فصل [تعريف الفعل]
قال صاحب الكتاب: الفعل ما دل على اقتران حدث بزمان، ومن خصائصه صحة دخول "قد"، وحرفي الاستقبال، والجوازم، ولحوق المتصل البارز من الضمائر، وتاء التأنيث الساكنة؛ نحو قولك: "قد فعل"، و"قد يفعل"، و"سيفعل"، و"سوف يفعل"، و"لم يفعل"، و"فعلت" و"يفعلن" و"افعلي" و"فعلت".
* * *
قال الشارح: لمّا فرغ من الكلام على القسم الأوّل في الأسماء، وجب أن ينتقل إلى الكلام على القسم الثاني في الأفعال. وهذا الفصلُ يشتمل منه على شيئين: ما هو في نفسه، وما علاماتُه.
فأمّا الفعل فكلُّ كلمة تدلّ على معنى في نفسها مقترنةٍ بزمان، وقد يضيف قومٌ إلى هذا الحدّ زيادةَ قَيْد، فيقولون: بزمان محصَّل، ويرومون بذلك الفرقَ بينه وبين المصدر، وذلك أن المصدر يدلّ على زمان، إذ الحَدَثُ لا يكون إلَّا في زمان، لكنّ زمانه غير متعيّن كما كان في الفعل. والحقُّ أنّه لا يُحتاج إلى هذا القيد، وذلك من قبل أن الفعل وُضع للدلالة على الحدث وزمان وجوده، ولولا ذلك، لكان المصدر كافيًا، فدلالتُه عليهما من جهة اللفظ، وهي دلالةُ مطابقة.
وقولنا: "مقترن بزمان" إشارة إلى أن اللفظ وُضع بإزائهما دفعة واحدة وليست دلالة المصدر على الزمان كذلك، بل هي من خارح؛ لأن المصدر تُعْقَلُ حقيقته بدون الزمان، وإنّما الزمان من لوازمه، وليس من مقوّماته بخلاف الفعل، فصارت دلالة المصدر على الزمان التزامًا، وليست من اللفظ، فلا اعتدادَ بها، فلذلك لا يحتاج إلى الاحتراز عنه.
وقول صاحب الكتاب في حدّه: "ما دلّ على اقتران حدث بزمان" رديءٌ من وجهَيْن:
أحدهما: أن الحدّ ينبغي أن يُؤْتَى فيه بالجنس القريب، ثمّ بالفصل الذاتيّ، وقوله:
[ ٤ / ٢٠٤ ]
"ما دلّ" فـ"مَا" من ألفاظ العموم، فهو جنس بعيد، والجيّد أن يُقال: "كلمة"، أو "لفظة"، أو نحوهما؛ لأنهما أقربُ إلى الفعل من "مَا".
فإن قلت: "مَا" ها هنا وإن كان عامًّا؛ فالمراد به الخصوص، ووضعُ العامّ موضع الخاصّ جائزٌ، قيل: حاصلُ ما ذكرتم المَجازُ، والحدّ المطلوب به إثباتُ حقيقة الشيء، فلا يستعمل فيه مجازٌ ولا استعارةٌ.
والآخر: قوله "على اقتران حدث بزمان"، لأن الفعل لم يوضع دليلًا على الاقتران نفسه، وإنمّا وضع دليلًا على الحدث المقترن بالزمان، والاقترانُ وُجد تَبَعًا، فلا يُؤْخَذ في الحدّ على ما تقدّم. ثمّ هذا يُبْطَل بقولهم: "القتالُ اليومَ"، فهذا حدثٌ مقترنٌ بزمان، وليس فعلًا، فوجب أن يؤخذ في الحدّ "كلمةٌ" حتى يندفع هذا الإشكال.
وأمّا "خصائصه" فجمعُ "خصيصة"، وهي لوازمه المختصّة به دون غيره، فهي لذلك من علاماته. والفرقُ بين العلامة والحدّ أن العلامة تكون بالأُمور اللازمة، والحدّ بالذاتيّة. والفرق بين الذاتيّ واللازم أن الذاتيّ لا تُفْهَم حقيقةُ الشيء بدونه، ولو قدّرنا انعدامَه في الذهْن، بطلت حقيقةُ ذلك الشىِء، وليس اللازم كذلك، ألا ترى أنّا لو قدّرنا انتفاء الحدث أو الزمان، لبطلت حقيقةُ الفعل؟ وليس كذلك العلامات من نحو"قد" والسين، وسوف، فإنّ عدم صحّة جواز دخول هذه الأشياء عليها لا يقدح في فِعْليّتها، ألا ترى أن فعل الأمر والنهي لا يحسن دخول شيء ممّا ذكرنا عليهما، وهما مع ذلك أفعالٌ؟
فمن خصائص الفعل صحّةُ دخول "قَدْ" عليه، نحوِ: "قد قام"، و"قد قعد"، و"قد يقوم"، و"قد يقعد"، وحرفَي الاستقبال، وهما السين وسَوْفَ، نحوُ: "سيقوم"، و"سوف يقوم". وإنمّا اختصّت هذه الأشياء بالأفعال؛ لأن معانيها في الأفعال، فـ"قَدْ" لتقريب الماضي من الحال، والسين وسوف لتخليص الفعل للمستقبل بعينه، فهي في الأفعال بمنزلة الألف واللام في الأسماء، وكذلك حروف الجزاء، نحوُ: "إن تقم أقم"؛ لأن معنى تعليق الشيء على شرط إنّما هو وقوفُ دخوله في الوجود، على دخول غيره في الوجود، والأسماءُ ثابتة موجودة، فلا يصحّ هذا المعنى فيها؛ لأنها موجودة، ولذلك لا يكون الشرط إلَّا بالمستقبل من الأفعال، ولا يكون بالماضي، ولا الحاضر؛ لأنهما موجودان.
