؛ أَي: (رجل مؤمن خير من كافر).
١٢. ومنها: أن تكون جوابًا؛ كقولك: (رجل) لمن قال: (مَن عندك؟) أَي: رجل عندي.
_________________
(١) =آثار سيرهما ليعفيها حتى لا يعرفهما أحد، وهذا توجيه ما ذهب إِليه العلامة الشّارح. قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀ في شرحه لابن عقيل: وفي البيت توجيهان آخران ذكرهما ابن هشام، وأصلهما للأعلم: أحدهما: أن جملتي (نسيت، وأجر) ليستا خبرين، بل هما نعتان للمبتدأين، وخبراهما محذوفان، والتّقدير: فمن أثوابي ثوب منسي وثوب مجرور. والتّوجيه الثّاني: أن الجملتين خبران، ولكن هناك نعتان محذوفان، والتّقدير: فثوب لي نسيته، وثوب لي أجره، وعلى هذين التّوجيهين فالمسوغ للابتداء بالنّكرة: كونها موصوفة. وفي البيت رواية أخرى، وهي: (فثوبًا نسيت وثوبًا أجر) بالنّصب فيهما، على أن كلا منهما مفعول للفعل الذي بعده، ولَا شاهد في البيت على هذه الرّواية، ويرجح هذه الرّواية على رواية الرّفع: أنها لا تحوج إِلى تقدير محذوف، وأن حذف الضّمير المنصوب العائد على المبتدأ من جملة الخبر ممَّا لا يجيزه جماعة من النّحاة -منهم سيبويه- إِلا لضرورة الشّعر.
(٢) التخريج: هذا البيت من المتقارب، وقائله النّمر بن تولب. انظر شعره ص ٥٧، وهو من شواهد سيبويه ١/ ٨٦، والكشاف ١/ ٤٦٦، والهمع ١/ ١٠١، وثمار القلوب في المضاف والمنسوب للثعالبي ص ٦٤١. الإِعراب: (فيومٌ، ويومٌ، ويومٌ، ويومٌ): كلها مبتدآت، وقوله: (علينا، ولنا، ونُسَاء، ونُسَر): أخبار عنها، والأصل: (فيوم علينا، ويوم لنا، ويوم نُسَاء فيه، ويومٍ نُسَرُّ فيه)، فحذف الرابط لأنه منصوب بفعل محلًّا. الشاهد: قوله: (فيومٌ، ويومٌ، ويومٌ، ويومٌ)؛ حيث وقعت النكرة مبتدأ في المواضع الأربعة؛ لأَنَّها في مقام التقسيم، وهو من المسوغات لوقوع النكرة مبتدأ.
[ ١ / ٣٣٦ ]
ولَا يقدر الخبر هنا إِلَّا مؤخرًا؛ لأنَّ الجواب يسلك به مسلك السّؤال، والمقدم فِي السّؤال: مبتدأ.
١٣. ومنها: أَن تكون النّكرة مصغرة؛ نحو: (رُجَيلٌ فِي الدّار)؛ لأنَّ التّصغير فيه معنَى الوصف، وكأنه قيل: (رجل حقير فِي الدّار).
١٤. ومنها: أَن تكون النّكرة اسم شرط؛ نحو: (مَن يقم أقم معه).
١٥. أَو: اسم استتفهام؛ نحو: (مَن جاءك؟).
١٦. ومنها. أَن يكونَ فِي النّكرة معنى الدّعاء؛ كقولِهِ تعالَى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، ونحو قولك: (ويلٌ لزيد).
١٧. ومنها: أَن تقع قبلها واو الحال؛ نحو: (سرت ورجل ينظرني)، ومنه قول عائشة ﵂: "دخل رسول اللَّه -ﷺ- وبرمةٌ علَى النّار"، و(دخل وحبلٌ ممدود)، وقولُ الشّاعرِ:
سَرَيْنَا وَنَجمٌ قَدْ أَضَاءَ فَمُذْ بَدَا (^١)
_________________
(١) التخريج: صدر بيت من الطويل، وعجزُه: مُحَيَّاكَ أَخْفَى ضَوْؤُهُ كُلَّ شَارِق وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٣/ ٩٨، وتخليص الشواهد ص ١٩٣، والدرر ٢/ ٣٢، وشرح شواهد المغني ٢/ ٨٦٣، ومغني اللبيب ٢/ ٤٧١، والمقاصد النحوية ١/ ٥٤٦، وهمع الهوامع ١/ ١٠١، وهو من الشواهد التي لا يعرف قائلها. اللغة: سرينا: من السرى -بضم السين- وهو السير ليلًا. أضاء: أنار. بدا: ظهر. محياك: وجهك. المعنى: شبه الشاعرُ الممدوحَ بالبدر تشبيها ضمنيا، ولم يكتف بذلك حتى جعل ضوء وجهه أشد من نور البدر وغيره من الكواكب المشرقة. الإعراب: سرينا: فعل وفاعل. ونجم: الواو للحال، نجمٌ: مبتدأ. قد: حرف تحقيق. أضاء: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى نجم، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. فمذ: اسم دال على الزمان في محل رفع مبتدأ. بدا: فعل ماض. محياك: محيا: فاعل بدا، ومحيا مضاف، وضمير المخاطب: مضاف إليه، والجملة في محل جر بإضافة مذ إليها، وقيل: مذ مضاف إلى زمن محذوف، والزمن مضاف إلى الجملة. أخفى: فعل ماض. ضوؤه: ضوء: فاعل أخفى، وضوء مضاف، والضمير: مضاف إليه. كلَّ: مفعول به لأخفى، وهو مضاف. شارق: مضاف إليه، والجملة من الفعل -الذي هو أخفى- والفاعل في محل=
[ ١ / ٣٣٧ ]
١٨. ومنها: أن يكون فيها معنى التّعجب؛ نحو: (بقرةٌ تكلمت)، و(شجرةٌ سجدت)، وقوله:
عَجَبٌ لِتِلْكَ قَضِيَّةً وَإِقَامَتِي فِيْكُمْ عَلَى تِلْكَ القَضِيَّة أَعْجَبُ (^١)
فـ (عجب): مبتدأ، و(لتلك): خبره.
١٩. ومنها: أن تكون النّكرة عامة؛ نحو: (كلٌّ يموت).
٢٠. ومنها: أَن تكونَ للحقيقة من حيث هي؛ نحو: (رجلٌ خيرٌ من امرأة)،
_________________
(١) =رفع خبر المبتدأ وهو: مذ. الشاهد: قوله: (ونجم قد أضاء)؛ حيث أتى بنجم مبتدأ -مع كونه نكرة- لسبقه بواو الحال.
(٢) التخريج: البيت لضمرة بن جابر في الدّرر ٣/ ٧٢، ولهني بن أحمر في الكتاب ١/ ٣١٩، ولسان العرب ٦/ ٦١ حيس، ولهمام بن مرة في الحماسة الشّجرية ١/ ٢٥٦، ولرؤية في شرح المفصل ١/ ١١٤، وبلا نسبة في سمط اللّآلي ع ٢٨٨، وشرح التّصريح ٢/ ٨٧، وهمع الهوامع ١/ ١٩١. المعنى: قال الشّنتمري: كَانَ هذا الشّاعر ممن يبر أمه ويخدمها، وكانت مع ذلك تؤثر أخًا لهُ عليه يقال لهُ جندب. وقبله: وإِذا تكونُ كريهةٌ أُدعى لها وإِذا يُحَاس الحِيس يُدعى جُندُبُ فعجبَ من ذلك ومن صبره عليه. الإِعراب: عجبٌ: مبتدأ مرفوع بالضّمة. لتلك: اللّام حرف جر، تلك: اسم إِشارة مبني في محل جر بحرف الجر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، أو بعجب إِذا اعتُبِر خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: أمري عجب. قضيةً: حال من اسم الإِشارة "تلك" منصوب بالفتحة. وإِقامتي: الواو حرف عطف، إِقامتي: مبتدأ مرفوع بضمة منع من ظهورها انشغال المحل بالحركة المناسبة، وهو مضاف، والياء ضمير متصل مبني في محل جر بالإِضافة. فيكم: في: حرف جر، الكاف: ضمير متصل مبني في محل جر بحرف الجر، والجار والمجرور متعلقان بإِقامة. على: حرف جر. تلك: اسم إِشارة مبني في محل جر بحرف الجر، والجار والمجرور متعلقان بإِقامة. القضية: بدل من تلك مجرور بالكسرة. أعجب: خبر للمبتدأ إِقامتي مرفوع بالضّمة. الشَّاهد: قوله: (عجبٌ) حيث رفع على الابتداء مع أنه نكرة، أو على إِضمار مبتدأ تقديره: أمري عجب.
[ ١ / ٣٣٨ ]
و(سيفٌ أقوى من عصا).
ومنه قول ابن عباس رضي اللَّه تعالَى عنهُما: (تمرة خير من جرادة).
٢١. ومنها: أَن تدخل عليها لام ألابخداء نحو: (لرجلٌ قائم).
٢٢. ومنها: أَن لا يراد بها معين؛ كقولِهِ:
مُرسَّعَةٌ بَينَ أَرسَاغِهِ (^١)
_________________
(١) صدر بيت من المتقارب، وعجزه: بهِ عسَمٌ يبتغي أرنَبَا التخريج: قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في هذا الشاهد من شرح ابن عقيل: اتفق الرواة على أن هذا البيت لشاعر اسمه امرؤ القيس، لكن اختلفوا فيما وراء ذلك، فقيل: لامرئ القيس بن حجر الكندي الشاعر المشهور، وقال أبو القاسم الكندي: ليس ذلك بصحيح، بل هو لامرئ القيس بن مالك الحميري، لكن الثابت في نسخة ديوان امرئ القيس بن حجر الكندي -برواية أبي عبيدة والأصمعي وأبي حاتم والزيادي، وفيما رواه الأعلم الشنتمري من القصائد المختارة- نسبة هذا البيت لامرئ القيس بن حجر الكندي، وقال السيد المرتضى في "شرح القاموس"، نقلا عن "العباب"، ما نصه: هو لامرئ القيس بن مالك الحميري، كما قاله الآمدي، وليس لابن حجر كما وقع في دواوين شعره، وهو موجود في أشعار حمير اهـ. ومهما يكن من شيء فقد روى الرواة قبل بيت الشاهد قوله: أيا هند لا تنكحي بوهة عليه عقيقته أحسبا اللغة: بوهة: هو بضم الباء- الرجل الضعيف الطائش، وقيل: هو الأحمق. عقيقته: العقيقة: الشعر الذي يولد به الطفل. أحسبا: الأحسب من الرجال: الرجل الذي ابيضت جلدته. وقال القتيبي: أراد بقوله: (عليه عقيقته): أنه لا يتنظف. وقال أبو علي: معناه أنه لم يعق عنه في صغره، فما زال حتى كبر وشابت معه عقيقته. مرسعة: هي التميمة يعلقها -مخافة العطب- على طرف الساعد فيما بين الكوع والكرسوع. وذكر الشارح أنه تعلق على الرأس. وقيل: هي مثل المعاذة، وكان الرجل من جهلة العرب يشد في يده أو رجله حرزا لدفع العين، أو مخافة أن يموت، أو يصيبه بلاء بين أرساغه. الأرساغ: جمع رُسْغ -بوزن قفل- يعني أنه يجعلها في هذا المكان. المعنى: يخاطب هندًا أخته -فيما ذكر الرواة- ويقول لها: لا تتزوجي رجلًا من جهلة العرب، يضع التمائم، ويقعد عن الخروج للحروب، وفي رسغه اعوجاج ويبس، لا يبحث إلا عن الأرانب ليتخذ كعوبها تمائمَ جُبنًا وفَرَقًا.
[ ١ / ٣٣٩ ]
و(المرسَّعة): التّميمة تعلق علَى الرّأس.
٢٣. ومنها: أَن تقع بعد (لولا)؛ كقولِهِ:
لَولَا اصطِبارٌ لَأودَى كُلُّ ذِي مِقَةٍ (^١)
_________________
(١) =الإعراب: مرسعةٌ: مبتدأ. بين: ظرف منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وبين مضاف. أرساغه: مضاف إليه، وأرساغ مضاف والضمير مضاف إليه، وجملة المبتدأ وخبره في محل نصب نعت لبوهة في البيت السابق، والرابط بين جملة الصفة والموصوف: هو الضمير المجرور محلًا بالإضافة في قوله: أرساغه. به: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. عَسَمٌ: مبتدأ مؤخر، والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب صفة ثانية لبوهة. يبتغي: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود إلى بوهة، وجملة الفعل وفاعله في محل نصب صفة لبوهة أيضًا. أرنبا: مفعول به ليبتغي، فقد وصف البوهة في هذين البيتين بخمس صفات: الأولى: قوله: عليه عقيقه. والثانية: قوله: أحسبا. والثالثة: جملة مرسعة بين أرساغه. والرابعة: جملة به عسم. والخامسة: جملة يبتغي أرنبا. الشاهد: قوله: (مرسعةٌ)؛ فإنها نكرة وقعت مبتدأ، وقد سوغ الابتداء بها إبهامُها، ومعنى ذلك: أن المتكلم قصد الإبهام بهذه النكرة، ولم يكن له غرض في البيان والتعيين أن تقليل الشيوع، وأنت خبير بأن الإبهام قد يكون من مقاصد البلغاء، ألا ترى أنه لا يريد مرسعة دون مرسعة، وهذا معنى قصد الإبهام الذي ذكره الشارح. واعلم: أن الاستشهاد بهذا البيت لا يتم إلا على رواية (مرسَّعةٌ) بتشديد السين مفتوحة، وبرفعها وتفسيرها بما ذكرنا، وقد رويت بتشديد السين مكسورة، ومعناها الرجل الذي فسد موق عينه، وعلى هذا تروى بالرفع والنصب، فرفعها على أنها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو مرسعة، أي البوهة السابق مرسعة، ونصبها على أنها صفة لبوهة في البيت السابق من باب الوصف بالمفرد، ولا شاهد في البيت لما نحن فيه الآن على إحدى هاتين الروايتين.
(٢) التخريج: هذا صدر بيت، وعجزه قوله: كَمَا استَقَلَّت مَطَايَاهُنَّ لِلظعَنِ وهو من شواهد التصريح: ١/ ١٧٠، وابن عقيل: ١/ ٢٢٤، والأشموني: ١/ ٩٨، والعيني: ١/ ٣٥٢. المفردات الغريبة: أودى: ماضٍ لازم بمعنى هلك. مِقَة: محبة، وفعله: ومَق يمِق بالكسر فيهما، والياء فيه عوض عن فاء الكلمة، وهي الواو. استقلت: نهضت وهمت للسفر. مطاياهن: جمع مطية، والمراد بها هنا الإبل، وسميت بذلك؛ لأنه يركب مطاها أي ظهرها. الظعن: الارتحال. المعنى: يقول الشاعر: لولا التجلد والصبر، وحمل النفس على عدم الجزع لهلك كل محب عند تهيؤ أحبابه للسفر والرحيل، ومفارقتهم له.
