ص:
٩٩١ - أَوَّلَ مِثْلَيْنِ مُحَركَيْنِ فيِ كِلْمَةٍ ادغِمْ لَا كَمِثْلِ صُفَفِ (^١)
٩٩٢ - وَذُلُلٍ وَكِلَلٍ وَلَبَبِ وَلَا كَجُسَّسٍ وَلَا كَاخْصُصَ أبِي (^٢)
٩٩٣ - وَلَا كَهَيْلَلٍ وَشَذَّ فيِ أَلِل وَنَحْوِه فَكٌّ بِنَقْلٍ فَقُبِلْ (^٣)
ش:
الإدْغَامُ لغة: إدخال الشئ فى الشيء، يقال: أدغمته إدغامًا، وادّغمته ادّغامًا بالتشديد فهو مدغم أو مدغّم.
واصطلاحًا: إدخال حرف ساكن في مثله متحرك.
فإذا اجتمع مثلان متحركان في كلمة لا مُصدَّران .. وجب إدغام الأول فى الثاني لا مطلقًا كما سيأتي، سواء كان الأول منهما مضمومًا كـ (حبَّ)، أو مفتوحًا كـ (شدَّ)، أو مكسورًا كـ (مدَّ).
_________________
(١) أول: مفعول تقدم على عامله -وهو قوله: (أدغم) الآتي- وأوَّلَ: مضاف، ومثلين: مضاف إليه. محركين: نعت لمثلين. في كلمة: جار ومجرور متعلق بمحذوف: إما حال من مثلين لكونه قد تخصص بالوصف، وإما نعت ثان له. أَدغِم: فعل أمر، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: أنت. لا: حرف عطف، والمعطوف عليه محذوف، والتقدير: أولَ مثلين محركين أدغم في أوزان مخصوصة لا كمثل- إلخ. كمثل: الكاف زائدة، ومثل: معطوف على المحذوف الذي قدرناه، ويجوز أن تكون (لا) ناهية، فيكون المجزوم بها محذوفًا تقديره لا تدغم، ويكون (مثل) مفعولًا لذلك المحذوف، وهذا الثاني ضعيف؛ لأن حذف المجزوم بلا الناهية ضرورة، ومثل: مضاف، وضُفَف: مضاف إليه.
(٢) وذلل: معطوف على (صفف) في البيت السابق .. وكِلَل، ولَبَب: معطوفان على صفف أيضًا. ولا كجُسَّس: الواو عاطفة، لا: زائدة لتأكيد النفي، كجسس: معطوف على (كمثل صفف). ولا كاخصصَ أبي: مثله.
(٣) ولا كَهَيللٍ: معطوف على ما قبله على نحو ما سبق. وشذ: فعل ماض. فى أَلِلْ: جار ومجرور متعلق بشذ. ونحوه: معطوف على ألل. فكٌّ: فاعل شذ. بنقلٍ: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ (فكٌّ). فقُبِل: الفاء عاطفة، قُبِل: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل: ضمير مستتر فيه جوازًا، تقديره: هو، يعود على فكٌّ.
[ ٤ / ٤٨٥ ]
ونحو: (يرُدُّ)، الأصل: (يرْدُدُ) فنقلت ضمة العين للفاء وأدغم.
وخرج ما تصدر فيه المثلان؛ نحو: (دَدَن) بفتح الفاء والعين وهو: اللَّهو واللعب، ويقال: (ددى) مقصورًا؛ كـ (رَحَى)، و(ددٌ)؛ كـ (دم).
- فإن كان أحد المثلين في كلمة والآخر في كلمة .. كان الإدغام جائزًا؛ نحو: (جَعَل لَّكَ).
وقرئ بالإدغام في: (لا أبرح حتى أبلغ)، (وطبع على قلوبهم).
ويستثنى الهمزتان؛ نحو: (قرأ أحمد).
وأشار بقوله: (لا كَمِثْلِ صُفَفِ) إلى قوله: (وَلَا كَهَيْلَلٍ) إلى أنه يمتنع الإدغام في أشياء:
• فمنها: إذا كان المثلان في كلمة على وزن (فُعَل) بضم الفاء وفتح العين؛ كـ (صُفَف)، و(قُلَل).
• أو على (فُعُل) بضم الأول والثاني كـ (ذُلُل) جمع: (ذلول)، و(سُرُر) جمع: (سرير).