وقوله: "ولحوق المتّصل البارز من الضمائر" إنّما قيّد بالبارز تحرُّزًا من الصفات، نحو: "ضارب"، و"مضروب"، و"حَسَنٍ"، و"شديد"، فإنّ هذه الأسماء تتحمّل الضمائر كتحمّل الأفعال، إلَّا أن الضمير لا تبرز له صورةٌ كما يكون في الأفعال، نحوِ: "ضربتُ"، فالتاء فاعلةٌ، وهو ضمير المتكلّم، و"يَفْعَلْنَ" ضمير جماعة المؤنّث، و"افْعَلِي" ضمير المؤنّثة المخاطَبة، وهو بارز غير مستتر، كما يكون في "ضارب" من قولك: "زيدٌ
[ ٤ / ٢٠٥ ]
ضاربٌ". ألا ترى أنّ في "ضارب" ضميرًا يرجع إلى "زيد"، إلَّا أنه ليس له صورة بارزة، وذلك لقوّة الأفعال الذي اتّصالها بالفاعلين، وكونِها الأصل في تحمُّل الضمير. وهذه الأسماءُ إنمّا تحمّلت الضمير بحكم جَرَيانها على الأفعال، وكونها من لفظها.
وأمّا تاء التأنيث، فنحو: "قامت"، و"ضربت"، وإنمّا قَيَّدَ ذلك بكونها ساكنة؛ للفرق بين التاء اللاحقة للأفعال، وبين التاء اللاحقة للأسماء، وذلك أن التاء إذا لحقت الفعل، فهي لتأنيث الفاعل لا لتأنيث الفعل، فهي في حكم المنفصلة من الفعل، ولذلك كانت ساكنة، وبناءُ الفعل قبلها على ما كان، والتاءُ اللاحقة بالأسماء لتأنيثها في نفسها، فهي كحرف من حروف الاسم، فلذلك امتزجت بها، وصارت حرف إعراب الاسم، تتحرّك بحركات الإعراب، فلذلك جعلها إذا كانت ساكنة من خصائص الأفعال.
فإن قيل: ولِمَ لُقّب هذا النوع فعلًا، وقد علمنا أن الأشياء كلّها أفعال الله تعالى؟ قيل: إنمّا لُقّب هذا القبيل من الكلم بالفعل؛ للفصل بينه وبين الاسم والحرف، وخُصّ بهذا اللقب؛ لأنه دالّ على المصدر، والمصدر هو الفعل الحقيقيّ، فلقّب بما دلّ عليه.
فإن قيل: فإنّه يدلّ على الزمان أيضًا، فهلّا لقّب به. قيل: الفعل مشتقّ من لفظ المصدر، وليس مشتقًّا من لفظ الزمان، فلمّا اجتمع فيه الدلالة على المصدر، وأنّه من لفظه؛ كان أخصّ به من الزمان.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
ومن أصناف الفعل
الماضي
فصل [تعريفه]
قال صاحب الكتاب: وهو الدال على اقتران حدث بزمان قبل زمانك، وهو مبني على الفتح، إلا أن يعترضه ما يوجب سكونه، أو ضمه، فالسكون عند الإعلال ولحوق بعض الضمائر، والضم مع واو الضمير.
* * *
قال الشارح: لمّا كانت الأفعال مُساوِقة للزمان، والزمان من مقوِّمات الأفعال توجَد عند وجوده وتنعدم عند عدمه؛ انقسمت بأقْسَام الزمان. ولمّا كان الزمان ثلاثةً: ماضٍ وحاضر ومستقبل، وذلك من قبل أن الأزمنة حركات الفَلَك، فمنها حركةٌ مضت، ومنها حركة لم تأتِ بعدُ، ومنها حركة تفصل بين الماضية والآتية؛ كانت الأفعال كذلك: ماض، ومستقبل، وحاضر. فالماضي ما عُدم بعد وجوده، فيقع الإخبار عنه في زمان بعد زمان وجوده، وهو المراد بقوله: "الدالّ على اقتران حدث بزمان قبل زمانك"، أي: قبل زمان إخبارك. ويريد بالاقتران وقت وجود الحدث لا وقت الحديث عنه، ولولا ذلك؛ لكان الحدّ فاسدًا. والمستقبل ما لم يكن له وجود بعدُ، بل يكون زمان الإخبار عنه قبل زمان وجوده؛ وأمّا الحاضر فهو الذي يصل إليه المستقبل، ويسري منه الماضي، فيكون زمان الإخبار عنه هو زمان وجوده. وقد أنكر بعض المتكلّمين فعل الحال، وقال: إن كان قد وُجد، فيكون ماضيًا، وإلا فهو مستقبل، وليس ثمّ ثالثٌ. والحقُّ ما ذكرناه، وإن لطُف زمان الحال لما ذكرناه.
وقال: "وهو مبنيّ على الفتح". وللسائل أن يسأل، فيقول: لِمَ بُني الفعل الماضي على الفتح؟ فالجواب أن أصل الأفعال كلّها أن تكون ساكنةَ الآخر، وذلك من قبل أن العلّة التي من أجلها وجب إعراب الأسماء غير موجودة فيها، لأن العلّة الموجبة لإعراب الأسماء الفصلُ بين فاعلها ومفعولها، وليس ذلك في الأفعال إلَّا أن الأفعال انقسمت
[ ٤ / ٢٠٧ ]
ثلاثةَ أقسام: قسمٌ ضارع الأسماءَ مضارَعةٌ تامّةٌ، فاستحقّ به أن يكون معربًا، وهو الفعل المضارع الذي في أوّله الزوائد الأربع، وسيوضح أمر ذلك. والضرب الثاني من الأفعال ما ضارع الأسماء مضارعة ناقصة، وهو الفعل الماضي. والضرب الثالث ما لم يضارع الأسماء بوجه من الوجوه، وهو فعل الأمر.