[ ١ / ٣٤٠ ]
أَي: لهلك كل ذي محنة فـ (اصطبار): مبتدأ، والخبر: محذوف لأنه بعد (لولا) كما سيأتي.
٢٤. ومنها: أَن تكون النّكرة (كم) إن كَانَ ما بعدها منصوبًا أَو مجرورًا؛ كقولِهِ:
كَمْ عَمّةٌ لَكَ يا جَرِيرُ وَخَالَةٌ فَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي (^١)
_________________
(١) =الإعراب: لولا: حرف امتناع لوجود، أو: حرف شرط غير جازم. اصطبار: مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف وجوبًا، والتقدير: لولا اصطبار موجود. لأودى: اللام واقعة في جواب لولا. أودى: فعل ماضٍ. كلُّ: فاعل أودى. ذي: مضاف إليه. مِقة. مضاف إليه. كما: متعلق بأودى. استقلت: فعل ماضٍ، والتاء: للتأنيث. مطاياهن: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف، وهن: في محل جر بالإضافه. للظعن: متعلق باستقلت. الشاهد: قوله: (اصطبار)؛ حيث وقع مبتدأ، وهو نكرة، والذي سوغ وقوعه مبتدأ: وقوعه بعد (لولا)، وهي تشبه ما النافية في الجملة؛ لأنها تقتضي انتفاء جوابها لانتفاء شرطها.
(٢) التخريج: البيت للفرزدق في هجاء جرير، وهو من شواهد الكتاب ١/ ٢٥٣، ٢٩٣، والمقتضب ٣/ ٥٨، والموجز لابن السّراج/ ٤٤، وشرح السّيرافي ٣/ ١٩، والجمل للزجاجي/ ١٤٨، وابن يعيش ٤/ ١٣٣، وشرح الكافية للرضي ٢/ ٩٣، والمغني ١/ ٢٠٢، والنّقائض/ ٣٣، والدّيوان/ ٤٥١. والمبرد يرى أن كم استفهامية في البيت، وتوجيه ذلك بأن الاستفهام ليس على معناه الحقيقي، ولكنه على سبيل التّهكم والسّخرية. فكأنه يقول لجرير: أخبرني عن عدد عماتك وخالاتك اللّاتي حلبن علي عشاري؛ فقد ذهب عني عددها. اللُّغة: الفدع: اعوجاج في رسغ اليد من كثرة الحلب، أو في رسغ الرِّجل من كثرة الرّعي. العشار: جمع عشراء وهي النّاقة الحامل في شهرها العاشر. المعنى: على الإِخبار: كثير من عماتك وخالاتك يا جرير، كن من جملة خدمي وقد تعوجت أرساغهن من كثرة حلبهن نياقي على كره مني. وعلى الاستفهام: أخبرني يا جرير، بعدد عماتك وخالاتك اللّاتي كن يخدمنني ويحلبن نياقي حتى تعوجت أرساغهن من كثرة الحلب، فقد نسيت عددهن. الإعراب: قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ﵀ في شرحه لابن عقيل: (كم) يجوز أن تكون استفها مية، وأن تكون خبرية (عمة) يجوز فيها وفي (خالة) المعطوفة عليها الحركات الثلاث: أما الجر (عمةٍ) فعلى أن كم خبرية في محل رفع مبتدأ، وخبره جملة حلبت و(عمةٍ): تمييز لها، وتمييز كم الخبرية مجرور كما هو معلوم، و(خالةٍ): معطوف عليها.
[ ١ / ٣٤١ ]
فـ (كم): مبتدأ علَى رواية جر (عمةٍ) ونصبِها و(قد حلبت): خبره.
ويروَى برفع (عمةٌ)، فتكون (عمة): مبتدأ، وقوله: (لك): فِي موضع الصّفة لهُ، و(قد حلبت): خبره، وكم حينئذ فِي محل نصب علَى الظّرفية، والتّقدير: (كم من عمة لك قَدْ حلبت).
والفدعاء: الَّتي إصبعها معوجَّة من كثرة حلبها.
وأما نحو: (كم مالُك؟) .. فـ (كم): مبتدأ، و(مالك): خبره، والمميز محذوف؛ أَي: (كم دينارًا مالُك؟)، هذا مذهب سيبويه.
وعكس الأخفش.
وعلَى قولى سيبويه يكون المسوغ للابتداء بـ (كم): ما فيها من معنَى العموم.
٢٥. ومنها: أَن تقع النّكرة بعد فاء الجزاء؛ كقولهم: (إن ذهب عِيرٌ فعيرٌ في
_________________
(١) =وأما النصب (عمةً) فعلى أن كم استفهامية في محل رفع مبتدأ، وخبره جملة حلبت أيضًا، و(عمةً): تمييز لها، وتمييز كم الاستفهامية منصوب كما هو معلوم، و(خالةً) معطوف عليها. وأما الرفع (عمةٌ) فعلى أن كم خبرية أو استفهامية في محل نصب ظرف متعلق بحلبت أو مفعول مطلق عامله حلبت الآتي، وعلى هذين يكون قوله: (عمةٌ) مبتدأ. وقوله: (لك) جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت له، وجملة (قد حلبت): في محل رفع خبره، وتمييز (كم) على هذا الوجه محذوف، وهي -على ما عرفت- يجوز أن تكون خبرية فيقدر تمييزها مجرورًا، ويجوز أن تكون استفهامية فيقدر تمييزها منصوبًا. فدعاء: صفة لخالة، وقد حذف صفة لعمة مماثلة لها، كما حذف صفة لخالة مماثلة لصفة عمة، وأصل الكلام قبل الحذفين: (كم عمة لك فدعاء، وكم خالة لك فدعاء) فحذف من الأول كلمة فدعاء، وأثبتها في الثاني، وحذف من الثاني كلمة لك وأثبتها في الأول، فحذف من كل مثل الذي أثبته في الآخر، وهذا ضرب من البديع يسميه أهل البلاغة: الاحتباك. الشاهد: قوله: (عمةٌ) على رواية الرفع؛ حيث وقعت مبتدأ -مع كونها نكرة؛ لوقوعها بعد (كم) الخبرية، كذا قال الشارح العلامة، وأنت خبير بعدما ذكرناه لك في الإِعراب أن (عمة) على أي الوجوه موصوفة بمتعلق الجار والمجرور، وهو قوله: (لك)، و(بفدعاء) المحذوف الذي يرشد إِليه وصف خالة به، وعلى هذا: لا يكون المسوغ في هذا البيت وقوع النكرة بعد كم الخبرية، وإِنما هو وصف النكرة، وبحثت عن شاهد فيه الابتداء بالنكرة بعد كم الخبرية، ولَا مسوغ فيه سوى ذلك، فلم أوفق للعثور عليه.
[ ١ / ٣٤٢ ]
الرباط).
وجُعِل منه قراءة الأعرج: (فإِن خفتم أَن لا تعدلوا فوحدةٌ) بالرّفع؛ أَي: تجزئ أَو تكفي.
ومنه علَى أحد الأوجه: قوله تعالَى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾؛ فـ (آخران): مبتدأ، و(يقومان): الخبر.
وقيل: (آخران): خبر لمحذوف؛ أَي: فالشّاهدان آخران.
وقيل: التّقدير: فليشهد آخران.
وقيل: (آخران): مبتدأ، والخبر: (الأوليان).
[وقيل: (الأوليان]: مبتدأ، و(آخران): خبر مقدم.
وقيل: (الأوليان) خبر لمحذوف؛ أَي: هما هما الأوليان، والجملة: خبر الآخران.
وقيل: (الأوليان): صفة لى (آخران)، وجاز ذلك؛ لأنَّ النكرة قَدْ وصفت، وهو للأخفش؛ لأنَّ النكرة إِذا تخصصت .. يجوز نعتها بالمعرفة عنده، ونائب الفاعل فِي (استحق) ضمير يعود علَى الاسم المتقدم ذكره.
وقيل: إن نائب الفاعل (عليهم)؛ لأنَّ (استحق عليهم) فِي معنى: (جنَى عليهم) بالجيم والنّون.
وقيل: (علَى) بمعنَى (فِي) ويقرأ استحق بفتح التاء علَى التّسمية الفاعل، وفيه وفيما تقدم كلام طويل.
والحامل علَى بسط الكلام فِي هذا ونحوه: تقوية الطّالب.
٢٦. وصرح ابن إِياز فِي "قواعد المطارحة" بجواز الابتداء بالنكرة إن كَانَ الخبر ظرفًا مضافًا لمعرفة؛ نحو: (رجل خلفك)، و(رجل عندك).
٢٧. ومنها: أَن تقع النّكرة بعد إِذا الفجائية؛ نحو: (خرجت فإِذا رجل بالباب).
٢٨. ومنها: أَن يقصد بها المناقضة؛ نحو: (رجل قام) لمن ظن أَن امرأة قامت.
٢٩. ومنها: أَن يقصد بها الأمر؛ نحو: (وصيةٌ لأزواجهم) علَى قراءة الرّفع.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وَلَم يشترط سيبويه والجرجاني وابن السراج فِي الابتداء بالنّكرة إِلَّا حصول الفائدة.
وقال الحسن بن الدّهان تلميذ السّيرافي: إذا حصلت الفائدة فأخبر عن أَي نكرة شئت.
واللَّه الموفق
ص:
١٢٨ - وَالْأصْلُ فِي الأَخْبَارِ أَنْ تُؤخَّرَا وَجَوَّزُوا التَّقْدِيْمَ إِذْ لَا ضَرَرَا (^١)
ش:
الأصل فِي الخبر: التّأخير؛ لأنه يشبه الصّفة فِي موافقة ما قبله فِي الإِعراب لا من كل وجه؛ إِذ يجوز تقديم الخبر حيث لا ضرر فِي تقديمه، فتقول: (قائم زيد)، و(في الدّار بكر).
ومنه قولك: (مشنوءٌ مَن يشنؤك)، و(تميميٌّ أنا).
وقوله:
قَدْ ثَكِلَت أُمُّهُ مَنْ كُنتَ وَاحِدَهُ (^٢)
_________________
(١) والأصل: مبتدأ. في الأخبار: جار ومجرور متعلق به. أن: مصدرية. تؤخرا: فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي، يعود إلى الأخبار، والألف للإطلاق، وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبر المبتدأ. وجوزوا: فعل وفاعل. التقديم: مفعول به لجوزوا. إذ: ظرف زمان متعلق بجوزوا. لا: نافية للجنس. ضررا: اسم لا، مبني على الفتح في محل نصب، والألف للإطلاق، وخبر لا محذوف، أي: لا ضرر موجود، والجملة من لا واسمها وخبرها في محل جر بإضافة إذ إليها.
(٢) التخريج: صدر بيت من البسيط، وعجزه: وصار مُنْتَشِبًا في بُرْثُنِ الأسَدِ وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص ١٦٠؛ والأغاني ٤/ ١٦١؛ والمقاصد النحوية ١/ ٥٥٣؛ وبلا نسبة في شرح ابن عقيل ص ١٨٧. اللغة: ثكلت أمه: هو من الثكل، وهو فقد المرأة ولدها. منتشبًا: عالقًا داخلًا. برثن الأسد: مخلبه وجمعه براثن، مثل برقع وبراقع، والبراثن للسباع: بمنزلة الأصابع للإنسان، وقال ابن الأعرابي: البرثن: الكف بكمالها مع الأصابع.
[ ١ / ٣٤٤ ]
فـ (مَن): مبتدأ، و(قد ثكلت): خبر مقدم، ودخله الطي (^١).
ومن تقديم الخبر أيضًا: قوله تعالَى: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ فـ (ما كانوا): مبتدأ، و(باطل): خبر.
وقرئ: (باطلًا) بالنّصب، والعامل فيه: (يعملون)، و(ما): زائدة.
واجتمع التّقديم وعدمه فِي قوله ﵊: "ملعون من لعب بالشّطرنج، والنّاظر إِليها كالآكل لحم الخنزير"، ذكره السّيوطي فِي "الجامع الصغير".
واللَّه الموفق
ص:
١٢٩ - فَامْنَعْهُ حِيْنَ يسْتَوِي الْجُزْءان عُرْفًا وَنُكْرًا عَادِمَيْ بَيَانِ (^٢)
_________________
(١) =الإعراب: قد: حرف تحقيق. ثكلت: ثكل: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث. أمُّه: أم: فاعل ثكلت، وأم مضاف، والضمير مضاف إليه، والجملة من الفعل وفاعله في محل رفع خبر مقدم. مَن: اسم موصول مبتدأ مؤخر. كنت: كان: فعل ماض ناقص، والتاء ضمير المخاطب اسمه مبني على الفتح في محل رفع. واحده: واحد خبر كان، وواحد مضاف، والضمير مضاف إليه، والجملة من كان واسمها وخبرها لا محل لها صلة الموصول الذي هو مَن. وبات: الواو عاطفة، بات: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هو يعود إلى مَن. منتشبًا: خبر بات. في برثن: جار ومجرور متعلق بمنتشب، وبرثن مضاف. الأسد: مضاف إليه. الشاهد: قوله: (ثكلت أمه من كنت واحده)؛ حيث قدم الخبر، وهو جملة (ثكلت أمه) على المبتدأ وهو (من كنت واحده)، وفي جملة الخبر المتقدم ضمير يعود على المبتدأ المتأخر، وسهل ذلك أن المبتدأ -وإن وقع متأخرًا- بمنزلة المتقدم في اللفظ، فإن رتبته التقدم على الخبر.
(٢) الطي: هو حذف الرابع الساكن من (مستفعلن) فتصبح: (مستعلن).
(٣) فامنعه: امنع: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت، والضمير البارز العائد على تقديم الخبر- مفعول به لامنع. حين: ظرف زمان متعلق بامنع. يستوي: فعل مضارع. الجزءان: فاعل يستوي، والجملة من الفعل والفاعل في محل جر بإضافة حين إليها. عرفًا: تمييز. ونكرًا: معطوف عليه. عادمي: حال من الجزءان، وعادمي: مضاف. وبيان: مضاف إليه، والتقدير: فامنع تقديم الخبر في وقت استواء جزأَي الجملة -وهما المبتدأ والخبر- من جهة التعريف والتنكير، بأن يكونا معرفتين أو نكرتين كل منهما صالحة للابتداء بها، حال كونهما عادمي بيان، أي لا قرينة معهما تعين المبتدأ منهما من الخبر.
[ ١ / ٣٤٥ ]
ش:
الخبر مع المبتدأ باعتبار تقديمه وتأخيره علَى ثلاثة أقسام:
١. قسم يجوز فيه الوجهان.
٢. وقسم يجب فيه تأخير الخبر.
٣. وقسم يجب فيه تقديم الخبر.
فالأول: تقدم ذكره.
والثاني: هو المراد هنا وفيما يأتي، فهنا صورتان:
الأولَى: إِذا استوَى المبتدأ والخبر فِي التّعريف.
الثّانية: إِذا استويا فِي التّنكير.