أو على (فِعَل) بكسر الفاء وفتح العين؛ نحو: (كِلَل) جمع: (كِلَة) بوزن: (عِدَة): نوع من الثياب.
• ومثله (عِلَل) جمع (عِلَّة) فامتنع الإدغام؛ لأن هذه الأوزان الثلاثة مخالفة لوزن الأفعال، والإدغام أصل في الأفعال.
• ومنها: (فَعَل) بفتح الفاء والعين؛ نحو: (لَبَب): ما يشد على ظهر الدابة؛ لأنه خفيف فلا يحتاج إلى إدغام.
ومثله: (مَدَدٌ)، و(طَلَل).
وقيل: لو أدغم؛ نحو هذه الأوزان لم يُدرَ هل الأول متحرك وسَكَن لأجل الإدغام، أو ساكن أصالة؛ لأن سكون العين كثير في الأسماء.
ومنها: مما إذا كان الأول مدغمًا فيه؛ نحو: (جُسَّس) بثلاث سينات، الأولى مدغمة، وهو جمع: (جاس) اسم فاعل من: (جَسَّ)؛ فلو أدغمت الثانية في الثالثة .. التقى ساكنان.
ومثله: (رُدّد) جمع (رادّ).
• وكذا إذا كانت حركة الثاني عارضة؛ نحو: (اخصُصَ أبي)، والأصل:
[ ٤ / ٤٨٦ ]
(اخصُصْ)، أي: بسكون الصاد؛ لأنه أمر، و(أبي): مفعوله، فنقلت فتحة الهمزة للصاد الساكنة تخفيفًا.
ومثله: (اُفْكُكَ اخاك).
• وكذا إذا كان ثاني المثلين زائدًا للإلحاق؛ نحو: (هَيلَلَ) إذا أكثر من قول: (لا إله إلا الله) وهو ملحق بـ (دحرج)؛ فلو أدغم .. لخالفه في الوزن.
ومثله: (قَرْدَد): وهو المكان الغليظ، ملحق بـ (جعفر)، والعلة كما سبق.
وأشار بقوله: (وَشَذَّ في أَلِلْ إلى آخره) إلى ما كان قياسه الإدغام، وشذ فيه الفكُّ؛ كقولهم: (ألِلَ السِّقاءُ)؛ إذا تغيرت رائحته.
وكذا (الأسنان)؛ إذا فسدت، وهو بكسر العين.
وقالوا: (دَبَبَ الإنسان): إذا أنبت في وجهه شعر.
و(صكِكَ الفرس): إذا أصابه الصّكَكَ، وهو: عيب فيه.
و(ضبِبَت الأرض): إذا كثر ضبابها.
وقد يكون الفك للتناسب؛ كحديث: "أيَّتُكن صَاحِبَة الجمل الأدبَب؟ تنبحها كلاب الحوأب".
وللضرورة؛ كقول الشاعر:
الْحَمْدُ لِلهِ العَلِيِّ الأَجْلَلِ (^١)
والله الموفق
_________________
(١) التخريج: صدر بيت من الرجز، وعجزه: الواسع الفضلِ الوَهُوب المُجْزِل وهو لأبي النجم في الأغاني ١٠/ ١٥٧، ١٥٨، ١٦٣، ١٦٥، وجمَهرة اللغة ص ٤٧١، وخزانة الأدب ٢/ ٣٩٢، ٣٩٤، والدرر ٦/ ٢٣٨، وشرح التصريح ٢/ ٤٠٣، وشرح شواهد الشافية ص ٣١٣، والطرائف الأدبية ص ٥٧، والكتاب ٤/ ٢١٤، والمقاصد النحوية ٤/ ٥٩٥، وبلا نسبة في الأشباه والأنظار ١/ ٥١، وأوضح المسالك ٤/ ٤١٢، وسر صناعة الإعراب ص ٥٠٣. شرح المفردات: الأجلل: أي الأجلّ. الواسع الفضل: الكثير الإحسان. الوهوب: الكثير الوهب، أي العطاء. المجزل: المكثر. الإعراب: الحمد: مبتدأ مرفوع بالضمة. لله: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ. العلي: نعت الله مجرور بالكسرة. الأجلل: نعت ثان لـ (الله). الواسع: نعت ثالث لـ (الله)، وهو مضاف. الفضل: مضاف إليه مجرور. الوهوب: نعت رابع لـ (الله). المجزل: نعت خامسا لـ (الله) مجرور. الشاهد فيه قوله: (الأجلل)؛ حيث فك الإدغام، لإقامة الوزن، والقياس: (الأجلّ).