فإذّا قد تَرتّبت الأفعال ثلاثَ مراتبَ: أوّلها: الفعل المضارع، وحقّه أن يكون معربًا، وآخِرُها فعل الأمر الذي ليس في أوّله حرف المضارعة الذي لم يضارع الاسم ألبتّة، فبقي على أصله، ومقتضى القياس فيه السكون. وتَوسّط حال الماضي، فنقص عن درجة الفعل المضارع، وزاد على فعل الأمر؛ لأن فيه بعض ما في المضارع، وذلك أنه يقع موقع الاسم، فيكون خبرًا، نحو قولك: "زيد قام"، فيقع موقعَ "قائمٌ"، ويكون صفة نحو: "مررت برجلٍ قام"، فيقع موقعَ "مررت برجل قائم". وقد وقع أيضًا موقعَ الفعل المضارع في الجزاء، نحو قولك: "إن قمتَ قمتُ"، والمراد "إن تقمْ أقمْ"، فلمّا كان فيه ما ذكرنا من المضارعة للأسماء والأفعال المضارعة، مُيّز بالحركة على فعل الأمر لفضله عليه، إذ كان المتحرّك أمكنَ من الساكن، ولم يُعْرَب كالمضارع لقصوره عن مرتبته، فصار له حكمٌ بين حكم المضارع وحكم الأمر.
فإن قيل: ولِمَ كانت الحركة فتحة؟ فالجواب أن الغرض بتحرُّكه أن يجعل له مزيّةٌ على فعل الأمر، وبالفتح تصل إلى هذا الغرض كما تصل بالضمّ، والكسر. والفتُح أخفّ، فوجب استعماله. ووجهٌ ثان وهو أن الجرّ لما مُنع من الفعل، وهو كسرٌ عارضٌ، فالكسر اللازم أوّلى أن يمنع، فلهذا لم يجز أن يبنى على الكسر، ولم يجز أن يبنى على الضمّ؛ لأن بعض العرب يجتزىء بالضمّة عن الواو، فيقول في "قامُوا": "قامُ"، كما قال [من الوافر]:
٩٥٦ - فلَوْ أنّ الأطبَّا كانُ حَوْلِي وكانَ مَعَ الأطبّاءِ الأُساةُ
_________________
(١) التخريج: البيت بلا نسبة في الأشباه والنظائر ٧/ ١٩؛ والحيوان ٥/ ٢٩٧؛ وخزانة الأدب ٥/ ٢٢٩، ٢٣١؛ والدرر ١/ ١٧٨؛ ومجالس ثعلب ص ١٠٩؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٥٥١؛ وهمع الهوامع ١/ ٥٨. اللغة: الاطبا: جمع طبيب. الأساة: جمع آس وهو الطبيب الذي يعالج الجرح حتى يبرأ. المعنى: حتى لو كان الأطباء والمشافون والمداوون حولي لما أراحوني مما يؤلم قلبي من العشق، حتى لو قالوا إن المشافين هم الذين يداوون الجروح. الإعراب: "فلو": الفاء: بحسب ما قبلها، "لو": حرف شرط غير جازم. "أن":حرف مشبّه بالفعل. "الأطبا": اسم "أن" منصوب بالفتحة المقدّرة على الالف (أو على الهمزة المحذوفة). "كان": فعل ماضٍ ناقص، والواو المحذوفة: ضمير متصل في محلّ رفع اسمها. "حولي": مفعول فيه ظرف مكان منصوب بفتحة مقدّرة على ما قبل الياء، والياء: ضمير متصل في محلّ جرّ بالإضافة، والظرف =
[ ٤ / ٢٠٨ ]
فلو بُني على الضمّ، لالتبس بالجمع في بعض اللغات، فعُدل عن الضمّ مخافةَ الإلباس والكسرِ لما ذكرناه، فلم يبق إلَّا الفتح، فبُني عليه.
وقوله: "إلَّا أن يعترضه ما يوجب سكونه أو ضمّه"، فالسكون عند الإعلال أو لحوقِ بعض الضمائر"؛ أمّا عند الإعلال فنحوُ "غَزَا"، و"رَمَى" ونحوهما مِمّا اعتلّت لامه من الأفعام الماضية. والأصل: "غَزَوَ"، وَ"رميَ" فتحرّكت الواو والياء، وقبلهما مفتوح، فقُلبتا ألفَين، والألف لا تكون إلَّا ساكنة، فهذا معنى قوله: "عند الإعلال".
وأمّا "لحوق بعض الضمائر" فيريد ضمير الفاعل البارز، نحوَ: "ضربْتُ"، و"ضربْنَا"، و"ضربْتَ"، و"ضربْتُمَا"، و"ضربْتُمْ"، فإنّ لام الفعل تُسكَّن عند اتّصاله به، وذلك لئلاّ يتوالى في الكلمة الواحدة أربع حركات لوازم، نحوَ قولك: "ضَرَبَتُ" لو لم تسكَّن. وقولنا: "لوازم" تحرّزٌ من ضمير المفعول، نحو: "ضَرَبَكَ"، و"ضَرَبَهُ"؛ لأن ضمير المفعول يقع كالمنفصل من الفعل، وقد تقدّم الكلام على ذلك وعلّةِ اختصاص السكون بالآخِر. وأمّا ضمّه، فعند اتّصاله بالواو التي هي ضمير جماعة الفاعلين المذكّرين، نحوِ: "ضربوا"، و"كتبوا"؛ لأن الواو هنا حرف مدّ، لا يكون ما قبلها إلَّا مضمومًا.
فإن قيل: وقد يُقال: "رَمَوْا"، و"غَزَوْا"، فيكون ما قبلها مفتوحًا، قيل: الأصل "رمَيُوا"، و"غَزَوُوا"، فتحرّكت الياء والواو، وانفتح ما قبلهما، فقُلبا أَلفَين، ثمّ وقعت الواو التي هي ضمير الفعل بعدها، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وبقيت الفتحة قبلها تدلّ على الألف المحذوفة. فالفتح في الأفعال الماضية هو الأصل، والإسكان والضمّ عارض فيها لِما ذكرنا، فاعرفه.