وقوله: (الجُزءَانِ)؛ يعني: المبتدأ والخبر.
فاستواؤهما في التّعريف: (زيد أخوك)؛ فلو قيل: (أخوك زيد) .. لجاز أَن يكونَ (أخوك): مبتدأ، و(زيد): خبر، والحال أنك تريد أَن أخوك هو الخبر، وحينئذ لم يعلم هل أخوك خبر مقدم أو مبتدأ.
فإِن وجدت قرينة جاز التّقديم، كقولهم: (أبو حنيفة أبو يوسف)، فقدم الخبر هنا مع استوائهما فِي التّعريف؛ لعدم اللّبس، والأصل: (أبو يوسف أبو حنيفة) فلم يضر تقديم الخبر هنا؛ لأنَّ المراد تشبيه أبي يوسف بأبي حنيفة، فمعلوم أَن (أبو يوسف): هو المبتدأ، سواء قدم أَو أخر.
ومثله: (زيد اللّيث)، و(اللّيث زيد)؛ لأنَّ المراد تشبيه زيد باللّيث غالبًا.
ومنه قولُ الشّاعرِ:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا، وبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ (^١)
_________________
(١) التخريج: البيت للفرزدق في خزانة الأدب ١/ ٤٤٤، وبلا نسبة في الِإنصاف ١/ ٦٦، وتخليص الشّواهد ص ١٩٨، والحيوان ١/ ٣٤٦، والدّرر ٢/ ٢٤، وشرح الأشموني ١/ ٩٩، وشرح التّصريح ١/ ١٧٣، وشرح شواهد المغني ٣/ ٨٤٨، وشرح ابن عقيل ص ١١٩، ومغني اللّبيب ٢/ ٤٥٢، وهمع الهوامع ١/ ١٠٢.
[ ١ / ٣٤٦ ]
فقدم الخبر وهو (بنونا)، والأصل: (بنو أبنائنا بنونا)؛ لأنَّ المراد تشبيه بني الأبناء بالأبناء.
وخير الفارسي فِي (زيد الظّريف).
ومثال استوائهما فِي التّنكير: (أفضل منك أفضل من زيد)، فـ (أفضل منك): مبتدأ. و(أفضل من زيد): خبر، ولَا يجوز تقديم الخبر هنا؛ إِذ قصدك أَن تعلمه أَن الشّخص الّذي هو أفضل منه هو أفضل من زيد.
وإِذا قدمت الخبر وقلت: (أفضل من زيد أفضل منك) جاز أَن يكونَ:
(أفضل من زيد): مبتدأ؛ كونه عاملًا فيما بعده.
أَو: (أفضل منك): خبره وهذا فيه عكس المراد.
والمسوغ لكون أفعل التّفصيل هنا مبتدأ: كونه عاملًا فيما بعده، علَى حد قولك: (رغْبَةٌ في الْخَيْرِ خَيْرٌ).
فلو وجدت قرينة .. جاز أيضًا التّقديم.
والحاصل: أنه يقول: امنع تقديم الخبر إن استوى الجزءان فِي التّعريف والتّنكير وَلَم يوجد قرينة.
واللَّه الموفق
_________________
(١) =الإِعراب: بنونا: خبر مقدّم للمبتدأ مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السّالم، وهو مضاف، ونا: ضمير في محلّ جرّ بالإِضافة. بنو: مبتدأ مؤخّر مرفوع بالواو لأنّه ملحق بجمع المذكر السّالم، وهو مضاف. أبنائنا: مضاف إِليه مجرور بالكسرة، وهو مضاف، ونا: ضمير متصل في محلّ جرّ بالإِضافة. وبناتنا: الواو: حرف عطف، بناتنا مبتدأ أوّل مرفوع، وهو مضاف، ونا: ضمير متصل مبني في محل جرّ بالإِضافة. بنوهنّ: مبتدأ ثانٍ مرفوع، وهو مضاف، وهنّ: ضمير متصل مبني في محلّ جرّ بالإِضافة. أبناء: خبر للمبتدأ الثّاني، وهو مضاف. الرّجال: مضاف إِليه. الأباعد: نعت الرّجال مجرور بالكسرة. وجملة (بنونا بنو): ابتدائية لا محلّ لها من الإِعراب. وجملة (بناتنا بنوهن أبناء الرّجال): معطوفة على الجملة السّابقة. وجملة (بنوهن أبناء الرّجال): في محلّ رفع خبر المبتدأ الأول. الشاهد: قوله: (بنونا بنو أبنائنا)؛ حيث جاز تقديم الخبر على المبتدأ مع مساواتهما في التّعريف، لأجل القرينة المعنوية، لأن الخبر هو محط الفائدة، فما يكون فيه التّشبيه الذي تذكر الجملة لأجله فهو الخبر، وهو قوله: بنونا؛ إِذ المعنى: أن بني أبنائنا مثل بنينا، لا أنّ بنينا مثل بني أبنائنا.
[ ١ / ٣٤٧ ]
ص:
١٣٠ - كذَا إِذَا مَا الْفِعْلُ كاَنَ الْخَبَرَا أَوْ قُصِدَ اسْتِعَمَالُهُ مُنْحَصِرَا (^١)
ش:
فِي هذا البيت صورتان لا يجوز تقديم الخبر فيهما أيضًا.
الأولَى: إِذا كَانَ المبتدأ مفردًا وخبره فعلًا رافعًا للضمير [المستتر] (^٢) العائد علَى ذلك المبتدأ؛ كـ (زيد قام)، و(العبد ضُربَ).
فلو قدم الخبر وقيل: (قام زيد)، و(ضُرِبَ العبدُ) .. كَانَ (زيد): فاعلًا، و(العبد) نائب الفاعل.
فرافعًا للضمير المستتر: يخرج الفعل الرّافع للضمير الظّاهر؛ كـ (الزيدان قاما) فيجوز هنا تقديم الخبر؛ كـ (قاما الزيدان).
ومنعها بعضهم؛ لأن (الزيدان) عنده: فاعل بـ (قاما) على لغة "أكلوني البراغيث".
ويخرج أيضًا: الفعل الرافع لظاهر؛ كـ (زيد قام أبوه)، فيجوز فيه تقديم الخبر؛ كـ (قام أبوه زيد)، ولا يضر عود الضمير هنا على (زيد)، لأن المبتدأ وإن تأخر لفظًا .. فهو مقدم رتبة على الخبر.
الثانية: إذا كان الخبر محصورًا بـ (إنما)، أوبـ (إلا)، فتقول: (إنما زيد شاعر)، و(ما زيد إلا شاعر)، فحصرت الخبر في الشعر؛ يعني: ليس لزيد خبر من الأخبار إلا كونه شاعرًا.
_________________
(١) كذا: جار ومجرور متعلق بامنع. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان تضمن معنى الشرط. ما: زائدة. الفعل: اسم لكان محذوفة تفسرها المذكورة بعدها، والخبر محذوف أيضًا، والجملة من كان المحذوفة واسمها وخبرها: في محل جر بإضافة إذا إليها. كان: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الفعل. الخبرا: الخبر: خبر كان، والألف للإطلاق، والجملة: لا محل لها مفسرة. أو: عاطفة. قصد: فعل ماض مبني للمجهول. استعماله: استعمال: نائب فاعل قصد، واستعمال مضاف، والضمير مضاف إليه. منحصرا: حال من المضاف إليه؛ لأن المضاف عامل فيه.
(٢) سقط من المخطوط تم استدراكه من "حاشية الصبان" (١/ ٣٠٨).
[ ١ / ٣٤٨ ]
وبعضهم يقول: المراد بالخبر المحصور: أن يكون المبتدأ محصورًا في الخبر. وكلاهما صحيح؛ فلو قيل: (إنما شاعر زيد)، و(ما شاعر إلا زيد) .. لزم أن الشعر لا يحسنه إلا زيد؛ لأن الشعر حينئذ يكون محصورًا في زيد، وهو ممنوع.
ومن حصر الخبر أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾؛ فلو قدم الخبر .. لانعكس الترتيب، وصار الخبر محصورًا في المبتدأ، وهذا يلزم عليه عدم رسالة غير نبينا محمد -ﷺ-.
وشذ تقديم الخبر المحصور في قوله:
فَيَا ربِّ هَلْ إلا بِكَ النَّضْرُ يُرْتَجَى عَلَيهِم وَهَلْ إلا عَلَيكَ المعُوَّلُ (^١)
_________________
(١) التخريج: البيت من الطويل، وهو للكميت في تخليص الشواهد ص ١٩٢؛ والدرر ٢/ ٢٦؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ١٣٩؛ وشرح التصريح ١/ ١٣٧؛ والمقاصد النحوية ١/ ٥٣٤؛ وليس في ديوانه؛ وبلا نسبة في أوضح المسالك ١/ ٢٠٩؛ وشرح الأشموني ١/ ٩٩؛ وشرح ابن عقيل ص ١٢١؛ وهمع الهوامع ١/ ١٠٢. قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في منحة الجليل: والكميت بن زيد الأسدي، هو الشاعر المقدم، العالم بلغات العرب، الخبير بأيامها، وأحد شعراء مضر المتعصبين على القحطانية، والبيت من قصيدة له من قصائد تسمى الهاشميات، قالها في مدح بني هاشم. اللغة: المعول تقول: عولت على فلان، إذا جعلته سندك الذي تلجأ إليه، وجعلت أمورك كلها بين يديه، والمعول ههنا: مصدر ميمي بمعنى التعويل. الإعراب: يارب: يا: حرف نداء، رب: منادى منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اكتفاء بكسر ما قبلها. هل: حرف استفهام إنكاري دال على النفي. إلا: أداة استثناء ملغاة. بك: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. النصر: مبتدأ مؤخر. يرتجى: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود على النصر. ويجوز أن يكون (بك) متعلقًا بقوله: يرتجى، وجملة يرتجى مع نائب فاعله المستتر فيه: في محل رفع خبر. عليهم: جار ومجرور متعلق في المعنى بالنصر، ولكن الصناعة تأباه، لما يلزم عليه من الفصل بين العامل ومعموله بأجنبي، لهذا يجعل متعلقًا بيرتجى. وهل: حرف استفهام تضمن معنى النفي. إلا: أداة استثناء ملغاة. عليك: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. المعوَّل: مبتدأ مؤخر. الشاهد: قوله: (بك النصر)، و(عليك المعول)؛ حيث قدم الخبر المحصور بإلا في الموضعين شذوذًا، وقد كان من حقه أن يقول: هل يرتجى النصر إلا بك، وهل المعول إلا عليك، وأنت خبير بأن الاستشهاد بقوله: بك النصر لا يتم إلا على اعتبار أن الجار والمجرور خبر مقدم، والنصر مبتدأ مؤخر، فأما على اعتبار أن الخبر هو جملة (يرتجى) .. فلا شاهد في الجملة الأولى من البيت لما نحن فيه، ويكون الشاهد في الجملة الثانية وحدها.
[ ١ / ٣٤٩ ]
فقدم الخبر في الموضعين؛ لأن (النصر): مبتدأ، و(بك): خبره متعلق بالاستقرار، والأصل: هل النصر إلا بك مرجوًا.
و(المعول): مبتدأ أيضًا، وخبره: عليك، والأصل: هل المعول إلا عليك؟
وقوله: (مُنْحَصِرَا):
يجوز فيه فتح الصاد على أنه اسم مفعول، وفي الكلام حذف، والمعنى: (أو قصد استعمال الخبر منحصرًا فيه صفات زيد وأخباره).
ويجوز فيه الكسر على أن الخبر الاصطلاحي نفسه محصور في الشعر من نحو: (ما زيد إلا شاعر).
و(الْفِعْلُ): فاعل بـ (كان) المحذوفة، يفسرها المذكورة.
واللَّه الموفق
ص:
١٣١ - أَوْ كَانَ مُسْنَدًا لِذِي لَامِ ابْتِدَا أَوْلَا زِم الصَّدْرِ كَمَنْ لِي مُنْجِدَا (^١)
ش:
يفول: إن كان الخبر مسندًا لمبتدأ مقترن بلام الابتداء، أو مسندًا لما له صدر الكلام .. امتنع تقديمه أيضًا.
فالأول: نحو: (لَزيدٌ قائم)، فلا يقدم الخبر؛ لأن لام الابتداء لها الصدر أيضًا.
_________________
(١) أو: عاطفة. كان: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الخبر. مسندًا: خبر كان. لذي: جار ومجرور متعلق بمسند، وذي مضاف. ولام: مضاف إليه، ولام مضاف. وابتدا: مضاف إليه. أو: عاطفة. لازم: معطوف على ذي، ولازم مضاف. والصدر: مضاف إليه. كمن: الكاف: جارة لقول محذوف كما تقدم مرارًا، مَن اسم استفهام مبتدأ. لي: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. منجدا: حال من الضمير المستتر في الخبر الذي هو الجار والمجرور، وذلك الضمير عائد على المبتدأ الذي هو اسم الاستفهام.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وشذ قولُهُ:
خَالِيْ لأنتَ وَمَنْ جَرِيرٌ خَالُهُ (^١)
وكان القياس: (لأنت خالي).
قال أبو الفتح في "سر الصناعة": ويجوز أن يكون أراد: (لخالي أنت)، فأخر اللام ضرورة.
والثاني: نحو: (من لي منجدًا؟) فـ (مَن): اسم استفهام مبتدأ، و(لي): خبره، و(منجدًا): حال من الضمير المستتر في (لي) فلا يقدم الخبر؛ لأن الاستفهام له الصدر.
ومثله: (أيُّهم قائم؟)، و(كم مالُك؟).
وسبق أن (كم) هنا: خبر عند الأخفش.
_________________
(١) التخريج: هذا صدر بيت من الكامل، وعجزه: يَنَل الْعَلَاءَ وَيُكَرم الأَخْوَالا وهو بلا نسبة في خزانة الأدب ١٠/ ٣٢٣، وسر صناعة الإعراب ص ٣٧٨، وشرح التصريح ١/ ١٧٤، ولسان العرب ١/ ٥١٠ شهرب، والمقاصد النحوية ١/ ٥٥٦. اللغة: العلاءة الشرف والرفعة. الإعراب: خالي: خبر مقدم مرفوع، وهو مضاف، والياء ضمير متصل في محل جر بالإضافة، أو مبتدأ مرفوع. لأنت: اللام: لام الابتداء، أنت: ضمير في محل رفع مبتدأ مؤخر، أو خبر المبتدأ، والوجه الأول: هو الأصح. ومَن: الواو حرف استئناف. مَن: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ أول. جريرٌ: مبتدأ ثان مرفوع. خالُه: خبر للمبتدأ الثاني، وهو مضاف، والهاء ضمير متصل في محل جر بالإضافة. ينا: فعل مضارع مجزوم تشبيهًا لمَن الموصولة بالشرط، وفاعله ضمير مستتر تقديره: هو. العلاء: مفعول به منصوب. ويكرم: الواو حرف عطف، يكرم: فعل مضارع مجزوم؛ لأنه معطوف على ينل، وفاعله ضمير مستتر تقديره: هو. الأخوالا: تمييز منصوب، وأل الداخلة على الأخوال زائدة، والتقدير: ويكرم أخوالا. وجملة (خالي لأنت): ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة (مَن جرير خاله): استئنافية لا محل لها من الإعراب. وجملة (جرير خاله): صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. وجملة (ينل): في محل رفع خبر المبتدأ "مَن". وجملة (يُكرَم): معطوفة على جملة (ينل). الشاهد: قوله: (خالى لأنت)؛ حيث قدم الخبر على المبتدأ الذي دخلت عليه لام الابتداء شذوذًا.