[ ٤ / ٤٨٧ ]
ص:
٩٩٤ - وَحَيِىَ اْفْكُكْ وَادَّغِمْ دُوْنَ حَذَرْ كَذَاكَ نَحْوُ تَتَجَلَّى وَاسْتَتَر (^١)
ش:
يجوز والإدغام والفك: في نحو: (حَيِيَ)، و(عَيِييَ).
وضابطه: ما كان المثلان فيه ياءين متحركتين تحريكًا لازمًا.
فالإدغام: على أنهما مثلان متحركان في كلمة.
والفك: على أن اجتماع المثلين هنا بمنزلة العارض؛ لأنهما لا يوجدان إلا في الماضي فقط، والعارض: لا يعتد به؛ ألا ترى أنهما لا يوجدان في نحو: (يحيا)، و(يعيا).
والفك أجود.
وقرئ بالوجهين في: (حىَّ) من قوله تعالى: ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾.
ولا إدغام في نحو: (لن يحيَ)؛ لأن حركة الثاني تزول بزوال الناصب، بل ربما حذفت الحركة مع الناصب؛ كقراءة طلحة بن سليمان: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) بسكون الياء.
ولا إدغام في أصل: (يرعوي) وهو: (يرعَوِوُ)؛ لأن الثانية تقلب ياءً لتطرفها وانكسار ما قبلها.
وأما ما تصدر في أوله تاء؛ نحو: (تتجلَّى)، و(تتلظَّى) .. فقياسه الفك؛ لتصدر المثلين كما سبق.
وذكر الشيخ هنا: أنه يجوز فيه الإدغام، فيدغم الأول في الثاني، ثم يؤتى بهمزة وصل لتعذر النطق بالساكن ابتداء، فيقال: (اِتْجَلَّى)، و(اتْلظَّى).
_________________
(١) وحَيِيَ: قصد لفظه: مفعول تقدم على عامله وهو قوله: (افكك) الآتي. افكك: فعل أمر، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: أنت. وادّغم: فعل أمر معطوف على افكك، وفيه ضمير مستتر وجوبًا: فاعل، وله مفعول محذوف مماثل للمفعول المذكور لافكك. دون: ظرف متعلق بمحذوف حال من الفك والإدغام المدلول عليهما بالفعلين، ودون: مضاف، وحذر: مضاف إليه. كذاك: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. نحو: مبتدأ مؤخر، ونحو: مضاف، وتتجلى: قصد لفظه: مضاف إليه. واستتر: معطوف على تتجلى، وقد قصد لفظه أيضًا.
[ ٤ / ٤٨٨ ]
وقال بعضهم: لا تكون همزة الوصل أول المضارع.
ولم يدغم مثل هذه إلا وصلًا؛ كقراءة البزي: (ولا اتَّبَرَّجن)، و(لا اتَّيَمَّمُوا).
ويجوز الوجهان في نحو: (اقتَتَل)، و(استَتَر)، فإذا أردت الإدغام .. نقلت حركة أول المثلين إلى الفاء، ثم تحذف همزة الوصل للاستغناء عنها، فيقال: (قتّل)، و(ستّر) بالتشديد.
وكذا المصدر والمضارع:
فالفك: (يستتر استتارًا)، و(يقتَتِل اقتتالًا).
والإدغام: (يُستِّر سِتَّارًا)، و(يُقتِّل قتّالًا)؛ بنقل حركة أول المثلين إلى ما قبله، وحذف همزة الوصل من المصدر للاستغناء عنها، فلما كان الأصل في: (ستّر)، و(قتّل): (استتر)، و(اقتتل) .. كان المصدر (سِتّارًا)، و(قِتّالًا).
بخلاف: (ستَّر تستيرًا)، و(قتَّل تقتيلًا) .. فماضيه على (فعَّل) بالتشديد أصالة؛ كـ (قدَّس تقديسًا).