_________________
(١) = متعلّق بخبر"كانوا"، أو هو الخبر على رأي ثان، والمصدر المؤول من "أن" وما بعدها في محل رفع فاعل لفعل محذوف تقديره: "ثبت". "وكان": الواو: حرف عطف، "كان": فعل ماضٍ ناقص. "مع": مفعول فيه ظرف مكان منصوب بالفتحة، متعلق بمحذوف خبر "كان" المقدم. "الأطباء": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. "الأساةُ": اسم "كان" مرفوع بالضمّة. وجملة "لو أن الأساة كانوا حولي ما أذهبوا" الشرطية: بحسب ما قبلها. وجملة "ثبت": جملة الشرط غير الظرفي لا محل لها من الإعراب. وجملة "كانوا حولي": في محلّ رفع خبر"أنّ". وجملة "كان الأساة مع الأطباء": معطوفة على سابقتها في محل رفع. والشاهد فيه قوله: "كانُ" حيث حذف الشاعر واو الجماعة، واكتفى بالضمّة دلالة عليها.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
ومن أصناف الفعل
المضارع
فصل [تعريفه]
قال صاحب الكتاب: وهو ما يعتقب في صدره الهمزة والنون والتاء والياء، وذلك قولك للمخاطب أو الغائبة: "تَفْعَلُ"، وللغائب: "يَفْعلُ"، وللمتكلم: "أفْعَلُ"، وله إذا كان مع غيره واحدًا أو جماعة: "نَفْعَل"، وتسمى الزوائد الأربع. ويشترك فيه الحاضر والمستقبل. واللام في قولك: "إن زيدًا ليفعل" مخلصة للحال كالسين أو سوف للاستقبال، وبدخولهما عليه قد ضارع الاسم، فأُعرب بالرفع والنصب، والجزم مكان الجر.
* * *
قال الشارح: هذا القبيل من الأفعال يسمِّيه النحويون المضارع، ومعنى المضارع: المُشابِه، يُقال: "ضارعته، وشابهته، وشاكلته، وحاكيته" إذا صرتَ مثله. وأصلُ المضارعة تقابلُ السَّخْلَيْن على ضَرْع الشاة عند الرضاع، يُقال: "تَضارع السخلان"، إذا أخذ كلّ واحد بحَلَمَة من الضرع، ثمّ اتُّسع، فقيل لكلّ مشتبهَيْن: متضارعان، فاشتقاقُه إذا من "الضرع" لا من "الرضع". والمراد أنه ضارَعَ الأسماءَ، أي: شابهها بما في أوّله من الزوائد الأربع، وهي الهمزة والنون والتاء والياء، نحوُ: "أقوم" و"نقوم"، و"تقوم"، و"يقوم"، فأُعرب لذلك، وليست الزوائد هي التي أوْجبت له الإعرابَ، وإنّما لَمّا دخلت عليه، جعلتْه على صيغة صار بها مشابهًا للاسم، والمشابهةُ أوجبت له الإعراب.
فإن قيل: فمن أين أشبه الاسم؟ فالجواب من جهات: أحدها: أنّا إذا قلنا: "زيدٌ يقوم"، فهو يصلح لزمانَيِ الحال والاستقبال، وهو مبهمٌ فيهما، كما أنك إذا قلت: "رأيت رجلًا"، فهو لواحد من هذا الجنس مبهم فيهم، ثمّ يدخل على الفعل ما يُخلِّصه لواحد بعينه، ويقصره عليه، نحوُ قولك: "زيدٌ سَيقوم، وسوف يقوم"، فيصير مستقبلًا لا غير بدخول السين وسوف، كما أنك إذا قلت: "رأيت الرجل"، فأدخلتَ على الواحد
[ ٤ / ٢١٠ ]
المبهم من الأسماء الألف واللام، قصراه على واحد بعينه، فاشتبها بتعيينهما ما دخل عليهما من الحروف بعد وقوعهما أولًا مبهمَيْن.
ومنها أنه يقع في مواقع الأسماء، ويؤدّي معانيها، نحوَ قولك: "زيدٌ يضرب"، كما تقول: "زيد ضاربٌ"، وتقول في الصفة: "هذا رجلٌ يضرب" كما تقول: "هذا رجلٌ ضاربٌ"، فقد وقع الفعل هنا موقع الاسم، والمعنى فيهما واحد.
والثالث: أنها تدخل عليه لام التأكيد التي هي في الأصل للاسم؛ لأنها في الحقيقة لام الابتداء، نحوَ قولك: "إنّ زيدًا ليَقوم"، كما تقول: "إنّ زيدًا لَقائمٌ". ولا يجوز دخولها على الماضي لبُعْدِ ما بينه وبين الاسم، فلا يُقال: "إنّ زيدًا لَقَامَ" على معنى هذه اللام. فلمّا ضارع الاسمَ من هذه الأوجه؛ أُعرب لمضارَعة المعرب.
وإعرابُه بالرفع والنصب والجزم، ولا جرّ فيه كما لا جزمَ في الأسماء، وهذا معنى قوله: "والجزم مكان الجرّ". وسنذكر علّةَ ذلك بعدُ، فاعرفه.
فصل [إعراب الفعل المضارع الذي من الأفعال الخمسة]
قال صاحب الكتاب: وهو إذا كان فاعله ضمير اثنين، أو جماعة، أو مخاطب مؤنث، لحقته معه في حال الرفع نون مكسورة بعد الألف، مفتوحة بعد أختيها، كقولك: هما يفعلان، وأنتما تفعلان، وهم يفعلون، وأنتم تفعلون، وأنت تفعلين. وجعل في حال النصب كغير المتحرك، فقيل "لن يفعلا"، و"لن يفعلوا"، كما قيل "لم يفعلا"، و"لم يفعلوا".