[ ١ / ٣٥١ ]
ويجب تقديمها على الوجهين.
واسم الشرط كاسم الاستفهام، فتقول: (مَن يقم أقم معه)، فمن: اسم شرط مبتدأ، وما بعده: خبر.
وقيل: الخبر فعل الشرط فقط، وهو الصحيح، ولذا لو قدم على اسم الاستفهام أو اسم الشرط مضاف؛ كـ (غلام من في الدار) و(غلام من يقم أقم معه) .. فـ (غلام): مبتدأ في الموضعين، وخبر الأول: (في الدار)، وأما خبر الثاني .. فقد أغنى عنه جواب الشرط.
ويمتنع أيضًا تقديم الخبر في التعجب، نحو: (ما أحسن زيدًا،) ف (ما): مبتدأ، و(أحسن زيدًا): خبره على أحد الأوجه.
وكذا الخبر المقرون بالفاء؛ كقولك: (الذي يأتيني فله درهم)، فالموصول: مبتدأ، و(فله درهم): خبر.
ومثله: (رجل يسألني فيغنم)، ف (رجل): مبتدأ، و(يسألني): في موضع الصفة له، و(فيغنم): الخبر، فلا يقدم الخبر هنا؛ لأن الفاء تابعة لا متبوعة.
ودخول الفاء على الخبر جائز إن كان المبتدأ موصولًا أو نكره موصوفة كما سبق أو بالظرف.
ويجوز كون المبتدأ مضافًا لنكرة؛ كقولِ الشاعر:
وَكل خَيرٍ لَدَيهِ فَهوَ مَسؤُولُ (^١)
نحو: (كل رجل في الدار فله درهم).
أو مضافا للموصول؛ نحو: (غلام الذي يأتيني فله درهم).
ويشترط أن يقصد العموم ويكون الفعل مستقبلا كما مثل، فدخلت الفاء في الخبر؛ لما في (الذي) من معنى الشرط.
_________________
(١) عجز بيت من البسيط، وصدره: نَرجُو فَواضِلَ رَبٍّ سَيْبُهُ حَسَنٌ وهو لعبدة بن الطيب، وأنشده السيوطي في الهمع ج ١/ ١٠٩ شاهدًا لجواز دخول "الفاء" على خبر المبتدأ، إذا كان المبتدأ مضافًا إلى النكرة المذكورة، وهو مشعر بمجازاة (أي شرط).
[ ١ / ٣٥٢ ]
واشترط الوصل أو الو صف بالفعل، لأن الشرط لا يكون إلا به.
وإنما جاز في الظرف؛ لأنه ينوب مناب الفعل.
ولما كان الشرط مبهمًا .. اشترط العموم، لأن فيه معنى الإبهام، فيمتنع: (الذي أبوه قائم فله درهم)، لفوات معنى الشرط بالجملة الاسمية.
ومنع القواس: (كل رجل كريم يأتيني فله درهم)، قال: لعدم العموم في النكرة (بغير)؛ لأنها اختصت بجنس الكريم.
ورُبَّما جاء الوصل بلفظ الماضي حقيقة، ومنه فِي القرآن: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
وأما قوله ﵊: "كل قرض جر منفعة فهو ربا" .. فإِنما وصفت فيه النّكرة بالماضي؛ لأنه فِي معنَى المستقبل.
وقد لا توصف النكرة مع (كل)، نحو: (كل نعمة فمن اللَّه) ذكره الشّيخ فِي "التّسهيل".
والَّذي سوغ دخول الفاء فِي خبر (إن) من قوله تعالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ كون الموصول صفة، فدخلت الفاء لما فِي (الّذي) من شبه الشّرط -كما سبق- وعلاقة التّشبيه بينهما: أَن كلًا من الشّرط والموصول سبب لما بعد الفاء.
وبعضهم اشترط فِي دخول الفاء: أَن يكونَ الموصول مبتدأ لا صفة.
وأجيب: بأن الصّفة والموصوف كالشيء الواحد، ولأَنَّ الموصول لا يكون إِلَّا صفة دائمًا، ولَا يجوز بقاء هذه الفاء فِي الخبر مع بعض نواسخ الابتداء كما سيأتي فِي آخر باب إِن وأخواتها.
وهل إِذا اقترن خبر الموصول بالفاء حملًا علَى الشرط يجوز أَن يجري مجرَى الشّرط فِي الجزم إِذا سقطت الفاء؟
منع ذلك البصريون فِي الاختيار.
وأَجازَ الكوفيون جزمه فِي الكلام، تشبيهًا لهُ بجواب الشّرط نحو: (الّذي
[ ١ / ٣٥٣ ]
يأتيني أُحسِنْ إِليه) بالجزم.
ومنه قوله:
كذَاكَ الِّذي يَبغِي علَى النّاسِ ظَالِمًا تُصِبْهُ علَى رُغمٍ عَوَاقِبُ ما صَنَعْ (^١)
بجزم (تصبه).
وقيل: مِن تسكين ضمة الإِعراب؛ كقراءة: (وما يُشعرْكم) بالسّكون فلما سكّنَ الباء الموحدة .. حذفت الياء لالتقاء السّاكنين.
_________________
(١) التخريج: البيت من الطويل، ولم ينسب لقائل فيما عدت إليه من مراجع، وهو من شواهد "شرح التسهيل" (٤/ ٨٣). اللغة: يبغي على الناس: يَظْلِمُهُم ويطلُبُ أَذَاهُم. على رُغمٍ: على ذلةٍ. عواقب: جمع عاقبة، وهي: آخر الأمر. المعنى: من يظلم الناس .. تصبه رغمًا عنه نتائج ما فعل من ظلم، وهو كقولهم: (من حفر حفرة لأخيه وقع فيها)، ويتضح هذا المعنى من البيت السابق، وهو: لا تحفرن بئرًا تريدُ أخًا بها فإنّكَ فيها أنتَ مِنْ دونهِ تقعْ الإعراب: كذاك: الكاف: حرف تشبيه وجر، ذاك: اسم إشارة مبني في محل جر بحرف الجر، والجار والمجرور متعلقان بخبر مقدم محذوف. الذي: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. يبغي: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة للثقل، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره هو. على الناس: على: حرف استعلاء وجر، الناس: اسم مجرور بـ "على" وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. ظالمًا: حال منصوبة، وعلامة نصبها الفتحة الظاهرة على آخرها. تصبه: فعل مضارع مجزوم بـ "الذي" تشبيهًا له بالشرط، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به. على رغمٍ: جار ومجرور متعلقان بـ "تصبه". عواقب: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف. ما: اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه. صنع: فعل ماض مبني على الفتح، وسكن للقافية، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره هو. وجملة (كذاك الذي يبغي): استئنافية لا محل لها من الإعراب. وجملة (يبغي): صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. وجملة (تصبه): في محل جزم جواب الشرط. وجملة (صنع): صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. الشاهد: قوله: (الذي يبغي .. تصبْه)؛ حيث ضمّن اسم الموصول "الذي" معنى الشرط فجزم به الفعل على مذهب الكوفيين.
[ ١ / ٣٥٤ ]
و(لَازِم الصَّدْرِ) بكسر الزّاي: اسم فاعل مضاف معطوف علَى (ذِي لَامِ ابْتِدَا) والصّدر مضاف إِليه.
واللَّه الموفق
ص:
٦٣٢ - وَنَحْوُ عِندِي دِرْهَمٌ وَلِي وَطَرْ مُلْتَزَمٌ فِيهِ تَقَدّمُ الخَبَر (^١)
١٣٣ - كَذَا إِذَا عَادَ عَلَيْه مُضْمَرُ مِمَّا بِهِ عَنْهُ مُيِينا يُخبَرُ (^٢)
ش:
سبق أَن الخبر مع المبتدأ علَى ثلاثة أقسام:
١. ما يجوز فيه الوجهان.
٢. وما يجب فيه تأخير الخبر، وقد تقدما.
٣. وهذا هو القسم الّذي يجب فيه تقديم الخبر، فيقدم فِي مواضع:
منها: أَن يكونَ المبتدأ نكرهَ والخبر ظرفًا أَو مجرورًا، نحو: (عندي
_________________
(١) ونحو: مبتدأ. عندي: عند: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وعند: مضاف، وياء المتكلم: مضاف إليه. درهم مبتدأ مؤخر. ولي: الواو عاطفة، لي: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. وطر: مبتدأ مؤخر. ملتزم: اسم مفعول: خبر المبتدأ الذي هو قوله: (نحو) في أول البيت. فيه: جار ومجرور متعلق بملتزم. تقدم: نائب فاعل لقوله: ملتزم، وتقدم: مضاف، والخبر مضاف إليه.
(٢) كذا: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لموصوف محذوف يدل عليه ما قبله، أي: يلتزم تقدم الخبر التزامًا كذا الالتزام. إذا: ظرف للمستقبل من الزمان، تضمن معنى الشرط. عاد: فعل ماض. عليه: جار ومجرور متعلق بعاد. مضمر: فاعل عاد. مما: جار ومجرور متعلق بعاد أيضًا، و(ما): اسم موصول. يه، حنه: متعلقان بيخبر الآتي. مبينًا: حال من المجرور في به. يخبر: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه، والجملة لا محل لها صلة (ما)، وجملة عاد عليه مضمر: في محل جر بإضافة إذا إليها، وهي شرط إذا، وجوابها محذوف يدل عليه سابق الكلام، وتقدير البيت: (يلتزم تقدم الخبر التزامًا كذلك الالتزام السابق إذا عاد على الخبر ضمير من المبتدأ الذي يخبر بذلك الخبر عنه، حال كونه مُبينًا -أي مفسرا- لذلك الضمير). قال ابن غازي: وهذا البيت مع تعقده وتشتيت ضمائره كان يغني عنه وعما بعده أن يقول: كذا إذا عاد عليه مضمر من مبتدا، وما له التصدُّرُ
[ ١ / ٣٥٥ ]
درهم)، و(لي وطر)، و(في الدّار امرأة) .. فوجب تقديمه لتسويغ الابتداء بالنّكرة.
ومنها: أَن يعود عليه ضمير من المبتدأ؛ نحو: (في الدّار صاحبها)، و(عند هند بعلها).
فلو قيل: (صاحبها فِي الدّار)، و(بعلها عند هند) .. عاد الضّمير علَى متأخر لفظًا ورتبة.
وكذا قوله ﵊: "من بركة المرأة تبكيرها بالأنثَى"؛ فـ (تبكيرها): مبتدأُ كلامٍ إِضافي، و(من بركة المرأة): خبر مقدم.
وكذا قول الشّاعرِ:
أَهَابُكِ إِجْلالا وَمَما بِكِ قُدْرَةٌ عَلَيَّ ولكن مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُهَا (^١)
_________________
(١) التخريج: هذا البيت قد نسبه قوم منهم أبو عبيد البكري في شرحه على الأمالي (ص ٤٠١) لنصيب ابن رياح الأكبر، ونسبه آخرون -ومنهم ابن نباتة المصري في كتابه سرح العيون (ص ١٩١) إِلى مجنون بني عامر من أبيات شيقة وهي: ذَكَرتُكِ حَيثُ استَأمَنَ الوَحشُ وَالتَقَت رِفاقٌ مِنَ الآفاقِ شَتّى شُعوُبها وَعِندَ الحَطيمِ قَد ذَكَرتُكِ ذِكرَةً أَرى أَنَّ نَفسي سَوفَ يَأتيكَ حوبُها دَعا المُحرِمونَ اللَّهَ يَستَغفِرونَهُ بِمَكَّةَ شُعثًا كَي تُمَحّى ذُنوبُها وَنادَيتُ يا رَحمَنُ أَوَّلُ سُؤلَتي لِنَفسِيَ لَيلى ثُمَّ أَنتَ حَسيبُها وَإِن أُعطَ لَيلى في حَياتِيَ لَم يَتُب إِلى اللَّهِ عَبدٌ تَوبَةً لا أَتوبُها يَقَرُّ بِعَيني قُربُها وَيَزيدُني بِها عَجَبًا مَن كَانَ عِندي يَعيبُها وَكَم قائِلٍ قَد قالَ تُب فَعَصَيتُهُ وَتِلكَ لَعَمري خَلَّةٌ لا أُصيبُها وَما هَجَرَتكِ النَفسُ يا لَيلَ أَنَّها قَلَتكِ، ولكن قَلَّ مِنكِ نَصيبُها فَيا نَفسُ صَبرًا لَستِ وَاللَّهِ فَاعلَمي بِأَوَّلِ نَفسٍ غابَ عَنها حَبيبُها اللُّغه: أهابُكَ: من الهيبة، وهي المخافة إِجلالًا وإِعظامًا لقدرك. المعنى: إِني لأهابك وأخافك، لا لاقتدارك علي، ولكن إِعظامًا لقدرك؛ لأن العين تمتلئ بمن تحبه فتحصل المهابة. الإِعراب: أهابك: أهاب: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنا، والضّمير البارز
[ ١ / ٣٥٦ ]
فـ (حبيبها): مبتدأ، و(ملء عين): خبر.
وفي الحقيقة: الضَمير لا يعود علَى الخبر كله؛ وإِنما يعود علَى شيء منه، ولكن توسع المصنف فِي قوله: (عليه)، و(به): راجع للخبر، والضّمير فِي (عنهُ): واقع علَى المبتدأ، وتقدير البيت: قدم الخبر إِذا عاد عليه مضمر من المبتدأ الّذي يخبر عنهُ به؛ أَي: بالخبر.
واللَّه الموفق
ص:
ع ١٣ - كذَا إِذَا يَسْتَوْجِبُ التَّصْدِيرا كَأَينَ مَن عَلِمْتَهُ نَصِيرَا؟ (^١)
ش:
يجب أيضًا تقديم الخبر إِذا كَانَ مستوجبًا للتصدير، كأسماء الاستفهام؛ نحو: (كم درهمًا مالُك؟) فـ (مالك): مبتدأ، و(كم درهمًا): خبر مقدم وجوبًا.