واللَّه الموفق
ص:
٩٩٥ - وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى تَا كَتَبَيَّن العِبَر (^١)
ش:
ما كان في أوله تاءان؛ نحو: (تتجلّى)، و(تتبيّن) .. قد يقتصر فيه على واحدة؛ فرارًا من توالي الأمثال؛ نحو: (تجلّى الشمس)، و(تبيّن العِبَر)، والأصل: (تتجلى الشمس)، و(تتبين العِبَر).
_________________
(١) وما: اسم موصول: مبتدأ. بتاءين: جار ومجرور متعلق بابتُدي. ابتُدي: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل: ضمير مستتر فيه جوازًا، تقديره: هو، يعود إلى الاسم الموصول، والجملة: لا محل لها صلة الموصول. قد: حرف تقليل. يُقتصَر: فعل ماض مبني للمجهول. فيه: جار ومجرور متعلق بيقتصر إما على أنه نائب فاعل له، أو لا ونائب الفاعل: ضمير مستتر فيه، والجملة -على الحالين- في محل رفع خبر المبتدأ. على تا: قصر للضرورة: جار ومجرور متعلق بيقتصر. كتَبَيَّنُ: الكاف جارة لقول محذوف كما سبق مرارًا، تبيّنُ: فعل مضارع. العبر: فاعل تبيَّنُ.
[ ٤ / ٤٨٩ ]
ومنه في القرآن: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾، ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾.
وقول الشاعر:
أَلم تَرَ أَنِّي كُلَّمَا جِئْتُ زَائِرًا وَجَدتُ بِهَا طِيبًا وَإِن لَم تَطيَّبِ (^١)
أصله: (تتطيب).
والبصريون: أن المحذوفة الثانية.
وهشام: الأولى.
وإذا لم تحذف إحداهما .. جاز إدغام الثانية في الحرف الذي بعدها إن كانت مما يدغم في ذلك الحرف؛ نحو: (تذكَّرون)، أصله: (تتذَكّرون)، فأدغمت التاء في الذال.
و(تَساقَط) أصله: (تَتَساقط).
وقد يكون الحرف المدغم إحدى النونين؛ قرأ ابن عامر: و(كذلك نُجِّي المؤمنين) بالتشديد ونون واحدة.
فقيل: أصله: (نُنَجِّي) بفتح الثانية وتشديد الجيم فحذفت هذه الثانية التي هي فاء الكلمة.
وقيل: أصله: (نُنْجي) بسكون الثانية فأدغمت في الجيم.
تنبيه:
أدغم الكسائي اللام فيما بعدها في: (هَل ثُّوِّبَ الكفار ما كانوا يفعلون)، (بَل تُّؤثرون الحياة الدنيا)، (هل تَّنقِمون)، (بل تَّأتيهم)، (هل نَّحن)، (بل نَّتبع)، (بل زَّيَّن)، (بل سَّوَّلت)، (بل ضَّلوا)، (بل طَّبع)، (بل ظَّننتم)؛ نحو: (هَثُّوِّبَ) (بَتُّؤثرون) إلى آخره.
وأدغمت في الراء في قول الشاعر:
_________________
(١) التخريج: تقدم إعرابه وشرحه. والشاهد هنا قوله: (تطيب)؛ حيث حذف منه التاء، وأصله: (تتطيب)، وذلك جائز فرارًا من توالي الأمثال.
[ ٤ / ٤٩٠ ]
عَافَتِ المَاءَ فِي الشِّتَاءِ فَقُلنَا بَرِّدِيهِ تُصَادِفِيهِ سَخِينَا (^١)
الأصل: (بل رديه) من: (ورد الماء وِوْدًا).
وأدغمت الدال أيضًا فيما بعدها، في: (ولقد ذَّرأنا)، و(لقد زَّينا)، (قد سمع الله)، (قد شَّغفها)، و(لقد صَّدق)، (قد ضَّلوا)، (لقد ظَّلمك).
وأدغمت التاء فيما بعدهما في: (بعدت ثَّمود)، (نضجِت جُّلودهم)، (خبت زِّدناهم)، (أنبتت سَّبع سنابل)، (لهدمت صَّوامع).
وقرأ أبو بكر: (يغفِر لَّكم)، بإدغام الراء فى اللام.
وتوقف أبو الفتح: في هذا الأخير.