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه الأمثلة أعني "يفعلان"، و"تفعلان"، و"يفعلون"، و"تفعلون"، و"تفعلين" ليست تثنية للفعل، ولا جمعًا له في الحقيقة، لأن الأفعال لا تُثنَّى، ولا تجمع، لأن الغرض من التثنية والجمع الدلالة على الكثرة، ولفظُ الفعل يُعبَّر به عن القليل والكثير، فلم تكن حاجة إلى التثنية والجمع. وذلك نحو قولك: "قام زيدٌ"، و"ضرب زيدٌ عمرًا"، فيجوز أن يكون قد قام مرّة، ويجوز أن يكون قد قام مرارًا، وكذلك الضرب. ولو وجبت تثنيةُ الفعل أو جمعُه إذا أُسند إلى فاعلَيْن أو جماعةٍ، لجازت تثنيته إذا أُسند إلى واحد، وتكرّر الفعلُ منه، فكان يُقال: "قَامَا زيدٌ" وذلك فاسد.
فإذا كان الفعل نفسُه لا يثنّى ولا يجمع؛ فالتثنيةُ في قولك: "يفعلان"، والجمع في قولك: "يفعلون" إنمّا هي للفاعل لا للفعل، والألفُ في قولك: "يضربان" اسمٌ، وهي
[ ٤ / ٢١١ ]
ضمير الفاعل، وليست كالألف في "الزيدان"؛ لأن الألف في "الزيدان" حرفٌ، وهي في "يضربان" اسمٌ. وكذلك الواو في "يضربون" ونحوه إنّما هي ضمير الفاعل، وليست كالواو في "الزيدون"؛ لأن الواو في "الزيدون" حرف، وهي في "يضربون" اسم. وكذلك الياء في "تضربين".
وكان سيبويه (١) يذهب إلى أن هذه الحروف لها حالتان: حالٌ تكون فيها أسماء، وذلك إذا تقدّمها ظاهرٌ، نحوَ قولك: "الزيدان قاما"، و"الزيدون قاموا"، فالألف في "قاما" اسمٌ، وهو ضمير، والواو في "قاموا" اسم، وهو ضمير، وإذا قلت: "قاما الزيدان"، فالألف في "قاما" علامةٌ مُؤذِنةٌ بأنّ الفعل لاثنين، وكذلك الواو في "الزيدون قاموا" اسمٌ؛ لأنه ضمير الفاعل، وإذا قلت: "قاموا الزيدون"، فالواو حرف، وعلامة مؤذنة بأنّ الفعل لجماعة، وعلى ذلك يحمل قولهم: "أكلُوني البَراغِيثُ"، ومنه قوله [من المتقارب]:
يَلُومونني في اشتراء النَّخِيـ ـل قومي فكلُّهمُ يَعْذُلُ (٢)
ونظير ذلك نون جماعة المؤنّث إذا قلت: "الهندات قُمْنَ"، فالنون ضمير، فإذا قلت: "قُمْنَ الهندات"، فالنون حرف مؤذن بأن الفعل لمؤنّث بمنزلة التاء في "قامت هندٌ". ومنه قول الفرزدق [من الطويل]:
ولكِنْ دِيافِيٌّ أبوه وأُمُّه بحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهْ (٣)
وكان أبو عثمان المازنيّ وجماعة من النحويين يذهبون إلى أن الألف في "قاما"، و"يقومان" حرف مؤذن بأنّ الفعل لاثنين، والواو في "قاموا"، و"يقومون" حرف مؤذن بأنّ الفعل لجماعة، وأنّك إذا قلت: "الزيدان قاما"، و"الزيدون قاموا"، فالفاعل ضمير مستتر في الفعل كما كان كذلك في الواحد من نحوِ: "زيد قام"، إلَّا أن مع الواحد لا يُحتاج إلى علامة، إذ قد عُلم أن الفعل لا يخلو من فاعل؛ فأمّا إذا كان لاثنين أو جماعة، افتقر إلى علامة، إذ ليس من الضرورة أن يكون الفعل لأكثر من واحد.
والصحيح المذهب الأوّل، وهو رأي سيبويه؛ لأنك إذا قلت: "الزيدان قاما"، فقد حلّت هذه الألف محلَّ "غلامُهما" إذا قلت: "الزيدان قام غلامُهما"، فلمّا حلّت محلَّ ما لا يكون إلَّا اسمًا، قضي بأنّها اسم.
فأمّا الياء في "اضْرِبي"، و"اخْرُجِي" ونحو ذلك، فإنّها اسم أيضًا، وهو ضمير فاعلٍ مؤنّثٍ. وكثيرٌ من النحويين يذهبون إلى أنها حرف علامة تأنيث، والفاعلُ مستكنّ كما كان في المذكّر كذلك، نحوَ: "قُمْ"، و"اذْهَبْ". والصحيح المذهب الأوّل؛ لأنها تسقط
_________________
(١) الكتاب ١/ ٣١٩.
(٢) تقدم بالرقم ٤٤٢.
(٣) تقدم بالرقم ٤٤٤.
[ ٤ / ٢١٢ ]
في حال التثنية، نحوِ: "اضْرِبَا"، و"اخرجا". ولو كانت علامة، لم تسقط بضمير التثنية كما لم تسقط في "قامَتَا"، و"ضَرَبتَا".
والنون لحقت علامة للرفع في هذه الأمثلة الخمسة، وجعلوا سقوطها علامةً للجزم. والنصبُ محمول عليه كما حُمل النصب على الجرّ في تثنية الأسماء وجمعها، لأن الجرّ والجزم نظيران، وهذا معنى قوله: "وجُعل في حال النصب كغير المتحرّك" يريد بغير المتحرّك: المجزومَ.