_________________
(١) =المتصل مفعول به، مبني على الكسر في محل نصب. إِجلالا: مفعول لأجله. وما: الواو واو الحال، وما: نافية. بك: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. قدرة: مبتدأ مؤخر. عليّ: جار ومجرور متعلق بقدرة، أو بمحذوف نعت لقدرة. ولكن: حرف استدراك. ملْءُ: خبر مقدم، وملء مضاف. عين: مضاف إِليه. حبيبها: حبيب: مبتدأ مؤخر، وحبيب مضاف والضّمير مضاف إِليه. الشاهد: قوله: (ملء عين حبيبها)؛ فإِنه قدم الخبر وهو قوله: (ملء عين) على المبتدأ وهو قوله: (حبيبها)؛ لاتصال المبتدأ بضمير يعود على ملابس الخبر، وهو المضاف إِليه، فلو قدمت المبتدأ -مع أنك تعلم أن رتبة الخبر التأخير- لعاد الضمير الذي اتصل بالمبتدأ على متأخر لفظًا ورتبة، وذلك لا يجوز، لكنك بتقديمك الخبر قد رجعت الضمير على متقدم لفظًا وإِن كانت رتبته التأخير، وهذا جائز، ولَا إِشكال فيه.
(٢) كذا: جار ومجرور متعلق بمحذوف مثل سابقه في أول البيت السابق. إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. يستوجب: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الخبر. التصديرا: مفعول به ليستوجب، والجملة في محل جر بإضافة إذا إليها. كأين: الكاف جارة لقول محذوف، أين: اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم. مَن: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر. علمته: فعل وفاعل ومفعول أول. نصيرا: مفعول ثان لعلم، والجملة لا محل لها صلة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
ولَا يجوز تأخير (كم) بإجماع.
وسيبويه: يعرب (كم): مَبتدأ، و(مالك): خبرًا كما سبق ذكره.
وتقول: (أين زيد؟)، و(متَى سفرك؟)، فـ (أين): خبر مقدم وجوبًا، و(متَى) كذلك.
وكذا: لو قدم علَى الاستفهام مضاف؛ نحو: (غلام مَن أنت؟) فـ (أنت): مبتدأ، و(غلام من): خبره مقدم وجوبًا كالذي قبله.
وقوله: (من): مبتدأ موصول صلته: [الجملة]، والهاء: مفعول أول و(نصيرا): مفعول ثان، و(أين): خبر مقدم كما ذكر؛ لأنه اسم استفهام.
واللَّه الموفق
ص:
٥١٣ - وَخَبَرَ الْمَحْصُوْرِ قَدمْ أَبَدَا كَمَا لَنَا إِلَّا اتِّبَاعُ أَحْمَدَا (^١)
ش:
يجب أيضًا تقديم الخبر إن وقع المبتدأ محصورًا بإِلا أَو بإِنما؛ كقوله: (ما لنا إِلَّا اتباع أحمدا)، فـ (اتباع): مبتدأ مضاف و(أحمد): مضاف إِليه، و(لنا): خبر مقدم.
ونحو: (إِنما عندك زيد) فـ (زيد): مبتدأ، و(عندك): خبر مقدم وجوبًا.
قال فِي "الكافية":
وَكلُّ جُزْءٍ حَصَّرتهُ إِنَّمَا أَوْ لَفْظ إِلَّا مَنَعَ التَّقَدُّمَا
فكل ما حصر: وجب تأخيره مبتدأ كَانَ أَو خبرًا.
_________________
(١) وخبر: مفعول مقدم لـ (قدِّم) الآتي، وخبر مضاف. والمحصور: مضاف إليه. قدم: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. أبدا: منصوب على الظرفية متعلق بقدِّم. كما: الكاف جارة لقول محذوف، وما: نافية. لنا: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. إلا: أداة استثناء ملغاة. اتباع: مبتدأ مؤخر، واتباع مضاف. وأحمدا: مضاف إليه، مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة، لأنه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، والألف للإطلاق.
[ ١ / ٣٥٨ ]
ويجب أيضًا تقديم الخبر إِذا كَانَ المبتدأ (أَنّ)؛ نحو: (فِي علمي أنك صادق) فـ (إِنك صادق): مبتدأ فِي تأويل المصدر، و(في علمي): خبر مقدم، والتّقدير: (صدقك فِي علمي).
ومنه قوله تعالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، التّقدير: (حملنا ذريتهم آية لهم).
فإِن وقع الخبر هنا بعد أما .. جاز التّقديم والتّأخير؛ نحو: (أما فِي علمي فإِنك صادق)، و(أما إِنك صادق ففي علمي).
واللَّه الموفق
ص:
١٣٦ - وَحَذفُ مَا يُعْلَم جَائِزٌ كَمَا تَقُوْلُ زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا (^١)
ش:
إِذا دل دليل علَى المبتدأ .. جاز حذفه، وكذا الخبر.
فالأول: سيأتي.
والثّاني: هو المراد بهذا البيت؛ فإِذا قيل: (مَن عندك؟) .. تقول: (زيدٌ)، التّقدير: (زيد عندي)، فحذف الخبر للدلالة عليه.
قال اللَّه تعالَى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾؛ أَي: وظلها كذلك.
_________________
(١) وحذف: مبتدأ، وحذف مضاف. وما: اسم موصول مضاف إليه، مبني على السكون في محل جر. يعلم: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل: ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى (ما)، والجملة من الفعل المَبْني للمجهول ونائب فاعله: لا محل لها صلة الموصول الذي هو ما. جائز: خبر المبتدأ. كما: الكاف جارة، وما مصدرية. تقول: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت، وما مع مدخولها: في تأويل مصدر مجرور بالكاف، أي: كقولك، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي وذلك كائن كقولك. وزيد: مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: زيد عندنا. بعد: منصوب على الظرفية متعلق بتقول. مَن: اسم استفهام مبتدأ. عندكما: عند: ظرف متعلق بمحذوف خبر عن اسم الاستفهام، وعند مضاف، والضمير الذي للمخاطب: مضاف إليه، والميم حرف عماد، والألف حرف دال على التثنية، والجملة في محل جر بإضافة بعد إليها.
[ ١ / ٣٥٩ ]
وتقول: (خرجت فإِذا الأسد)؛ أَي: حاضر.
وهاهنا كلام آخر يأتي فِي الاشتغال.
وقال الشّاعر:
نَحنُ بِما عِندَنا وَأَنتَ عِندَكَ راضٍ وَالرَّأيُ مُختَلِفُ (^١)
فـ (نحن): مبتدأ، والخبر محذوف، والتّقدير: (نحن بما عندنا راضون)؛ فحذف الخبر لدلالة خبر (أنت) عليه، وهو قوله: (راض).
ومنه قوله تعالَى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، فـ (أحق أَن يرضوه): خبر (رسوله) عند سيبويه، وَلَم يجعله خبر الأول؛ لأنَّ فيه تفريقًا بَينَ المبتدأ والخبر.
وقيل: خبر الأول.
_________________
(١) التخريج: هذا البيت نسبه ابن هشام اللخمي وابن بري إلى عمرو بن امرئ القيس الأنصاري، ونسبه غيرهما -ومنهم العباسي في معاهد التنصيص (ص ٩٩) - إلى قيس بن الخطيم أحد فحول الشعراء في الجاهلية، وهو الصواب، وهو من قصيدة له، أولها قوله: رَدَّ الخَليطُ الجِمالَ فَاِنصَرَفوا ماذا عَلَيهِم لَو أَنَّهُم وَقَفوا وقيس بن الخطيم -بالخاء المعجمة- هو صاحب القصيدة التي أولها قوله: أَتَعرِفُ رَسمًا كَاِطَّرادِ المَذاهِبِ لَعَمرَةَ وَحشًا غَيرَ مَوقِفِ راكِبِ اللغة: الرأي: أراد به هنا الاعتقاد، وأصل جمعه أرآء، مثل سيف وأسياف وثوب وأثواب، وقد نقلوا العين قبل الفاء، فقالوا: آراء، كما قالوا في جمع بئر آبار وفي جمع رئم آرام، ووزن آراء وآبار وآرام أعفال. الإعراب: نحن: ضمير منفصل مبتدأ، مبني على الضم في محل رفع، وخبره محذوف دل عليه ما بعده، والتقدير: نحن راضون. بما: جار ومجرور متعلق بذلك الخبر المحذوف. عندنا: عند: ظرف متعلق بمحذوف صلة "ما" المجرورة محلا بالباء، وعند مضاف والضمير مضاف إليه. وأنت: مبتدأ. بما: جار ومجرور متعلق بقوله: "راض" الآتي. عندك: عند: ظرف متعلق بمحذوف صلة "ما" المجرورة محلا بالباء، وعند مضاف، وضمير المخاطب: مضاف إليه. راض: خبر المبتدأ الذي هو أنت. الرأي: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة. مختلف: خبر مرفوع بالضمة الظاهرة. الشاهد: قوله: (نحن بما عندنا)؛ حيث حذف الخبر -احترازًا عن العبث وقصدًا للاختصار مع ضيق المقام- من قوله: (نحن بما عندنا)، والذي جعل حذفه سائغًا سهلًا: دلالة خبر المبتدأ الثاني عليه.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقيل: خبر الاسمين، لأنَّ أمر الرّسول تابع لأمر اللَّه تعالَى.
واختلف فِي نحو: (زيد وعمرو قائم) فقيل: إن (قائم): خبر الأول.
وقيل: خبر الثّاني، وهو لابن السّراج وابن عصفور، ذكره فِي "همع الهوامع".
واللَّه الموفق
ص:
١٣٧ - وَفِي جَوَابِ كَيْفَ زَيْدٌ قُلْ دَنِفْ فَزَيْدٌ اسْتُغْنيَ عَنْهُ إِذ عُرِفْ (^١)
ش:
سبق جواز حذف الخبر للقرينة، وذكر هنا حذف المبتدأ جوازًا لدليلٍ أيضا؛ كقولك: (دنف) لمن قال: (كيف زيد؟) التّقدير: (هو دنفٌ)، فحذف المبتدأ للقرينة.
قال تعالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾، التّقدير واللَّه أعلم بمراده: (فعمله لنفسه وإِساءته عليها)، فحذف المبتدأ فِي الموضعين.
﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، أَي: (فهم إِخوانكم).
و﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾، أَي: (هي نار حامية).
و﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾، أَي: (هذه سورة أنزلناها).
ونحو قولِ الشّاعرِ:
قَالَ لي كَيفَ أَنْت قلتُ عليلُ (^٢)،
_________________
(١) وفي جواب: جار ومجرور متعلق بقل. كيف: اسم استفهام خبر مقدم. زيد: مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ والخبر مقصود لفظها؛ فهي في محل جر بإضافة جواب إليها. قل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. دنف: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: زيد دنف. فزيد: الفاء للتعليل، زيد: مبتدأ. استغني: فعل ماض مبني للمجهول. عنه: نائب فاعل لاستغني، والجملة من الفعل ونائب الفاعل في محل رفع خبر المبتدأ. إذ: ظرف متعلق باستغني، أو حرف دال على التعليل. عرف: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى زيد المستغنى عنه في الجواب، والجملة في محل جر بإضافة (إذ) إليها.
(٢) التخريج: صدر بيت من الخفيف وعجزه: سَهرٌ دَائِمٌ وَحُزْن طَوِيلُ
[ ١ / ٣٦١ ]
ويحدف وجوبًا فى مواضع:
منها: قطع النّعت الّذي صاحبه معين بدونه؛ نحو: (الحمد لله الحميدُ) بالرّفع؛ أَي: (هو الحميد).
ومنها: حذفه مع مخصوص نعم وبئس المذكور آخرًا، نحو: (نعم الرّجل زيد) فـ (زيد): خبر على أحد الأقوال حذف مبتدؤه وجوبًا، أَي: هو زيد. وحكَى الفارسي: (فِي ذمتي لأفعلن)، التّقدير: فِي ذمتي ميثاق أَو يمين. ومنها: كون الخبر مصدرًا، نحو: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيل﴾ أَي: أمري صبر جميل. ومنه قوله:
فَقَالَت: حَنَانٌ، مَا أَتى بِكَ هَهُنا؟ أَذَو نَسَبٍ أَمْ أنتَ بالحيِّ عَارِفُ؟ (^١)
_________________
(١) =ولم ينسب لقائل، وهو من شواهد "معاهد التنصيص" (١/ ١٠٠). الإعراب: قال: فعل ماض، والفاعل: ضمير مستتر جوازًا تقديره: هو. لي: جار ومجرور، متعلقان بالفعل (قال). كيف: اسم استفهام مبني على الفتح في محل رفع خبر مقدم. أنت: ضمير رفع منفصل في محل رفع مبتدأ مؤخر. قلت: فعل ماض مبني على الفتح وسكِّنَ لاتصاله بالتاء، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل. عليل: خبر المبتدأ المحذوف مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره. الشاهد: قوله: (قلت عليل)؛ حيث حذف المبتدأ للعلم به.
(٢) التخريج: البيت لمنذر بن درهم الكلبي في خزانة الأدب ٢/ ١١٢، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٣٥، وبلا نسبة في أمالي الزّجاجي ص ١٣١، والدّرر اللّوامع ٣/ ٦٦، وشرح الأشموني ١/ ١٠٦، وشرح التّصريح ١/ ١٧٧، وشرح عمدة الحافظ ص ١٩٠، والصّاحبي في فقه اللّغة ص ٢٦٦، والكتاب ١/ ٣٢٠، ٣٤٩، ولسان العرب ١٣/ ١٢٩ (حنن)، والمقاصد النّحوية ١/ ٥٣٩، والمقتضب ٣/ ٢٢٥، وهمع الهوامع ١/ ١٨٩. اللُّغة: الحنان: العطف والرّحمة وليس المراد به هنا اسم امرأة. الععنى: يصوّر الشّاعر غيرة محبوبته الّتي التَقاها مصادفة، فأنكرته خوفًا عليه من قومها الغيارى، ورحمة به لتجشّمه الأهوال، فلقِّنته جوابًا إِذا ما سأله أحد عن سبب مجيئه، وهو النّسب أو المعرفة بالحيّ. الإعراب: فقالت: الفاء: بحسب ما قبلها، قالت: فعل ماضٍ، والتّاء: للتأنيث، وفاعله ضمير مستتر جوازًا تقديره: هي. حنان: خبر لمبتدأ محذوف تقديره أمري. ما: اسم استفهام في محلّ رفع مبتدأ. أتى: فعل ماضٍ وفاعله: هو. بك: جار ومجرور متعلّقان بأتى. ههنا: ها: للتنبيه، هنا: ظرف مكان متعلّق بأتى. أذو: الهمزة للاستفهام، وذو: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أأنت ذو نسب، وهو مضاف. نسب: مضاف إِليه مجرور. أم: حرف عطف. أنت: ضمير منفصل في محلّ رفع مبتدأ. بالحي: جار ومجرور متعلّقان بعارف. عارف: خبر المبتدأ.
[ ١ / ٣٦٢ ]
أي: (أمري حنان)؛ أَي: رحمة.
ومنها: أَن تسمع من يذم زيدًا فتقول: (من أنت زيدٌ؟)، فـ (زيد): خبر لمحذوف، والتّقدير: (من أنت مذكورك زيد).
ومنها: حذفه فِي قولك: (لا سيما زيدٌ)، إِذا رفعته، التّقدير: (لا سيما هو زيد).