وفي كلامهم: (هَشَّيءٌ؟) بمعنى: (هل شيء؟)، و(هتَّعيني؟) بمعنى: (هل تعني؟).
وقولهم: أدغمت التاء في السين، والنون في الجيم، ونحو ذلك، إنما هو بعد القلب فانقلبَت مثلًا التاء من جنس ذلك الحرف الذي تدغم هي فيه، ثم تدغم النون جيمًا، ثم تدغم، وكذا إلى آخره.
قال الجاربردي ﵀: ويكون الإدغام في المثلين والمتقاربين لكن بعد أن يصيرا مثلين؛ ليمكن الإدغام. انتهى.
واللَّه الموفق
ص:
٩٩٦ - وَفُكَّ حَيْثُ مُدْغَمٌ فِيهِ سَكَنْ لِكَوْنِهِ بِمُضْمَرِ الرَّفع اقْتَرَانْ (^٢)
_________________
(١) تقدم إعرابه وشرحه، والشاهد فيه هنا قوله: (بَرديه)؛ حيث أدغم اللام في الراء، وأصله: (بل رديه)، وهو مما يلغز به.
(٢) وفُكَّ: فعل أمر، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: أنت. حيثُ: ظرف مكان متعلق بفُكَّ. مدغمٌ: مبتدأ، وسوغ الابتداء به -مع أنه نكرة- عمله فيما بعده. فيه: جار ومجرور متعلق بمدغم على أنه نائب فاعل له لكونه اسم مفعول. سِكَن: فعل ماض، والفاعل: ضمير مستتر فيه جوازًا، تقديره: هو، يعود إلى مدغم الواقع مبتدأ، والجملة من سكن وفاعله المستتر فيه: في محل رفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ والخبر: في محل جر بإضافة حيث إليها. لكونه: الجار والمجرور متعلق بفُكَّ، وكون: مضاف، والهاء: مضاف إليه من إضافة السكون الناقص إلى اسمه. بمضمر: جار ومجرور متعلق باقترن الآتي، ومضمر: مضاف، والرفع: مضاف إليه. اقترن: فعل ماض، وفاعله: ضمير مستتر فيه، والجملة في محل نصب خبر الكون الناقص.
[ ٤ / ٤٩١ ]
٩٩٧ - نَحْوُ حَلَلْتُ مَا حلَلْتَهُ وَفِي جَزمٍ وَشِبهِ الجَزْمِ تَخْيِيرٌ قُفِي (^١)
ش:
يمتنع الإدغام إذا اتصل بالفعل ضمير رفع متحرك أو نون نسوةٍ؛ لأن المدغم فيه يصير ساكنًا؛ نحو: (ردَدْتُ)، و(حلَلْتُ)، و(رَدَدْنا)، و(حَلَلْنا)، و(استحقَقْن)، و(حلَلْن)، و(النساء يردُدْن).
ومن الفك في القرآن مع ضمير الرفع: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾، ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾، ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ﴾، ﴿قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾.
وكذا تاء المخاطبة؛ نحو: (حلَلْتِ يا هند).
ويجوز الإدغام: فيما تقدم في لغة بكر بن وائل، وفيه تعسف لا يخفى.
وقوله: (وَفِي جَزْمٍ وَشِبْهِ الجَزْمِ تَخْيِيرٌ قُفِي) يشير به إلى أن المضارع المجزوم يجوز فيه الوجهان؛ نحو: (لم يحلَّ)، و(لم يحلُلْ)، و(لم يشدَّ)، و(لم يشدُدْ).
وكذا شبه الجزم؛ نحو: (احلُل)، و(اغضُض)، و(حُلَّ)، و(غُضَّ).
والفك: لغة الحجازيين.
وبلغتهم قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾،
﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ﴾، و﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾.
والإدغام: للتميميين.
وبه قوله تعالى: (ومن يرتدَّ منكم عن دينه) في قراءة الأخوين وغيرهما، و﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ﴾ في قراءة السبعة.
تنبيه:
إذا جزم ما في آخره مثلان .. اعتبر الفك.