فإن قيل: ولِمَ كان إعراب هذه الأفعال بالحروف؟ قيل: المقتضي لإعراب هذه الأفعال قبل اتّصال هذه الضمائر بها موجودٌ قائمٌ، فوجب إعرابها لذلك، وكان حرف الإعراب من هذه الأفعال قد تَعذّر تحمّله حركاتِ الإعراب لاشتغاله بالحركات التي يقتضيها ما بعده. ألا ترى أن الألف في نحو "يضربان" لا يكون ما قبلها إلَّا مفتوحًا، فلا يمكن إعرابه؛ لأنّك لو أعربته، ومن جملة الإعراب الجزمُ الذي هو سكون، فكان يلتقي ساكنان، فكان يؤدّي إلى حذف الألف التي هي ضمير الفاعل، فكانت الألف أيضًا تنقلب واوًا في حال الرفع لانضمام ما قبلها، وكذلك الواو كان يلزم أن تسقط في الجزم. فلمّا نبا حرفُ الإعراب عن تحمُّل حركات الإعراب، ولم يمكن أن تكون في هذه الحروف التي هي ضمائر، لأنها أجنبيّة في الحقيقة من الفعل، فجُعل ما بعدها وهو النون، إذ كان الفاعل يتنزل منزلةَ الجزء من الفعل، وإذا كان ضميرًا متصلًا، اشتدّ اتّصالُه بالفعل وامتزاجُه به، فلم يُعْتَدّ به فاصلًا.
وإنّما خُصّت النون بذلك، لأنها أقرب الحروف إلى حروف المدّ واللين، وكانت مكسورة مع ضمير الاثنين، نحوَ: "يضربانِ"، و"تضربانِ"، وذلك لالتقاء الساكنين كما كان كذلك في ثنية الأسماء، لا فرق بينها.
وكانت مع الواو والياء في مثل "يضربونَ"، و"تضربينَ" مفتوحة؛ لثقل الكسرة بعد الياء والواو، كما كان كذلك في الجمع، نحو: "الزيدون"، و"العمرين". فإذا قلت: "يضربان"، و"تضربان"، و"يضربون" و"تضربون"، و"تضربين"، كان مرفوعًا لا محالةَ، ولا تحذف هذه النون إلَّا لجزمٍ ونصبٍ، ولا تثبت إلَّا لرفع. فأمّا ما أنشده أبو الحسن من قول الشاعر [من البسيط]:
٩٥٧ - لولا فوارسُ من نُعْمٍ وأُسْرَتُهُمْ يَوْمَ الصُّلَيْعاء لم يُوفُون بالجارِ
_________________
(١) التخريج: البيت بلا نسبة في الجنى الداني ص ٢٦٦؛ وخزانة الأدب ١/ ٢٠٥، ٩/ ١٠٣، ١١/ ٤٣١؛ والدرر ٥/ ٦٨؛ وسر صناعة الإعراب ١/ ٤٤٨؛ وشرح الأشموني ٣/ ٥٧٦؛ وشرح شواهد المغني ٢/ ٦٧٤؛ وشرح عمدة الحافظ ص ٣٧٦؛ ولسان العرب ٩/ ١٩٨ (صلف)، والمحتسب ٢/ ٤٢؛ والمقاصد النحوية ٤/ ٤٤٦؛ وهمع الهوامع ٢/ ٥٦.
[ ٤ / ٢١٣ ]
فشاذّ، فسبيله عندنا على تشبيه "لَمْ" بـ"لَا". ومثله قول الآخر [من مجزوء الكامل]:
٩٥٨ - أن تَهْبِطِينَ بِلادَ قو مٍ يَرْتَعُونَ من الطّلاحِ
فهذا على تشبيه "أن" بـ"مَا" المصدريّة. وهذا طريق الكوفيين؛ فأمّا البصريون فيحملونه وأشباهَه على أنها المخفّفة من الثقيلة، وتخفيفها ضرورة، والضمير فيها ضمير الشأن والحديثِ، والمراد: أنه تهبطين، فاعرفه.
_________________
(١) = اللغة: نعم: قبيلة من قبائل العرب. صليعاء: تصغير "صلعاء" ويوم الصلعاء: موقعة الصليعاء. وتروى (الصليغاء) وهي موقعة كذلك. المعنى: إن رجال نعم هم الذين جعلوهم يحافظون على عهد الجوار. الإعراب: "لولا فوارس": "لولا": حرف امتناع لوجود، و"فوارس": مبتدأ مرفوع بالضمة. "من نعم": جار ومجرور متعلقان بصفة محذوفة لـ"فوارس". "وأسرتهم": الواو: عاطفة، "أسرة": اسم معطوف على "نعم" مرفوع بالضمة، والهاء: ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و"الميم": للجماعة. "يوم": ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بالفعل (يوفي). "الصليعاء": مضاف إليه مجرور بالكسرة. "لم يوفون": "لم" حرف جزم مهمل بمعنى ما، و"يوفون": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو: ضمير متصل في محل رفع فاعل. "بالجار": جار ومجرور متعلقان بالفعل (يوفون). وجملة "لولا فوارس لم يوفوا": ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. وجملة "فوارس موجودون": جملة الشرط غير الظرفي لا محلّ لها من الإعراب. وجملة "لم يوفون بالجار": جواب شرط غير جازم لا محلّ لها من الإعراب. والشاهد فيه قوله: "لم يوفون" حيث جاءت "لم" نافية غير جازمة، وقيل: ضرورة شعرية.