ومنها: إذا كَانَ خبره مصدرًا مؤكدًا لنفسه؛ نحو: (لهُ عليَّ ألف أعترافٌ)؛ أَي: و(هذا اعترافٌ).
ويجوز حذف المبتدأ والخبر معًا لدليل، وفي القرآن: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ التّقدير: (واللّائي لم يحضن فعدتهن كذلك)، قاله الفارسي ومن وافقه.
وقال الأخفش: الأولَى أَن يكونَ حُذِفَ الخبر فقط؛ أَي: (واللّائي لم يحضن كذلك).
وإذا دار الأمر بين كون المحذوف مبتدأ أَو خبرًا .. فالأولَى: أَن يكونَ المحذوف مبتدأ؛ لَأنَّ الخبر محط الفائدة، قاله الواسطي.
وقيل عكسه.
واللَّه الموفق
ص:
١٣٨ - وَبَعْدَ لَولَا غَالِبًا حَذْفُ الْخَبر حَتْمٌ وَفِي نَصِّ يَمِينٍ ذَا اسْتقَرْ (^١)
_________________
(١) =وجملة (فقالت): بحسب ما قبلها. وجملة (أمري حنان): في محلّ نصب مفعول به. وجملة (ما أتى بك): استئنافية لا محل لها من الإِعراب. وجملة (أتى بك): في محلّ رفع خبر المبتدأ ما. وجملة (أذو نسب): المؤلفة من المبتدأ المحذوف والخبر: استئنافية لا محلّ لها من الإِعراب. وجملة (أنت بالحي عارف): معطوفة على جملة أذو نسب. الشَّاهد: قوله: (حنان) حيث حذف المبتدأ؛ لكون الخبر مصدرًا.
(٢) بعد: ظرف متعلق بقوله: حتم الآتي، وبعد مضاف. ولولا: مضاف إليه، مقصود لفظه. غالبًا: منصوب على نزع الخافض. حذف: مبتدأ، وحذف مضاف. والخبر: مضاف إليه. حتم، خبر المبتدأ. وفي نص: الواو عاطفة، في نص: جار ومجرور متعلق باستقر الآتي، ونص مضاف. ويمين: مضاف إليه. ذا: اسم إشارة، مبتدأ. استقر: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى اسم الإشارة، والجملة من استقر وفاعله في محل رفع خبر المبتدأ، وتقدير البيت: وحذف الخبر حتم بعد (لولا) في=
[ ١ / ٣٦٣ ]
ش:
إِذا وقع المبتدأ بعد (لولا) و(لوما) .. وجب حذف خبره إِن كَانَ الخبر كونًا
مطلقًا؛ نحو: (لولا زيدٌ لأكرمتك)، التّقدير: (لولا زيد موجود لأكرمتك)، فحذف الخبر للعلم به.
فإن كانَ كونًا مقيدًا ولَا دليل عليه .. وجب ذكره عند المصنف والرّماني
وابن الشّجري والشلوبين؛ نحو: (لولا زيد سالمنا ما سلم) فَلَا يحذف (سالمنا).
وفي الحديث: "لولا قومك حديثوا عهد بكفر لبنيت الكعبة علَى قواعد إِبراهيم"، فلم يحذف الخبر، وهو (حديثوا عهدٍ)؛ إِذ لو حذف .. لم يعلم.
ومنه أيضًا قولُ الشّاعرِ:
لولا ابنُ أَوْسٍ نَأَى ما ضِيمَ صاحِبُهُ (^١)
فلو حذف (نأى) .. لم يعلم.
وقولُ الآخرِ:
لَولَا زُهَيرٌ جَفَانِي كُنتُ مُنتَصِرًا (^٢)
_________________
(١) =غالب أحوالها، وهذا الحكم قد استقر في نص يمين: أي إذا كان المبتدأ يستعمل في اليمين نصًا، بحيث لا يستعمل في غيره إلا مع قرينة.
(٢) التخريج: لشطر من البسيط، وهو بلا نسبة في شرح الأشموني ٣/ ٦٠٩، انظر المعجم المفصل: ١٢/ ٥١٦. الإعراب: لولا: حرف امتناع لوجود. ابن: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة. أوسٍ: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. نأى: فعل ماض مبني على الفتح المقدر للتعذر، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره: هو. ما: حرف نفي. ضيم: فعل ماض مبني للمجهول، مبني على الفتح الظاهر. صاحبه: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والهاء: ضمير متصل مبني على الضم في محل جر بالإضافة. وجملة (لولا ابن أوس): استئنافية لا محل لها. وجملة (نأى): خبر المبتدأ. وجملة (ما ضيم): جواب الشرط غير الجازم لا محل لها. الشاهد: قوله: (لولا ابن أوس نأى)؛ حيث أثبت الخبر بعد لولا هنا وجوبًا ولم يحذفه لكونه خاصًا لا يُعلم عند حذفه.
(٣) التخريج: صدر بيت من البسيط وعجزه: ولم أكن جانحًا للسّلم إن جنحوا=
[ ١ / ٣٦٤ ]
فلو حذف (جفاني) .. لم يُعلَم.
وقولُ الآخرِ:
وَلَولَا بَنُوهَا حَولَهَا لَخَبَطْتُهَا (^١)
فلو حذف (حولها) .. لم يُعلَم.
ومن أمثلة الرّماني: (لولا زيد في داره .. لكان كذا)، قال: لا يجوز حذف (فِي داره)؛ لأنه لم يعلم.
وقد لحَّنوا المعريَّ فِي قولِهِ:
فَلَولَا الغِمدُ يُمْسِكُهُ لَسَالا (^٢)
_________________
(١) =وهو في الأشموني ج ٤/ ٥٠، ولم ينسب لقائل. الإعراب: لولا: حرف امتناع لوجود. زهير: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة. جفاني: فعل ماض، وضمير مفعول به، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره: هو. كنت: فعل ماض ناقص واسمه. منتصرًا: خبر كان منصوب بالفتحة الظاهرة. وجملة (لولا زهير): استئنافية لا محل لها. وجملة (جفاني): خبر المبتدأ. وجملة (كنت منتصرًا): جواب الشرط غير الجازم لا محل لها. الشاهد: قوله: (لولا زهير جفاني)؛ حيث أثبت الخبر لكونه كونًا خاصًا لا يُعلم عند حذفه.
(٢) التخريج: هو للزّبير بن العوّام -﵁-، وتمامه: كخبطةِ عُصفورٍ وَلم أَتَلَعثَمِ اللغة والمعنى: روي عند البعض: (لخطبتها)، بتقديم الطاء، من الخطبة، وعُرف من العجز: أن الصواب: (لخبطتها) بتقديم الباء على الطاء من الخبط. والضمير في بنوها: لزوجته بنت الصدّيق ﵂، وكان الزِّبير ضرابًا للنساء، وكان أولاد أسماء يحولون بينه وبين ضربها. ويقال: خبطت الشجرة: إذا ضربتها بالعصا ليسقط ورقها. وتلعثم في الأمر: تمكث فيه وتأنى، بعين مهملة وتاء مثلثة. الإعراب: ولولا: الواو: حسب ما قبلها، لولا: حرف امتناع لوجود. بنوها: مبتدأ مرفوع بالواو، والهاء: مضاف إليه. حولها: ظرف مكان متعلق بالخبر المحذوف. لخبطتها: اللام: واقعة في جواب الشرط غير الجازم، خبط: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بالتاء، والتاء: ضمير متصل فاعل، والهاء: ضمير متصل مفعول به. وجملة (ولولا بنوها حولها): حسب ما قبلها. وجملة (خبطتها): جواب الشرط غير الجازم لا محل لها. الشاهد: قوله: (لولا بنوها حولها)؛ حيث ذكر الخبر وجوبًا مع كون المبتدأ بعد (لولا)؛ لكونه كونًا خاصًا لا يعلم عند حذفه.
(٣) التخريج: عجز بيت من الوافر للمعري، وصدره: يذيب الرُّعبُ منهُ كلَّ عضبٍ
[ ١ / ٣٦٥ ]
ولَا لحن فيه عند المتقدم ذكرهم، لأنه كون خاص.
وقوله: (فِي نصِّ يَمينٍ ذَا اسْتقَرْ): معناه: أَن المبتدأ إِذا كَانَ نصًا فِي اليمين .. وجب حذف خبره؛ نحو: (لعمرك لأفعلن)، التّقدير: لعمرك قسمي.
فـ (لعمرك): مبتدأ، و(قسمي): خبره حذف وجوبًا، وسد جواب القسم مسده.
ولَا يجوز أَن يكونَ المحذوف مبتدأ، و(لعمرك): خبر؛ لأنه مصاحب للام الابتداء، وحقها أَن تدخل علَى المبتدأ.
ومثله فِي حذف الخبر: (أيمن اللَّه ليقومن زيد)، التّقدير: (أيمن اللَّه قسمي).
وقيل: يجوز هنا أَن يكونَ (قسمي): مبتدأ، وخبره: (أيمن اللَّه).
فإِن كانَ المبتدأ ليس نصًا فِي اليمين جاز إِثبات الخبر وحذفه، كقولك: (عهد اللَّه علَي لأفعلن)، فـ (عهد): مبتدأ، و(علي): خبره، ويجوز: (عهد اللَّه لأفعلن)، وسيأتي بسطه فِي حروف الجر.
_________________
(١) =شواهد التصريح: ١/ ١٧٩، والمقرب لابن عصفور: ١٣، وشروح سقط الزند: ١٠٤ ومغني اللبيب ٤٩٣/ ٣٦٠، ٩٤٢/ ٧٠٢، والأشموني: ١٥٨/ ١/ ١٠٢ وابن عقيل: ٥٧/ ١/ ٢٥١ وشذور الذهب: ١٢/ ٥٩. المفردات الغريبة: يذيب: من الإذابة، وهي إسالة الحديد، ونحوه من الجامدات. الرعب: الفزع والخوف. عضب: هو السيف القاطع. الغمد: قراب السيف وجفنه. المعنى: يقول المعري: إن كل سيف قاطع يذوب في غمده فزعًا وخوفًا من هذا السيف، ولولا أن الغمد يمسكه ويمنعه من السيلان .. لسال وجرى على الأرض من شدة الخوف. الإعراب: يذيب: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة. الرعب: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة. منه: جار ومجرور متعلقان بالفعل يذيب. كلَّ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة. عضبٍ: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. لولا: حرف امتناع لوجود. الغمد: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة. يمسكُه: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والهاء: مفعول به والجملة: في محل رفع خبر المبتدأ. لسالا: اللام واقعة في جواب لولا. سال: فعل ماضٍ، والألف: للإطلاق، والفاعل: هو. الشاهد: قوله: (فلولا الغمد يمسكه)؛ حيث ذكر الخبر، وهو لحن؛ إذ القياس حذفه لكونه معلومًا فالغمد من شأنه أن يمسك السيف ويحفظه. وعند البعض أن الإمساك كون خاص، وعليه: فلا لحن في البيت.
[ ١ / ٣٦٦ ]
تنبيه:
أبو الحسن بن الطّراوة: أَن الخبر: (لأكرمتك) فِي نحو: (لولا زيد لأكرمتك).
والكسائي: أَن (زيد) مرفوع بمضمر، أَي: (لولا حضر زيد لأكرمتك).
والفراء وابن كيسان: أنه مرفوع بنفس (لولا) ذكر ذلك أبو حيان فِي شرح هذا الكتاب.
واعلم: أَن قولهم: (عمرك اللَّه)، أصله: (أسألك بتعميرك اللَّه)، فهو مصدر مضاف لمفعوله.
والاسم الكريم: قيل: أصله (بعمرك اللَّهُ تعميرًا) فاعل، فحذف حروف الجر وزوائد المصدر، فحصل: (عمرَك اللَّه) بنصب (عَمْر) علَى نزع الخافض، ورفع الاسم الكريم.
وقيل: أصله: (عمرك اللَّه تعميرًا)، تحلفه باللَّه وتسأله بطول عمره أَن يفعل، فلما حذف الزّوائد .. انتصب (عَمر) انتصاب المصادر.
فإِد ذكرت اللّام .. رفع علَى الابتداء، نحو: (لعمر اللَّه)، والخبر محذوف؛ أَي: (قسمي) كما سبق.
ومعنى لعمر اللَّه: أحلف ببقاء اللَّه ودوامه ﷿.
وقيل: يجوز نصب الاسم الكريم مفعول، والمعنَى: أما عمرت الله تعميرًا؛ أَي: أقررت لهُ بالدّوام ووصفته بذلك.
والأحسن: رفعه علَى أنه فاعل كما تقدم.
وقيل: معنَى (عمرك الله): أذكرك اللّه تذكيرًا يعمر القلب.
وقوله: (ذا): مبتدأ، والإِشارة به إِلَى الحذف. وقوله: (استقر) فِي موضع رفع خبر عنهُ، وفي البيت تقديم معمول الخبر الفعلي علَى المبتدأ، وكثيرًا ما يرفض؛ فلو قال: (وفي نص يمين استقر) .. لكان أولَى، وفاعل (استقر) حينئذ: يعود علَى الحذف.
واللَّه الموفق
[ ١ / ٣٦٧ ]
ص:
١٣٩ - وَبَعْدَ وَاوٍ عَيَّنَتْ مَفهُوْمَ مَعْ كَمِثلِ: [كُلُّ صَانِع وَمَا صَنَعْ] (^١)
ش:
إِذا عطف اسم بالواو علَى مبتدأ وكانت الواو بمعنى (مع) .. وجب حذف خبر ذلك المبتدأ؛ نحو: (كلُّ صانع وصنعتُه)، و(كلُّ رجل وصنعتُه).
فـ (كل صانع): مبتدأ كلام إِضافي، و(صنعتُه): معطوف علَى المبتدأ، والخبر محذوف وجوبًا لأنه معلوم، فذكره عبث، والتّقدير: (كل صانع وصنعته مقترنان).
وكذا: (كل رجل وصنعته)، و(كل كريم وسماحته)، و(كل ثوب وقيمته).
وكذا بعد دخول النّاسخ؛ كقولِهِ:
فَدَع عَنكَ لَيلَى إِنَّ لَيلَى وَشَأْنْهَا (^٢)
_________________
(١) وبعد: الواو: عاطفة، بعد: ظرف متعلق باستقر في البيت السابق، وبعد مضاف، وواو: مضاف إليه. عينت: عين: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هي، يعود إلى واو، والجملة من عين وفاعله: في محل جر صفة لواو. مفهومَ: مفعول به لعين، ومفهوم مضاف، ومع: مضاف إليه، مقصود لفظه. كمثل: الكاف زائدة، مثل: خبر لمبتدأ محذوف، أي: وذلك مثل. كل: مبتدأ، وكل مضاف. وصانعِ: مضاف إليه. و: عاطفة. ما: يجوز أن تكون موصولًا اسميًا معطوفًا على كل، ويجوز أن تكون حرفًا مصدريًا، وهي ومدخولها في تأويل مصدر معطوف على كل، وجملة صنع وفاعله المستتر فيه على الوجه الأول: لا محل لها صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا.