_________________
(١) نحو: خبر مبتدأ محذوف، ونحو: مضاف، وحَلَلْتُ مَا حَلَلْتَه: قصد لفظه: مضاف إليه، أو يجعل (نحو) مضافًا إلى قول محذوف، وهذا الكلام مقول ذلك القول، وعليه فإعرابه تفصيلًا غيرُ خفيٍّ عليك لتكرره مرارًا. وفي جزم: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. وشبهِ: معطوف على جزم، وشبه: مضاف، والجزم: مضاف إليه. تخيير: مبتدأ مؤخر. قُفِي: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل: ضمير مستتر فيه جوازًا، تقديره: هو، يعود إلى تخيير، والجملة في محل رفع نعت لتخيير.
[ ٤ / ٤٩٢ ]
- فإن كانت العين مفتوحة .. جاز في اللام الفتح والكسر؛ نحو: (لم يعَضَّ) بفتح الضاد وكسرها.
فالفتح: للخفة أو الإتباع؛ لأن الأصل: (لم يعَضْض) بفتح العين، والكسر: لالتقاء الساكنين.
وكذا: (غُضَّ).
- وإن كانت العين مكسورة .. فكذلك على ما سبق ذكره؛ نحو: (لم يفِرَّ وفرَّ)، وأصله: (يفرِر) بكسر العين.
- وإن كان العين مضمومة .. جاز في اللام الضم وغيره.
فالضم: على الإتباع للعين، والفتح: للخفة، والكسر: للساكنين كما تقدم؛ نحو: (لم يردَّ وردَّ).
ومن الضم:
إِذَا أَنْتَ لَم تَنفَعْ فَضُرَّ (^١)
البيت، في رواية يونس.
ويجب الفتح في نحو: (لم يردَّها وردَّها)؛ لأن الهاء خفيفة لا يعتد بها، فكأنّ الألف وَلِيَت الدال، فوجب الفتح.
ويجب الضم في نحو: (لم يردُّه وردُّه).
وحكي الكسر، وقوله:
حَتَّى إِذَا مَدَدتَهُ فَشُدِّهِ إِنَّ أَبَا لَيلَى نَسِيجُ وَحدِهِ (^٢)
و(يشدُّ): من باب (يردُّ) في كون العين مضمومة.
وحكى ثعلب: الأوجه الثلاثة.
_________________
(١) تقدم إعرابه وشرحه.
(٢) التخريج: البيت من الرجز، وهو من شواهد الكتاب غير منسوب لقائل ١/ ٨٨، والزاهر ١/ ١٨٢، ومجالس ثعلب ١/ ١٠٦. الشاهد: قوله: (فشدِّه)، وفيه تفصيل ذكره الشيخ في الشرح.
[ ٤ / ٤٩٣ ]
وحكى الكوفيون: الضم والكسر قبل هاء الغائبة؛ نحو: (يردِّها).
وحكى الأخفش: الكسر قبل هاء الغائب فيما عين مضارعه مفتوحة؛ نحو: (عضَّه).
والأكثر: الكسر قبل الساكن؛ نحو: (رُدِّ الثوب).
وروي بالأوجه الثلاثة قوله:
ذُمَّ المَنَازِلَ بَعدَ مَنزِلَةِ اللِّوَى (^١)
وحكى الكسائي: أنه سمع من عبد القيس الجمع بين همزة الوصل والإدغام؛ نحو: (اُردَّ)، و(اغضّ)، والقياس: (اردُد)، و(اغضُض) حيث تثبت الهمزة.
وإذا اتصل الفعل بالواو، أو الياء، أو نون التوكيد .. وجب الإدغام؛ نحو: (رُدُّوا يا زيدون)، و(رُدِّي يا هند)، (رُدَّنّ يا زيد).