(٢) التخريج: البيت للقاسم بن معن في المقاصد النحوية ٢/ ٢٩٧؛ وخزانة الأدب ٨/ ٤٢١؛ وبلا نسبة في الأزهية ص ٦٥؛ ورصف المباني ص١١٣؛ وسرّ صناعة الإعراب ٢/ ٤٤٨؛ ولسان العرب ٢/ ٥٣٢ (طلح)، ٩/ ١٩٨ (صلف)، ١٣/ ٣٦ (أنن). اللغة: زعيم: كفيل. نويقة: تصغير ناقة، وهي أنثى الجمل. الرزاح: السقوط من الإعياء والهزال. المنون: الموت. الطلاح: نوع من الشجر. الإعراب: "أنْ": مخفّفة من "أنّ" الثقيلة، واسمها ضمير محذوف تقديره: "أنّك" أو ضمير شأن محذوف. "تهبطين": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والياء: ضمير في محل رفع فاعل. "بلاد": مفعول به منصوب، وهو مضاف. "قوم": مضاف إليه مجرور بالكسرة. "يرتعون": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو: ضمير في محلّ رفع فاعل. "من الطلاح": جار ومجرور متعلقان بـ"يرتعون". وجملة "تهبطين": في محلّ رفع خبر "أن". وجملة "يرتعون": في محلّ جرّ نعت "قوم". والشاهد فيه قوله: "أن تهبطين" حيث أعمل "أن" المخفّفة عمل "أنّ" الثقيلة فرفعت اسمًا لها وهو كاف الخطاب المحذوف، أو ضمير الشأن، ولم يفصل بين "أنّ" وخبرها أي فاصل.
[ ٤ / ٢١٤ ]
فصل [بناء المضارع]
قال صاحب الكتاب: وإذا اتصلت به نون جماعة المؤنث، رجع مبنيًا، فلم تعمل فيه العوامل لفظًا، ولم تسقط كما لا تسقط الألف والواو والياء التي هي ضمائر، لأنها منها، وذلك قولك: "لم يضربن"، و"لن يضربن". ويبنى أيضًا مع النون المؤكدة، كقولك: "لا تضربَنَّ" و"لا تضربَنْ".
* * *
قال الشارح: اعلم أن هذه النون تلحق آخرَ الفعل علامةً للجمع والضميرِ في نحو قولك: "الهندات قُمْنَ، ويَقُمْنَ"، وعلامة للجمع مجرّدة من الضمير في نحو "قمن الهندات" على ما تقدّم شرحه. فإذا تقدّم الظاهر، كانت النون اسمًا وضميرًا. وإذا تقدّم الفعل، كانت حرفًا مؤذنًا بأنّه لجماعة مؤنّثة، إلَّا أنها إذا اتّصلت بفعل مضارع، أعادته مبنيًا على حاله الأوّل من البناء على السكون، وإن كانت العلّة الموجبة للإعراب، وهي المضارَعة قائمة موجودة، حملًا له على الفعل الماضي من نحو: "جلسْتُ"، و"ضربْتُ". فكما أُسْكن ما قبل الضمير، وهو لام الفعل، كذلك أسكن في المضارع تشبيهًا له به، لأنه فعلٌ كما أنه فعل، وآخِرهُ متحرّكٌ كما أن آخر "فَعَلَ" متحرّك. قال سيبويه (١):وليس ذلك فيها بأبعد إذ كانت هي و"فَعَلَ" شيئًا واحدًا مِن "يَفْعَلُ"، إذ جاز فيها الإعراب حين ضارعت الأسماءَ، وليست بأسماء. يعني أنه ليس حملُ المضارع في تسكين آخِره على الماضي، وهما حقيقة واحدة من جهة الفعليّة، بأبعد من حمل الأفعال المضارعة على الأسماء في الإعراب، وهما حقيقتان مختلفان.
وتفتح هذه النون؛ لأنها نون جمع كما تفتح نون الجمع في قولك: "الزيدون"، و"العمرون". فإذا قلت: "هنّ يَضْرِبْنَ"، كان الفعل في محلّ رفع، وإذا قلت: "لن يَضْرِبْنَ"، كان في موضع نصب، وإذا قلت: "لم يضربن"، كان في محلّ مجزوم، وذلك لأن موجب الإعراب موجود، وذلك لأن المضارعة قائمة، وإنّما وُجد مانعٌ منه، فحُكم على محلّه بالإعراب.
ولا تسقط هذه النون لجزم ولا لنصب كما سقطت تلك النون، لأنها ضمير كالواو في "يضربون"، والألف في "يضربان". فكما لا تسقط الواو والألف هناك، كذلك لا تسقط ها هنا. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٢)، فأثبت النون لأنها ضمير، وليست علامة رفع كالتي في "لم يضربوا"، و"لن يضربوا".
_________________
(١) الكتاب ١/ ٢٠.
(٢) البقرة: ٢٣٧.
[ ٤ / ٢١٥ ]
ونظير هذه النون في بناء الفعل عند اتّصالها به نونُ التأكيد الخفيفة والثقيلة في نحو: "واللهِ لَيقومَنَّ، وليضربَنَّ، وليقومَنْ، وليضربَنْ". وذلك من قبل أن الأصل في الأفعال أن تكون مبنيّة، وإنّما أُعْرِب منها ما أُعرب للشَّبَه بالاسم. فإذا دخلت عليها نون التأكيد، أكّدتْ معنى الفعليّة، ومكّنتْه، فغلب جانبُ الفعل، وبعُد من الاسم، فعاد إلى أصله.
ونحوه ما لا ينصرف، إنمّا مُنع من الصرف لشَبَه الفعل، فإذا دخلت عليه الألف واللام، أو أُضيف، بَعُد من الفعل، وتَمكّنت فيه الاسميّةُ، فعاد إلى أصله من دخول الجرّ والتنوين اللذَيْن كانا له في الأصل، هذا مع ما في التركيب من الخروج عن التمكّن، وسيوضح أمرُ ذلك في الحروف، إن شاء الله.
[ ٤ / ٢١٦ ]
ذِكر وجوه إعراب المضارع
فصل [وجوه إعراب الفعل المضارع]
قال صاحب الكتاب: هي الرفع والنصب والجزم، وليست هذه الوجوه بأعلام على معان كوجوه إعراب الإسم، لأن الفعل في الإعراب غير أصيل، بل هو فيه من الاسم بمنزلة الألف والنون من الألفين في منع الصرف، وما ارتفع به الفعل وانتصب وانجزم، غير ما استوجب به الإعراب، وهذا بيان ذلك.