(٢) التخريج: صدر بيت من الطويل، وعجزه: وَإِن وَعدتك الوَعد لَا يَتيَسّر وهو في التذييل (٢/ ٦٥٦)، وتعليق الفرائد (١٠٨٤)، وشرح التسهيل للمصنف (٢/ ١٦)، وشرح التسهيل للمرادي (١/ ٤٢٦)، والتذييل (٣/ ١٨٧). الإعراب: فدع: الفاء: حسب ما قبلها، دع: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوبًا تقديره أنت. عنك: جار ومجرور متعلقان بالفعل دع. ليلى: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة للتعذر. إن: حرف توكيد ونصب. ليلى: اسم إن منصوب بالفتحة المقدرة للتعذر، والخبر محذوف وجوبًا لاقتران اسم إن الذي هو مبتدأ في الأصل بواو المعية. وشأنها: الواو للمعية، شأنها: مفعول معه منصوب بالفتحة الظاهرة، وها: ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه. وجملة (فدع عنك): حسب ما قبلها. وجملة (إن ليلى وشأنها): استئنافية. الشاهد: قوله: (إن ليلى وشأنها)؛ حيث إنه إِذا عطف اسم بالواو علَى مبتدأ وكانت الواو بمعنَى (مع) .. =
[ ١ / ٣٦٨ ]
والكوفيون والأخفش وأبو الحسن بن خروف: أَن هذا كلام تام لا يحتاج إِلى تقدير خبر، وأن المعنَى: (كل صانع مع صنعته)، و(كل ثوب مع قيمته)، ونحو ذلك.
فإِن لم تكن الواو نصًا فِي المعية .. جار حذف الخبر وذكره، ومن ذكره قول الشّاعر:
وَكلُّ امْرِئٍ وَالمَوتُ يَلتَقِيانِ (^١)
فصرح بـ (يلتقيان)، لأنَّ الواو ليست نصًّا فِي المعية كما ذكر.
وكذا: (زيد وعمرو كالأخوين)، أَو: (زيد وعمرو قائمان)، فهذه الواو يجوز أَن تكون بمعنَى (مع)، وأن لا تكون كذلك .. فليست نصًّا فِي المعية.
واللَّه الموفق
_________________
(١) =وجب حذف خبر ذلك المبتدأ ولو دخل الناسخ على المبتدأكما في الشاهد.
(٢) التخريج: عجز بيت من الطويل، وصدره: تَمَنَّوْا لي الْمَوْتَ الَّذِي يَشْعَبُ الفَتَى وهو للفرزدق في شرح التصريح ١/ ١٨٠، والمقاصد النحوية ١/ ٥٤٣، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في تخليص الشواهد ص ٢١١، وخزانة الأدب ٦/ ٢٨٣. شرح المفردات: يشعب: يصدع ويفرق. المعنى: يقول: تمنوا لي الموت، وإن حدث فذلك شأن كل إنسان حي. الإعراب: تمنَّوا: فعل ماض، والواو: فاعل، والألف فارقة. لي: جار ومجرور متعلقان بتمنوا. الموت: مفعول به منصوب. الذي: اسم موصول في محل نصب نعت الموت. يشعب: فعل مضارع مرفوع بالضمة، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو. الفتى: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة. وكلُّ: الواو حرف استئناف، كلُّ: مبتدأ مرفوع، وهو مضاف، امرئ: مضاف إليه مجرور. والموت: الواو حرف عطف، الموت: معطوف على (كل) مرفوع. يلتقيان: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والألف ضمير في محل رفع فاعل. وجملة: (تمنوا): ابتدائية لا محل لها من الإعراب. وجملة (يشعب): صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. وجملة: (كل امرئ): استئنافية لا محل لها من الإعراب. وجملة (يلتقيان): في محل رفع خبر المبتدأ. الشاهد: قوله: (وكل امرئ والموت يلتقيان)؛ حيث ذكر الخبر الذي هو جملة: يلتقيان، لأن الواو في قوله: (والموت) ليست نصًّا في معنى المصاحبة أو الاقتران، ولو كانت كذلك .. لكان حذف الخبر واجبًا لا معدل للمتكلم عنه، كما في قولك: كل ثوب وقيمته.
[ ١ / ٣٦٩ ]
ص:
٦٤٠ - وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُوْنُ خَبَرَا عَنِ الَّذي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا (^١)
٦٤٦ - كضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا وَأَتَمّ تَبْيِينيَ الْحَق مَنُوْطًا بِالحِكَم (^٢)
ش:
يجب أيضًا حذف الخبر قبل الحال الَّتىِ لا تصلح أَن تكون خبرًا؛ بشرط:
• أَن يكونَ المبتدأ مصدرًا عاملًا فِي مفسر صاحب الحال.
• أَو يكونَ المبتدأ أفعل تفضيل وهو مضاف للمصدر.
فمثال الأول: قول الشّيخ: (ضربي العد مسيئًا)؛ فـ (ضربي): مبتدأ، وهو مصدر مضاف، و(العبد): مفعول عمل فيه المصدر المضاف للفاعل، و(مسيئًا): حال من الضّمير فِي كَانَ المحذوفة، وهو عائد علَى العبد، والتّقدير: (ضربي العبد ثابت أَو موجود إِذا كَانَ مسيئًا)، فـ (ثابت)، أَو (موجود): هو الخبر، و(إِذا): ظرف مضاف لكان، وهو متعلق بـ (ثابت) أَو (موجود)، وقد سدّت الحال مسد الخبر.
_________________
(١) وقبل: الواو عاطفة، وقبل: ظرف متعلق باستقر في البيت الأول، وقبل مضاف. وحال مضاف إليه. لا: نافية. يكون: فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى حال. خبرا: خبر كان، والجملة من يكون واسمه وخبره: في محل جر صفة لحال. عن الذي: جار ومجرور متعلق بخبر خبره: خبر: مبتدأ، وخبر مضاف، والضمير البارز المتصل مضاف إليه. قد: حرف. تحقيق أضمرا: أضمر: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى خبر، والألف للإطلاق، والجملة من أضمر ونائب الفاعل في محل رفع خبر، وجملة المبتدأ والخبر لا محل لها صلة الذي.
(٢) كضربي: الكاف جارة لقول محذوف، ضرب: مبتدأ، وضرب مضاف، وياء المتكلم: مضاف إليه، وهي فاعل المصدر. العبد: مفعول المصدر. مسيئًا: حال من فاعل كان المحذوفة العائد على العبد، وخبر المبتدأ: جملة محذوفة، والتقدير: إذا كان (أي وجد، هو: أي العبد) مسيئًا. وأتم: الواو عاطفة، أتم: مبتدأ، وأتم مضاف وتبيين: من تبييني: مضاف إليه، وتبيين مضاف، وياء المتكلم مضاف إليه، وهي فاعل له. الحق: مفعول به لتبيين. منوطًا: حال من فاعل كان المحذوفة العائد على الحق، على غرار ما قدرناه في العبارة الأولى. بالحِكَم: جار ومجرور متعلق بقوله: منوطًا، والتقدير: أتم تبييني الحق إذا كان (أي وجد، هو: أي الحق) حال كونه منوطًا بالحكم.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وَكانَ هنا تامة ولَا يجوز أَن تكون ناقصة، و(مسيئًا) خبرها، لأنَّ المنصوب بعد (كَانَ) هذه ملتزم فيه التّنكير، والخبر لا يلزم فيه ذلك، وقس علَى هذا المثال ما كَانَ مثله، فالمبتدأ فيه مصدر كما ذكر -وهو الضّرب- وقد عمل فِي مفسر صاحب الحال وهو (العبد)، لأنَّ صاحب الحال هو الضمير المتقدم ذكره، و(العبد) مفسر لذلك الضّمير؛ لأنَّ الضّمير للعبد.
وعن الكوفيين: أنهم يقدرون الخبر فِي هذه المسألة بعد الحال.
وذهب الأخفش: إِلَى أَن الخبر ليس مقدرًا لشيء ممَّا ذكر، وإِنما هو مقدر بمصدر مضاف لصاحب الحال، فالتّقدير عنده: (ضربي العبد ضربه مسيئًا).
وقيل: (ضربي): فاعل لمحذوف، أَي: (ثبت ضربي العبد مسيئًا).
وقيل: مبتدأ لا خبر لهُ.
ويقال فِي الاستقبال: (إِذا كَانَ مسيئًا)، وفي الماضي: (إِذ كَانَ مسيئًا).
والمثال الثّاني: كقولِهِ: (أتمُّ تبيينيَ الحقَّ مَوطًا بِالحِكَم)، فـ (أتم): أفعل تفضيل مبتدأ، و(تبييني): مضاف إِليه وهو مصدر أيضًا مضاف للياء، و(الحق): منصوب بالمصدر المضاف للياء، و(منوطًا): حال من الضمير فِي كَانَ المحذوفة كما سبق.
ومثله: (أخطب ما يكونَ الأمير قائمًا).
واحترز بقوله: (لا يكونَ خَبرًا): عن الحال الَّتي يجوز أَن تكونَ خبرًا عن المبتدأ، نحو: (زيدٌ قائمًا)، فـ (قائمًا): حال من الضّمير الّذي فِي الخبرِ المحذوف جوازًا" أَي: (زيد ثبت قائمًا)، فَلَا يجب حذف هذا الخبر؛ لأن هذه الحال صالحة لأن تكون خبرًا هنا؛ كما تقول: (زيد قائم) كقولهم: (حكمك مسمطًا)؛ أَي: حكمك لك مسمطًا، فحذف الخبر جوازًا؛ إِذ يصح أَن يقول: (حكمك مسمطًا)؛ أي: ثابت.
ومنه قراءة علي ﵁ (ونحن عصبةً)، أَي: ونحن معه عصبة، أَو تثبت عصبة، فحذف الخبر وسدت الحال مسده.
وقول بعض الصّحابة: (كانوا يصلون مع رسول الله -ﷺ- وهم عاقدي أزرهم)؛ أَي: وهم متزرون عاقدي أزرهم، فَلَا يجب حذف الخبر إِلَّا إِذا لم يصلح الحال أَن
[ ١ / ٣٧١ ]
يكونَ خبرًا، كـ (ضربي العبد مسيئًا)، ف (مسيئًا): حال لا يكونَ خبرًا هنا، إِذ لا يقال: (ضربي مسيء)، بَلْ: (زيد مسيء).
وتسد الجملة المقرونة بواو الحال مسد الخبر، كقولِهِ ﵊: "أقرب ما يكونَ العبد من ربه وهو ساجد".
وهو حجة علَى سيبويه فِي منعه أَن يكونَ الحال هنا جملة.
وقالَ الشّاعرُ:
خيْرُ اقْتِرابي مِنَ الْمَوْلى حَلِيْفَ رِضَا وَشَرُّ بُعْدِيَ عنهُ وَهْوَ غَضْبَانُ (^١)
فشطره الأول: نظير قوله: (أتم تبييني الحق منوطًا).
و(شر بعدي): مبتدأ، وقوله: (وهو غضبان): جملة فِي موضع الحال كما فِي الحديث، وسدت مسد الخبر.
وأَجازَ الكسائي مجيئها بغير واو.
_________________
(١) التخريج: ذكره الأشموني في شرحه للألفية ١/ ١٠٤، والسّيوطي في همع الهوامع ١/ ١٠٧، وقال العيني: لم أقف على اسم قائله، وهو من البسيط. اللُّغة: حليف: حليف فعيل من الحِلف بكسر الحاء وسكون اللّام وهو المعاقدة والمعاهدة على التّعاضد والتّساعد والاتفاق. قوله: حليف رضا: أي إِذا كنت أو إِذا وُجدت حليف رضا، قاله العيني. الإعراب: خير: مبتدأ مرفوع. اقترابي: مضاف إِليه، والياء مضاف إِلى اقتراب، وإِضافة اقتراب إِلى الياء إِضافة المصدر لفاعله. من المولي: جار ومجرور متعلق بالاقتراب. حليف: حال تسد مسد خبر المبتدأ، وصاحب هذا الحال ضمير مستتر يقع فاعلًا لفعل محذوف، وهذا الفعل مع فاعله هو الخبر، وتقدير الكلام عند البصريين: خير اقترابي من المولى إِذا كَانَ حليف رضا. رضا: مضاف إيه مجرور بالكسرة المقدرة للتعذر وشر: الواو عاطفة، شر: مبتدأ. بُعدي: مضاف إِليه مجرور بإِضافة المبتدأ إِليه. عنه: جار ومجرور متعلقان بالمصدر السابق. وهو: الواو للحال، هو: مبتدأ. غضبان: خبر المبتدأ. وجملة المبتدأ وخبره: في محل نصب حال سد مسد خبر المبتدأ الذي هو (شر)، وتقديره: (وشر بعدي عن المولى إِذا كَانَ -أي وجد- والحال أنه غضبان). الشاهد: قوله: (وشر بعدي عنهُ وهو غضبان)؛ حيث سدت الجملة الاسمية المقرونة بالواو مسد خبر المبتدأ. وفي هذا حجة على سيبويه حيث منع من ذلك.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وأَجازَ المصنف وقوع الحال فعلا فِي نحو: (ضربي العبد مسيئًا) لضربي العبد يسرق.
ومنعه الفراء.
وأَجازَ الأخفش: (أخطب ما يكونَ الأمير قائمٌ)، علَى أَن (قائم): خبر عن (أخطب)، وفيه مجاز، لأنَّ قائم من صفات الأعيان ووقع خبرًا عن (أخطب).
وكلذا يجب حذف الخبر فِي نحو: (زيد سيرًا سيرًا)، التّقدير: (يسير يسيرًا)، فحذف الخبر لقيام التكرير مقامه.
واللَّه الموفق
ص:
١٤٢ - وَأَخبَرُوا بِاثنَين أَوْ بِأَكْثَرا عَن وَاحِدٍ كَهُمْ سَرَاةٌ شُعَرَا (^١)
ش:
منع ابن عصفور وجماعة من المغاربة تعدد الخبر لمبتدأ واحد، لأنَّ الخبر مُشبةٌ للفاعل؛ إِذ كل واحد منهما جزء ثان من الجملة، والفاعل لا يكونَ إِلَّا واحدًا.
والصّحيح خلافه.
أَجازَ سيبويه: (هذا رجل منطلق)، على أنهما خبران، فيخبر باثنين أَو أكثر عن المبتدأ الواحد.
* فالتّعدد فِي اللّفظ والمعنَى: كقولِهِ تعالَى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
وقولِك: (زيد كاتب شاعر حاسب)، وقول الشّاعر:
_________________
(١) وأخبروا: فعل ماض وفاعله. باثنين: جار ومجرور متعلق بأخبروا. أو: حرف عطف. بأكثرا: جار ومجرور معطوف بأو على الجار والمجرور السابق. عن واحد: جار ومجرور متعلق بأخبر. كهم: الكاف: جارة لقول محذوف، وهي ومجرورها تتعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، وهم: مبتدأ. سراة: خبر أول. شُعَرا: أصله شعراء فقصره للضرورة، وهو خبر ثان، والجملة من المبتدأ وخبريه: في محل نصب مقول القول المقدر.