واللَّه الموفق
_________________
(١) التخريج: صدر بيت من الكامل، وعجزه: والعيش بعد أولئك الأيام وهو لجرير في ديوانه ص ٩٩٠ (وفيه الأقوام مكان الأيام)، وتخليص الشواهد ص ١٢٣، وخزانة الأدب ٥/ ٤٣٠، وشرح التصريح ١/ ١٢٨، وشرح شواهد الشافية ص ١٦٧، ولسان العرب ١٥/ ٤٣٧ (أولي)، والمقاصد النحويَّة ١/ ٤٠٨، وبلا نسبة في شرح الأشموني ١/ ٦٣، وشرح ابن عقيل ص ٧٢، والمقتضب ١/ ١٨٥. اللغة: ذمَّ: ضد مدح. اللوى: اسم موضع. المعنى: لا تمدح منزلة بعد منزلة اللوى، ولا عيشًا بعد عيش تلك الأيام التي انقضت في ذلك المكان، أي: لا منازل ترضيه ولا عيش يحلو له إلَّا في منزلة اللوى ومع أهلها. الإعراب: ذُمَّ: فعل أمر مبني على السكون، وقد حُرك بالفتح منعًا من التقاء ساكنين، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنت. المنازل: مفعول به منصوب بالفتحة. بعد: ظرف زمان منصوب متعلق بـ (ذمّ)، أو بمحذوف حال من المنازل، وهو مضاف. منزلة: مضاف إليه مجرور، وهو مضاف. اللوى: مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدرة على الألف للتعذّر. والعيش: الواو: حرف عطف، والعيش: معطوف على المنازل. بعد: ظرف زمان منصوب متعلق بـ (ذمّ)، أو بمحذوف حال من العيش، وهو مضاف. أولئك: اسم إشارة مبني في محل جرّ بالإضافة. الأيام: بدل من أولئك مجرور. وجملة (ذُمَّ): ابتدائية لا محل لها من الإعراب. والشاهد فيه قوله: (ذمَّ) حيث روي بالأوجه الثلاثة.
[ ٤ / ٤٩٤ ]
ص:
٩٩٨ - وَفَكُّ أَفعِلْ فِي التَّعَجُّبِ التُزِم وَالتُزِمَ الإِدْغَامُ أيْضًا فيِ هَلُمّ (^١)
ش:
لما ذكر أن الأمر يجوز فيه الوجهان؛ نحو: (اغضُض)، و(غُضَّ)، وكان أفعل التعجب يشبه الأمر .. أخرجه بقوله: (وَفَكُّ أَفْعِلْ فِي التَّعَجُّبِ التُزِمْ)، فتقول: (أشدِد بزيد)، و(أتمِم بالأمر).
ولا يجوز الإدغام إذ به تزول صيغة التعجب، وأجازه الكسائي فيما نقله أبو حيان.
ويجب الإدغام في: (هلُمَّ)، و(الهاء): فيه للتنبيه.
وأبو البقاء: أصله عند البصريين: (ها اُلمُم) فأدغمت الميم في الميم، وتحركت اللام، يعني: بنقل ضمة الميم إليها، فاستغني عن همزة الوصل فصار: (لمَّ) بالتشديد، ثم حذفت ألف ها؛ إما تخفيفًا، أو لالتقاء الساكنين؛ لأن اللام بعدها في تقدير الساكنة باعتبار سكونها في (ها المم)، فلم تحرك إلا بنقل ضمة الميم إليها، فهي حينئذ عارضة.
وقال الفراء: أصله: (هل أمّ)، فألقيت حركة الهمزة على اللام، ثم حذفت الهمزة فحصل: (هلُمَّ).
واللَّه الموفق
_________________
(١) وفَكُّ: مبتدأ، وفك: مضاف، وأَفعِل: مضاف إليه. في التعجب: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من أَفعِل. التُزم: فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل: ضمير مستتر فيه جوازًا، تقديره: هو، يعود إلى (فك) الواقع مبتدأ، والجملة من التزم ونائب فاعله المستتر فيه: في محل رفع خبر المبتدأ. والتُزم. فعل ماض مبني للمجهول. الإدغام: نائب فاعل لالتزم. أيضًا: مفعول مطلق لفعل محذوف. في هلم: جار ومجرور متعلق بالتزم.
[ ٤ / ٤٩٥ ]
ص:
٩٩٩ - وَمَا بِجَمْعِهِ عُنِيْتُ قَدْ كَمَلْ نَظْمًا عَلَى جُلِّ المُهِمَّاتِ اشْتَمَلْ (^١)
١٠٠٠ - أَحْصَى مِنَ "الْكَافِيَةِ" الخُلَاصَه كَمَا اقْتَضَى غِنًى بِلَا خَصَاصَهْ (^٢)
١٠٠١ - فَأَحْمَدُ اللهَ مُصَلِّيًا عَلَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ نَبِّيٍ أُرْسِلَا (^٣)
١٠٠٢ - وَآلِه الغُرِّ الكِرَامِ البَرَرَه وَصَحْبِهِ المُنْتَخَبِيْنَ الخِيَرَه (^٤)
ش:
كمل هذا الكتاب المبارك نظمًا مشتملًا على جل المهمات والفوائد محتويًا على الخلاصة من كتابه "الكافية الشافية" مقتضيًا لغنى لا يشاب بخصاصة، وهي ضد الغنى، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
ويجوز فتح الغين من (غَنى)، فيكون المعنى كما اقتضى نفعًا؛ إذ لا يوجد أنفع من هذا الكتاب لحافظه؛ لبركة مؤلفه رحمه الله تعالى.