* * *
قال الشارح: لَمّا وجب للأفعال المضارِعة أن تكون معربة بالحمل على الأسماء والشبَهِ لها، وكان الإعرابُ جنسًا تحته أنواعٌ؛ كان القياس أن يدخلها جميع أنواعه من الرفع والنصب والجرّ كما كان في الاسم كذلك، إلَّا أن الجرّ امتنع من الأفعال لأمرَيْن:
أحدهما: أن الجرّ يكون بأدواتٍ يستحيل دخولها على الفعل، وهي حروف الجرّ والإضافةِ، فحروف الجرّ لها معان من التبعيض والغاية والمِلْك وغير ذلك مِمّا لا معنى له في الأفعال؛ وأمّا الإضافة فالغرض بها التعريف أو التخصيص، والأفعال في غاية الإبهام والتنكير، فلا يحصل بالإضافة إليها تعريفٌ، ولا تخصيص، فلم يكن في الإضافة إليها فائدة.
الأمر الثاني: أن الفعل يلزمه الفاعل، ولا يفارقه، والمضاف إليه داخل في المضاف ومن تمامه، وواقعٌ موقع التنوين منه، ولا يبلغ من قوّة التنوين أن يقوم مقامه شيئان قويّان.
فإن قيل على الوجه الأوّل: كما أن الجرّ لا يكون إلَّا بأدوات يستحيل دخولها على الأفعال، فكذلك الرفع والنصب في الأسماء، إنما هما للفاعل والمفعول، ولا يكونان إلَّا بالأفعال وحروفٍ يستحيل دخولُها على الأفعال، ومع ذلك فقد دخلا الأفعالَ على غير ذَيْنك الحدّين بأدوات غير أدواتهما في الأسماء، فهلّا كان الجرّ كذلك يدخل الأفعال على غير منهاجه في الأسماء وبأدوات غير أدواته في الأسماء؟
فالجواب: أن الرفع والنصب في الأسماء، الأصلُ فيهما أن يكونا للفاعلين
[ ٤ / ٢١٧ ]
والمفعولين، وقد يكونان لغيرهما على سبيل الشبَه بهما، ويكون لهما أدوات مَجازية، ولا يصير المرفوع بها فاعلًا حقيقةً، ولا المنصوب مفعولًا حقيقة، وذلك في نحوِ: "كان زيد قائمًا"، ألا ترى أن "زيدًا" ها هنا ليس بفاعل وقع منه فعلٌ، ولا "قائمًا" مفعول وقع به فعل، وإنما ذلك على سبيل التشبيه اللفظي؟ وكذلك "إنّ زيدًا قائم" مشبَّهان بالفاعل والمفعول، وكذلك المبتدأ والخبر يُرفعان على التشبيه بالفاعل، وعاملُهما معنى غير لفظ، وليس كذلك الجرّ، فإنه لا يكون إلَّا بحروف الجرّ أو بالإضافة.
فلمّا كان الرفع والنصب قد تُوسّع فيهما في الأسماء، وجاءا على غير منهاج الفاعل والمفعول على سبيل التشبية؛ جاز أن يكونا في الأفعال المشابِهة للأسماء، وجُعل لهما أدوات غير أدوات الأسماء، ولم يكن الجرّ كذلك، لأن أدواته في الأسماء على منهاج واحد لا تختلف، فلمّا لم يتسعوا فيه اتساعَهم في الرفع والنصب، امتنع دخوله في الأفعال، ولم يُجعل له أدوات غير تلك الأدوات، فجُعل الجزم فيها مكانه، وساغٍ دخوله عليها إذ كان حذفًا وتخفيفًا، إذ الأفعال ثقيلة، فلذلك صار إعراب الأفعال ثلاثة: رفعًا ونصبًا وجزمًا.
وقوله: "وليست هذه الوجوه بأعلام على معان كوجوه إعراب الاسم" يعني أن الإعراب في الاسم إنما كان للفصل بين المعاني، فكلُّ واحد من أنواعه أمارةٌ على معنى، فالرفعُ علم الفاعليّة، والنصب علم المفعوليّة، والجرّ علم الإضافة، وليس في الأفعال كذلك، وإنما دخل فيها لضرب من الاستحسان ومضارَعةِ الاسم، ولم يدلّ الرفع فيها على معنى الفاعلية، ولا النصب على معنى المفعولية، كما كان في الأسماء كذلك.
وقوله: "بل هو فيه من الاسم بمنزلة الألف والنون من الألفَيْن في منع الصرف" يعني أن منزلة دخول الإعراب في الأفعال المضارِعة بمنزلة الألف والنون في "سكرانَ"، و"عطشانَ"؛ لأن الألف والنون إنما منعتا الصرف لشبههما بألفي التأنيث في نحو: "بَيْضاءَ"، و"حمراء"، وإن كان منعُ الصرف في ألفي التأنيث إنما هو للتأنيث ولزومه، وليس منع الصرف في نحو "سكران"، و"عطشان" كذلك، بل بالحمل على ألفي التأنيث، كما كان دخول الإعراب في الأسماء لحاجة الأسماء إليه في الفصل بين المعاني، وفي الأفعال على غير هذا المنهاج.
وقوله: "وما ارتفع به الفعل وانتصب وانجزم غيرُ ما استوجب به الإعرابَ"، يريد أن الرفع فيه بعامل، وهو وقوعه مع الاسم، والنصب بالنواصب، والجزم بالجوازم؛ فأمّا الإعراب فيه، وهو استحقاقه لدخول هذه الأنواع عليه، فبالمضارعة، فاعرفِ الفرق بين موجِب الرفع وغيره من أنواع الإعراب، وبين موجب الإعراب نفسه، ولا تغلطْ، وسيوضح أمر العوامل بعدُ، إن شاء الله تعالى.
[ ٤ / ٢١٨ ]