[ ١ / ٣٧٣ ]
مَنْ يَكُ ذَا بتٍّ فَهَذا بَتِّي مُقَيِّظ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي (^١)
والمانعون يقدرون لكل واحد مبتدأ؛ أَي: (هذا مقيظ، هذا مصيف، هذا مشتي).
ويجوز العطف هنا علَى الصّحيح بالواو؛ كـ: (زيد كاتب وشاعر وحاسب).
و(البت): الكساء الغليظ.
وقولُ الآخِر:
يَنَامُ بإِحدَى مُقلتَيهِ وَيتَّقِي بِأُخرَى المَنايَا فَهوَ يَقظَان هَاجعُ (^٢)
_________________
(١) التخريج: الرجز لرؤبة في ملحق ديوانه ص ١٨٩، وجمهرة اللغة ص ٦٢، والدرر ٢/ ٣٣، والمقاصد النحوية ١/ ٥٦١، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٥٢٥، وتخليص الشواهد ص ٢١٤، والدرر ٥/ ١٠٩، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ٣٣، والكتاب ٢/ ٨٤، ولسان العرب ٢/ ٨ (بتت)، ٧/ ٤٥٦ (قيظ)، ٩/ ٢٠١ (صيف)، ١٤/ ٤٢١ (شتا)، وهمع الهوامع ١/ ١٠٨، ٢/ ٦٧. اللغة: البتّ: الكساء، أو طيلسان من خزّ. المقيّظ: الذي يكفي للقيظ أي الحرّ. المصيف: الذي يكفي للصيف. المشتّي: الذي يكفي للشتاء. المعنى: يقول: إذا كان لامرئ كساءان .. فإن لي كساء يكفيني لجميع الفصول. الإعراب: من: اسم شرط جازم مبنيّ في محل رفع مبتدأ. يك: فعل مضارع ناقص مجزوم، لأنه فعل الشرط، واسمه ضمير مستتر تقديره: هو. ذا: خبر يك منصوب بالألف لأنّه من الأسماء الستّة، وهو مضاف. بتّ: مضاف إليه مجرور. فهذا: الفاء رابطة جواب الشرط، هذا: اسم إشارة في محلّ رفع مبتدأ. بتّي: خبر المبتدأ مرفوع، وهو مضاف، والياء ضمير متّصل في محلّ جرّ بالإضافة. مقيظٌ: خبر أول لمبتدأ محذوف تقديره: هو مرفوع. مصيف: خبر ثان للمبتدأ المحذوف هو. مشتّى: خبر ثالث للمبتدأ هو، والياء للإشباع. وجملة (من يك ): ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة (يك ذا بتّ): في محل رفع خبر المبتدأ. وجملة (فهذا بتّي): في محلّ جزم جواب الشرط. وجملة (هو مقيظ): في محل رفع صفة لبتي. الشاهد: قوله: (فهذا بتّي مقيظ مصيّف مشتي)؛ حيث وردت أخبار متعدّدة لمبتدأ واحد من غير عطف.
(٢) التخريج: البيت لحميد بن ثور الهلالي، من كلمة يصف فيها الذئب. اللغة: مقلتيه: عينيه، المنايا: جمع منية، وهي في الأصل فعيلة بمعنى مفعول من منى اللَّه الشيء يمنيه -على وزن رمى يرمي- بمعنى قدره، وذلك لأن المنية من مقدرات اللَّه تعالى على عباده، وقبله قوله:=
[ ١ / ٣٧٤ ]
• والتعدد في اللفظ فقط، كـ (المان حلو حامض) ولَا عطف فيه، لأنهما كالشيء الواحد، والمعنَى: (الرّمان مز)، فهو مفرد حكمًا.
وأَجازَ الفارسي العطف؛ نظرًا إِلَى تغاير اللّفظ، وتبعه العكبري، قال فِي قوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، (الَّذين): مبتدأ، و(صم بكم): الخبر؛ مثل: (حلو حامض)، والواو لا تمنع من ذلك. انتهَى.
واختلف فِي الضّمير الرّابط هنا:
فقيل: فِي الأول.
وقيل: فِي الثّاني.
وأبو حيان: فِي كل منهما ضمير.
وقيل: الضّمير يعود من معنَى الكلام، وكأنه قيل: (هذا مز).
ولَا يفصل بينهما مطلقًا، ولَا يقدمان علَى المبتدأ، ولَا يتقدم الحامض علَى الحلو؛ خلافًا لبعضهم، ومثله: (زيد أعسر أيسر)؛ أَي: (أضبطُ): يعمل بكلتا يديه.
ويتعدد الخبر بتعدد صاحبه حقيقة؛ كـ (إِخوتك كاتب وحاسب وشاعر).
قال محمد بن أبي الفتح البعلي تلميذ المصنف فِي "شرح جمل عبد القاهر الجرجاني": ومنه قولُ الشّاعرِ:
_________________
(١) =إِذا خافَ جَورًا مِن عَدو رَمَت بِهِ مَخالِبُهُ والجانِبُ المُتواسِعُ وإِن باتَ وَحشًا لَيلَةً لَم يَضِق بِها ذِراعًا وَلَم يُصبِح لَها وَهوَ خاضِعُ الإعراب: ينام: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره هو يعود إلى الذئب. بإحدى: جار ومجرور متعلق بقوله ينام، وإحدى مضاف، ومقلتَي: من مقلتيه: مضاف إليه، ومقلتَي مضاف، والضمير: مضاف إليه. ويتقي: الواو عاطفة، يتقي: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو، يعود إلى الذئب، والجملة معطوفة على جملة (ينام) السابقه. بأخرى: جار ومجرور متعلق بقوله: يتقي. المنايا: مفعول به ليتقي. فهو: مبتدأ. يقظان: خبره. هاجع: خبر بعد خبر. الشاهد: قوله: (فهو يقظان هاجع)؛ حيث أخبر عن مبتدأ واحد، وهو قوله: (هو) بخبرين، وهما قوله: (يقظان هاجع)، من غير عطف الثاني منهما على الأول.
[ ١ / ٣٧٥ ]
يداكَ يدٌ خَيرُها يُرتَجَى وأُخرَى لأعدَائِها غائظة (^١)
وقال ابن قيم الجوزية فِي شرح هذا الكتاب: والاستشهاد به علَى تعدد الخبر لمبيدأٍ واحدٍ وهمٌ (^٢).
واستشهد به بعضهم علَى أنه ممَّا تعدد فيه المبتدأ حكمًا لا حقيقة والحقيقة أظهر، فهو مبتدأ، و(يد): خبر، و(يرتجَى خيرها): صفة ليد، و(أخرى) خبرٌ ثانٍ عطفَ علَى يد، و(غائظة): صفة لـ (أخرَى).
وقيل: تقديرُهُ: (هاتان يداك، إِحداهما يد يرتجَى خيرها، والأخرَى غائظة للأعداء).
وأما تعدده حكمًا .. فكقوله تعالَى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ﴾.
وكَقَولِ الشَّاعرِ:
_________________
(١) التخربج: الشاهد -كما ذكر العيني في شرح الشواهد- أنشده الخليل، وما قيل: إنه لطرفة لم يثبت، وهو من شواهد: التصريح: ١/ ١٨٢، والأشموني: ١٦٦/ ١/ ١٠٦، والعيني: ١/ ٥٧٢، وليس في ديوان طرفة. الشعر والشعراء: ١/ ١٨٥، والخزانة: ١/ ٤١٢، ومعاهد التنصيص: ١٦٤. المفردات الغريبة: يداك: مثنى يد. المعنى: يمدح الشاعر رجلًا بالكرم والجود، ذاكرًا أن إحدى يديه يرتجى منها الخير والبر، ويصفه بالشجاعة، فيذكر أن يده الأخرى غيظ للأعداء، لأنها قوية عليهم. الإعراب: يداك: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف؛ لأنه مثنى، والكاف: مضاف إليه. يد: خبر المبتدأ مرفوع. خيرها: خير: مبتدأ، وهو مضاف، وها: مضاف إليه. يُرتجى: فعل مضارع مبني للمجهول، ونائب الفاعل هو، والجملة: في محل رفع خبر المبتدأ (خيرها)، والجملة الاسمية (خيرها يرتجى): في محل رفع صفة ليد. وأخرى: الواو عاطفة، أخرى: معطوف على يد مرفوع، وعلامة رفعه الضمة المقدرة. لأعدائها: جار ومجرور متعلقان بغائظة الآتي، وها: مضاف إليه. غائظة: صفة لأخرى. الشاهد: قوله: (يداك يد خيرها)؛ حيث تعدد الخبر بتعدد صاحبه، وفي الشاهد كلام ذكره المؤلف.
(٢) إرشاد السالك إلى حل ألفية ابن مالك (١/ ٣٧).
[ ١ / ٣٧٦ ]
وَالعَيش شَحٌّ وَإِشفَاقٌ وتَأمِيلُ (^١)
ويجب العطف فِي هذا كما ترَى.
ويخبر بمفرد وجملة، كـ (زيد كريم جاء).
خلافًا لابن الشّجري فِي "أماليه".
تنبيه:
الشيئان المؤديان لواحد .. يجوز أَن يخبر عنها بمفرده؛ كـ (العينان حسنة)، و(الأذنان صغيرة)، والأصل: (حسنتان وصغيرتان).
وإِنما جاز الإِفراد، لأنَّ العينين حاسة النّظر، والأذنين حاسة السّمع؛ كقولِهِ:
لِمَن زُحلُوقةٌ زُلُّ بِها العَينانِ تَنهَلُّ (^٢)
_________________
(١) التخريج: هذا عجز بيت من البسيط، وصدره: والمَرءُ سَاعٍ لَأمرٍ لَيسَ يُدرِكُهُ وقائله عبدة بن الطيب في ديوانه ٣٢٥، وهو من شواهد شرح التسهيل (١/ ٢٢)، وعبدة هو: يزيد بن عمرو بن وعلة، شاعر مخضرم أدرك الإسلام فأسلم وشهد مع المثنى بن حارثة قتال هرمز (انظر ترجمته في الشعر والشعراء: ١/ ٧٠٥). الإعراب: والعيش: الواو: استئنافية، العيش: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة. شحٌّ: خبر مرفوع بالضمة الظاهرة. وإشفاق: حرف عطف واسم معطوف. وتأميل: مثلها في الإعراب. الشاهد: قوله: (العيش شح وإشفاق وتأميل)؛ حيث إن الحياة والعيش متعددان في المعنى، وإن كانا مفردين في اللفظ، فيجب العطف بالواو كما في الشاهد.
(٢) التخريج: البيت من بحر الهزج، وهو لامرئ القيس في ملحق الشعر المنسوب إليه. والبيت في معجم الشواهد (ص ٢٩٨) وفي شرح التسهيل (١/ ١٠٩) وفي التذييل والتكميل (٢/ ٨٠). وبعد بيت الشاهد قوله: يُنادِي الآخِرُ الأُلُّ أَلَا حُلُّوا ألَا حُلُّوا اللغة: الزحلوقة: أرجوحة الصبيان. زل: أي يزلُّ بها من وقف على حافتها. الألّ: الأول. ألا حلوا: أي انزلوا. المعنى: بيتان قالهما امرؤ القيس عندما رأى -وهو مريض- قبرًا يحفر له. فهو يشبه قبره الذي سيتدلى به بالزحلوقة التي يتدلى عليها الصبيان؛ وليس ذلك فقط، بل إن السابقين يدعون من بعدهم. الإعراب: لمن: جار ومجرور متعلقان بخبر مقدمًا. زحلوقة: مبتدأ مؤخر مرفوع. زلُّ: صفة مرفوعة. بها: جار ومجرور متعلقان بتنهل الآتي ذكره. العينات: فاعل لفعل محذوف يفسره المذكور. تنهل: فعل مضارع=
[ ١ / ٣٧٧ ]
فأفرد الخبر.
ويغني فيه الواحد عن الاثنين، كقولِهِ:
وَعَينٌ لَها حَدرةٌ بَدرَةٌ وَشُقَّت مَآقِيهمَا مِن أُخَر (^١)
فأوقع (عين) موقع (عينين)، بدليل: (مآقيهما).
و(هُمْ): مبتدأ، و(سَرَأةٌ): خبر، و(شُعَرا): خبر ثان.
والسّراة: جمع سري، وهو السّخي ذو المروءة.
واللَّه الموفق
* * *
_________________
(١) =مرفوع، والفاعل ضمير مستتر جوازًا تقديره: هي، يعود على العينان. وجملة (لمن زحلوقة): ابتدائية لا محل لها. وجملة (تنهلُّ): حالية في محل نصب. الشاهدة قوله: (بها العينان تنهل)؛ حيث أخبر عن الاثنين اللذين لا يغني أحدهما عن الآخر بالمفرد.
(٢) التخريج: البيت من المتقارب، وهو لامرئ القيس، الديوان ١٦٦، وجمهرة ابن دريد ٢/ ١٢٠، والتهذيب ٤ - ٤٠٩ واللسان/ حدر. وقبل الشاهد بأبيات قوله: وَأَركَبُ في الرَّوْعِ خَيْفانَةً كَسَى وَجْهَها سَعَفٌ مُنتَشِر اللغة: خيفانة: الْخَيْفَانَةُ: الْجَرَادَةُ قبل أَن يَسْتَويَ جَنَاحَاها، وفرسٌ خَيْفَانَةٌ: سريعةٌ شَبِيهَةٌ بالْجَرَادَة لسُرْعتها. لها: الضمير فيها يعود إلى خيفانة في البيت المذكور. حدرة: واسعة. بدرة: كبيرة. مآقيهما: مثنى موق، وهو طرف العين مما يلي الأنف. المعنى: يقول الشاعر: إنني شجاع لا أهاب، وكلما ناب خطب هرعت إلى فرسي وركبتها مقتحمًا الأهوال، وفرسي لها عينان واسعتان وأطنب في وصفها في الأبيات السابقة. الإعراب: وعين: والواو: حسب ما قبلها، عين: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة. لها: جار ومجرور متعلقان بالخبر المحذوف. حدرة: صفة مرفوعة بالضمة الظاهرة. بدرة: صفة ثانية. وشقت: الواو عاطفة، شقت: فعل ماض مبني للمجهول، والتاء للتأنيث. مآقيهما: نائب فاعل مرفوع، وهما: ضمير مضاف إليه. من آخر: جار ومجرور متعلقان بالفعل شُقَّت. وجملة (وعين لها): بحسب ما قبلها. وجملة (وشقت مآقيهما): معطوفة على ما قبلها لا محل لها. الشاهد: قوله: (وعين مآقيهما)؛ حيث أوقع (عين) موقع (عينين)؛ بدليل: (مآقيهما)، وبذلك أغنى الواحد عن الاثنين.
[ ١ / ٣٧٨ ]