_________________
(١) ما: اسم موصول: مبتدأ. بجمعه: الجار والمجرور متعلق بعُنيت الآتي، وجمع: مضاف، وضمير الغائب مضاف إليه من إضافة المصدر لمفعوله، وجملة عنيت: لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، وجملة. قد كمل: من الفعل مع فاعله المستتر فيه جوازًا، تقديره: هو، يعود إلى (ما) الواقعة مبتدأ في محل رفع خبر المبتدأ. نظمًا: حال من الهاء في بجمعه بتأويل المنظوم. على جل: جار ومجرور متعلق باشتمل، وجل: مضاف، والمهمات: مضاف إليه، وجملة. اشتمل: من الفعل وفاعله المستتر فيه: في محل نصب نعت لقوله: نظمًا.
(٢) أحصى: فعل ماض، والفاعل: ضمير مستتر فيه. من الكافية: جار ومجرور متعلق بأحصى. الخلاصة: مفعول به لأحصى. كما: الكاف جارة، وما: مصدرية، وجملة اقتضى: صلة ما. غنًى: مفعول به لاقتضى. بلا خصاصة: جار ومجرور متعلق بغنى، أو بمحذوف صفة له.
(٣) فأحمد: الفاء للسببية، أحمدُ: فعل مضارع، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره أنا. اللهَ: منصوب على التعظيم. مصليًا: حال من فاعل أحمد. على محمد: جار ومجرور متعلق بقوله: مصليا. خيرِ: نعت لمحمد، وخير: مضاف، ونبي: مضاف إليه، وجملة. أرسلا: من الفعل ونائب الفاعل المستتر فيه جوازًا، تقديره: هو، يعود إلى نبي في محل جر نعت لنبي.
(٤) وآله: معطوف على محمد. الغر: نعت للآل. الكرام، البررة: نعتان للآل أيضًا. وصحبه: معطوف على آله. المنتخبين، الخيرة: نعتان للصحب. والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه.
[ ٤ / ٤٩٦ ]
و(أحصى): ماضٍ، و(الخلاصة): مفعول.
والحمد لله على التمام، وصلى الله على سيدنا محمد خير الأنام وعلى آله وصحبه الغر الكرام، وأدخلنا دار السلام بسلام آمين (^١).
وكتبه بيده الفانية: الفقير محمد الفارضي الحنبلي، حامدًا مصليًا مسلمًا.
ونجز لعشرين خلون من ذي القعدة الحرام من شهور سنة ثمان وخمسين وتسعمائة (^٢).
* * *
_________________
(١) جاء في ختام النسخة (ب): والحمد لله رب العالمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. وانتهت كتابته على يد العبد الفقير إلى الله تعالى عبد اللطيف بن محمد البرهمتوشي، في ثامن شهر رمضان المعظم قدره وحرمة، من شهور سنة سبع وثمانين وتسعمائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، أستغفر الله العظيم.
(٢) وكان الانتهاء من تحقيق هذا الكتاب المبارك في الغوطة الشرقية من بلاد الشام، لخمس وعشرين خلون من شوال، سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة، على صاحبها أزكى الصلاة وأتم السلام، الموافق للتاسع عشر من شهر تموز لعام سبعة عشر وألفين للميلاد، وهي السنة السابعة من سنوات الحرب والحصار التي نشبت في بلادنا، سائلًا المولى ﷿ أن يكشف عنا هذه الغمة، وعن جميع بلاد المسلمين. وأستودِع الله في هذا الكتاب لي ولمن أحب: شهادة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وارض اللَّهم عن زوجتي وأولادي، واحمهم من كل سوء ومكروه آمين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وكتبه الفقير إلى رحمة الله: محمد مصطفى الخطيب.
[ ٤ / ٤٩٧ ]